صياغة العقد التجاري

في مستهل الحديث عن صياغة العقود التجارية، لابد أن نشير إلى أن الهدف من صياغة العقود ليس التعقيد، أو كتابة بنود وشروط لا يفهمها سوي المتخصصين القانونين فقط، بل إن الغاية الأهم من صياغة العقد هي توفير وسيلة فعالة وحماية أكيدة لحقوق أطرافه حتي يتم تنفيذه بسهولة ويسر دون مشاكل، لذلك يجب أن يُراعي في صياغة العقد استخدام لغة قانونية سليمة، ومصطلحات واضحة ومعلومة لدي أطراف العقد،  والبعد عن أي مصطلحات لها معان متعددة، ويجب أيضا تفادي الشطب أو التحوير لأن ذلك يعد أمر غير مرغوب فيه في صياغة العقود، ولا يخفي عن الفطنة أنه يلزم توخي الحذر بدقة في كتابة حقوق والتزامات أطراف العقد مع بيانها بشكل واضح في العقد.

أما بالنسبة لصياغة العقود التجارية فلا يمكن لاحد إنكار أهميتها في الوقت الحالي ، حيث يعيش العالم صحوة في مجال  النشاط الاقتصادي والتجاري، ونتيجة لذلك كان لابد من وجود قواعد ونظم لتحكم العمليات التجارية التي يقوم بها الأفراد، حتي توفر الحماية  لحقوق الأفراد ومصالحهم الخاصة، وتقلل مخاطر التجارة ومن هذا المنطلق كانت ومازالت العقود التجارية هي المرجع القانوني الرئيسي الذي ينظم العلاقات التجارية بين الأطراف، وهكذا ظهرت أهمية صياغة العقود التجارية ، ولا نعني بالصياغة مجرد كتابة العقد بل إفراغه في قالب قانوني محكم يوفر ضمانات فعالة للحقوق والالتزامات الناشئة عن إبرامه.

أولا: تعريف العقود التجارية وشرعيتها الدينية:

ثانيا: أهمية صياغة العقود التجارية:

ثالثا: النقاط الأساسية في صياغة العقود التجارية  وأهم بنودها:

رابعا: خصائص العقود التجارية وأهم أنواعها:

 

أولا: تعريف العقود التجارية وشرعيتها الدينية:

١- تعريف العقد التجاري:

هناك خلاف فقهي حول تعريف مصطلح العقد التجاري وذلك مع تزايد استعمال ذلك المصطلح في الآونة الأخيرة، فالبعض يري أن العقد التجاري ينتمي  لفئة مستقلة من العقود والتي تمتاز بطبيعتها التجارية الخاصة، والتي بلا شك تعد  طبيعة مغايرة عن  باقي العقود المدنية .

وهناك أخرون يرون عكس الاتجاه الأول بأنه لا يوجد في الواقع ولا في الأنظمة السعودية ما يسمي  بالعقود التجارية، وأن هذه العقود لا تختلف كثيرا في جوهرها عن العقود المدنية، بل إنها تقوم علي نفس القواعد التي تبني عليها العقود المدنية سواء من حيث الأركان المكونة للعقد ،أو شروط صحته، وبالأخص توافر الإيجاب والقبول.[1]

وفي حقيقة الأمر يبدو الفارق بين العقود الجارية والعقود المدنية جليا، من خلال النظر إلي صفة الأطراف والغرض من التعاقد، فإذا كان الغرض من العقد شيء يخص التجارة أو التبادل التجاري كان العقد تجاري وبالتالي يخضع للقواعد القانونية والنظام الذي  يحكم الأعمال التجارية.

وترتيبا علي ذلك فهناك من يعرف العقد التجاري بأنه:( العقد الذي يجريه التاجر اذا كان متصلا بحرفته التجارية ).[2] فالعقد يكون تجاري إذا كان موضوعه عملا تجاريا من الأعمال التجارية المعترف بها شرعا ونظاما، أو كان القائم بالعمل تاجرا ويقوم به لحاجاته التجارية ،وعادة  ما يتم استخدام هذا العقد  بين تجار أو مؤسسات وشركات .

٢- الشرعية الدينية للعقود التجارية:

بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلي أن  التجارة وفقا للفقه الإسلامي هي تقليب للمال بغرض أو بقصد الربح، فالتجارة هي البيوع في الفقه الإسلامي أي عملية التبادل التجاري التي تتم وفقا لأصول الشريعة الإسلامية .

وتبعا للشريعة الإسلامية فإن فقه المعاملات هو الأحكام الشرعية العملية التي تشمل الأحكام الاقتصادية والعقود، كما أن فقه المعاملات يمكننا من معرفة أحكام المعاملات المالية، ومعرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية، وأيضا العقد وهو كل اتفاق يعقده المسلم مع غيره ويكون واجبا للالتزام به إلا إذا أقيم دليل على أنه عقد غير ملزم، والالتزام في الفقه الإسلامي هو ما يترتب علي العقد أو التعهد لشخص أخر للإيفاء بغرض العقد.

ونتيجة لكل ذلك فإن العقود التجارية عقود ملزمة لأطرافها شرعا، نتيجة تعهدهم أو التزامهم بها كما أنها ترتب أحكامها بناء على فقه المعاملات، مما يعني شرعيتها الدينية تبعا للشريعة الإسلامية إلا إذا كان موضوعها مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية.

ثانيا: أهمية صياغة العقود التجارية:

إن صياغة العقود التجارية أصبحت وسيلة لا غني عنها في عالم التجارة، خاصة في ظل وجود شركات عملاقة متعددة الجنسيات، وكذلك تظهر أهميتها أيضا في الشركات المتوسطة والصغيرة، وصولا للتجار الذين يحترفون مهنة التجارة.

وجدير بالذكر أن مصطلح صياغة العقود لم يكن معروفا في العصور القديمة، علي الرغم من ظهور التجارة كأحد أهم وسائل الكسب المشروع منذ زمن بعيد، وذلك لأن أغلب المعاملات التجارية التي يقوم بها الأشخاص كانت تتم بشكل شفوي، وبالتالي لم تكن لصياغة العقود آنذاك أي أهمية تذكر.

ولكن بعد ما لقيه التجار من تزايد الإخلال بالالتزامات في عقودهم، وما واجهوا من مشاكل وتهرب من المسئوليات، بدأ يلوح في الأفق أهمية صياغة عقودهم التجارية رغبة في حفظ حقوقهم.

وترتيبا علي ما تقدم فإن مفهوم صياغة العقود التجارية في عصرنا الحاضر يختلف عن مفهومها في الماضي، فمصطلح صياغة العقد كانت تعني في الماضي مجرد كتابة حقوق والتزامات الأطراف في وثيقة يوقعوا عليها وبالتالي تصبح ملزمة لهم، فلم يكن العقد يشتمل على العديد من التفاصيل التي توجد الآن، فلم يكن هناك وجود لأفكار مثل (تنظيم حلول بديلة عن القضاء لتسوية المنازعات – اختيار قانون بعينه ليحكم العقد – تحديد لطرق الفسخ والإنهاء).

أما حاليا فإن صياغة العقود غالبا ما تغطي بشكل شامل كافة هذه التفاصيل لكي تتناسب مع التطورات القانونية والاقتصادية المستمرة،  والتي حدثت في معظم المجتمعات بسبب التوسع في المعاملات التجارية وظهور أنظمة خاصة لبعض أنواع العقود التجارية، كنظام الفرينشايز في النظام السعودي ونماذج عقود الفيديك العالمية، مما يدلل بوضوح علي تطور مفهوم صياغة والذي أصبح يحتاج لمزيد من التخصص والتعمق في التفاصيل والمتابعة الدقيقة لكافة الأنظمة والقوانين الحديثة لضمان صياغة العقود بصورة أفضل وأدق، لتغطية كافة المخاطر التي يحتمل أن تترتب على العقد التجاري، فتم التوسع في صياغة العقود لتشمل بالإضافة إلي عقود الأفراد والشركات الوطنية صياغة عقود التجارة الدولية في مختلف المجالات، والتي تحتاج بلا شك إلي صياغة جيدة ودقيقة.

ثالثا: النقاط الأساسية في صياغة العقود التجارية  وأهم بنودها:

١- النقاط الرئيسية في صياغة العقود التجارية:

أ- بند سرية المعلومات:

من المسلم به أنه من البنود الهامة التي يجب ألا تخلو منها صياغة العقود التجارية – خاصة في حالة المعاملات التجارية بين الشركات أو المؤسسات – تواجد  بند المحافظة علي سرية المعلومات، أي عدم جواز إفشاء أي معلومات أو بيانات تتعلق  بتفاصيل العمليات التجارية لتي تتم بينهم ، ومنها بند حقوق الملكية الفكرية، وان يتعرض من يخالف ذلك البند إلي عقوبة، أو يسال بتعويض  المضرور كما هو متفق عليه في العقد .

ب- بند القوة القاهرة :

غنى عن البيان أن القوة القاهرة والحادث الفجائي هي من المبادئ المستقرة شرعا ونظاما، فالقوة القاهرة تعفي من المسئولية، وهي حادث لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه. خارج عن إرادة أطراف التعاقد، وينصح بوجود بند في العقد يؤكد حكم القوة القاهرة كنوع من توفير الحماية للمتعاقد الذي يتمسك بها حال حدوثها.

ج- بند الفسخ والإنهاء:

لا تجري الشراكة دائما كما هو متوقع لها، ولهذا يجب أن يتضمن العقد التجاري على بنود تتعلق بحالات فسخ العقد و أسباب إنهاءه وتحديد أثار كلا منهما.

د- بند الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق:

مع تزايد حجم  المعاملات التجارية خاصه المعاملات الدولية منها، وكذلك العمليات التجارية التي تتم بين الأفراد وبعضهم يكون من خارج الدول، فإنه في حالة حدوث خلاف بسبب هذه المعاملات يصبح من الصعوبة بمكان تحديد القانون الحاكم لهذا الخلاف، وأيضا المحكمة المختصة بنظر ذلك النزاع، ولتفادي ذلك يقوم اطراف العقد باختيار القضاء المختص، والقانون الواجب التطبيق علي أي خلاف مستقبلي لتجنب تنازع القوانين، ولهذا فإن هذا البند هو بند هام جدا  في العقود التجارية.

هـ – بند خاص بتحديد وسائل فض تسوية النزاعات:

دائما ما تحدث العديد من النزاعات بسبب العقود التجارية، فيجب إذاً  تحديد استراتيجية لحل تلك النزاعات، ويتجه الأغلب إلي التحكيم لحل النزاعات الناشئة عن العقد بدلا من التقاضي لحل النزاع، وذلك لفائدة التحكيم في حل النزاع بشكل أسرع وأسهل وأقل تعقيدا من التقاضي، وكذلك تُعد الوساطة من الوسائل البديلة لفض النزاع،  ولا يفوتنا أن نؤكد أن اللجوء إلي هذه الوسائل هو أمر اختياري.

و – بند الأضرار والتعويضات:

غالبا ما يتفق المتعاقدان مقدما في العقد التجاري علي تعويض اتفاقي أو ما يسمي بالشرط الجزائي  الذي  يستحقه المتعاقد حال إخلال المتعاقد الأخر بالتزامه الناشئ عن العقد، وتوافر شروط التعويض  من خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما ولا خلاف علي أهمية ذلك البند.

٢- أهم بنود العقود التجارية:

  • جدير بالذكر أن أنه يلزم عند صياغة العقد التجاري أن يتم تضمينه البنود الأتية:
  • تاريخ تحرير العقد ومكانه.
  • أسماء أطراف العقد وبياناتهم الخاصة والتأكد من أهليتهم وذكر الاسم التجاري والسجل التجاري.
  • نوع العقد التجاري والغرض منه.
  • حقوق والتزامات اطراف العقد وتحديد تواريخ تنفيذ الالتزامات بشكل قاطع .
  • يجب أن يذكر طريقة الدفع لأن العقود التجارية في الأساس عقود معاوضة .
  • آلية الإنهاء أو فسخ التعاقد، والشروط الجزائية.
  • تحديد إجراءات وطريقة حل النزاعات التي قد تنشأ نتيجة للعقد.
  • تحديد الاختصاص التشريعي والقضاء المختص في حل النزاع في حالة حدوثه.
  • تحديد مرفقات ومستندات العقد والتأكد من صحتها.
  • التأكد من عدم وجود أي بند بالعقد يخالف الشرع والنظام.
  • التوقيع أو الختم على كل صفحات العقد حتي الصفحة الختامية.

 

رابعا: خصائص العقود التجارية وأهم أنواعها:

١- خصائص العقود التجارية:

أ- الرضائية:

الأصل في العقود التجارية أنها عقود رضائية بطبيعتها، يكفى فيها التراضي ليتم التعاقد وذلك بتلاقي الإيجاب والقبول ورضا الطرفين، فالرضائية وحدها تكفي لانعقاد العقد التجاري ولا يلزم كتابته. ومع ذلك هناك بعض العقود التجارية التي يلزم لانعقادها الكتابة الرسمية أو العرفية.

ب- العوض أو المعاوضة:

العقود التجارية تعد عقود معاوضة تتم بمقابل أو عوض، فعادة كل طرف يعطي مقابلا لما يأخذ في العقد التجاري فالتجارة لا تعرف التبرعات بل إن معظم المعاملات التجارية تستهدف تحقيق الربح، فالمضاربة هي احد العناصر الأساسية في الأعمال التجارية.[3]

ج- ترد على المنقولات والخدمات:

تقع العقود التجارية على المنقولات سواء مثلية أو نوعية، لأن التعامل في العقارات يخرج من نطاق القانون التجاري وهذه الخصيصة هي التي تميز العقود التجارية في القانون التجاري التقليدي،[4] وهذا ما يصدق علي نظام المحكمة التجارية السعودية. إلا أن القوانين التجارية الحديثة اعترفت بتجارية التعاملات الواردة على العقارات، طالما تمت بقصد المضاربة وتحقيق الربح.

٢- أنواع العقود التجارية:

من أهم أنواع العقود التجارية في المملكة العربية السعودية:

أ- اتفاقات التوزيع:

ويعتبر عقد التوزيع هو ذلك العقد الذي يتم إبرامه بين شخصين أحداهما منتج وأخر موزع، يقوم بموجبه الأخير بتوزيع البضاعة التي ينتجها الطرف الأول في مناطق يتم تحديدها في العقد، ويكون ذلك مقابل عمولة أو أرباح معينة تُحدد أيضا في العقد.

ب- اتفاقات التسويق:

هو العقد الذي يتم إبرامه بين منتج خدمات أو منتجات معينة وبين شخص أخر، يقوم بموجبه بتسويق تلك الخدمات والمنتجات بشكل احترافي وكامل في مناطق معينة ومقابل نسبة معينة.

ج- عقد الإدارة والتشغيل:

وهو العقد الذي يتم إبرامه بين شخص يملك مشروعا معينا وشخص أخر يقوم بتشغيل المشروع وإدارته لصالح مالك المشروع لمدة محددة في العقد، وتتراوح هذه المدة بين سنتين إلى خمس سنوات.

وبالإضافة إلي ما سبق ذكره يوجد العديد من العقود التجارية كعقود الامتياز وعقد الشركة وعقود الامتياز وعقد مستوي الخدمة وغيرها من العقود، ولابد من الإشارة إلى أن الصفة التجارية للعقد تتحدد طبقا لنظرية الأعمال التجارية، المنصوص عليها في المادة الثانية من نظام المحكمة التجارية السعودية.[5]

نافلة القول إذاً أن صياغة العقود التجارية ليست من الأمور التي يجب أن يتساهل فيها الأفراد بل يجب صياغة كل بنود وشروط وأحكام العقد بعناية لأنه بناء عليه سيتم تحديد التزامات وحقوق اطراف العقد كما انه يجب أن يتم صياغة شرط التحكيم وحل النزاع في العقد بعناية، خاصة أن لعقود التجارية متعددة  وتختلف شروطها  وأحكامها من عقد لآخر…. ولهذا ننصح وبشدة أن تستعين بمحامي متخصص في كتابة عقدك التجاري، وهذا ما يسعدنا أن نقوم لك به أو أن نقدم تلك الخدمة لك.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] أنظر عبدالرحمن السيد قرمان، العقود التجارية وعمليات البنوك طبقا للأنظمة القانونية بالمملكة العربية السعودية، ٢٠١٠، مكتبة الشقرى، ص١٢.

[2] أنظر عباس حلمي المنزلاوي، القانون التجاري: العقود والأوراق ا لتجارية، ط٣، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر، ١٩٩٢، ص ٣.

[3] أنظر أمال بن صويلح، محاضرات في مقياس القانون التجاري، جامعة ٨ ماي ١٩٤٥ قالمة – كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التيسير، ٢٠١٨-٢٠١٩، ص٥.

[4] أنظر عبدالرحمن السيد قرمان، العقود التجارية وعمليات البنوك طبقا للأنظمة القانونية بالمملكة العربية السعودية، ٢٠١٠، مكتبة الشقرى، ص ١7.

[5] انظر د. مصطفي طه ود. علي البارودي ، القانون التجاري، الأوراق التجارية والإفلاس وعمليات البنوك والعقود التجارية ، بيروت ٢٠٠١، ٤٧٥.