عقد التمويل بالتورق في المصارف السعودية

ظهرت الحاجة إلى المصارف الإسلامية لتكون وسيلة وأداة لقضاء حاجة أفراد المجتمع الإسلامي – سواء الطبيعيين منهم أو الاعتباريين – بصورة تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وذلك بعد أن ثار جدلاً واسعاً حول حرمة العمليات التي تقوم المصارف العادية بممارستها، فأصبح الاتجاه السائد هو استبدال الوسائل المصرفية التقليدية بأخرى تتفق مع الضوابط الشرعية التي تقرها الشريعة الإسلامي، والتي منها على سبيل المثال الإجارة التي تنتهي بالتمليك، وبيوع المرابحة، وعقود التمويل بالتورق.

ولعل مسمى “عقود التمويل بالتورق” يطرق آذان الكثير ممن يطالعون هذا المقال للمرة الأولى، ويعد مسمى غامض بالنسبة لهم على الرغم من الأهمية التي أصبح هذا النوع من العقود يشغلها ليس في مجال العمل المصرفي فقط، بل وفي الحياة الاقتصادية بوجه عام، وهو ما حدا بنا إلى تخصيص هذا المقال للتعرف بشكل أكبر على ماهية عقود التمويل بالتورق في إطار العمل بالمصارف السعودية.

أولاً: التعريف بعقد التمويل بالتورق

عرف التورق في الاصطلاح بأنه شراء السلعة نظير ثمن مؤجل، ثم قيام مشتريها ببيعها إلى شخص آخر، ولكن بمبلغ أقل من قيمتها وبصورة نقدية[1]، ويكون ذلك بهدف أن يوفر السيولة النقدية لديه.

ولم يختلف تعريف التورق في الاصطلاح عن تعريفه في الفقه الإسلامي، حيث عرف فقهاً بأنه شراء منتج من المنتجات من مالكها بثمن مؤجل، وإعادة بيعها إلى شخص أخر خلاف البائع، ولكن نقداً، وذلك لتوفير النقد الذي يشار إليه بمسمى الورق.

وبالتالي فإن التورق يعد وسيلة من وسائل توفير السيولة النقدية لدى الفرد، وذلك من خلال حصوله على سلعة أو منتج ما بالشراء الآجل أو المقسط، ثم يقوم ببيع تلك السلعة أو المنتج فور الحصول عليها لشخص آخر غير الشخص الذي قام ببيعها له، ولكن بثمن نقدي حال يقل عن الثمن الذي اشتراها به، فتتوافر لديه السيولة النقدية بشكل حال وفوري، في حين يظل يسدد أقساط ودفعات الثمن الآجل للبائع الأول، وهو أمر يلجأ إليه هذا الفرد بهدف توفير سيولة نقدية لمواجهة موقف قائم، نظير سداد الثمن على فترة مستقبلية مؤجلة في شكل أقساط.

والتورق الذي تقوم المصارف بممارسته يعرف بمسمى “التورق المصرفي”، ويقصد به أن يقوم العميل لدى المصرف – البنك – بشراء سلعة ما من المصرف بصورة آجلة، ثم يتقدم العميل إلى ذات المصرف بطلب يطلب فيه توفير سيولة نقدية عن طريق إنابة المصرف في القيام ببيع تلك السلعة بشكل حال نظير توفير ثمنها النقدي للعميل، فيكون المصرف في تلك الحالة بمثابة وكيل للعميل يتمم عملية بيع بالوكالة لصالحه وبثمن حال على سلعة سبق وأن قام ببيعها له بثمن آجل، ويعد العقد المبرم بين العميل والمصرف لتنظيم ذلك جميعه هو ما يعرف بعقد التمويل بالتورق.

ثانياً: أنواع التمويل بالتورق المصرفي

يتنوع التمويل بالتورق المصرفي إلى ثلاث أنواع رئيسية وهي التورق المصرفي البسيط، والتورق المصرفي المنظم، والتورق المصرفي العكسي.

1- التورق المصرفي البسيط

في هذا النوع من التورق المصرفي يقوم المستورق بالتعاقد مع المصرف على أن يقوم الأخير بتولي عملية الحصول على السلعة المتفق على شرائها، ثم يقوم المصرف ببيعها إلى المستورق بثمن مؤجل، ويحصل المستورق على تلك السلعة ليبيعها بنفسه إلى المشتري الذي يراه بثمن نقدي عاجل[2].

2- التورق المصرفي المنظم

أما التورق المصرفي المنظم فيقوم بموجبه المصرف بالإعداد لتوفير النقود للمستورق، وذلك عن طريق بيع الصرف لسلعة معينة للمستورق بثمن مؤجل، ثم يتولى المصرف بيعها لصالح المستورق إلى شخص آخر بثمن حال ونقدي أقل في قيمته من الثمن الذي بيعت به للمستورق، ويقوم بتسليم المستورق هذا الثمن نقداً[3].

3- التورق المصرفي العكسي

يعد هذا النوع من التورق المصرفي هو ذاته التورق المصرفي المنظم، ولكنه يتم بصورة عكسية للصورة التي يتم بها التورق المنظم، حيث نجد أن المستورق لا يكون العميل لدى المصرف، بل يكون هو المصرف نفسه، بينما يكون العميل هو الممول، ويقوم المصرف بالتوجه إلى عملائه بطلب توفير النقود له، وذلك من خلال قيام العملاء بشراء سلع ثم بيعها للمصرف بأثمان مؤجلة، ويقوم المصرف ببيعها إلى شخص آخر خلاف عملائه بأثمان حالة تقل عن الأثمان التي اشتراها بها من عملائه.

ثالثاً: من هم أطراف عملية التورق المصرفي؟

وفقاً لأنواع التورق المصرفي سالفة البيان، وما أوردناه من تعاريف مختلفة لعملية التورق المصرفي، فيمكننا أن نضع أيدينا على الأطراف الرئيسية لهذه العملية، والتي لا تقوم إلا بوجودهم مجتمعين، وهؤلاء الأطراف هم تحديداً أربعة أطراف نوضحهم بشكل موجز في النقاط الآتي بيانها.

1- البائع

المقصود بالبائع هنا هو الشخص مالك السلعة التي يتم التعامل عليها بداية في عملية التورق المصرفي، وهو الشخص الذي يتم شراء السلعة التي تتم عليها عملية التورق منه تمهيداً لبيعها للمستورق.

2- المشتري الأول (الممول)

يقصد به الطرف الذي يشتري السلعة من البائع بغرض أن يقوم ببيعها إلى المستورق بثمن مؤجل، ويختلف هذا الطرف باختلاف نوع التورق المصرفي الذي يتم، فقد يكون العميل هو المشتري الأول متى كان المصرف هو الطرف المستورق كما هو الحال في التورق المصرفي العكسي، وقد يكون المصرف هو المشتري الأول متى كان العميل هو الطرف المستورق كما هو الحال في التورق المصرفي البسيط والمنظم.

3- المستورق

يقصد به الطرف الذي يتحصل على السلعة بثمن مؤجل من المشتري الأول (الممول) ليقوم ببيعها بثمن حال ليوفر النقد السائل لنفسه، وهذا الطرف أيضاً قد يكون المصرف أو العميل بحسب نوع التورق المصرفي الذي يتم تحقيقه.

4- المشتري الأخير

يعد هذا الطرف هو الطرف الذي تنتهي عنده دورة السلعة محل عملية التورق المصرفي وتستقر بحوزته، حيث يقصد به المشتري الذي يشتري السلعة محل التورق من الطرف المستورق بثمن حال، والذي يكون ثمناً يقل عن الثمن الذي اشترى به المستورق السلعة في بادئ الأمر من المشتري الأول (الممول)[4].

رابعاً: التزامات طرفي عقد التمويل بالتورق

يعد العميل والمصرف هما طرفي عقد التمويل بالتورق المصرفي، وذلك بغض النظر عن موقع كل طرف منهما ومن يعد المستورق بينهما ومن يعد الممول، في حين يعد كل من البائع والمشتري الأخير هم أطراف في عملية التورق فقط دون أن يكونا ممثلين كطرف في عقد التمويل بالتورق المصرفي.

وباعتبار أن عقد التمويل بالتورق هو عقد يقع على عاتق كلاً من طرفيه التزامات تجاه الطرف الآخر، مثله في ذلك مثل سائر العقود الأخرى الملزمة للجانبين، فإن المصرف باعتباره الممول والعميل باعتباره المستورق يقع على عاتق كلاً منهما التزامات تجاه الطرف الآخر، وسوف نوضح تلك الالتزامات في هذا البند من المقال.

1- التزامات المصرف باعتباره الممول في عقد التمويل بالتورق

متى تم إبرام عقد التمويل بالتورق بين المصرف والعميل صحيحاً ومرتباً لآثاره القانونية، فإن المصرف يلتزم بمجموعة من الالتزامات تجاه العميل المستورق، وهذه الالتزامات تدور في فلك السلعة التي تتم عليها عملية التورق، فيكون المصرف ملتزماً بالحفاظ على تلك السلعة خلال فترة وجودها في حيازته، كما يلتزم أيضاً بتسليمها للمستورق، وأن يضمن له قبل الغير التعرض والاستحقاق.

أ- التزام المصرف بالحفاظ على السلعة

يعد أول التزامات المصرف هو الحفاظ على السلعة التي تتم عليها عملية التورق، لاسيما وأن المصرف يكون هو القائم على شراء هذه السلعة من البائع لصالح المستورق، وبالتالي فإنه يكون مديناً بها لصالحه باعتبار أن المصرف لا يكون هو مالك السلعة، ولكن العميل يكون هو مالكها الحقيقي، وبالتالي يلتزم المصرف ببذل المجهود والعناية الواجبة واللازمة للحفاظ على تلك السلعة وضمان سلامتها لحين وصولها إلى مالكها وهو المستورق.

ويكون معيار محافظة المصرف على السلعة هو معيار بذل العناية المناسبة واللازمة في هذا الشأن، فمتى أدى المصرف التزامه على هذا النحو وبذل القدر المناسب واللازم من العناية الكافية للحفاظ على السلعة، فإنه يعد مؤدياً لهذا الالتزام، حتى وإن تلفت السلعة أو هلكت وهي تحت يده لسبب يخرج عن إرادته أو فعله، وإن كان ذلك لا يحول دون التزامه بتحمل تبعة ذلك الهلاك متمثلاً في التزامه بأن يسلم المستورق تلك السلعة.

بينما في حالة تحقق هذا التلف أو الهلاك بسبب الإهمال أو التقصير من جانب المصرف في شأن تلك العناية، فعندئذ يقع على عاتقه تعويض المستورق عن الضرر الذي يصيبه من جراء هذا الإهمال أو التقصير، بجانب التزامه بالضمان.

أما إذا كان تلف أو هلاك السلعة يرجع إلى فعل المستورق أو إلى أمر يعزى إليه، فعندئذ تبرأ ذمة المصرف من ثمة مسؤولية عن ذلك، ويظل التزام المستورق قائماً بأداء قيمة ثمن السلعة للمصرف، وإذا كان التلف أو الهلاك قد أصاب جزءاً فقط كن السلعة من جراء ذلك، فيكون المستورق ملتزماً باستلامها على حالتها مع بقاء التزامه تجاه المصرف بأداء ثمنها بالكامل.

ويجدر بنا أن ننوه أن المصرف يسهل عليه تحمل تبعة الهلاك في السلع متى كانت تدخل في تصنيف المثليات أي التي يجوز استبدالها بمثلها لعدم تحديدها بعينها، ولكن بنوعها ومقدارها، وذلك وفقاً لمبدأ أن المثليات لا تهلك[5] ولكن يمكن استبدالها بمثلها، ولكن الصعوبة تكمن في السلع المحددة بعينها وذاتها كالسيارات التي تكون محددة بالماركة والموديل ورقم الشاسيه وغيرها من المحددات الأخرى التي تجعل من هلاك السيارة سبباً ليصبح تنفيذ العقد مستحيلاً.

ب- التزام المصرف بتسليم السلعة

يلتزم المصرف كالتزام رئيسي على عاتقه بأن يقوم بتسليم السلعة محل عقد التمويل بالتورق إلى المستورق، ويكون التسليم المبرئ لذمة المصرف بوضع تلك السلعة تحت تصرف المستورق أو من يمثله أو ينيبه في ذلك، فتدخل في حيازته ويكون لديه إمكانيه أن ينتفع بها وفقاً لما يراه[6]، وذلك دون أن يكون هناك أي مانع يحول بينه وبين ذلك.

إلا أننا نود أن ننوه لحقيقة هامة قد تخفى على البعض، وهي أن عملية تسليم السلعة من المصرف للمستورق تختلف في طبيعتها باختلاف طبيعة السلعة ذاتها، وسنتعرض إلى طرق تسليم أهم السلع التي يمكن أن تنصب عليها عمليات التمويل بالتورق في النقاط الآتي بيانها.

a– السلع المحلية

يقصد بهذا النوع من السلع ما يتم توفيره من قبل المصرف من سلع تتوافر داخل حدود المملكة أياً كان نوع تلك السلعة، سواء كانت أطعمة أو مشروبات أو أجهزة كهربائية وغيرها من السلع الأخرى المختلفة، ويتم تسليم تلك السلع إلى المستورق بأحد طريقتين:

الطريقة الأولى هي أن يقوم المستورق بنفسه باستلام السلعة من موردها، حيث يقوم بعد ذلك ببيعها إلى المشتري الذي يراه للحصول على النقد، وقد تم استحداث نظام مصرفي جديد يتيح للمستورق أن يقوم ببيع تلك السلعة بصورة إلكترونية مباشرة دون أن يتسلمها بشكل فعلي من موردها، وذلك عن طريق نظام يُمنح بموجبه بيانات مستخدم يمكنه عن طريقها أن يحول السلعة آلياً من سلعة إلى مبلغ مالي يمثل قيمتها يتم إيداع في حسابه بالمصرف بصورة آلية، وذلك توفيراً لوقت ومجهود المستورق في الاستلام الفعلي للسلعة وبحثه عن مشتري لها.

الطريقة الثانية وتتمثل في أن يقوم المستورق باستلام السلعة عن طريق وكيله الذي يوكله في ذلك، فيصبح الأخير هو المتحمل بمسؤولية استلام السلعة من المورد وإعادة بيعها إلى المشتري، مع ملاحظة عدم جواز قيام الوكيل ببيع السلعة للمورد أو للمصرف، فيجب أن يتم بيعها لطرف آخر لا علاقة له بعملية التمويل بالتورق، ويكون هذا الوكيل في الغالبية العظمى من الحالات هو المورد ذاته، بحيث يقوم ببيع السلعة لصالح المستورق مباشرة بمجرد ثبوت حق الأخير في استلام السلعة منه.

b– السلع العالمية

تتسم طبيعة السلع العالمية بأن عملية تسليمها للمستورق بشكل فعلي هي صعبة وإن لم تكن مستحيلة، لاسيما وأن تلك السلع لا تتواجد داخل حدود المملكة، بل تكون مطروحة للتداول في الأسواق العالمية وهو ما يجعل الحديث عن تسليمها فعلياً للمستورق هو ضرب من ضروب المستحيل على أرض الواقع، بجانب عدم وجود قدرة لديه متى تسلمها فعلياً أن يعيد طرحها للبيع في الأسواق العالمية، وهو ما يجعل عملية تسليم المصرف للسلع العالمية للمستورق تتم بشكل حكمي وليس فعلي، وذلك عن طريق تسليمه مستند يعرف بمسمى “شهادة التخزين” تقوم مقام تسليم السلعة، وتظل السلعة ذاتها في مخازنها الدولية بينما يقوم المستورق بتوكيل المصرف ليقوم الأخير ببيعها لحسابه، ثم يقوم بإيداع ثمنها بحساب المستورق لديه بعد استنزال وخصم ما تكبده المصرف من مصروفات لتنفيذ عملية البيع.

c– السيارات

متى كانت السلعة محل التمويل بالتورق هي سيارة أو أكثر، فإن تسليمها يتم بإحدى صورتين.

الصورة الأولى هي التسليم الفعلي والذي يتم بموجبه تسليم المستورق للسيارة وكافة الأوراق الخاصة بها، وذلك بعد أن يقوم المصرف بتوجيه أمره إلى المخازن التي توجد بها السيارات، ويرفق بأمره هذا البطاقة الجمركية الخاصة بالسيارة، ويتولى المستورق أو من يوكله في ذلك استلام السيارة وبيعها للمشتري.

الصورة الثانية هي التسليم الحكمي والذي يتم فيه بيع المستورق للسيارة قبل استلامها إلى المشتري، وذلك باستخدام البطاقة الجمركية للسيارة والتي يسلمها للمشتري مع تفويض من المستورق بأن يقوم المشتري باستلام السيارة مباشرة من المخزن الذي تتواجد به.

d– الأسهم

تتم عملية تسليم الأسهم للمستورق بشكل فعلي عن طريق تحويلات يقوم بها المصرف للأسهم المشتراة لحساب المستورق إلى الحساب المصرفي الخاص بالأخير، ويكون نقل ملكية الأسهم لتصبح باسم المستورق هي عملية تسليم فعلية، ويعقب ذلك قيام المستورق بتوكيل المصرف في عملية بيع تلك الأسهم عن طريق تداولها في الأسواق المالية المعتمدة بالمملكة، محدداً في ذلك اسم الشركات الخاصة بتلك الأسهم، وعددها، والقيمة التي يرغب في الحصول عليها من خلال عملية البيع.

ج- التزام المصرف بضمان التعرض والاستحقاق

متى تم توقيع عقد التمويل بالتورق بين المستورق والمصرف، فإن الأخير يصبح ملتزماً بالتزام قوامه تمكين المستورق من أن يحوز السلعة التي تم الاتفاق عليها بعقد التمويل بالتورق، وأن تكون حيازته لها صحيحة وهادئة ومستمرة دون أي معارضة أو حيلولة دون ذلك من قبل أي شخص، سواء كان هذا الشخص هو شخص أجنبي أو كان هو المصرف ذاته، وهذا الالتزام يعد امتداداً لالتزام المصرف بتسليم السلعة للمستورق، فلا يعد التسليم في حد ذاته إلا في ظل ضمان المصرف لعدم وجود ما يؤرق أو يعترض المستورق في حيازته وانتفاعه بالسلعة.

ولا يختلف الأمر في شأن ضمان عدم التعرض باختلاف السبب الذي يستند إليه من يقوم بالتعرض للمستورق في حيازته وملكيته للسلعة، سواء كان هذا السبب مادياً أو قانونياً أو غيره، فالمصرف دائماً يلتزم بضمان التعرض والاستحقاق.

2- التزامات العميل باعتباره المستورق في عقد التمويل بالتورق

يتحمل المستورق بموجب عقد التمويل بالتورق بمجموعة من الالتزامات وهي تحديداً ثلاث التزامات وهي الالتزام بسداد ثمن السلعة، والالتزام باستلام السلعة، والالتزام بتحمل مصروفات العقد.

أ- التزام المستورق بسداد ثمن السلعة

يعتبر هذا الالتزام هو أهم التزام يقع على عانق المستورق تنفيذه، لاسيما وأنه الالتزام المقابل لالتزام المصرف بتسليم السلعة للمستورق، ولا يعد المستورق قد أوفى بالتزامه بسداد الثمن إلا إذا توافرت ثلاث عناصر أساسية في هذا الثمن، وهي أن يكون الثمن في شكل نقود، وأن يكون محدداً ومقدراً بشكل واضح، وأن يكون جدياً وحقيقياً لا أن يكون صورياً، ومتى تحققت هذه الشروط في الثمن فيكون الثمن صحيحاً ومستحق السداد[7]، ويلتزم المستورق بسداده للمصرف.

وباعتبار أن الثمن في عقد التمويل بالتورق هو ثمن آجل، فإن سداد الثمن للمصرف يتم من قبل العميل المستورق على صورة أقساط دورية محددة القيمة، وغالباً ما تكون أقساط شهرية تسدد كل شهر في تاريخ محدد بشكل مسبق بعقد التمويل.

ب- التزام المستورق باستلام السلعة

يقابل هذا الالتزام التزام المصرف بتسليم السلعة محل عقد التمويل بالتورق، فيكون العميل المستورق متى حل موعد التسليم المتفق عليه وقيام المصرف بوصع السلعة تحت تصرف العميل أن يقوم الأخير باستلامها وإدخالها ي حيازته، فلا يجوز للعميل أن يمتنع عن استلام السلعة طالما أن المصرف قد التزم بتسليمها له وطبقاً للضوابط والشروط المتفق عليها.

ويعد التزام العميل المستورق باستلام السلعة هو تمهيد لقيامه ببيعها والحصول على المال النقدي الذي أبرم العقد من أجل الحصول عليه، فلا يمكن أن يقوم بذلك إلا باستلامه لها سواء كان الاستلام قد تم فعلياً أو حكمياً وفقاً لطبيعة السلعة ذاتها، وسواء كان استلامه لها بنفسه أو عن طرق من يوكله في ذلك.

وتختلف آثار تخلف المستورق عن القيام بهذا الالتزام من مصرف إلى آخر وفقاً لما تم الاتفاق عليه بعقد التمويل، فمنها ما يرتب على ذلك التزام المستورق بسداد غرامة يومية، وغيرها يقوم ببيع السلعة بموجب وكالة مسبقة من المستورق ويتم إيداع قيمتها بحسابه لدى المصرف، وهناك منها من يلجأ إلى طلب فسخ العقد وطلب إلزام المستورق بالتعويض عما تعرض له من ضرر من جراء هذا الفسخ.

ج- التزام المستورق بتحمل مصروفات العقد

يقصد بمصروفات العقد ما يتعلق بتحرير عقد التمويل بالتورق والتي تعرف لدى البعض بـ “المصروفات الإدارية”، ويكون هناك شرط بعقد التمويل يلتزم بموجبه العميل المستورق بسداد قيمة تلك المصروفات الإدارية، والتي تشمل بخلاف مصروفات تحرير العقد الرسوم الإدارية التي يحصلها المصرف، وهذه الرسوم تتمثل في بعض المبالغ التي يتم سدادها من قبل المستورق لصالح المصرف نظير توقيع عقد التمويل بالتورق معه، وهي في الغالب تكون مبالغ معقولة لا يحق للمستورق أن يطالب باستعادتها.

خامساً: الضمانات المقررة للمصرف قبل المستورق

باعتبار أن المستورق يتحصل على السلعة بشكل يسبق سداده لقيمة ثمنها للمصرف، لاسيما وأنه يسدد الثمن بشكل آجل وعلى أقساط، فإن الطرف الذي قد يعاني من مغبة إمكانية عدم حصوله على حقوقه هو المصرف، لذلك فإنه يتمتع ببعض الضمانات التي تضمن له حقوقه لدى العميل المستورق، وهذه الضمانات نوعين فهي إما قانونية يقررها له القانون، وإما اتفاقية يقررها له عقد التمويل بالتورق.

1- الضمانات القانونية

تعد أهم وأبرز الضمانات القانونية التي قررها القانون للمصرف في اقتضاء حقوقه من العميل المستورق متى أخل الأخير بالتزامه في سداد أقساط الثمن هو المطالبة القضائية، والتي تتم عبر إقامة المصرف لدعوى قضائية على العميل المستورق.

وعلى إثر تقرير القانون لتلك الضمانة فقد قام المنظم السعودي بإنشاء لجان تتبع مؤسسة النقد العربي السعودي تحت مسمى “لجان تسوية المنازعات المصرفية”، وذلك بموجب الأمر السامي رقم (729/2) بتاريخ 10/7/1407  هـ، وهي تتمثل في لجان تتشكل كل منها من ثلاث أفراد، وتختص بنظر المنازعات المصرفية وإصدار توصياتها بشأنها، ونظراً لأهمية ما تقوم به تلك اللجان من دور في تسوية هذا النوع من المنازعات، فقد جعلها المنظم خطوة أساسية ولازمة قبل إقامة الدعوى القضائية، سواء التي يتم إقامتها من أو ضد المصرف، وقرر عدم سماع الدعاوى القضائية التي تقام بشكل مباشر دون اللجوء إلى لجان تسوية المنازعات المصرفية.

2- الضمانات الاتفاقية

تتعدد الضمانات الاتفاقية التي يمكن أن يشتمل عليها عقد التمويل بالتورق المبرم بين المصرف والعميل المستورق، وتختلف هذه الضمانات تبعاً للاتفاق الوارد بكل عقد من تلك العقود، فيكون لطرفي العقد اختيار ما يرونه من ضمانات وتضمينها في العقد، وسوف نوضح أهم تلك الضمانات في النقاط التالية.

أ- تحول الدين من مؤجل إلى حال

تتضمن بعض عقود التمويل بالتورق ضمانة للبنك في اقتضاء حقوقه لدى العميل تتمثل في سقوط الأجل المحدد لسداد الثمن، فيصبح كامل المتبقي من ثمن السلعة – بعد خصم الأقساط السابق سدادها من العميل – حال ومستحق السداد، بحيث يعتبر سقوط آجال الأقساط وحلولها عقاب للعميل المستورق على عدم التزامه بالمواعيد المحددة لدفع الأقساط، ويكون اللجوء إلى تلك الضمانة بعد التوقف عن عدد محدد من الأقساط المتتالية أو المتفرقة طبقاً لما يتضمنه العقد من اتفاق بين طرفيه.

ب-فسخ عقد التمويل بالتورق

يحق للمصرف أن يرجع على العميل المستورق بفسخ عقد التمويل، وذلك متى ثبت له أن ما أدلى به العميل من بيانات في عقد التمويل كان من بينه بيانات مكذوبة وغير حقيقية، لاسيما وأن البيانات والمعلومات خاصة الشخصية منها تكون ذات اعتبار وقيمة في ارتضاء المصرف بإبرام عقد التمويل بالتورق مع العميل، وهو ما يحدو بالمصرف دائماً إلى وضع بند بعقد التمويل بالتورق ذاته أو باستمارة منفصلة عنه يتم توقيعها من العمل، ويتضمن هذا البند إقرار من العميل بضمانه لصحة كافة ما يحرره من بيانات ومعلومات بهذا العقد أو الاستمارة، ويقر بحق المصرف في إبطال العقد متى ثبت مخالفتها للحقيقة، وهذا الحق يتضمن أحقية البنك في استرداد قيمة السلعة المتفق عليها بالإضافة إلى التعويض المناسب.

ج- غرامة التأخير

تلجأ بعض المصارف إلى تضمين عقد التمويل بالتورق ضمانة تلجأ إليها عند تأخر العميل المستورق في سداد أقساط العقد في مواعيدها، وتتمثل تلك الضمانة في توقيع غرامة عليه يتم تحديد قيمتها في العقد، وهذه الغرامة توقع عليه في حال تأخره في سداد قسط أو أكثر حسبما يتفق عليه في العقد، وتكون هذه الغرامات بمثابة وسيلة ضغط على العميل ليقوم بسداد الأقساط في المواعيد المحددة في العقد حتى لا يقع تحت طائلة تكبدها.

د- التضامن بين الحسابات

في بعض الحالات قد يكون العميل المستورق مالكاً لأكثر من حساب بذات المصرف المتعاقد معه في عقد التمويل بالتورق، والأصل العام هو أن كل حساب منها يكون مستقل عن سائر الحسابات الأخرى في كافة ما يخصه، إلا أنه واستثناء من هذا الأصل يمكن للمصرف أن يعتبر أن كافة الحسابات الموجودة لديه باسم العميل المستورق هي حسابات ضامنة لسداد العميل لقيمة عقد التمويل، وذلك بجميع ما بها من مبالغ مالية، إلا أن ذلك مرهون بأن يكون عقد التمويل بالتورق متضمناً الاتفاق بين المصرف والعميل على ذلك، فلا يجوز للبنك اللجوء إلى تلك الضمانة متى خلا عقد التمويل من ثمة اتفاق عليها.

هـ -تحرير العميل سند لأمر  

في بعض عقود التمويل يقوم البنك باستخدام ضمانة تضمن له مطالبة العميل المستورق بكامل قيمة مديونيته لديه بشكل كامل ومباشر، وتتمثل تلك الضمانة في أن يقوم العميل عند التوقيع على العقد بتحرير سند لأمر لصالح المصرف، يكون بموجبه من حق الأخير أن يطالبه بقيمته متى أخل العميل بالتزاماته التعاقدية، مع التزام المصرف بأن يرد هذا السند للعميل متى قام الأخير بسداد كامل قيمة التمويل محل العقد[8].

و- الكفالة

في بعض الحالات يقوم المصرف بطلب وجود كفيل يضمن العميل المستورق في عقد التمويل بالتورق، ويمكن أن يشترط المصرف تقديم عدة كفلاء وليس كفيلاً واحداً، ويحدد المصرف ذلك طبقاً لقيمة العقد ومدى ثقته في العميل المتعاقد معه وفي مدى قدرته على سداد أقساط الثمن في مواعيدها المحددة، بحيث يحق للمصرف الرجوع على الكفيل أو الكفلاء منفردين أو مجتمعين بقيمة الدين متى تخلف العميل عن سداده، ويكون للمصرف حرية مطلقة في اختياره الرجوع على العميل بالمطالبة أو على الكفيل، فهو غير مقيد بترتيب معين في الرجوع عليهم.

سادساً: انقضاء عقد التمويل بالتورق

تعد النهاية الطبيعية لعقد التمويل بالتورق – مثله في ذلك مثل سائر العقود – هي تنفيذ كلاً من طرفيه لالتزاماته التعاقدية وهو ما يعرف بالتنفيذ العيني للعقد، وبالتالي ينقضي التزام كلاً من العميل المستورق والمصرف، وبدوره ينتهي عقد التمويل بالتورق نهاية طبيعية، كما يمكن أيضاً أن ينتهي عقد التمويل بالتورق في ظل عدم تنفيذ الالتزامات المترتبة عليه وهو ما يطلق عليه طريق الإبراء.

1- انقضاء عقد التمويل بالتورق بتنفيذه

يعد الالتزام الأخير الذي يظل قائماً ولا ينتهي العقد إلا بتنفيذه هو التزام العميل المستورق بسداد أقساط الثمن، وهو أمر طبيعي نظراً لأن الثمن آجل ويتم سداده على فترات محددة مستقبلاً في شكل أقساط، لذلك يتوقف انتهاء العقد تماماً على سداد العميل لكامل ثمن السلعة محل التعاقد، وهناك طريقين رئيسيين يستطيع العميل المستورق سداد ثمن السلعة وإنهاء العقد من خلال أحدهما، وهذين الطريقين هما:

– الطريق الأول: أن يقوم العميل بسداد الأقساط في موعدها المحدد طبقاً لعقد التمويل بالتورق، وبالتالي لا ينتهي العقد وينقضي إلا مع سداد العميل للقسط الأخير من أقساط الثمن، ويكون هذا السداد بشكل نقدي بإيداع قيمة القسط في حسابه لدى المصرف، حيث يقوم الأخير بخصم قيمة القسط المودع وينقضي بذلك العقد.

– الطريق الثاني: قد يرغب العميل المستورق لأسباب خاصة أن يسدد كامل المديونية عليه للمصرف قبل حلول مواعيد أقساطها، وبالتالي يحق له أن يتقدم بطلب إلى المصرف يتضمن رغبته في سداد كامل المتبقي عليه من أقساط الثمن بشكل حال وفوري، وبمجرد أن تصدر الموافقة عليه من المصرف يقوم الأخير بخصم قيمة باقي الأقساط من حساب العميل بالإضافة إلى بعض الأرباح المتفق عليها نظير السداد العاجل، وذلك جميعه شريطة ألا يكون عقد التمويل بالتورق متضمناً لشرط يحظر السداد العاجل.

2- انقضاء عقد التمويل بالتورق بالإبراء

يقصد بالإبراء تنازل الطرف الدائن في علاقة المديونية عن حقه لدى الدائن بدون أي مقابل لذلك التنازل، فالإبراء يعد من طائفة التبرعات التي يتنازل الدائن فيها عن حقه دون استيفاء لدينه لدى مدينه[9].

ويعد الإبراء من التصرفات القانونية الصادرة من طرف وحيد يتمثل في الدائن والذي يقصد به في عقد التمويل بالتورق المصرف، وذلك لصالح الطرف المدين في العلاقة وهو العميل المستورق، والذي متى صدر من المصرف باتت ذمة العميل بريئة من ثمن السلعة محل التعاقد، ويكون هذا الإبراء صحيحاً بغض النظر عن طريقة تحققه، شريطة ألا يكون مستهدفاً لدين مستقبلي حيث يلزم أن يكون الدين محل الإبراء هو دين ثابت ومتحقق وقائم.

ومن الحالات التي يقوم فيها جانب من المصارف السعودية بإبراء العميل من دين التمويل بالتورق – على سبيل المثال لا الحصر – حالة وفاة العميل المستورق.

سابعاً: نماذج من قرارات لجنة تسوية المنازعات المصرفية ذات العلاقة

1- قرار لجنة تسوية المنازعات المصرفية رقم 25 لسنة 1414هـ والمتضمن أن (للبنك مطالبة المدين أو كفيله المتضامن متضامنين بالمديونية أو الاقتصار على مطالبة أحدهما سواء أكان هو المدين الأصلي أو الكفيل، وذلك وفقاً لظروف الحال وما يراه محققاً لمصلحته).

2- قرار لجنة تسوية المنازعات المصرفية رقم 164 لسنة 1422هـ والمتضمن أن (تخلف المقترض عن الالتزام بسداد قيمة القرض الحاصل عليه وفق برنامج الأقساط المحدد لذلك. أثره. إلزام المقترض بسداد المديونية المقيدة عليه بسجل القرض).

3- قرار لجنة تسوية المنازعات المصرفية رقم 138 لسنة 1426هـ والمتضمن أن (الأصل في حالة تعدد الحسابات المفتوحة لدى البنك لشخص واحد هو استقلالها خروجاً على مبدأ وحدة الذمة المالية. مؤدى ذلك. عدم جواز المقاصة بين الحسابات ولا يجبر البنك على دمجها. جواز اتفاق العميل والبنك على اندماج الحسابات بحيث تعتبر كلها وحدة واحدة كحساب واحد. أثر ذلك. جواز إجراء المقاصة بينها والاعتداد بالرصيد الموحد للحسابات في مجموعها).

ثامناً: الخاتمة

على الرغم من وجود بعض الخلافات الفقهية حول مدى موافقة الشرع لعقود التمويل بالتورق من عدمه، إلا أننا نجد أن الحل لتلك الخلافات سهل ويسير، لاسيما وأن هذا النوع من التمويل يستند إلى جانب كبير من أسس التمويل الإسلامي المشروع، ويتمثل هذا الحل في الرقابة الصارمة على العقود المبرمة بغرض التمويل بالتورق، وذلك للحفاظ على موافقته للشرع من جانب، والاستفادة من مميزاته وفوائده الاقتصادية الجمة من جانب آخر.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – محمد رواس وآخر – معجم لغة الفقهاء – الطبعة الأولى – دار النفائس – لبنان – 1985 – ص 150.

[2] – عبد الكريم السروي – التورق المصرفي: التكييف الشرعي والحكم الفقهي – الملتقى الدولي المعنون “التورق المصرفي والحيل الربوية” – جامعة عجلون – الأردن – 2012 – ص6.

[3] – أحمد لطفي – التورق الفردي في منظور الفقه الإسلامي – كلية الشريعة والقانون – جامعة الأزهر – مصر – 2016 – ص72.

[4] – قتيبة العاني – التمويل ووظائفه في البنوك الإسلامية والتجارية: دراسة مقارنة – دار النفائس – الأردن – 2012 – ص234.

[5] – رمضان أبو السعود – شرح أحكام القانون المدني – ط1 – شرح أحكام القانون المدني – دار الحلبي – بيروت – 2010 – ص294.

[6] – مصطفى كمال طه – العقود التجارية وعمليات البنوك – ط1 – منشورات الحلبي الحقوقية – بيروت – 2006 – ص19.

[7] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني: العقود التي تقع على الملكية (البيع والمقايضة) – ج4 – دار إحياء التراث العربي – لبنان – 1968 – ص771.

[8] – ظافر الدوسري – آثار عقد التمويل بالتورق في المصارف السعودية – مجلة مركز صالح عبد الله كامل – للاقتصاد الإسلامي – ع (57) – جامعة الأزهر – 2015 – ص464.

[9] – عبد الرواق السنهوري – المرجع السابق – ج3 – ص962.