عقد التوزيع غير الحصري وفق النظام السعودي 2022

تُعد التجارة أهم طریق من طرق تداول الأموال، وتصریف المنتجات بمختلف أنواعها، سواءً أكانت هذه المُنتجات قد تم انتاجها محليًا، أم على الصعيد الدولي، غیر أن الأمر لا يقف عند هذا الحد فتبقى مسألة كیفیة طرح هذه المنتجات، وبيعها، وإيصالها إلى المستهلكين أمرًا في غاية الأهمية، فقد يعمل المُنتِج على عرض منتجاته بنفسه لغرض بیعها، وتحقيقها الارباح من انتاجها.

غير أنه هناك طريقة أسهل وأفضل من بيعها بنفسه، تتمثل في اعتماد منتجاته على أحد الأشخاص الطبيعية، الاعتبارية لتتولى نیابًة عن المُنتِج تسويق المُنتجات، وایصالها إلى المستهلكین، مما يزيد من حجم الانتاج والاستهلاك وتدوير عجلات الاقتصاد بين الدول، وذلك من خلال إبرام عقود التوزيع، سواء كان ذلك قاصرًا على تسويقها من خلال التعاقد مع موزع واحد دون غيره، وهذا ما يطلق عليه عقد التوزيع الحصري، أو تسويق المُنتَج بواسطة أكثر من موزع، وهذا ما يطلق عليه عقد التوزيع غير الحصري، وهذا موضوع مقالنا؛ لذا سوف نتناول في هذا المقال ما يتعلق بعقد التوزيع بصفة عامة، و عقد التوزيع غير الحصري بصفة خاصة من خلال العناصر الرئيسية الآتية:

وسوف نقدم شرح تفصيلي لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:

أولًا: مفهوم عقد التوزيع بصفة عامة

“عقود توزيع السلع، والمُنتجات هي تلك التي تبرم بين مُنتِج السلعة، أو موردها من جانب، والقائم بالتوزيع من جانب آخر، وهي عقود متباينة في صورها وأشكالها القانونية، تهدف في مجملها إلى تسويق السلع والمُنتجات، وزيادة حجم مبيعاتها”([1]).

ثانيًا: أهمية عقود التوزيع بصفة عامة

نظرًا لاتساع حركة التبادل التجاري، والحركة الاقتصادية النشطة التي تزداد يومًا بعد يوم خاصةً مع ازدياد نسبة السكان، واتساع المدن والدول، وتباعد الأسواق، فظهرت أهمية الحاجة إلى شخص يقوم بمهمة تسويق هذه السلع، أو المُنتجات المصنعة محليًا، أو مستوردة من الخارج، وتوزيعها على أكبر شريحة من الناس، وتسهيل حصول الناس عليها خاصًة بعد ما وجد المُنتِجين أن الجمع بين الإنتاج والتوزيع في وقت واحد يؤثر سلبًا على نشاطهم الأساسي وهو الإنتاج، وذلك لما تحتاجه عملية التوزيع إلى وسائل وإمكانيات مالية، وتنظيمية لا تتوافر لدى المُنتِجين، ومن هنا ظهرت أهمية عقود التوزيع سواء الحصري الذي يقتصر فيه الحق في توزيع السلعة على الموزع وحده الذي تعاقد مع المُنتِج أو غير الحصري، الذي يقتصر فيه الحق في توزيع السلعة على أكثر من موزع.

ثالثًا: أنواع عقود التوزيع

يتنوع عقد التوزيع إلى عقد توزيع حصري، وعقد توزيع غير الحصري على النحو الآتي:

١. عقد التوزيع الحصري:

هو عقد توزيع يقوم بمقتضاه المُنتِج بمنح الموزع الحق في توزيع المنتَج أو السلعة محل العقد في إقليم محدد، أو منطقة جغرافية معينة، وذلك بشكل حصري، بمعنى أن يكون المُنتِج قد مُنِح لهذا الموزع وحده دون غيره الحق في التوزيع.

٢. عقد توزيع غير الحصري:

هو عقد توزيع يقوم بمقتضاه المُنتِج بمنح الموزع الحق في توزيع المنتَج أو السلعة محل العقد في منطقة جغرافية محددة، أو إقليم محدد، وذلك بشكل غير حصري، بمعنى أن يكون المُنتِج قد منح الحق في توزيع نفس السلعة، أو المنتَج لأكثر من موزع في الوقت ذاته بموجب عقد توزيع آخر، وعادًة يُفضل المُنتجِون هذا النوع من العقود في حين لا يفضله الموزعون، ويرجع ذلك إلى أن المُنتِج بموجب هذا العقد غير الحصري يسعى للوصول إلى غاية معينة وهي تقويم، وتقدير أداء الموزع قبل أن يدخل المُنتِج معه في عقد توزيع حصري.

رابعًا: فوائد عقد التوزيع غير الحصري

يُحقق عقد التوزيع غير الحصري عدة فوائد تتمثل في الآتي:

١. يستطيع مُنتِج البضاعة من خلال عقد التوزیع غير الحصري أن يجد أسواقًا لتوزيع مُنتجاته خارج المنطقة التي یعمل فیها؛ وبالتالي يكون له القدرة على توسيع نشاطه التجاري.

٢. يستطيع مُنتِج البضاعة من خلال عقد التوزيع غير الحصري من تقدير أداء الموزع قبل أن یدخل المُنتِج معه في عقد توزیع حصري.

٣. يستفيد المُنتِج عن طريق عقد التوزيع غير الحصري من ملاءة الموزع، وائتمانه، ويرجع ذلك إلى أن الغالب هو قيام الموزع بتسديد ثمن البضاعة التي یرسلها إليه المُنتِج قبل بیعها، أو تسويقها إلى الجمهور، وبعد تنزیل عمولته من قیمتها.

خامسًا: أركان عقد التوزيع غير الحصري

تتمثل أركان عقد التوزيع غير الحصري في الآتي:

١. ركن الصيغة:

يتمثل ركن الصيغة في الايجاب والقبول، أو ما يقوم مقامها، وتختلف صيغة العقد بحسب البنود التي يتفق عليها الطرفان والتزامات وحقوق كل طرف.

٢. ركن العاقدان:

يتمثل ركن العاقدان في الموزع والمُنتِج، حيث إن الموزع هو من يتولى مهمة التوزيع، وقد يكون الموزع شخصية اعتبارية أو طبيعية، أما المنتج “فهو الموزع له، أي صاحب السلع المراد توزيعها، وقد يكون الموزع له هو المُنتِج نفسه، بمعنى أن يقوم المُنتِج بإبرام عقد توزيع مع غيره، وقد يكون وكيلًا تجاريًا للمُنتج، أي يقوم هذا الوكيل التجاري بإبرام عقد توزيع مع الآخرين لبيع منتجات موكله، وقد يكون الموزع له مجرد تاجرًا يشتري السلع والخدمات من الداخل أو الخارج ثم يبرم عقودًا مع غيره لتوزيعها”([2]).

٣. ركن المعقود عليه:

يختلف المعقود عليه باختلاف عقود التوزيع، فقد يتمثل المعقود عليه في السلعة المراد توزيعها، وذلك في حالة إذا انتقلت ملكية السلع إلى الموزع، وقد يتمثل المعقود عليه في المنفعة، وذلك في حالة إذا بقيت السلع في ملك الموزع له(المُنتِج).

سادسًا: خصائص عقد التوزيع غير الحصري

يتسم عقد التوزيع غير الحصري بالخصائص الآتية:

١. عقد من العقود الرضائية:

تُعد عقود التوزيع غير الحصري من العقود الرضائية، أي أن المشرع لم يشترط أن تكون مكتوبةً؛ وبالتالي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات، فطرفا عقد التوزيع هما كل من المُنتِج والموزع، فبمجرد ارتباط القبول بالإيجاب لطرفيه تتحقق الرضائية لعقود التوزيع غير الحصري، ولا يستطيع الشخص مباشرة عمليات التوزيع إلا بعد الحصول على موافقة الطرف الآخر وهو المُنتِج.

“ولا تحتاج من أجل إبرامها أي إجراء شكلي، أو عيني؛ وإنما تنعقد بمجرد اتفاق الطرفين عليه”([3])؛ وبالتالي فلا تنتفي الصفة الرضائية لعقود التوزيع في حالة ما إذا كان الاتفاق بين الطرفين قد انصب بشكل مكتوب في صيغة معينة، وذلك طالما لم يتطلب القانون أن تصاغ هذه العقود في شكل معين، أو يفرغ في شكل رسمي أمام موظف مختص.

٢. عقد من العقود الزمنية:

تُعد عقود التوزيع غير الحصري من العقود الزمنية، فالخاصية الثانية التي تتميز بها عقود التوزيع غير الحصري أنها من العقود الزمنية، أي أنه من عقود محددة المدة؛ وبالتالي لا ينطبق عليها وصف العقود الفورية التنفيذ؛ وإنما هو من العقود المستمرة التي تراعي فيها المدة والزمن الذي يمثل ركنًا أساسيًا من أركانه، فيتم إبرام عقود التوزيع بين المُنتج والموزع وتتراخى آثار تنفيذها إلى فترة زمنية معينة، إذ يلتزم المُنتِج بتزويد الموزع بمنتجاته ليقوم الموزع بتسويقها وتوزيعها في السوق.

٣. عقد من العقود الملزمة للجانبين:

تُعد عقود التوزيع غير الحصري من العقود الملزمة للجانبين، وذلك لكونه عقدًا تبادليًا، يُنشئ التزامات متبادلة على كلًا من طرفيه (الموزع والمُنتِج)، فكلٌ من طرفيه دائن للثاني ومدين له في ذات الوقت، ولذلك فإن عقد التوزيع غير الحصري من العقود الملزمة للجانبين.

٤. عقد من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي:

تُعد عقود التوزيع غير الحصري من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي، ويرجع ذلك إلى أن شخصية الموزع هي محل اعتبار في نظر المُنتِج؛ نظرًا لأن المُنتِج لا يمنح الإذن في توزيع مُنتجاته لأي شخص؛ وإنما يأخذ في اعتباره التعاقد مع الموزعين الذين يمتلكون سمعة حسنة، وذلك لكي یضمن توزیع مُنتجاته على أكبر قدر من الناس، وحتى لا تصاب سمعة هذا المُنتج بأي خدش، ومن أجل ضمان المحافظة على سریة المعلومات التي یحصل علیها من المُنتج وفقًا لعقد التوزيع غير الحصري، خصوصًا أن ميدان عمل عقد التوزيع في أغلب الأحيان هو ميدان التجارة، التي تقوم على الثقة والسمعة الحسنة، ومن أجل ذلك تُعد عقود التوزيع غير الحصري من العقود التي تراعى فیها شخصیة الموزع.

 سابعًا: ما هية البنود التي يتضمنها عقد التوزيع غير الحصري

تتمثل البنود التي يتضمنها عقد التوزيع غير الحصري في الآتي:

١. موضوع العقد وهي السلع أو المُنتجات محل العقد بموجب عقد التوزيع غير الحصري

٢. الإقليم، أو المنطقة الجغرافية التي سيتم توزيع المُنتجات في حدودها.

٣. طرق نقل البضائع، والمكان الذي سيتم فيه تسليم البضائع

٤. مدى موافقة البضائع للمواصفات القياسية المطلوبة.

٥. مدة وإنهاء العقد.

٦. النتائج المترتبة على إنهاء العقد.

٧. الظروف الطارئة والقوة القاهرة حتى يمكن تحديد عبء المسئولية في حالات تلف المُنتجات، أو هلاكها وفقًا للسبب الذي أدى لذلك.

٨. تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد في حالة حدوث نزاع.

ثامنًا: ما هية التزامات الموزع في عقد التوزيع غير الحصري

ينتج عن عقد التوزيع غير الحصري عدة التزامات يقع على عاتق الموزع تنفيذها تتمثل هذه الالتزامات على النحو الآتي:

١. تنفيذ تعليمات المُنتِّج، والالتزام بما يفرضه عليه بموجب عقد التوزيع غير الحصري، ومن أهم هذه الالتزامات هو بیع، أو تسويق، أو توزیع المُنتجات استنادًا لما تمَ الاتفاق علیه في بنود العقد وشروطه، كالتزام الموزع بتوزيع المنتج في المنطقة الجغرافية المحددة في العقد.

٢. على الموزع أن يبذل من أجل تنفيذ عقد التوزیع غير الحصري من العناية ما یبذله الشخص المعتاد، ولكن بالمهارة والخبرة المعروفة لديه، وذلك لأن الموزع هو شخص متخصص في مجال عمله.

٣. “الموزع في هذا النوع من العقود یجب علیه تنفيذ التزاماته بما یتطابق مع مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، وهذا المبدأ مقتضاه أن يمتلك الموزع الأمانة والصدق في التعامل مع المُنتِج”([4]).

٤. يلتزم الموزع بمواكبة التطورات، والتحديثات وبذل الجهود الضرورية لتسویق تلك المنتجات، وذلك من أجل الحفاظ على نوعیة وسمعة تلك المُنتجات.

تاسعًا: كيفية انقضاء عقد التوزيع غير الحصري

يمكننا القول بأن عقد التوزيع غير الحصري ينقضي إما بانقضاء مدته، وإما بزوال الشخصية القانونية، وذلك على النحو الآتي:

١. انقضاء عقد التوزيع غير الحصري بانقضاء مدته:

عقد التوزيع غير الحصري من عقود المدة الذي يستمر تنفيذه لمدة معينة ما لم يتم تجديدها؛ وبالتالي فإن هذا العقد ینقضي بانقضاء مدته، و لا يمكن انقضاء عقد التوزيع غير الحصري قبل انقضاء مدته، أما اذا لم ینص في عقد التوزيع غير الحصري على مدة معينة وهو ما لا یمكن تصوره إلا نادرًا؛ فإن المدة التي سينقضي بها عقد التوزيع غير الحصري بانتهائها یمكن تحديدها من خلال الرجوع إلى أصحاب الخبرة والمعرفة في مجال عقود التوزیع من أجل بيان الوقت الذي ینتھي عقد التوزيع غير الحصري بانتهائها، بشرط أن يكون ذلك مقرونًا بقيام الطرف الذي يرغب بإنهاء العقد غير محدد المدة بإشعار الطرف الاخر برغبته في الانهاء، وهذا يتفق مع حكم القواعد العامة.

٢. زوال الشخصية القانونية:

لما كان عقد التوزيع غير الحصري من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي والذي یتمثل في الثقة المتبادلة بین طرفي العقد المُنتِج والموزع، فينقضي بزوال شخصية الموزع، والسبب في ذلك يعود إلى أنه في عقد التوزيع عندما يقوم الموزع بتنفيذه؛ فإن ذلك یكون على أساس الثقة التي وضعها المُنتِج في شخص الموزعين الذي رغب في التعاقد معهم، وقد لا تتوافر هذه المزايا في غيرهم، وينبغي التمييز بين ما إذا كان الموزع ذا شخصية طبيعية، أو اعتبارية.

أ. إذا كان الموزع ذا شخصية طبيعية:

ففي حالة إذا كان الموزع شخصًا ذا صفة طبيعية، فينقضي عقد التوزيع غير الحصري بوفاته، أو بفقده الأهلية، فإذا أصبح الموزع فاقدًا لأهليته كما لو أصيب بالجنون يؤدي إلى انقضاء العقد، وكذلك ينقضي العقد بافتتاح أي من إجراءات التصفية للموزع بموجب نظام الإفلاس؛ لأنه بافلاس الموزع ستكف یده عن إدارة أمواله بنفسه؛ وبالتالي لا یستطیع تلبية متطلبات عقد التوزيع، وذلك لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، وكذلك ينقضي العقد بنشوء مانع صحي يحول دون قدرته على ممارسة أعماله.

ب. إذا كان الموزع ذا شخصية اعتبارية:

أما في حالة إذا كان الموزع شخصًا ذا صفة اعتبارية، والحالة الاكثر شیوعًا في هذا الفرض كون الموزع قد اتخذ الشركة لتوزيع مُنتجات مُنتِج معین؛ فينقضي عقد التوزيع غير الحصري بتصفية الشركة، فالتصفية تُعد سببًا لإنهاء وجود الشركة كشخص قانوني مستقل له أهلية، وذمة مالية مستقلة، وانتهاء شخصیة الشخص المعنوي هي بمثابة وفاة الشخص الطبيعي.

إعداد/ محمد محمود

[1] د. أحمد عبد العال بن قرين، بحث عقود توزيع السلع والمنتجات، (ص٣٧٧).

[2] د. فهد بن صالح عبد الله الباحوث، عقود التوزيع، (ص٤١).

[3] د. حسن علي الذنون. النظریة العامة للالتزامات، (ص٧٦).

[4] د. عزيز العكيلي، شرح القانون التجاري، (ص ١٠٣).