طبيعة عقد العمل وتمييزه عن غيره من العقود في النظام السعودي

لا تخلو حياة أي إنسان من إبرامه لعقد عمل، سواء بصفته صاحب عمل يتعاقد مع عمال لأداء الأعمال التي يوكلها إليهم بمختلف أنواعها، أو بصفته عامل يتعاقد مع صاحب العمل حتى يمكنه أن يتحصل على نفقات معيشته وأسرته، وغيرها من الاحتياجات الأساسية التي يقتضي الحصول عليها إبرام عقود عمل مع آخرين، وهو ما يضع عقد العمل في مرتبة متميزة بين سائر العقود الأخرى بكافة أنواعها.

ونظراً لما سبق جميعه ولغيره من الأسباب الأخرى التي لم نذكرها فقد أصبحت الدراسات والمؤلفات التي تتناول عقد العمل تتمتع بأهمية خاصة، وذلك نظراً لما ترسخه من معرفة لدى الجمهور بما يقع على عاتقهم من التزامات عند إبرامهم لعقد العمل، سواء كانت التزامات على صاحب العمل أو العامل، لذلك فقد وقع اختيارنا على عقد العمل ليكون موضوع لهذا المقال، والذي نعتبره مساهمة متواضعة منا في هذا الترسيخ.

أولاً: التعريف بعقد العمل

حتى يمكننا أن نضع صورة عامة لماهية عقد العمل ويكون تعريفنا له تعريفاً متكامل، فيلزم علينا أن نتعرض إلى تعريف عقد العمل من وجهة نظر الفقه والنظام، وهو ما سنتناوله في الأسطر القليلة القادمة.

1- التعريف الفقهي لعقد العمل

لم يعرف الفقه الإسلامي عقد العمل بمسماه، ولكنه عرفه بمضمونه تحت مسمى “عقد إجارة الأشخاص”، وتحت هذا المسمى وضع كل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي تعريفاً خاصاً به لهذا العقد، وذلك على النحو الآتي بيانه:

عرف فقهاء المذهب الحنفي عقد إجارة الأشخاص بأنه العقد الذي يرد على المنفعة في مقابل عوض مالي[1].

بينما عرفه فقهاء المذهب المالكي بأنه عقد معاوضة تنصب على تمليك منفعة في مقابل عوض يستدل منه على تمليك المنفعة[2].

وعرفه فقهاء المذهب الشافعي بأنه العقد الذي يرد على تمليك منفعة بعوض، وذلك بتوافر شروط وهي العلم بالعوض والقبول للبذل والإباحة[3].

في حين عرفه فقهاء المذهب الحنبلي على أنه العقد الوارد على منفعة هي مباحة ومعلومة، ويتم أخذها شيئاً فشيئاً لمدة محددة من عين محددة[4].

وقد اتجه جمهور الفقه الإسلامي إلى ترجيح التعريف الذي وضعه فقهاء المذهب الشافعي، ويرجع ذلك إلى أنه التعريف الذي يعبر بصورة حقيقية عن مضمون الإجارة، بجانب كونه قد اشتمل على الشروط اللازمة لعناصر الإجارة، فاشترط الإباحة في محل العقد، واشترط في المنفعة أن تكون مقصودة وتقبل البذل، واشترط في مدة العقد أن تكون محددة ومعروفة، واشترط في العوض أن يكون محدد ومعلوم، وبالتالي نفى عن الإجارة أي جهالة.

2- التعريف القانوني لعقد العمل

بالرجوع إلى نظام العمل السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/51) بتاريخ 23/8/1426هـ، وذلك بالموافقة على قرار مجلس الوزراء رقم (219) بتاريخ 22/8/1426هـ، سنجد أنه قد عرف عقد العمل في نص المادة (50) منه بأنه (عقد مبرم بين صاحب عمل وعامل، يتعهد الأخير بموجبه أن يعمل تحت إدارة صاحب العمل وإشرافه مقابل أجر).

وهو ما يتضح معه أن مضمون عقد العمل هو اتفاق يتم إبرامه بين طرفين، أحدهما العامل الذي يتعهد بتنفيذ عمل معين لصالح ولحساب الطرف الآخر وهو صاحب العمل، وذلك تحت إشرافه ورقابته نظير تقاضي أجر محدد.

وقد جاء تعريف المنظم السعودي لعقد العمل على وجه يستحق الإشادة، لاسيما وأن التعريف الذي أورده بنظام العمل قد تضمن العناصر الرئيسية التي يقوم عليها ولا يصح بدونها، وتتمثل تلك العناصر في عنصر العمل، وعنصر الأجر، وعنصر التبعية[5].

مما يتبين لنا معه أن تعريف النظام السعودي لعقد العمل لم يتباين بشكل كبير مع تعريف الفقه الإسلامي لعقد الإجارة، بل اتفق معها بشكل كبير من حيث المضمون والمفهوم، وإن كان البعض قد رأى أن التعريف الذي وضعه المنظم السعودي يختلف عن التعاريف الفقهية التي وضعت لعقد العمل، وكان هذا الرأي مستنداً إلى أن:

– لم ينص المنظم في تعريفه على مشروعية العمل الذي يمثل المنفعة في عقد العمل، وهذا السند مردود بأن عدم النص على مشروعية العمل لا يعني عدم اشتراطها، ولكنه يعني أن مشروعية أي عمل هي مشروعية ضمنية مفترضة، لاسيما وأن الأنظمة السعودية تستمد أحكامها من الشريعة الإسلامية، وهو ما يفترض معه ضمنياً في أي تعريفات أو شروط أو غيرها من الأمور التي تتضمنها الأنظمة السعودية يلزم بداية – وإن لم يتم النص صراحة على ذلك – أن تكون في مضمونها موافقة للشريعة حتى وإن لم يتم النص فيها صراحة على ذلك، فالقاعدة العامة هي المشروعية والاستثناء هو عدم المشروعية، ومن المستقر عليه العمل أن ما يتم النص عليه صراحة في النظام هو الاستثناء وليس القاعدة العامة.

– أن عقد العمل في النظام السعودي قد اقتصر على الإنسان دون غيره، على الرغم من أن الإجارة في الفقه الإسلامي تشمل الإنسان والأعيان، وذلك أيضاً مردود عليه بأن الفقه الإسلامي قد تناول الإجارة بشكل عام، بينما النظام السعودي صنف كل نوع من أنواع الإجارة تحت مسمى مختلف، فعقد إجارة الأشخاص هو عقد عمل، وعقد إجارة العقارات – أراض أو مساكن – هو عقد إيجار وهكذا، وهو ما يعني أن الفقه الإسلامي قد وضع الوصف مجمل لعقد الإجارة، فقام المنظم السعودي بتجزئة وتصنيف لذلك المجمل في شكل عقود منفصلة، بحيث تكون عقود إجارة الأشخاص مصنفة تحت مسمى عقد العمل، بينما عقود إجارة الأعيان بوجه عام تصنف تحت مسمى عقد الإيجار، فالأمر في حقيقته لا يتعدى تصنيف عقود الإجارة وليس إنكار لوصف الإجارة على عقود إجارة الأعيان.

مما يمكننا معه القول إن تخصيص المنظم السعودي لتعريف خاص بعقد العمل باعتباره إجارة للإنسان وفصله عن عقد إيجار الأعيان هو مسلك في تبسيط وتيسير على المتعاملين بتلك العقود، وتصنيف لعقود إجارة الإنسان نظراً لما لها من ظروف خاصة عن سائر عقود الإجارة الأخرى، وننهي من ذلك إلى أن عقد العمل في طبيعته لا يختلف عن عقود إجارة الأشخاص في الفقه الإسلامي.

ثانياً: الخصائص التي يتسم بها عقد العمل

يتمتع عقد العمل بمجموعة من الخصائص التي تميزه عما سواه من عقود، ونحن لا نقصد بذلك أنه يتسم بخصائص لا يتمتع بها غيره من العقود، ولكنه يجمع بين بعض الخصائص التي لا تجتمع جميعها معاً إلا إذا كنا أمام عقد العمل، وسوف نحاول في خلال هذا البند من المقال أن نتناول أهم وأبرز تلك الخصائص التي يتسم بها عقد العمل.

1- عقد العمل هو عقد رضائي

من أهم الخصائص التي يتميز بها عقد العمل أنه عقد يدخل في تصنيفه تحت مظلة العقود الرضائية، ويستدل على تلك الخاصية من كونه ينعقد فور التقاء إرادتين متطابقتين، ولا يتوقف انعقاده على إفراغه في شكل معين[6].

ولا ينال من ذلك ما اتجه إليه البعض من أن عقد العمل يلزم لانعقاده أن يكون مكتوباً، حيث أن ذلك يعتبر خلط ليس إلا بين الكتابة كوسيلة إثبات والكتابة كشرط للانعقاد، فعقد العمل لا يشترط فيه الكتابة لانعقاده ولكنها تشترط ليكون هناك قدرة على إثباته، فيمكن أن يبرم عقد العمل مشافهة دون أن يتم إفراغه في شكل مكتوب ويكون قد أبرم سليماً وصحيحاً، ونستدل على ذلك مما نصت عليه المادة رقم (2) من نظام العمل السعودي في شقها الخاص بتعريف العمل، حيث نصت على أن (العمل: الجهد المبذول في النشاطات الإنسانية كافة، تنفيذاً لعقد عمل مكتوب أو غير مكتوب)، حيث أقر نظام العمل هنا بأن عقد العمل يمكن أن يكون مفرغاً في شكل كتابي أو أن يكون غير مكتوب.

وأيضاً ما قررته المادة رقم (51) من نظام العمل والتي قررت أن (يجب أن يكتب عقد العمل من نسختين يحتفظ كل طرف منه بنسخة ويعد العقد قائماً ولو كان غير مكتوب وفي هذه الحالة يحوز للعامل وحده إثبات العقد)، حيث قررت هذه المادة صراحة أن الكتابة في عقد العمل هي لإثباته وليس لانعقاده، وهو جميعه ما يصل بنا إلى حقيقة أن عقد العمل هو عقد رضائي.

2- عقد العمل هو عقد ملزم للجانبين

متى انعقد عقد العمل بين العامل وصاحب العمل فإن ذلك يسفر عن وقوع التزامات على عاتق كل طرف منه تجاه الطرف الآخر، فبالنسبة للعامل فإنه يقع على عاتقه التزامات أبرزها التزامه بأن يؤدي عمله لصالح صاحب العمل، وعلى الجانب الآخر يقع على عاتق صاحب العمل التزامات أهمها أن يقوم بأداء الأجر المتفق عليه إلى العامل.

ولا يختلف في ذلك عقد العمل عن عقد إجارة الأشخاص في الفقه الإسلامي، فكلاهما عقد يرتب على إبرامه التزامات على عاتق كلاً من طرفيه، ويضع الفقه الإسلامي عقد الإجارة ضمن العقود الملزمة للجانبين.

3- عقد العمل هو عقد معاوضة

يعرف عقد المعاوضة بأنه العقد الذي يتقاضى كل من طرفيه مقابل نظير ما يقوم بتقديمه للطرف الآخر، فكل طرف يعطى ويأخذ في ذات الوقت مقابل لما يعطيه، وعقد العمل يعد عقد معاوضة باعتباره عقداً يمنح كلاً من طرفيه مقابل أو عوض نظير ما يقوم بإعطائه، حيث يقوم العامل بإعطاء عمله إلى صاحب العمل، ويتحصل من الأخير على الأجر كعوض ومقابل عن هذا العمل، كما يتحصل صاحب العمل على العمل كعوض ومقابل لما يعطيه للعامل من أجر.

لذلك يمكننا القول إن عقد العمل يعد من عقود المعاوضة طالما ظل عنصرين رئيسيين قائمين ومتحققين فيه، وهما عنصر الأجر الذي يقدمه صاحب العمل وعنصر العمل الذي يقدمه العامل، فإذا ما انحسر عن العقد أياً من هذين العنصرين فإن العقد لا يفقد صفته كعقد معاوضة فقط، بل يفقد أيضاً صفته كعقد عمل لانتفاء أحد أهم العناصر التي يقوم عليها.

ويعد عقد إجارة الأشخاص في الفقه الإسلامي مماثلاً أيضاً لعقد العمل في كونه عقد معاوضة، لاسيما وأن الفقه الإسلامي يكيف عقد الإجارة على أنه عقد بيع للمنافع، وبالتالي تثبت ملكية كل طرف للمقابل الذي يتحصل عليه من العقد، وبالتالي يلزم أن يكون عقد من عقود المعاوضة.

4- عقد العمل هو عقد زمني

يقصد بالعقود الزمنية العقود التي يمثل الزمن أو المدة الزمنية فيها تأثيراً على تنفيذ الالتزامات العقدية، حيث تقاس الالتزامات فيه بالمدة الزمنية التي يسري خلالها، فتختلف تلك الالتزامات باختلاف مدة العقد، فعقد البيع على سبيل المثال هو عقد فوري وليس زمني، حيث يتم البيع بمجرد التراضي، حتى لو كان البيع مؤجل أو مقسط، حيث إن الزمن الخاص بالتسليم أو بسداد الأقساط لا يؤثر في الثمن بالنقص أو الارتفاع، بل يظل كما تم الاتفاق عليه، وبالتالي لا يعد عقد زمني.

أما عقد العمل فيعد عقداً زمنياً باعتبار أن الزمن يمثل عامل رئيسي وجوهري في قياس العمل الذي يقدمه العامل، وأيضاً في قياس مقدار ما يقوم صاحب العمل بسداده من مقابل كأجر للعامل مقابل المدة التي يعمل بها لديه.

وإن اعتبرنا أن القاعدة العامة هي أن عقد العمل هو عقد من العقود الزمنية، فإن هناك استثناءات نادرة على تلك القاعدة، وتتمثل هذه الاستثناءات في الحالات التي يكون فيها عقد العمل عقداً فورياً، وهذه الحالات يكون فيها الاتفاق بين طرفي عقد العمل هو ليس تقديم عمل ولكن تحقيق هدف ونتيجة معينة، وذلك دونما النظر إلى الزمن الذي يستغرقه الوصول إلى هذا الهدف أو تلك النتيجة[7]، وهذا الاستثناء نص عليه المنظم السعودي في نص المادة رقم (57) من نظام العمل السعودي، حيث نص في مضمونها على أن (إذا كان العقد من أجل القيام بعمل معين فإنه ينتهي بإنجاز العمل المتفق عليه)، مما يؤكد أن عقود العمل الفورية هي استثناء على القاعدة العامة التي قوامها أن عقد العمل هو عقد زمني تمثل مدته أثراً جوهرياً على تحديد الالتزامات التي يتحمل بها طرفيه.

5- عقد العمل هو عقد يتأثر بالاعتبار الشخصي للعامل

يعد الاعتبار الشخصي من المسائل الجوهرية المؤثرة في العقود التي تتأثر به، لاسيما وأنه يرتب بعض الآثار الخاصة التي لا تترتب في العقود التي لا يعد الاعتبار الشخصي للمتعاقد فيها له تأثير يذكر.

ويعتبر عقد العمل من طائفة العقود التي تتأثر بالاعتبار الشخصي للعامل، أي أن شخص العامل يعد مؤثراً في تعاقد صاحب العمل معه، لاسيما وأن العامل قد يكون حاصلاً على مؤهلات معينة، أو يتمتع بقدرات ومهارات متميزة في مجال العمل، أو أن يكون لديه خبرة في عمله تفوق ما يتمتع به سواه، وغيرها من السمات الشخصية لدى العامل والتي تمثل الباعث الرئيسي الذي يجعل صاحب العمل يتعاقد مع هذا العامل بعينه[8].

ويترتب على كون عقد العمل هو عقد من عقود الاعتبار الشخصي أنه متى توفى العامل فإن عقد العمل ينقضي، ولا يمكن أن يقوم ورثته باستكمال العمل الذي تعهد مورثهم بالقيام به، لاسيما وأن الاعتبار الشخصي يحول دون استبدال العامل بآخر ليقوم بعمله، إلا إذا كان صاحب العمل قد أجاز ذلك ووافق عليه، وقد نص نظام العمل السعودي في هذا الشأن بمادته رقم (79) على أن (لا ينقضي عقد العمل بوفاة صاحب العمل ما لم تكن شخصيته قد روعيت في إبرام العقد، ولكنه ينتهي بوفاة العامل أو بعجزه عن أداء عمله …..).

6- عقد العمل هو عقد يرد على العمل

يعتبر المحور الأساسي والركيزة الرئيسية لإبرام عقود العمل هو العمل الذي يؤديه العامل لصالح ولحساب صاحب العمل، هذا العمل الذي يقوم العامل به في ظل تبعيته لصاحب العمل وإشرافه، وبدون العمل الذي يقدمه العامل لا يعد العقد عقد عمل، وذلك لافتقاده العنصر الأساسي الذي يقوم عليه هذا العقد وهو العمل المطلوب من العامل أن يؤديه.

ونظراً لأن العمل هو أساس عقد العمل فإنه يعد من العقود الواردة على العمل، مثله في ذلك مثل عقد المقاولة كما سنوضح تفصيلاً عند التعرض للتمييز بين عقدي العمل والمقاولة.

ثالثاً: التمييز بين عقد العمل وما يتشابه معه من عقود

بعد أن تعرضنا إلى التعاريف الفقهية والقانونية لعقد العمل، وأوضحنا الخصائص التي يتسم بها هذا العقد، ننتقل الآن إلى التمييز بين عقد العمل وبعض العقود الأخرى التي تتمتع بجانب من صفاته وخصائصه بصورة قد تدخل الخلط على البعض بينها وبين عقود العمل، لذلك سوف نوضح أوجه التمييز بين عقد العمل وتلك العقود في هذا البند من المقال.

1- التمييز بين عقد العمل وعقد المقاولة

عقد المقاولة يقصد به العقد الذي يتفق بموجبه أحد طرفيه مع الطرف الآخر على أن يقوم بتنفيذ عمل معين أو تصنيع شيء محدد للطرف الآخر، وذلك نظير أجر يتقاضاه عن ذلك، ودون أن يخضع لرقابته أو إشرافه في ذلك[9].

ولعل عقد المقاولة هو أكثر العقود تشابهاً مع عقد العمل، لاسيما وأن عقد المقاولة قد يكون هو الآخر منصباً على القيام بعمل ما مثله في ذلك مثل عقد العمل، وهو أكثر الأمور تأثيراً في حدوث الخلط لدى البعض بين العقدين.

إلا أنه وعلى الرغم من ذلك التشابه بين عقد العمل والمقاولة، فإن هناك العديد من أوجه الاختلاف التي تميز كل عقد عن الآخر والتفرقة بينهما، ومن أهم أوجه الاختلاف تلك نذكر ما يلي:

– يختلف عقد العمل عن عقد المقاولة في عنصر التبعية، حيث إن العامل في عقد العمل يكون خاضعاً لرقابة وإشراف وإدارة صاحب العمل، فيلتزم بتوجيهاته وينصاع لتعليماته، في حين أن المقاول في عقد المقاولة يعمل بصورة طليقة من أي قيود، فلا يخضع لرقابة أو إشراف من قبل صاحب العمل، بل إن صاحب العمل يمتنع عليه أن يتدخل في طريقة عمل المقاول طالما أنه يقوم بالعمل المنوط به على النحو المتفق عليه، فيكون المقاول متمتعاً باستقلالية في عمله عن صاحب العمل.

– كما يختلف أيضاً عقد العمل عن عقد المقاولة من حيث أحكام إنهاء كل منهما، فعقد العمل له إجراءات وضوابط خاصة به وحده تختلف عن إجراءات إنهاء عقد المقاولة، وهذه الإجراءات والضوابط حددها المنظم السعودي في نظام العمل، وقصرها على عقد العمل فقط دون سواه، وهو ما يستدل منه على أن إجراءات وضابط إنهاء عقد العمل لا يشاركه فيها عقد المقاولة للاختلاف الجوهري بينهما.

– أما من حيث الأجر الذي يستحق عن كل من عقدي العمل والمقاولة فقد فرض المنظم السعودي حماية خاصة بأجر العامل لا تتوافر لأجر المقاول، حيث تضمن نظام العمل السعودي في مادته رقم (92) والتي حالت دون خصم أي مبالغ من أجر العامل كقاعدة عامة، وقررت بعض الاستثناءات التي يجوز فيها ذلك على سبيل الاستثناء وفي حدود معينة تتمثل في عدم تجاوز الخصم عن نسبة توازي 50% من هذا الأجر، في حين لا يوجد في أحكام عقد المقاولة ما يماثل ذلك.

2- التمييز بين عقد العمل وعقد الشركة

عرف المنظم السعودي عقد الشركة في سياق تعريفه للشركة بنص المادة رقم (2) من نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/132) بتاريخ 1/12/1443هـ وقرار مجلس الوزراء رقم (678) بتاريخ 29/11/1443هـ، وذلك بأنه العقد الذي بموجبه يلتزم شخصين أو أكثر المساهمة في مشروع يهدف إلى تحقيق الربح، وذلك بتقديم حصة سواء كانت في شكل مال أو عمل أو كلاهما معاً، واقتسام أي ربح أو خسارة تترتب عليه.

ومن خلال التعريف المذكور لعقد الشركة يمكننا أن نتبين وجه الاختلاف بينه وبين عقد العمل، وهذا الاختلاف ينصب بشكل رئيسي على عنصر التبعية الذي يتوافر في عقد العمل كما سبق وأن أوضحنا، إلا إنه لا يتوافر في عقد الشركة، فالشركاء لا يخضع أياً منهم لتبعية أي شريك آخر، وهذا الأمر يتوافق مع طبيعة الشركة التي يكون فيها الشركاء على قدم المساواة فلا يخضع أيهم لرقابة أو إشراف من سائر الشركاء الآخرين.

3- التمييز بين عقد العمل وعقد الوكالة

عقد الوكالة هو العقد الذي بموجبه يقوم أحد الطرفين (الموكل) بتفويض الطرف الآخر (الوكيل) في القيام بتصرفات قانونية لحسابه[10]، وعلى الرغم من تشابه عقدي العمل والوكالة في محلهما المتمثل في عمل يقوم به أحد طرفي العقد لصالح الطرف الآخر، إلا أن هناك عدة أوجه للاختلاف فيما بينهما، ويمكننا أن نوجز تلك الأوجه فيما يلي:

– من حيث الحماية النظامية فإن المنظم السعودي قد أحاط العامل بالعديد من الضمانات التي تمثل أوجه حماية له من صاحب العمل، سواء في الأجر، أو الإجازات، أو ظروف العمل، أو غيرها من الحقوق الأخرى الخاصة بالعامل في مواجهة صاحب العمل، والتي تجعل من عقد العمل وسيلة لحماية العامل، في حين نجد أن الوكيل في عقد الوكالة لا يجد حماية مثل تلك المقررة للعامل.

– تقوم الوكالة من حيث الأصل باعتبارها تبرعاً من قبل الوكيل لصالح الموكل فلا يتقاضى عنها أجراً في الغالبية العظمى من الحالات، بينما عقد العمل يعد الأجر فيه عنصر رئيسياً لانعقاده، فلا ينعقد متى تخلف أجر العامل.

– يختلف عقد العمل عن عقد الوكالة في العمل الذي يدور ينصب عليه كلاً منهما، ففي عقد العمل يكون العمل الذي يقدمه العامل هو عمل مادي، بينما العمل الذي يقدمه الوكيل في عقد الوكالة هو تصرف قانوني.

– في عقد العمل لا يترتب على وفاة صاحب العمل انتهاء العقد، بل يظل العقد قائماً، عدا الحالة التي تكون فيها شخصية صاحب العمل محل اعتبار عند التعاقد مع العامل، في حين أن عقد الوكالة ينتهي بمجرد وفاة الموكل.

– منح نظام العمل السعودي في مادته رقم (19) امتيازاً لأجر العامل، حيث جعل أجره وجميع مستحقاته المالية – ومستحقات ورثته – في مرتبة الديون الممتازة من الدرجة الأولى، بينما في عقد الوكالة لا يتمتع أجر الوكيل – إن وجد – بمثل تلك الحماية.

4- التمييز بين عقد العمل وعقد الإيجار

يرتبط عقد العمل مع عقد الإيجار بعلاقة يمكننا أن نصفها بأنها تشابه العلاقة بين الجزء والكل، حيث إن كل عقود العمل تعتبر عقود إيجار تقع على الأشخاص، في حين أنه ليست كل عقود الإيجار هي عقود عمل، فكما سبق وأن أوضحنا سلفاً في هذا المقال أن عقود الإيجار قد ترد على الأعيان أيضاً، ولذلك يختلف عقد الإيجار عن عقد العمل في أن عقل العمل هو إيجار للأشخاص فقط، بينما عقد الإيجار ينصب على الأعيان، فهو اختلاف جوهري ينصب على محل العقد.

رابعاً: بعض أحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

– الحكم الصادر من محكمة الدمام التجارية رقم 1136 لسنة 1442هـ بجلسة 4/7/1442، والمتضمن أن (بناء على ما تقدم من الدعوى ولكون المدعي يهدف من إقامة دعواه إلى المطالبة بالمبلغ الوارد في صحيفة الدعوى نظير الأعمال التي كلف بها بصفته عضواً منتدباً للمدعى عليها قائما بمهام عمل المدير التنفيذي محتسبا أجر ذلك على أساس احتساب أجر المدير التنفيذي المعين سابقا، ولكون البحث في مسائل الاختصاص وشمول الدعوى المنظورة بولاية المحكمة مقدم على نظر أصل الحق، ولسماع الدائرة القدر الكافي الذي تستطيع معه البت في مسألة الاختصاص ولكون جوهر النزاع القائم متفرع عن علاقة عمل قائمة على أساس تبعية العامل لرب العمل وإشرافه المباشر على مهام عمله، يتمثل ذلك في صدور قرار الشركاء في تكليف المدعي بأعمال المدير التنفيذي، وهي إرادة صريحة أنشأت العلاقة العمالية وإن لم تكن مفرغة في قالب تعاقدي، لما جاء في المادة الثانية من نظام العمل والتي عرفت العمل بأنه “الجهد المبذول في النشاطات الإنسانية كافة، تنفيذًا لعقد عمل (مكتوب أو غير مكتوب) بصرف النظر عن طبيعتها أو نوعها”، يعضد ذلك طلب المدعي إلزام المدعى عليها بدفع أجره المبنى على احتساب أجر المدير التنفيذي السابق، الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى عدم انعقاد الاختصاص لنظر النزاع القائم).

خامساً: الخاتمة

يعتبر عقد العمل من العقود التي لا غنى للإنسان عنها في حياته سواء الشخصية أو العملية، كما أنه أصبح أحد الدعائم الرئيسية التي تعتمد عليها دول العالم – ومنها المملكة العربية السعودية – في توفير بيئة مناسبة للعمل، وذلك بما يتيح للعامل الراحة النفسية التي تجعله يبذل قصارى جهده في عمله، وهو ما ينعكس بدوره بشكل إيجابي على اقتصاد الدولة، مما حدا بالمنظم السعودي بإصدار نظاماً خاصاً به لتنظيم عقد العمل وما ينشأ عنه من علاقات، بل وقرر له نظاماً قضائياً خاصاً للفصل في النزاعات الخاصة به وهي لجان تسوية المنازعات العمالية.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – الإمام شمس الدين السرخسي – المبسوط – ط2 – دار المعرفة – لبنان – ج 15 – بدون عام نشر – ص74.

[2] – الإمام أحمد الدردير – الشرح الصغير على أقرب الممالك إلى مذهب الإمام مالك – تخريج مصطفى كمال وصفي – دار المعارف – مصر – ج 4 – بدون عام نشر – ص6 وما يليها.

[3] – شمس الدين الرملي – نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج – الطبعة الأخيرة – مطابع مصطفى البابي الحلبي – مصر – ج5 – 1967 – ص261.

[4] – منصور البهوتي – كشاف القناع على متن الإقناع – عالم الكتب – لبنان – ج 3 – 1983 – ص 546.

[5] – نزار الكيالي – الوسيط في شرح نظام العمل السعودي – ط1 – الدار السعودية – جدة – 1973 – ص71 وما يليها.

[6] – السيد نايل – قانون العمل: ملحق به مشروع قانون العمل الموحد – دار النهضة العربية – مصر – 2001 – ص88 وما يليها.

[7] – محمد لبيب شنب – شرح قانون العمل – ط4 – دار النهضة العربية – مصر – 1987 – ص92.

[8] – عادل الفجال – الإنهاء غير المشروع لعقد العمل: دراسة مقارنة – منشأة المعارف – مصر – 2005 – ص9 وما يليها.

[9] – محمد لبيب شنب – شرح أحكام المقاولة – دار النهضة العربية – مصر – 1962 – ص11.

[10] – رأفت حماد – الوسيط في شرح أحكام قانون العمل – دار النهضة العربية – مصر – 2001 – ص64.