عقد التفاوض بحسن نية في النظام السعودي

مراحل إبرام العقود لا تسري على وتيرة واحدة فتختلف باختلاف موضوع العقد وحجمه، ومن تلك المراحل التي يمر بها العقد مرحلة التفاوض، يمكن القول إن نسبة كبيرة من العقود لا تظهر فيها تلك المرحلة بالشكل القانوني البحت، بل تكون عبارة عن مرحلة اتفاقات شفوية بسيطة يتم بعدها إبرام العقد مباشرةً، وفي هذا المقال سنتحدث عن تلك المرحلة وسيكون ذلك من خلال النقاط التالية:

 

أولًا: التعريف بمرحلة التفاوض

وعرفت المرحلة السابقة تلك بأنها “مرحلة تقوم على المناقشة بهدف الوصول إلى اتفاق مشترك بين الأطراف لتحقيق حل متفق عليه لحماية مصالح المتعاقدين وحل ما بينها من خالف”[1].

ومن التعريف نجد أن تلك المرحلة لم يشترط فيها شكلًا معين، فقد تكون شفوية وقد تكون عبارة عن تبادل خطابات لتقارب وجهات النظر وقد تكون في شكل منتظم مكتوب لوضع الخطوط العريضة اللازمة لإتمام التعاقد.

ومرحلة التفاوض قد تكون مكلمة للعقد بشكل صريح إذا ما نص على ذلك العقد، ففي بعض الحالات قد يعتمد الطرفان في العقد ما دار بينهما من تفاوض قبل إبرام العقد تكملة للعقد ومفسر له، كذلك قد لا يعتمد أطراف العقد تلك المرحلة بحيث يتم النص على إقصائها من التعاقد بحيث لا يرجع إليها متى حدث نزاع في موضوع العقد ويتم النص على ذلك صراحة بالعقد.

ثانيًا: أهمية مرحلة التفاوض

إن اللجوء إلى هذه المرحلة التي تسبق إبرام العقد يرجع إلى أسباب اقتصادية تتمثل في عظم قيمة العملية أو العقد المراد إبرامه أو أسباب نفسية اجتماعية تحكمها ظروف كل مجتمع على حدة أو أسباب قانونية ترجع إلى صعوبة وتركيبة العقود بما لا يكفي معه الارتكان إلى القواعد المكملة التي تطبق عند عدم وجود اتفاق على ما يخالفها[2].

ومن الملاحظ أن تلك المرحلة لها أهمية كبرى في تلك العقود التي تستغرق الوقت في الاتفاق كما في المشروعات الكبيرة، فتلك المرحلة قد تكون مكملة للعقد متى حدث لبس في تفسير بنود العقد، فقد نصت المادة (150/1) من القانون المدني المصري على أنه “إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقا للعرف الجاري في المعاملات”.

كما أنها تكون مهمة متى ترتب عليها أثر قبل إبرام العقد، مثال شراء أحد طرفي العقد بضائع للطرف الأخر بعد مرحلة التفاوض وقبل إبرام العقد ثم امتنع الطرف الأخر على إبرام العقد، فحينئذ يجوز للطرف الذي قام بشراء البضاعة أن يطالب بإلزام الطرف الأخر بتنفيذ ما اتفق عليه خلال مرحلة التفاوض.

ولعل ما ذكرنا من أهمية هو الذي الزم أن تكون تلك المرحلة قائمة على حسن النية لأنها لا تقل أهمية عن العقد ذاته.

ثانيًا: المراحل التي تمر بها مرحلة التفاوض

يمكنا القول أن مرحلة التفاوض تمر بثلاث مراحل هي الرئيسية، أولها “مرحلة عرض الأفكار” وهي عبارة عن طرح كل طرف لتصوره عن إبرام العقد فيحدد كل طرف ما يمكن أن يلتزم بها وما ينتظره من حقوق، المرحلة الثانية “مرحلة مناقشة الأفكار المعروضة” ليس بالضرورة أن تلقى الأفكار المطروحة من كل طرف القبول لدى الطرف الأخر، وفي تلك المرحلة تدور المناقشات للوصول على تقريب وجهات النظر بخصوص النقاط المختلف عليها، وأخيرًا المرحلة الثالثة “مرحلة الاتفاق” وفيها يسطر اطراف التعاقد ما اتفقا عليه من بنود وقد لا يستطر هذا الاتفاق فيظل شفويًا لحين تحرير العقد.

والجدير بالذكر أن المرحلة الأهم في تلك المراحل والتي تتطلب حسن النية هي المرحلة الثالثة والتي يتم الاتفاق فيها على شروط التعاقد.

ثالثًا: الأهلية المطلوبة في مرحلة التفاوض

مرحلة التفاوض كما بينا تمر بعدة مراحل والذي يهمنا في الحديث عن الأهلية المطلوبة في مرحلة التفاوض هي المرحلة الثالثة والأخيرة “مرحلة الاتفاق”، وأهمية توافر الأهلية فين يقوم بالتفاوض أنه متى تم اللجوء إلى ما اتفق الأطراف عليه قبل إبرام العقد فإنه لابد أن يكون صادر من ذي أهلية للتفاوض، ونقصد هنا بالأهلية أهلية التصرف بأن يكون بالغ السن القانوني وليس به علة تمنعه من التصرف كالجنون أو العته أو الغفلة.

رابعًا: مبدأ التفاوض بحسن النية

1- مفهوم المبدأ

يمكن تعريف حسن النية بأنها التعامل بصدق واستقامة وشرف مع الغير بصورة تبقي ممارسة الحق ضمن الغاية المقيدة والعادلة التي أنشئ من أجلها، والتزام كل من طرفي العقد بها لا تؤدي هذه الممارسة إلى الإضرار بالغير[3].

ومن هذا المفهوم نرى أن مقتضيات التعاملات لابد أن يسير وفق مبدأ حسن النية، ومرحلة التفاوض لابد أن تسري وفق هذا المبدأ كذلك حيث إنها كما بينا يمكن أن يترتب عليها أثار تمس التعاقد والمتعاقدين.

2- مبدأ حسن النية في الشريعة الإسلامية

إن الشريعة الإسلامية هي أساس النظم القانونية في التشريع السعودي، فنلاحظ أن هناك العديد من الأمور لم ينظمها المشرع السعودي في نصوص منضبطة، بل تركها للعاملين بالمجال القضائي لاستنباطها من النصوص الشرعية، ومن تلك المواضع موضوع مقالنا “عقد التفاوض بحسن النية”

فللمتعاقدين الحق في التمسك بشروط العقد وبنوده، إلاّ أنه في بعض الحالات قد يؤدي التمسك بحرفية شروط العقد إلى الإجحاف بالطرف الآخر وزيادة التزاماته وإلحاق الضرر به في بعض الحالات كالظروف القاهرة أو المرهقة، فلا ضرر ولا ضرار، فليس للمتعاقد أن يتمسك بشروط العقد على وجه يتنافى مع حسن النية فالكتمان وعدم الإفصاح الأمين والصادق يخل بمبدأ حسن النية في المعاملات، فمن غشنا فليس منا[4].

وفي ذلك جاء بالحُـكم رقم (/د/1/3) لعام 1413ھـ، الـدّائرة الثـالثة الإدارية – ديوان المـظـالم (أنّ النّصَّ في العقد على عدم زيادة الأسعار يقتصر على الأسعار الحقيقية للوحدات التي تمَّ التعاقد بين الطرفين على توريدها، دون الرّسوم الجمركية، إذْ هي تمثل عنصراً مستقلاً عن عناصر تكلفة العقد التي يضعها المقاول في حسبانه عند وضع أسعار عرضه ويدخلها في نظام التكلفة العامّة للعقد، فهي في الحقيقة مُجرّد رسومٍ على توريد الوحداتِ وليست سِعراً لها، ومِن ثَمّ فليس للوزارة حقُّ حِرمانِ المقاوِل مِن الحصول على الزيادة الطّارئة في الرّسوم بعد تقديم عرضه، بحُجَّة أنها تدخل في الهامش النّقدي الذي يضعه المقاول في حسبانه عند احتساب الأسعار، ليدفع به كافّة المخاطر المُحتمَلة[5].)

3- مبدأ حسن النية في التشريعات الدولية

كذلك نجد ان مبدأ حسن النية قد أقرته التشريعات الدولية، ومنها ما جاء بمبادئ اليونيدروا الدولية العقود التجارية 2016 والتي جاء فيها:

ARTICLE 1.7 (Good faith and fair dealing)

(1) Each party must act in accordance with good faith and fair dealing in international trade.

(2) The parties may not exclude or limit this duty.

4- مرونة مبدأ حسن النية في التفاوض

مبدأ حسن النية يخضع لسلطة تقديرية للقاضي، فمنبع تلك السلطة التقديرية للقاضي أن حسن النية كمبدأ يتحدد بمعيار موضوعي كما بينا يمكن أن يتغير بتغير الظروف، فالقاضي حين تعرضه لنزاع قضائي فيما يخص حسن النية في مرحلة التفاوض فله أن يستنبط من مجريات الأمور ما يؤكد توافر سوء النية من عدمه.

فبما أن حسن النية في مجال التعامل هو مبدأ قانوني فهو بالتالي يتميز بصفات المبادئ القانونية المتمثلة في المرونة، وعدم التحديد، والانطباق على فروض وحالات عدة مما يفسح المجال أمام القاضي للاجتهاد فيها، وإيجاد الحلول القانونية الواقعية للوقائع المعروضة أمامه متباينة، هذه الأخيرة التي يصعب حصرها وعدها لأن الجوانب، متشعبة النواحي، متجددة المظاهر.

خامسًا: التزامات المترتبة على مبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض

1- الالتزام بالإعلام

كما بينا فإن فترة التفاوض يقرر كلًا من أطراف العقد هل سيتم العقد أم لا، ويعد أولى الالتزامات التي تقع على طرفي العقد الالتزام بالإعلام، والالتزام بالإعلام يعني أن يفصح كل طرف عما لديه من معلومات قد تؤثر في قناعة الطرف الأخر، ولعل أبرز ما يمكن أن يترتب على إغفال تلك المعلومات أن يهدد العقد بالإبطال لم يقع من غش أو تدليس من الطرف الحاجب للمعلومات.

وبالتالي يقع الالتزام بالإعلام على عاتق البائع المحترف، وهذا لا يعني بأن البائع غير المحترف معفي من كل التزام، لأنه لا يشترط عليه تقديم المعلومات التقنية لكنه غير معفى من أن يقول بأمانة ما يعرفه من معلومات[6].

2- الالتزام بالاستعلام

الالتزام بالاستعلام هو الالتزام المقابل للالتزام بالإعلام، ونعني بالالتزام بالاستعلام ان يتمتع الطرف القابل في التعاقد بقدر من البصيرة والحيطة في إبرامه للعقد، وللتوضيح أكثر فالمشتري على سبيل المثال لوحدة سكنية في عقار يظهر بسهولة أن به ميل يتضح للرائي دون أن يكون من أصحاب الخبرة، فهنا يرتب الالتزام بالاستعلام أن يسأل المشتري عن سبب هذا الميل.

3- الالتزام بالتعاون والسرية

مرحل التفاوض لابد أن يلتزم فيها الطرفان بالتعاون للوصول إلى نقاط الاتفاق وحل نقاط الاختلاف، كذلك فإن بعض أنواع التعاقدات تستلزم السرية أثناء المفاوضات لما يمكن أن يحدث من ضرر جراء إفشاء المعلومات عن تلك المرحلة، خاصة بالنسبة للشركات التي تستخدم تقنيات معينة.

ويظهر هذا الالتزام كذلك في عقد الشركة الذي يتطلب نية المشاركة فيما بين الشركاء وخاصة شركات الأشخاص لأن التعاون بين الشركاء مطلوب لتحقيق أهدافها، وهذا الركن ضروري لصحة الشركة فلا يمكن أن يقوم بدونه[7].

سادسًا: الجزاء المترتب على مخالفة مبدأ حسن النية

بفهمنا لطبيعة التفاوض نجد أن تميل للالتزامات الأدبية أكثر منها إلى تعاقدية، وما نتحدث عنه هنا هو الجزاء في حالة عدم تمام العقد، ذلك لأن عدم الالتزام بحسن النية وتمام التعاقد يرتب التزامات تعاقدية، فالغش والتدليس والاستغلال هم عيوب تهدد قيام العقد وتحدث ما قبل إبرام العقد، إلا أن التعرض لأي من تلك العيوب يكون مترتب على التزام تعاقدي تم، أما ما نتحدث عنه في مجال الجزاء المترتب على مخالفة مبدأ حسن النية فيمكن اعتبارها مسؤولية تقصيرية يلزم لتوفر توافر عناصرها الثلاثة الخطأ والضرر والعلاقة السببية.

وإن الأضرار التي يجوز المطالبة بالتعويض عنها للطرف المضرور في مرحلة المفاوضات كثيرة ومتنوعة، غير أنه يمكن القول إن هذه الأضرار والتي جرى العمل على التعويض عنها هي نفقات التفاوض والضرر المترتب عن ضياع الوقت والتعويض عن السمعة التجارية والتعويض عن ضياع الفرصة[8].

وكذلك التشريعات الدولية قررت الجزاء لسوء النية في التعاقد ومنها مبادئ اليونيدروا الدولية العقود التجارية 2016 والتي جاء فيها:

ARTICLE 2.1.15 (Negotiations in bad faith)

(1) A party is free to negotiate and is not liable for failure to reach an agreement.

(2) However, a party who negotiates or breaks off negotiations in bad faith is liable for the losses caused to the other party.

(3) It is bad faith, in particular, for a party to enter into or continue negotiations when intending not to reach an agreement with the other party

ولابد أن يثبت الطرف المضرور من عدم الالتزام بمبدأ حسن النية ما أصابه من ضرر، وذلك بناء على المسؤولية التقصيرية، وفي ذلك قضى كذلك في حكم ديوان المظالم الصادر في ١٠/٥/١٤٣٦هـ ـ بأنه:” قد اتضح من البيان الذي أرفقه من صور نسخ العقود أن مبلغ من قدرة أحد عشر مليون ومائة وستون ألف ريال إنما هو ربح فائت عن مبالغ استثمار المبنى بعد تاريخ إخلائه، أي بعد انقطاع عقد استئجاره بزوال العين المؤجرة، وهو مما لا وجود له، فلا يصح المطالبة بفوات الربح العائد منه مطلق لعدم تحقق وقوع الضرر المدعى”[9]

سابعًا: المعيار المحدد لمبدأ حسن النية

هناك معيارين يمكن من خلالهما الوقوف على مدى اعتبار الفعل الذي يقوم به الأطراف في التعاقد من سبيل التعامل بحسن النية أو غير ذلك، وأولى المعياريين هو المعيار الذاتي وفي هذا المعيار ينظر إلى المتعاقد ذاته وليس إلى الفعل الذي أرتكبه هل يمثل سوء نية أم لا. أما المعيار الثاني وهو المعيار الموضوعي والذي يتجه إلى وضع مجموعة من القواعد تكون عامة مجردة يقاس عليها أفعال الأشخاص فيعرف الصواب من الخطأ “معيار الرجل العادي”، ونحن نؤيد هذا المعيار.

وهذا المعيار يستلزم من المتعاقد أن يكون يقظا حريصا في تصرفاته حتى لا تضر بالآخرين ذلك أن قواعد الأخلاق والعدالة كما لا يقترنه الإضرار بالغير، سوء النية الذاتي لا يقر كذلك الإهمال والتقصير أي سوء النية الموضوعي ويستلزم هذا المعيار من المتصرف أن يكون أمينا ومخلصا في إبرام تصرفاته وتنفيذه[10].

ثامنًا: تطبيقات قضائية

محكمة: المحكمة التجارية- المدينة: جدة- رقم القضية – القرار: ٢٣٦تاريخها: ٢٢/١/١٤٤٠

(الأسباب)

ولما كانت المنازعة القائمة بين المدعية والمدعى عليها ناشئة عن عقد مقاولات؛ فإنه يعد من الأعمال التجارية، وفقاً للمادة الثانية من نظام المحكمة التجارية، ونظام المرافعات الشرعية، وعليه فإن الفصل في النزاعات الناشئة بينهما بخصوص العقد محل الدعوى من اختصاص الدوائر التجارية في المحاكم التجارية.

ولما كان المقرر في الفقه والقضاء أن الدعوى تقام أمام المحكمة التي تقع في نطاق محل إقامة المدعى عليه، وحيث تبين أن مقر المدعى عليها بمحافظة جدة، فإن هذه المحكمة تكون مختصة بنظر هذه الدعوى مكانياً؛ وفقاً للمادة (٣٦) من نظام المرافعات الشرعية.

وعن الموضوع, ولما كان المدعي يهدف من دعواه إلى إلزام المدعى عليه ببيع الكسارتين لموكلته مستندا في ذلك إلى الاتفاقية الصادرة من المدعى عليها فإنه يتبين أن هذه الاتفاقية لا تفيد حصول التعاقد بين الطرفين وإنما مضمونها الاتفاق على التعاقد والوعد به متى تحققت التزامات الطرفين المنصوص عليها في الاتفاقية, ومما يؤكد ذلك تعليق التزامات كلا الطرفين بالمستقبل, والوعد بالتعاقد غير لازم عند جمهور أهل العلم, وحيث إن طلب المدعي هو من قبيل تقييد المالك من التصرف في ملكه, وهو مخالف لما هو مقرر شرعاً ونظاماً من منح المالك حرية التصرف فيما هو تحت يده, وحيث لم يقدم مستندا يفيد بأحقيته بوقف البيع أو استحقاقه للشراء, فإن الدائرة تنتهي إلى رفض طلبه.

(لذلك)

حكمت الدائرة برفض الدعوى المقامة من المدعية شركة (…) للمقاولات سجل تجاري رقم (…) ضد الشركة (…) للمقاولات والصناعة، سجل تجاري رقم (…).

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

محكمة: المحكمة التجارية- المدينة: جدة- رقم القضية – القرار: ٥٧٧٦تاريخها: ٢٦/٤/١٤٤٢

فعقبت المدعية بان ما ذكره المدعى عليه بشان الاتفاق مع (…) بانها كانت مجرد مفاوضات ولم يتم الوصول إلي اتفاق نهائي بشأنها, ثم طلب المدعى عليه حضور المدعو (…) والذي تم الاتفاق معه بذلك, ثم أفهمت الدائرة وكيل المدعية بان عليه إحضارهم في الجلسة القادمة فاستعد بذلك، وبجلسة ١٣/٠١/١٤٤١هـ حضر (…) هوية وطنية رقم (…) ذكر بانه تم التفاوض مع المدعى عليه من اجل خصم مبلغ قدره (٣٠.٠٠٠) ريال من الدين المتبقي في ذمته لكنه لم يتخذ فيها قرارا وانه ليس احد مدراء الشركة، وبجلسة ١٥/٠٤/١٤٤١هـ وبحضور طرفي الدعوى، وبعد اطلاع الدائرة على السجل التجاري للشركة المدعية تبين أن (…) ليس مديرا للشركة وليس له صلاحية للإبراء عن الديون، ولصلاحية الدعوى للفصل فيها، أصدرت الدائرة حكمها مؤسساً على ما يأتي:

(الأسباب)

بما أن وكيل المدعي طلب إلزام المدعى عليها بدفع مبلغ (٦٦.٢٨٤) ريال. مقابل توريد دهانات، وقدم بينة موكلته على المبلغ محل المطالبة المتمثلة في مصادقة الرصيد المؤرخة في ١٧/١/٢٠١٨م , ومضمونها بان موكلته قد قامت ببيع بضائع بالأجل عباره عن دهانات , وترتب في ذمته مبلغ ٦٦٢٨٤ الف ريال، وقد أقر المدعى عليه بها، ودفع بالاتفاق على المقاصة مع (…) بعد قيامه بأعمال لصالحه، وقد تبين للدائرة وبعد اطلاعها على السجل التجاري للشركة المدعية أن (…) ليس مديرا للشركة وليس له صلاحية للإبراء عن الديون فإن الدائرة تنتهي إلى إلزام المدعى عليها بالمبلغ المدعى به، الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى الحكم بما يرد بمنطوقه.

(منطوق الحكم)

بإلزام (…) هوية وطنية رقم: (…) صاحب فرع مؤسسة (…) سجل تجاري رقم: (…) بأن يدفع لشركة (…) المحدودة سجل تجاري رقم: (…) مبلغا قدره (٦٦.٢٨٤) ريال.

محكمة: المحكمة التجارية-المدينة: الرياض- رقم القضية – القرار: ١٧٥٥/١/ق تاريخها:٨/٩/١٤٣٩

(الأسباب)

استناداً على الوقائع المذكورة، وحيث إن المدعية تهدف من دعواها طلب إلزام المدعى عليها بدفع مبلغ وقدره (٢٩٦.٦٣٨) ريال، قيمة توريد مواد غذائية للمدعى عليها، ولما كانت المدعى عليها لا تنكر التعامل، ولكنها تدفع بوجود الاتفاق الشفوي على توحيد الأسعار بين العملاء، ورد البضائع التي وردت بأعلى من سعر السوق وسحبها من المستودعات، في حين أنكرت المدعية دفوع المدعى عليها وقدمت الفواتير المصادق عليها بختم المدعى عليها والموقعة بالاستلام، وكذلك كشف الحساب المبين فيه الفواتير محل المطالبة والمصادق عليه بتوقيع وختم المدعى عليها والمتضمنة أعلى من مبلغ المطالبة، وحيث إن المدعى عليها لا تنكر الاستلام، ولم تقدم بينة على دفعها بوجود الاتفاق على توحيد السعر وسحب البضاعة من المخازن، مما يجعله دفعاً مرسلاً، عوضاً عن كون وكيل المدعية قدم ما ينقض هذا الدفع والمتمثل في مصادقة المدعى عليها على كشف الحساب، وقيامها بسداد جزء من مبلغ المطالبة بتاريخ ١٩/٥/٢٠١٦م، دون إبداء معارضة مما ينتفي معه دفع المدعى عليها، الأمر الذي يترجح لدى الدائرة استحقاق المدعية ما تطالب به بثبوته بالبينة استناداً على المادة الكافية استناداً على المادة (١٣٩) من نظام المرافعات الشرعية، الأمر الذي تنتهي معه الدائرة إلى لزوم المطالبة في مواجهة المدعى عليها.

(فلهذه الأسباب)

حكمت الدائرة بإلزام شركة (…)، سجل تجاري رقم: (…) أن تدفع لـ/ شركة (…)، سجل تجاري رقم: (…) مبلغاً قدره مائتين وستة وتسعون ألفاً وستمائة وثمانية وثلاثون ريالاً (٢٩٦.٦٣٨)، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تاسعًا: خاتمة

في هذا المقال تحدثنا عن مرحلة هي الأهم من وجهة نظرنا في مرحلة ابرام العقود “مرحلة التفاوض” وبعد أن بينا طبيعة تلك المرحلة وأهميتها بينا أهمية أن يتوفر حسن النية بتلك المرحلة خاصة إذا تم التعاقد عليها، وبينا أن حسن النية يقتضى أن يكون تعامل المتعاقد تعامل الشخص العادي دون أن يتعمد إخفاء شيء أو الغش لدفع الطرف الأخر للتعاقد، والتشريع السعودي المستند لأحكام الشريعة الإسلامية وإعمالًا للقاعدة الفقهية (لا ضرر ولا ضرار) فإنه يمكن القول أن يرتب المسؤولية على عدم الالتزام بحسن النية في مرحلة المفاوضات.

كتابة: محمد السعيد عبد المولى

 

[1] ينظر: د. حسن الحسن: التفاوض والعالقات العامة، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1993، ص11.

[2] ينظر: د. محمد حسام محمود لطفي: المسؤولية المدنية في مرحلة التفاوض، دراسة في القانونين المصري والفرنسي، القاهرة، بلا اسم مطبعة، 1991، ص3.

[3] أنور السلطان، الموجز في مصادر الالتزام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1988، ص451

[4] بوكلوة كنزة، بوطرينخ فضة، مبدأ حسن النية في إبرام وتنفيذ العقود، مذكرة لنيل رسالة الماستر في القانون، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد الصديق بن يحي/جيجل، 2017-2018، صـ18

[5] القضية رقم 721/1/ق لعام 1408هـ

[6] جاك غستان، المطول في القانون المدني، تكوين العقد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2000، ص722

[7] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني في نظرية الالتزام بوجه عام 1ج، دار النهضة العربية، 1981، صـ59

[8] معمر بوطالبة، الإطار القانوني لعقد التفاوض في مفاوضات عقود التجارة الدولية، لنيل شهادة الدكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الإخوة منتوري، قسنطينة، 2017، ص224.

[9] .

(٢ (حكم ديوان المظالم الصادر في ١٠/٥/١٤٣٦هــ رقم (٢٢٢١/٢/س) لعام ١٤٣٦هــ، في القضية رقم (١٣١٩/٥/ق) لعام ١٤٣٥هــ، مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية لعام ١٤٣٦هــ، المجلد السادس، تعويض،

[10] عبد الحليم عبد اللطيف القوني، حسن النية وأثره في التصرفات في الفقه الإسلامي والقانون المدني، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2004.، ص307.