صياغة العقد وفق الأنظمة السعودية

صياغة العقد في المملكة، تختلف عن صياغتها في معظم دول العالم، ويعود السبب في ذلك إلى اختلاف النظام السعودي، واعتماده على الشريعة الإسلامية، التي تختلف كثيرا عن قوانين الدول الأخرى، فصياغة العقد من قبل قانوني لم يمارس العمل القانوني في السعودية من شأنه ولادة عقد هجين، لا تفهمه المحاكم السعودية، وأحيانا غير قابل للتطبيق، وكثيرا ما ينطوي العقد على شروط باطلة وفق الأنظمة السعودية، لذا يجب الاستعانة بمحام له خبرة في الأنظمة السعودية.

إن كانت العقود تبنى على الثقة بين الأطراف، إلا أن الثقة بذاتها ليست كافية لمنع النزاع، فحسن صياغة العقد بطريقة عادلة وسليمة بين الطرفين، يضمن عدم حصول خلافات، وحتى إن حصل خلاف فحله يكون يسيراً، فما على العاقدين سوى الرجوع للعقد، وهذا يتطلب صياغة قانونية سليمة ودقيقة، تعالج كافة جوانب العقد، وهو ما يتطلب إعداد العقد من قبل خبير، فضعف إعداده مدعاة للذهاب للمحاكم، بينما يكفي في حسن إعداده، قراءة بضعة أسطر، يجد فيها المنازع حلا للخلاف.

أولاً: مفهوم العقد:

ثانياً: مفهوم صياغة العقد:

ثالثاً: ما هي متطلبات صياغة العقود:

رابعاً: أهمية الصياغة الدقيقة للعقود:

خامساً: بعض البيانات الواجب ذكرها في العقد ومدى أهميتها:

سادساً: مدى الحاجة إلى متخصص لصياغة العقد:

من القواعد القانونية الراسخة أن ” العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني “، تلك القاعدة تنبئ عن مدى أهمية الصياغة القانونية السليمة للعقود، فمباني العقد وألفاظه يجب أن تكون مرتبطة ارتباطاً لا يقبل التجزئة بنية طرفي العقد، معبرة عما استقر في مكنون طرفي العلاقة التعاقدية، حتى لا تشير الألفاظ إلى مفاهيم مختلفة عن تلك التي اتجهت إليها نية المتعاقدين، الأمر الذي يفتح الباب على مصراعيه أمام النزاعات والذي قد يؤول إلى إهدار الحقوق وضياعها.

فالعقود تُعد واحدة من أهم الوسائل التي يعتمد على الأشخاص في مختلف نواحي حياتهم، وهناك العديد من العقود التي تحتل درجة عالية من الأهمية، ومن ثم فإنه يجب أن ينصب جل الاهتمام، على صياغتها حتى يُحدد في العقد – تحديداً دقيقاً –، حقوق كل طرف والتزاماته، درءً للمنازعات وحفظاً للحقوق.

أولاً: مفهوم العقد:

العقد هو كل اتفاق بين شخصين أو أكثر بهدف ترتيب آثار قانونية إما بإنشاء التزام أو نقله أو إلغائه أو تعديله، فالعقد ينشأ بمقتضى اتفاق بين طرفين يكون أحدهم الموجب وهو الذي يتولى عرض إبرام العقد، والآخر هو القابل والذي قبل عرض الموجب، وعرض الإيجاب وقبوله قد يكون بصورة صريحة سواء تم ذلك بواسطة القول أو الكتابة أو الإشارة أو يكون بصورة ضمنية يُستفاد من الظروف والمُلابسات المحيطة بالموجب.

أما القبول فإنه من الممكن أن يُعبر عنه – أيضاً – بصورة صريحة أو ضمنية، بل ومن الممكن أن يُعبر عنه بالسكوت في بعض الأحيان، فإذا كان السكوت في حد ذاته لا يصلح أن يكون تعبيراً عن الإرادة إلا أن هناك حالات يكون فيها السكوت ملابساً يصلح لأن يعبر عن إرادة قبول إبرام العقد، كما في تلك الحالة التي يتمخض فيها الإيجاب عن منفعة من وجه إليه، فإن سكوت الطرف الآخر في هذه الحالة ينبئ عن قبوله لإبرام العقد الذي لا يترتب على إبرامه إثقاله بثمة التزام مثل عقد الهبة.

وحتى يكون التعبير عن الإرادة منتجاً لأثره في إبرام العقد يتعين أن يكون كل من الطرفين أهلاً لإبداء هذا التعبير، بأن يكونا بالغين سن الرشد وإلا اعترى العقد المبرم بينهم البطلان، فإذا كان أحد الطرفين ناقص الأهلية فإن العقد إذا كان مُعاوضة دائر بين النفع والضرر فإنه يكون باطلاً وفقا لرأي الحنفية وموقوف على إجازة الولي أو الوصي عند جمهور الفقهاء، وإذا كان العقد ضار ضرراً محضاً لناقص الأهلية فإنه يكون باطلاً، وإذا كان أحد طرفي العقد عديم الأهلية لم يبلغ سن السابعة عشر من عمره لأدى ذلك إلى بطلان العقد بطلان مطلقاً.

فإذا كان العاقدين أهلاً للتعاقد فإن تعبير كل منهم عن إرادته يجب أن يكون صحيحاً لا يعتريه أي من عيوب الإرادة وإلا أصبح العقد عُرضة للإبطال، فإذا كان التعبير عن الإرادة الصادر عن أحد طرفي العقد يعتريه الغلط أو التدليس أو الإكراه أو الاستغلال لأدى ذلك إلى تمكنه من المُطالبة بإبطال العقد إذا تحققت شروط توافر تلك العيوب.

بالإضافة إلى ذلك يتعين أن يكون محل العقد مشروعاً غير مُخالف للقانون أو لأحكام الشريعة الإسلامية وأن يكون المحل معلوماً لطرفي العلاقة القانونية وهو ما يتحقق برؤية المعقود عليه أو بالإشارة إليه أو بوصفه وصفاً دقيقاً، حيث أن جهالة المعقود عليه تؤثر على صحة التعاقد. فضلاً عن وجوب أن يكون محل العقد موجداً أثناء التعاقد، حيث أنه – وفقاً للقاعدة العامة – لا يجوز التعاقد على معدوم باستثناء عقد السلم وعقد الاستصناع.

ثانياً: مفهوم صياغة العقد:

إن صياغة العقد لا تقف عند النواحي الشكلية من ضبط المصطلحات وتدقيق العبارات وملاحظة الجوانب اللغوية وتصنيف أحكامها وترتيبها في اتساق ووضوح بما يكفل للعقد الدقة وحسن الصياغة وكمال التنسيق، بل أن الصياغة تعني مراجعة بنود مشروع العقد بما يشمل مراجعة الإجراءات التي سبقته والتي تعتبر جزءاً لا يتجزأ منه وذلك للتبين من مدى مطابقتها للقانون ومدى تأثيرها على صحة العقد حتى يمكن تطهير العقد من كافة ما يشوبه من العيوب التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إبطاله.[1]

فهناك مرحلة هامة تسبق مرحلة إبرام العقد وهي التي يُطلق عليها مرحلة التفاوض، تلك المرحلة تحوي بين طياتها العديد من الأمور الجوهرية التي تؤثر على مضمون العقد بل وصحته، ذلك أن تلك الفترة هي التي يُعبر فيها الطرفين عن إرادتهما ليأتي بعد ذلك المرحلة التالية والتي تتمثل في صياغة العقد بما يجسد بيان تلك الإرادة، فإن اختلفت معاني مفردات الصياغة عما اتجهت إليه الإرادة لأدى ذلك إلى القول بأن هناك عيب من عيوب الإرادة اعترى إرادة المتعاقدين مما يؤدي إلى إمكانية إبطال التعاقد.

فهناك عدد لا نهائي من العقود التي يمكن إبرامها، فإذا حدث أن أحد الطرفين قد كان يقصد إبرام عقد في حين قصد الطرف الأخر إبرام عقد مُغاير لأدى ذلك إلى إمكانية إبطال العقد لوقوع المتعاقدين في غلط، ومثال ذلك أن يتفق طرف مع أخر أن يمكنه من الإقامة في منزله والانتفاع به مدة خمس سنوات نظير مبلغ مالي مُعين، ففي هذا المثال من الممكن أن يكون الطرف الأول معتقداً أنه يبرم عقد إيجار مع الطرف الثاني، في حين يعتقد الأخير أنه يبرم عقد بيع لحق الانتفاع مع الطرف الأول، وغني عن البيان أن هناك اختلاف جوهري بين عقدي بيع حق الانتفاع والإيجار.

وفي مثال أخر قد يتفق فيه الطرف الأول مع الطرف الثاني أن يتولى الأخير إدارة أملاك الطرف الأول نظير منح الطرف الأول قدر من عائد إدارة تلك الأموال، ففي هذا المثال قد يلتبس الأمر ويختلف المتعاقدين على أن نية أحدهم كانت قد اتجهت إلى إبرام عقد إيجار، في حين اتجهت نية الطرف الآخر إلى إبرام عقد وكالة.

ثالثاً: ما هي متطلبات صياغة العقود:

هناك العديد من الأمور الجوهرية التي يجب مراعاتها قبل الشروع في صياغة العقود لمنع اندلاع النزاعات مستقبلاً ولحفظ حقوق كل من الطرفين، ومن هذه المتطلبات ما يلي:

1- استخلاص الغايات المستهدفة من إبرام العقد:

فالعاقدين لم يشرعا في إبرام عقد ما إلا بغية تحقيق غرض معين، فيتعين بداية الوقوف على هذا الغرض وهو ما يمكن الوصول إليه من خلال مُطالعة الإجراءات التحضيرية والاتفاقات التمهيدية التي عقدهما الطرفان قبل الشروع في صياغة العقد.

فإذا ما تم الكشف بوضوح عن الغرض من إبرام العقد تأتي المرحلة التالية والتي تتمثل في اختيار العقد الأمثل الذي يحقق تلك الغاية مع وصف ما انتواه المتعاقدين في العقد وصفاً دقيقاً ليتطابق تكييف العقد المكتوب مع ما اتجهت إليه نية أطراف العلاقة التعاقدية.

2- تحليل شروط التعاقد:

فهناك العديد من الشروط التي يتجه الطرفين إلى وضعها في العقد المبرم بينهم، فيتعين بداية تحليل تلك الشروط وبيان مدى تأثيرها على التزامات كل من الطرفين بل وعلى صحة العقد، حيث يوجد بعض الشروط التي تكون غير ذي قيمة من الناحية القانونية نظراً لنص القانون على بطلانها، وذلك مثلاً إذا اتفق الشركاء في شركة التضامن على أن يوردوا نصاً في العقد مؤداه اقتصار مسئوليتهم على مقدار ما قدموه من حصص في الشركة، فهذا الشرط يبطل ويكون عديم الأثر في مواجهة دائني الشركة الذين يكون لهم الحق في التنفيذ على جميع أموال الشركاء دون الاقتصار على الحصص المقدمة منهم في الشركة.

بل وهناك بعض الشروط التي تؤثر على صحة العقد برمته، وذلك مثل وضع شرط في عقد الشركة يكون بمؤداه حرمان أحد الشركاء من الأرباح أو إعفائه كلية من الخسائر، فهذا الشرط يُعرف في النطاق القانوني بشرط الأسد، وهو يؤدي إلى بطلان الشركة برمتها في بعض التشريعات المقارنة مثل التشريع المصري، أما في القانون السعودي فإن البطلان في هذه الحالة يقتصر على الشرط فقط دون الشركة، وهو ما قرره نظام الشركات السعودي بموجب (المادة 9) والتي نصت على أن: (دون الإخلال بما تقضي به الفقرة (2) من هذه المادة، يتقاسم جميع الشركاء الأرباح والخسائر، فإن اتفق على حرمان أحد الشركاء من الربح أو على إعفائه من الخسارة، عُدَّ هذا الشرط كأن لم يكن، وتطبق في هذه الحالة أحكام المادة (الحادية عشرة) من النظام).

والأكثر من ذلك أن هناك بعض العقود التي يترتب على إبرامها ليس فقط بطلانها وإنما يصل الأمر إلى توقيع جزاءات على مبرم العقد، وذلك مثل إبرام عقد يؤدي إلى إشراك الأجانب في تملك العقارات في المملكة العربية السعودية، وهذا ما يتبين من مُطالعة قرار مجلس الوزراء رقم 477 والذي قرر فيه أن: (ومن ثم فإن مساهمة الأجانب مع السعوديين في عقارات داخل المملكة لا يُعد باطلاً فحسب، وإنما يُرتب جزاءات عقابية بالنسبة للطرفين).

إذن فمن الأهمية بمكان أن يتم تحليل بنود وشروط التعاقد لتكييفها تكيفاً سليماً للوقوف على مدى صحتها ومدى مطابقتها لأحكام القانون حتى لا يترتب على مخالفتها بطلان التعاقدات وانهيار العلاقات القانونية بل وفي بعض الأحيان توقيع الجزاءات على المتعاقدين.

3- الصياغة المحكمة للجمل:

بعد الانتهاء من البحث في نية المتعاقدين والوقوف على مرادهم من إبرام التعاقد تأتي المرحلة الأهم في إعداد العقد والمتمثلة في صياغة ما ورد بنية المتعاقدين وتحويله إلى بنود تحمل مضمون اتفاقهم وتبين حقوق والتزامات كل منهم.

وتتطلب الصياغة الجيدة للعقود الالتزام ببعض الضوابط التي تتلخص في أن تكون الصياغة كاملة وواضحة وصحيحة وأن تقيم تواصلاً بين أطرافها،[2] حيث يتعين أن يلتزم مصيغ العقد بالقواعد الأساسية الخاصة بالكتابة والتي تتطلب المعرفة التامة بأصول تصميم الجمل كتصريف الأفعال والتوافق بينها، فضلاً عن الالتزام بضبط فواصل الكلام وقواطعه والتي قد تؤثر في المعنى المقصود تأثيراً جوهرياً.

وكذلك يتعين أن يكون أسلوب الصياغة دقيقاً محدداً لا ينطوي على جمل تحتمل التأويل والتحريف أو تحتمل أكثر من معنى، فمثلاً يتعين أثناء صياغة العقد الابتعاد عن صيغ المبني للمجهول وبصفة خاصة في البنود المتعلقة بتحديد المتعاقد المُكلف بالتزام معين حتى لا يُثار النزاع حول من هو المُتعاقد الذي كان مقصوداً تكليفه بهذا الالتزام.

ويجب أن تكون بنود العقد مُبينه دون أن يعتريها إيجاز مخل أو إطناب ممل، فالإيجاز قد يؤدي إلى قصور البند عن بيان الغرض من وضعه، كأن يكون البند قاصراً عن تحديد الالتزامات الملقاة على عاتق طرفي أحد الالتزام بصورة دقيقة كاملة، والإطناب يؤدي إلى الوقوع في الأخطاء التي قد تُستخدم في تحوير المعنى وتغييره، الأمر الذي يفتح الباب على مصرعيه أمام النزاعات بين الأطراف.

فكلما كان العقد محدد منضبط لأدى ذلك إلى قطع باب النزاعات بين الأطراف، حيث سيكون كل منهم على بينة من أمره فيما له من حقوق وما عليه من التزامات، يعلم كل العلم الحكم الذي سيقضي به القضاء حال لجوئه إلى ساحات المحاكم نظراً لأن العقد لم يبقى شاردة أو واردة إلا وفصلها وبينها بيان واضح جلي.

4- حسن عرض الأفكار:

عند الشروع في إبرام الوثيقة التعاقدية يجب مراعاة حُسن عرض الأفكار وهذا لا يتأتى إلا بضرورة إعداد مسودة مسبقة للعقد قبل إعداده بصورة نهائية،[3] وذلك للتبين من مدى وجود متعارضات ومتناقضات في العقد، فالعقد في صورته النهائية يجب أن يكون منظم تنظيماً دقيقاً منطقياً مما يؤدي إلى جعل بنوده منسجمة انسجام داخلي لا يعتريها التناقض أو التهاتر.

5- توقع الطوارئ المحتملة:

أثناء إبرام العقد من الضروري أن يتم افتراض إمكانية حدوث ثمة إخلال بأي من الالتزامات الملقاة على عاتق أياً من الطرفين، وهذا ما يستوجب افتراض ذلك في صلب العقد وبيان الجزاء المُناسب له، فلذلك فائدة لا تخفى عن الفطنة تتمثل في أن وجود جزاء نابع من العقد ذاته يُعد بمثابة رادع للأطراف عن الإخلال بالالتزامات الملقاة عليهم خشية تعرضهم للجزاء المذكور، فضلاً عن أن تحديد هذا الجزاء – في بعض الأحيان – يؤدي إلى ارتضاء الأطراف به لأنهم من اتفقوا على وضعه بداية دون أن يصل الأمر إلى أروقة المحاكم.

رابعاً: أهمية الصياغة الدقيقة للعقود:

الواقع أنه بات بعدما بينا بعض الأحكام الخاصة بالصياغة، أن صياغة العقد تؤثر تأثيراً جوهرياً على بيان التزامات كل من طرفي العلاقة التعاقدية، حيث قد تكون الصياغة وسيلة لبدء النزاع أو وسيلة لقطع الطريق أمام اندلاعه.

فصياغة العقد تؤثر تأثيراً جوهرياً على حقوق والتزامات أطراف العلاقة التعاقدية، فهناك العديد من المصطلحات التي قد يترتب على استخدام أياً منها مُغايرة تامة في الالتزامات التعاقدية المُلقاة على عاتق أحد طرفي الالتزام.

فمثلاً إذا كنا بصدد ” عقد إيجار ” وتم الاتفاق على أن يلتزم المؤجر (بتمكين) المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، فهنا أضحى على المؤجر التزام مستمر بالتدخل لتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، بحيث إذا ما طرأ عارض حال ولو جزئياً من الانتفاع بالعين المؤجرة لأدى ذلك إلى إثارة مسئولية المؤجر والذي يتعين عليه أن يتدخل ليذلل العوارض التي منعت المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة. أما إذا تم الاتفاق بين المؤجر والمستأجر على أن يلتزم المؤجر (بتسليم) المستأجر للعين المؤجرة، فهنا يكون التزام المؤجر التزام سلبي ينقطع بتسليم المستأجر للعين المؤجرة.[4]

خامساً: بعض البيانات الواجب ذكرها في العقد ومدى أهميتها:

1- وضع مسمى للعقد:

والواقع أن هذا البند ليس له أثر جوهري من الناحية القانونية، ذلك أنه في حال إثارة نزاع حول تكييف العقد سيهدر مسماه ومبناه وتكون العبرة لما ورد بمعناه، فالعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.

2- بيان مكان وزمان إبرام العقد:

يُعد بيان مكان وزمان إبرام العقد من البيانات الجوهرية التي تؤثر تأثير بالغ على النظام القانوني الذي يخضع له أطراف العلاقة التعاقدية، فمكان العقد يؤدي إلى تحديد المحكمة المختصة بنظر النزاع وذلك فيما يتعلق بالعقود التي يتخللها عنصر أجنبي.

أما عن أهمية تحديد زمان إبرام العقد فتكمن في تحديد النظام القانوني واجب السريان على العقد، حيث أنه إذا صدر قانون جديد بعد إبرام العقد لأدى ذلك إلى عدم خضوع العقد المبرم إلى القانون الجديد حيث يظل خاضعاً للقانون الذي أبرم في ظله. فضلاً عن أن زمان العقد يكون له أثر في بعض الالتزامات الملقاة على عاتق الطرفين، فمثلاً في بيع الأشياء المعينة بالنوع يكون مكان تسليمها هو المكان الذي كانت توجد فيه وقت إبرام التعاقد وذلك وفقاً لما ذهب إليه المشرع المصري.

3- أطراف العلاقة التعاقدية:

يجب أن يُذكر في العقد بيانات أطراف العلاقة التعاقدية، حيث يُذكر أسمائهم وأرقام إثباتها، مع بيان تفصيلي لعناوينهم ، وفي حال كون أحد أطراف العلاقة شركة فيتعين ذكر اسم الشركة ورقم سجلها التجاري وعنوانها وصفة الشخص المختص بتمثيل الشركة والذي يكون له الاختصاص في التوقيع بعنوانها.

4- حقوق والتزامات الأطراف:

حيث يتعين أن تُبين حقوق والتزامات الأطراف في الوثيقة التعاقدية بصورة دقيقة واضحة غير مبهمة لا تحتمل التأويل أو التفسير إلى أكثر من معنى حتى لا يكون هناك سبيل لحدوث نزاعات بين الأطراف. وكذلك لقطع الطريق أمام أي منهما إذا كان لديه سوء نية في إهدار حقوق الطرف الأخر معتمداً على الصياغة الركيكة التي استخدمت في كتابة العقد.

5- الشروط الجزائية:

والتي بينا أن لها أهمية بالغة في قطع الطريق أمام الإخلال بالبنود التعاقدية في العديد من الأحوال.

6- عدد النسخ المحرر منها العقد:

من الأهمية بمكان ذكر عدد النسخ التي حُرر منها العقد، بل ويتعين ذكر عدد الصفحات التي كون منها العقد لقطع الطريق أمام كافة التلاعبات والتي قد تؤدي إلى إهدار حقوق أي من الأطراف.

7- توقيع الطرفين:

ويتعين أن يكون توقيع الأطراف ليس فقط في ذيل العقد بأكمله وإنما يجب أن تُذيل كل ورقة كُون العقد منها بتوقيع أطرافه عليها.

سادساً: مدى الحاجة إلى متخصص لصياغة العقد:

قد يثور تساؤل في الأذهان حول مدى اللجوء إلى قانوني متخصص ليتولى إبرام العقد، وهل يمكن كتابة العقد دون أن يتم ذلك على يد متخصص؟

والواقع أنه إذا كان العقد على درجة من الأهمية بالنسبة لطرفي الالتزام فيتعين عليهم اللجوء إلى متخصص ليتولى إعداد الوثيقة التعاقدية وذلك بُغية حماية حقوق الأطراف وإعلامهم بمدى التزاماتهم والتي ستترتب عليهم جراء إبرام هذا التعاقد.

فهناك العديد من الأمور التي تخفى عن العامة لا يحيط بها سوى من تخصص في دراسة القانون، تلك الأمور قد تكمن في طرق صياغة بنود العقد أو معرفة الالتزامات التي يلقيها العقد على أحد الطرفين سواء أكانت واردة في العقد أم لا، فالواقع أن هناك العديد من الالتزامات التي تترتب على عاتق الأطراف فور إبرام التعاقد حتى ولو لم تُسرد في الوثيقة التعاقدية، ذلك أن هناك – على سبيل المثال – ما يُعرف باسم القواعد الآمرة والقواعد المكلمة، وتلك الأخيرة هي الواجبة الانطباق على العلاقات التعاقدية حال عدم النص على ما يُخالفها، وغني عن البيان أن معرفة تلك القواعد وأحكامها لا يتوافر إلا لمن تخصص في الدراسة القانونية.

فضلاً عن أن هناك التزامات قد تنشأ على عاتق الطرفين لا تجد مصدرها في العقد ذاته وإنما تجد مصدرها فيما تقضي به الأعراف السائدة أو القواعد الواردة بالشريعة الإسلامية، حيث أنه من القواعد القانونية ما تقضي بأن ” المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، مما يعني أن الأفراد مُلزمين بالأعراف المعمول بها والتي استقرت النفوس السليمة على قبولها، فمصدر الالتزام لا ينحصر في وثيقة تعاقدية أو نص تشريعي، وإنما هناك العديد من المصادر التي تُلقي التزامات على الأفراد الذين يقدمون على إتيان الفروض الواردة في تلك المصادر.

فبنيان القاعدة القانونية – بغض النظر عن مصدرها – يتمثل في الفرض والحكم، فإذا تحقق الفرض في أحد الأشخاص لكان ذلك مستوجباً انطباق الحكم عليه، تلك الفروض والأحكام لا يُحيط بها علماً سوى رجال القانون المتخصصين في الدراسة القانونية، ومن ثم فلا مناص من اللجوء إلى ذوي التخصص لضمان الحقوق فيما يتعلق بإبرام العقود.

فاللغة القانونية هي لغة أشبه بلغة أجنبية، يُستعصى فهمها على من لم يتعمق في دراستها، بل أنه – في غالب الأحيان – يُقاس تميز رجل القانون بمدى قدرته على الصياغة القانونية المحكمة الرصينة، التي توصل المعنى بلا لبس أو غموض في عبارات وجيزة وافية تقطع أوصال النزاعات قبل اندلاعها وتصون حقوق الأفراد دون إهدارها.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] أنظر الأستاذ الدكتور/ محسن العبودي، متطلبات ومهارات صياغة العقود مع الإشارة إلى أشهر العقود، ص 1.

[2] محمد خليل عبد الرحمن الحدري، صياغة العقود المدنية والتجارية في النظام السعودي والفقه الإسلامي، 2018،  ص 127

[3] أنظر نايف بن محمد، الوجيز في صياغة العقود،  ص 30.

[4] أنظر في تفصيل التزام المؤجر بتمكين المستأجر أو تسليمه العين المؤجرة الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، عقد الإيجار، 2015، دار الجامعة الجديدة، ص 15 وما بعدها.