أحكام مكاتبة الدين وفق النظام السعودي 2022

تُعد الكتابة أهم وسائل الإثبات قاطبة لكونها صادرة من قبل من يتمسك بالحق في مواجهته، فهي تُعد بمثابة إقرار من المدين بوجود الدين وانشغال ذمته به لصالح الدائن، لذلك فإن قوتها في الإثبات تفوق ما سواها من وسائل الإثبات الأخرى، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بكتابة الدين حفاظا على حقوق الأفراد، فقال تعالى في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ )، فجعل الأصل في الإثبات الكتابة، ثم تلى ذلك بقوله، (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ )، ثم بين ضرورة الكتابة بقوله (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ )، فجعل الكتابة هي الأساس في إثبات الدين، وقد ازدادت أهمية كتابة الدين وإفراغه في محررات أو أوراق مثبتة لوجوده في المملكة العربية السعودية وذلك عقب صدور نظام الإثبات الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 1443/5/26هـ، والذي أأأصبح بموجبه الإثبات بشهادة الشهود يقتصر على الوقائع المادية والمسائل التجارية والتصرفات القانونية التي لا تزيد عن المائة ألف ريال، ولا تقبل الشهادة في إثبات غير ذلك إلا في حالات مستثناه على سبيل الحصر، ومن ثم فقد أصبح لزاما على الدائن أن يحرص على قيام المدين بكتابة الدين المستحق عليه لصالحه بأي شكل من أشكال الكتابة المثبتة للدين إذا تجاوز الدين المائة الف ريال وهو نصاب الإثبات بشهادة الشهود، وذلك حتى يتمكن الدائن عند حدوث نزاع من إثبات هذا الدين بشكل مقبول أمام القضاء، بل إنه من الأفضل له كتابة الدين ولو لم يتجاوز نصاب الإثبات بشهادة الشهود ليسهل الدائن على نفسه إثباته، وليجنب نفسه عيوب الإثبات بشهادة الشهود، وسوف نقتصر في بحثنا هذا على تناول مسألة مكاتبة الدين في النظام السعودي وذلك من خلال النقاط الآتية:

أولا: المقصود بالدين:

للدين معنيين (معنى عام) و(معنى خاص):

1- المعنى العام:

ويُقصد به الالتزام الذي يقع على المدين ويفرض عليه أن يقوم بأداء معين لصالح الدائن، مثل التزام البائع بنقل الملكية للمشتري، والتزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، فالمشتري بعقد عرفي في الحالة الأولى يعتبر دائن للبائع بالالتزامات الشخصية المترتبة في ذمة البائع والناشئة عن هذا العقد،[1] والأمر كذلك بالنسبة للمستأجر في عقد الإيجار، فيعتبر دائنا للمؤجر بتنفيذ التزامه بتمكينه من الانتفاع بالعين المؤجرة، وبذلك تجتمع ثلاثة عناصر هي صاحب الحق وهو الدائن، ومن عليه الحق وهو المدين، ومحل الحق وهو الأداء الواجب على المدين.[2]

2- المعنى الخاص:

وهو المعنى الشائع والذي يتبادر للذهن عند ذكر كلمة الدين، وهو يتمثل في قيام أحد الأشخاص يشار إليه بالرمز (أ) بنقل ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء أخر من المثليات، إلى ذمة شخص أخر يشار إليه بالرمز (ب)، على أن يقوم هذا الأخير برد هذا المبلغ في أجل معين يتم الاتفاق عليه بينهما.

فـ (أ) هنا هو الدائن، و(ب) هو المدين، والمبلغ المالي أو الشيء المثلي هو الدين، والدين في تلك الصورة هو أقرب ما يكون للقرض.

كما قد يكون الدين هو مبلغ من النقود يلتزم الشخص (ب) بأن يؤديه إلى (أ)، ويكون هذا المبلغ من النقود نظير ثمن عقار، أو منقول، أو خدمة، أو عمل تحصل عليه منه، والدين في تلك الصورة يجب أن يكون مالا نقديا أو أي شيء مثلي أخر.

ثانيا: مكاتبة الدين وكيفيتها:

يُقصد بمكاتبة الدين توثيق الدين بكتابته، بمعنى تحرير الدين في سند مكتوب للرجوع إليه عند حدوث أي خلاف أو تنازع، أي أن كتابة الدين هي وسيلة لإثبات الدين يتم إعدادها سلفا من قبل المدين بناء على طلب الدائن في الغالب الأعم، أو بناء على طلب المدين نفسه ليحدد بشكل واضح وصريح مقدار الدين المعلق في ذمته، ومتى تم كتابة الدين في ورقة أو محرر، عُد ذلك المحرر دليلا كتابيا على وجود الدين،[3] وتتم الكتابة غالبا في وقت لا نزاع فيه بحيث تقرر الحقائق على طبيعتها، ومن ثم فإنه وعند تقديمها للقضاء تنطق تلك الكتابة بالحقائق التي سبق إثباتها بدون غرض أو تحيز أو خطأ أو نسيان، ولذلك يتقيد القاضي بالكتابة مالم يتم إثبات تزويرها أو إثبات عكسها بالكتابة كذلك.[4]

ويُلاحظ أنه حتى في الأحوال التي يجوز فيها الإثبات بغير الكتابة فإنه كثيرا ما يلجأ الأطراف إلى إثبات الدين بالكتابة كلما أمكن ذلك، وذلك لتسهيل عملية الإثبات، لأن الكتابة في تلك الأحوال تعد بمثابة الإقرار الذي يلتزم القاضي بالقضاء وفقا لما جاء به.

ثالثا: مشروعية كتابة الدين:

إن كتابة الدين تجد مشروعيتها في القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)، فجعل الأصل في الإثبات الكتابة، ثم عاد وبين ضرورة الكتابة مهما كان مقدار الدين بقوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ)، ويعد هذا الأمر من الله موضحا لأهمية الكتابة ولو كان الدين ضئيلا (بخلاف النظم الوضعية) وذلك لقطع السبيل نحو أي تلاعب بحقوق الأفراد وصيانة لأموالهم.

رابعا: أهمية كتابة الدين في النظام السعودي:

كان النظام السابق في المملكة العربية السعودية يخضع إثبات المعاملات المالية إلى قواعد الشريعة الإسلامية، والتي تجيز الإثبات بشهادة الشهود بشكل مطلق دون النظر إلى قيمة التصرف أو الدين، إلا أنه وعقب إقرار وصدور نظام الإثبات الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 26/5/1443هـ أصبح الإثبات بشهادة الشهود يقتصر على الوقائع المادية والمسائل التجارية والتصرفات القانونية التي لا تزيد عن المائة الف ريال، ولا تقبل الشهادة في إثبات غير ذلك إلا في حالات مستثناه على سبيل الحصر، وهذا المسلك من المشرع هو الذي يتوافق مع الشريعة لعموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ )، فجعل الأصل في الإثبات الكتابة، ثم تلى ذلك بقوله: (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ لشُّهَدَاءِ )، ثم بين ضرورة الكتابة بقوله: (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ )، فجعل الكتابة هي أساس الإثبات.

ومن ثم فقد أصبح من اللازم كتابة الدين إذا تجاوزت قيمته المائة ألف ريال أو كان غير محدد القيمة، وإلا أصبح إثبات الدين غير جائز إذا أنكره المدين، كما أصبح إثبات انقضاء الدين إذا تجاوزت قيمته المائة ألف ريال أو كان غير محدد القيمة لا يتم أيضا إلا عن طريق الكتابة، وذلك مالم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك.

كما أصبح من اللازم الإثبات بالكتابة ولو لم تزد قيمة الدين على (مائة ألف ريال أو ما يعادلها) في الحالات الآتية:

  • أ – فيما اشترط النظام لصحته أو إثباته أن يكون مكتوباً.
  • ب – إذا كان المطلوب هو الباقي أو جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة.
  • جـ – فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي.

خامسا: تميز إثبات الدين بالكتابة عنه بشهادة الشهود:

يتميز إثبات الدين بالكتابة بالعديد من الخصائص مقارنة بغيره من وسائل الإثبات الأخرى كشهادة الشهود ومن ذلك:

1- وضوح الكتابة في إثبات الدين بشكل مفصل، ومن ثم فإنها تُعد قريبة الشبه بالإقرار القضائي، وهو ما يبث الطمأنينة في قلب الدائن نحو قدرته على استيفاء دينه.

2- وجود الكثير من العيوب التي تعتري شهادة الشهود كالمحاباة، أو الرشوة، أو فساد الذمة والمبالغة، أو مجرد الخطأ والنسيان أو عدم دقة الملاحظة، فكثيرا ما تختلف أقوال الشهود بخصوص واقعة عقب حدوثها ولو أنهم لا يقصدون إلا قول الحق، ويزداد الأمر سوءا إذا مضى على الواقعة وقت طويل.

3- الكتابة وإن كانت عرضه للتزوير، كما أن الشاهد عرضه لفساد الذمة والكذب والخطأ أو النسيان، إلا أن كشف عيب التزوير في الكتابة أسهل من كشف عيوب الشهادة.

4- أن تشعب وكثرة الأعمال والملهيات وظروف المعيشة والأحداث التي تحيط بالأفراد تشكل عاملا مؤثرا على ذاكرته، ومن ثم فلم تعد ذاكرة الأفراد حاليا بمثل قوة ذاكرتهم قديما، وهو الأمر الذي يقره علم النفس الإنساني، ومن ثم فقد أصبح الاعتماد على شهادة الشهود وحدها في الإثبات أمرا بالغ الخطورة في إثبات الحقوق خاصة وإذا كانت تلك الحقوق ذات أهمية بالغة.

سادسا: أنواع المحررات التي يفرغ فيها الدين من حيث حجيتها:

1- المحررات الرسمية:

المحرَّر الرسمي هو الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة، ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن، طبقاً للأوضاع النظامية، وفي حدود سلطته واختصاصه. ويكون المحرَّر الرسمي حجة على الكافة بما دون فيه من أمور قام بها محرره في حدود مهمته، أو حدثت من ذوي الشأن في حضوره ما لم يثبت تزويره بالطرق المقررة نظاماً، ويكون مضمون ما تم ذكره من ذوي الشأن في المحرَّر الرسمي حجة عليهم ما لم يثبت غير ذلك.

ويتم إضفاء الرسمية على المحرر المثبت للدين عن طريق كتابة صك الدين أمام كاتب العدل والذي يقوم بالتصديق على توقيعات ذوي الشأن عليه، فتوقيعات ذوي الشأن على الأوراق التي تجري أمام الموثق تعتبر من البيانات التي تلحق بها وصف الأوراق الرسمية، فتكون لها حجية في الإثبات حتى يطعن فيها بالتزوير.[5]

وقد يكون صك الدين عرفيا في أول الأمر ثم ينقل إلى محرر رسمي بعد ذلك إذا ما تدخل فيه موظف عمومي في حدود وظيفته، ففي تلك الحالة يكتسب المحرر صفة الرسمية، إذ العبرة بما يؤول إليه لا بما كان عليه.[6]

2- المحررات العرفية:

والمحرر العرفي هو المحرر العادي الصادر ممن وقعه، وهو يُعد حجة عليه ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة، والورقة العرفية تصلح لأن تكون دليلا كتابيا متى كانت متضمنة لكتابة مثبتة لوجود الدين موقعة من الشخص المنسوب الدين إليه، ولا يشترط في الكتابة أي شرط خاص من حيث صياغتها أو من حيث طريقة تدوينها، كما تجوز الكتابة بغير لغة البلاد، كما يجوز أن تكون الكتابة مطبوعة بأي وسيلة من وسائل الطباعة أو مكتوبة على الآلة الكاتبة، كما يجوز أن تشتمل الكتابة على إضافات بين السطور أو في هامش الورقة أو أسفلها، أو أن يوجد بها كشط أو شطب، ويكون تقدير كل ذلك متروكا لتقدر القاضي فيجوز أن يأخذ بها إذا كان المحرر لا يستقيم إلا بها، أو كان المحرر مكتوبا من عدة نسخ وكانت الإضافات أو التحشيرات موجودة في جميع النسخ وكانت كلها متطابقة، ولا يشترط أن تكون كتابة المبالغ بالحروف كاملة، بل يكفي أن تكتب بالأرقام فقط، وإن كانت كتابة المبالغ بالحروف أبلغ في الحيطة، ويُعد التوقيع هو الشرط الجوهري في الورقة العرفية المعدة للإثبات لأنه هو الذي ينسب الورقة إلى من وقعها ولو لم تكن مكتوبة بخط يده.[7]

3- الدليل الرقمي:

والدليل الرقمي هو كل دليل مستمد من أي بيانات تنشأ أو تصدر أو تسلم أو تحفظ أو تبلغ بوسيلة رقمية، وتكون قابلة للاسترجاع أو الحصول عليها بصورة يمكن فهمها، ويشمل الدليل الرقمي:

  • أ – السجل الرقمي.
  • ب – المحرَّر الرقمي.
  • جـ – التوقيع الرقمي.
  • د – المراسلات الرقمية بما فيها البريد الرقمي.
  • هـ – وسائل الاتصال.
  • و – الوسائط الرقمية.
  • ز – أي دليل رقمي آخر.

ويكون للإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة الوارد في هذا نظام الإثبات، فيكون للدليل الرقمي الرسمي الحجية المقررة للمحرَّر الرسمي؛ إذا استوفى الشروط المنصوص عليها في الفقرة (1) من المادة (الخامسة والعشرين) من نظام الإثبات، بما في ذلك ما يصدر آلياً من الأنظمة الرقمية للجهات العامة أو الجهات المكلفة بخدمة عامة.

كما يكون الدليل الرقمي غير الرسمي حجةً على أطراف التعامل – ما لم يثبت خلاف ذلك – في الحالات الآتية:

  • أ – إذا كان صادراً وفقاً لنظام التعاملات الإلكترونية أو نظام التجارة الإلكترونية.
  • ب – إذا كان مستفاداً من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد محل النزاع.
  • جـ – إذا كان مستفاداً من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم.

ويقدم الدليل الرقمي بهيئته الأصلية، أو بأي وسيلة رقمية أخرى، وللمحكمة أن تطلب تقديم محتواه مكتوباً متى كانت طبيعته تسمح بذلك.

سابعا: أشكال المحررات المثبتة للدين:

1- المحررات المدنية:

أ- العقد:

وقد يكون العقد مثبتا لتصرف قانوني ما، ويتضمن بين طياته الدين المالي الملتزم المدين بأدائه، مثال ذلك: عقد البيع: فعقد البيع يتضمن نقل ملكية شيء أو حقا ماليا أخر إلى المشتري في مقابل ثمن نقدي، وقد يكون الثمن في عقد البيع مؤجلا، وفي تلك الحالة فيعتبر كتابة الثمن المؤجل في عقد البيع وموعد استحقاقه بمثابة مكاتبة لهذا الدين المستحق في ذمة المشتري.

كما قد يكون العقد مثبتا للدين المالي من حيث الأصل، مثال ذلك: عقد القرض: فعقد القرض يتضمن نقل المقرض لملكية مبلغ من النقود إلى المقترض، ويذكر في العقد التزام المقترض برد هذا المبلغ وتاريخ هذا الالتزام، فيعد العقد هنا بمثابة مكاتبة للدين المستحق في ذمة المقترض.

ويلاحظ في كلا العقدين (البيع – القرض) أن سبب الدين يكون مذكورا في العقد، فالتزام المشتري بسداد الثمن يكون مقابلا لنقل ملكية الشيء إليه، والتزام المقترض برد مبلغ القرض هو سبق حصوله عليه من المقترض لأجل معين.

ب- الإقرارات المدنية:

والإقرار المدني يمثل أي كتابة صادرة من المدين وموقعه منه يقر فيها بالدين المشغول به ذمته لصالح الدائن، وقد يكون الإقرار مشمولا بسبب الدين، كأن يقول المدين: بأنه يقر بالتزامه بأن يُسدد لصالح الدائن مبلغ وقدره مائتي الف ريال في تاريخ معين نظير خدمات معينة استحصل عليها منه، كما يصح أن يكون الإقرار خاليا من سبب الدين كأن يقول المدين: بأنه يقر بالتزامه بأن يسدد لصالح الدائن مبلغ وقدره مائتي ألف ريال في تاريخ معين وذلك دون ذكر سبب هذا الالتزام، إلا أنه يكون للمدين في تلك الحالة أن يدفع بفساد سبب الدين كأن يكون دين قمار أو ربا، ويصح الإقرار بالدين ولو لم يذكر فيه تاريخ السداد، ويكون على الدائن في تلك الحالة أن يثبت الموعد المتفق عليه للسداد بكافة طرق الإثبات.

2- المحررات أو الأوراق التجارية:

تناول المشرع السعودي نظام الأوراق التجارية بموجب المرسوم الملكي رقم 37 بتاريخ 11/10/1383 وقرار مجلس الوزراء رقم 692 بتاريخ 26 / 9 / 1383، وتعتبر المحررات التجارية احدى وسائل الائتمان، والائتمان اصطلاحا هو التنازل عن مال حاضر مقابل مال مستقبل، والمحررات أو الأوراق التجارية تكفل لكل من تلقاها حقه في الحصول على قيمتها في ميعاد استحقاقها، فتقوم مقام النقود كأداة للوفاء، وإذا كانت هذه الأوراق قد نشأت في الأساس في الوسط التجاري إلا أن استعمالها قد انتشر وذاع بين التجار وغير التجار وفي المعاملات التجارية والمدنية على السواء، ولم يعد وصفها بالتجارية إلا إشارة إلى اصلها التاريخي.[8]

والورقة التجارية هي أحد أدوات وفاء الديون في النظام السعودي والأنظمة القانونية المختلفة، وهي عبارة عن صك مكتوب وفق أوضاع شكلية محددة يتضمن الالتزام بمبلغ معين من النقود، وتتميز الورقة التجارية بأنها تحمل بذاتها مقوماتها دون ارتباط بأي اتفاقات خارجة عليها، بحيث يكفي مجرد النظر إلى الورقة للوقوف على ماهية الحقوق الثابتة فيها، وأربابها والملتزمين بها، وهو ما يعرف بالكفاية الذاتية للورقة التجارية.[9]

وكثيرا ما يلجأ الأفراد إلى إفراغ الدين في احدى الأوراق التجارية بمختلف أشكالها، لسهولة تحريرها من ناحية ومن ناحية أخرى لاستقلالها وسهولة استيفائها وتوافر الحماية القانونية لحاملها.

وللأوراق التجارية عدة صور تتمثل فيما يلي:

أ- الكمبيالة:

يمكن تعريف الكمبيالة بأنها صك مكتوب وفقا لبيانات إلزامية حددها النظام وتتضمن أمرا صادرا من شخص يسمى الساحب (المدين) إلى شخص أخر يسمى المسحوب عليه بأن يدفع مبلغا نقديا معينا في تاريخ معين أو لدى الاطلاع لشخص ثالثا وهو ما يسمى بالمستفيد (الدائن).

وغالبا ما تكون الكمبيالة قد حررت لتغطية علاقة قانونية سابقة أو معاصرة لإنشائها حيث يكون الساحب مدينا والمستفيد دائنا، وهي ما تسمى بعلاقة الأساس.

ويُعتبر التزام كافة الموقعين على الكمبيالة هو من طبيعة تجارية بغض النظر عن صفة من وقع عليها، سواء كان تاجرا أو غير ذلك وبغض النظر عن الطبيعة القانونية للعملية التي سحبت الكمبيالة من أجلها مدنية كانت أو تجارية.[10]

ب- السند لأمر أو السند الأذني:

يمكن تعريف السند لأمر أو السند الأذني بأنه صك مكتوب وفقا لأوضاع نص عليها النظام يتضمن تعهد غير مشروط من محرره بدفع مبلغ معين من النقود في تاريخ محدد لأمر شخص أخر يسمى المستفيد.[11]

ويختلف السند لأمر أو السند الأذني عن الكمبيالة، إذ يعتبر السند مركب بسيط بالمقارنة بالكمبيالة حيث لا يحتوي إلا على علاقة ثنائية فقط تربط بين المحرر (المدين) وبين المستفيد (الدائن)، وهذه العلاقة تكون نتيجة لعلاقة قانونية سابقة أو معاصرة حرر بمناسبتها السند، وأصبح بمقتضاها المحرر مدينا للمستفيد.

جـ- الشيك:

يمكن تعريف الشيك بأنه صك مكتوب وفقا لأوضاع وبيانات حددها النظام، ويتضمن أمرا صادرا من الساحب إلى المسحوب عليه (والذي لابد وأن يكون أحد البنوك) بأن يدفع بمجرد الاطلاع مبلغا نقديا معينا لأمر أو لاذن المستفيد المسمى بالاسم أو لحامل الشيك.

ويتشابه الشيك مع الكمبيالة من حيث إن كلاهما يتركب من علاقة ثلاثية الأطراف (الساحب، المسحوب عليه، المستفيد)، ويثور الاختلاف بينهما في أن الشيك يكون واجب الدفع دائما بمجرد الاطلاع (ولذلك يعتبر أداة وفاء وليس أداة ائتمان) بعكس الكمبيالة التي يصح أن تكون واجبة الدفع بمجرد الاطلاع أو في تاريخ لاحق، كما أن المسحوب عليه في الشيك لا يصح إلا أن يكون أحد البنوك فقط.

ثامنا: أسئلة شائعة بخصوص مكاتبة الدين:

1- هل إذا كان الدين عبارة عن أقساط ثمن عقار أو بضائع ما، وكان إجمالي الأقساط يزيد عن المائة ألف ريال، إلا أن قيمة كل قسط منفردا يقل عن المائة ألف ريال فهل يجب كتابة الدين المثبت لكل قسط ليقبل إثباته أمام القضاء؟

المقرر أنه إذا كان الطلب مكونا من عدة أجزاء لكنه نشأ عن تصرف قانوني واحد فالعبرة بقيمتها كلها باعتبارها ناشئة عن مصدر واحد، فإذا كان مجموع ثمنها يزيد على النصاب وجب الإثبات بالكتابة حتى ولو كانت قيمة كل جزء منها لا يجاوز نصاب البينة، ولا يغير من ذلك كون المدعي رفع بكل جزء دعوى على حده، وإذا تبين للقاضي من ظروف الدعوى أن طلبات المدعي كلها مصدرها تصرف قانوني واحد وأن المدعي قصد من تجزئتها الوصول إلى إثبات كل جزء منها بالبينة بقصد التهرب من الإثبات بالكتابة فان القاضي له أن يقضي بعدم الإثبات بالبينة إذا دفع الخصم بذلك.[12]

2- هل الالتزام بكتابة الدين متعلق بالنظام العام؟

الأصل أنه يجب إثبات الدين بالكتابة متى تجاوزت قيمته المائة ألف ريال، إلا أنه يتضح من نص (المادة 66/2) من نظام الإثبات أنه يجوز الاتفاق على الإثبات بالبينة لأي تصرف أو دين تزيد قيمته على النصاب القانوني (مائة ألف ريال)، ومن ناحية أخرى ومن باب أولى يجوز الاتفاق على وجوب الإثبات بالكتابة لأي دين أو تصرف لا تزيد قيمته على النصاب، ذلك أن قواعد الإثبات لا تمنع الخصوم من اتباع قاعدة دون أخرى إذا رأوا فيها ما يتعلق بمصالحهم الشخصية مادام الحق المتنازع عليه لا يمس النظام العام.

مع ملاحظة أنه وإن كانت قواعد إثبات التصرفات أو الديون ليست من النظام العام إلا أنه لا يجوز للمحكمة أن تخالفها من تلقاء نفسها بدون أي طلب من أحد الخصوم.

3- ما هي القواعد التي تحكم إثبات الديون التي نشأت قبل العمل نظام الإثبات الجديد؟

المقرر أنه إذا نشأ الدين قبل العمل بنظام الإثبات الجديد، فإنه يخضع في إثباته للأحكام الواردة بأحكام الشريعة الإسلامية والباب التاسع نظام المرافعات الشرعية قبل إلغائه.

4- هل يشترط لكتابة الدين في شكل ورقة تجارية أن تكون العلاقة التي نشأ عنها الدين تجارية؟

لا يشترط ذلك ويجوز كتابة الدين المتعلق بثمن بيع عقار في شكل كمبيالة أو سند أذني، يحررها المشتري (المدين) لصالح البائع (الدائن) ولا يغير من طبيعة العلاقة شيئا في استحقاق الورقة التجارية أو طبيعتها.

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.

[1] نقض مصري طعن رقم 57 لسنة 35ق – جلسة 1/11/1966 – س17 ص1599.

[2] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 7.

[3] م. مصطفى مجدي هرجه، قانون الإثبات، ط2، 1991، ص 149.

4 د. أحمد نشأت، رسالة الإثبات، ج1 في التعهدات، ص 69.

[5]  نقض مصري 31/10/1963 سنة 14 ص1007.

[6]  نقض جنائي 9/1/1967، مجموعة النقض الجنائية السنة 18، ص 63.

[7]  م. عز الدين الديناصوري، أ. حامد عكاز، التعليق على قانون الإثبات، ج1، ص 132.

[8]  د. على سيد قاسم، الأوراق التجارية، ط3، ص 2.

[9]  د. أبو زيد رضوان، الأوراق التجارية، ط 2001، ص 8.

[10]  د. أبو زيد رضوان، الأوراق التجارية، ط 2001، ص 15.

[11]  د. على سيد قاسم، الأوراق التجارية، ص 380.

[12] م. عز الدين الدناصوري، أ. حامد عكاز، التعليق على قانون الإثبات، ج2، ص 535.