أحكام فسخ العقد في النظام السعودي

في مستهل الحديث عن الفسخ حرى بنا أن نؤكد على أن أساس نظرية الفسخ يعود لاعتبارات العدالة، وتتمثل أهميته في أنه يخفف من تضرر الدائن ويضع حداً لإهمال وتقصير المدين، ونجده في العقود التي تحتاج طبيعتها بأن يكون التزام أحد المتعاقدين مرتبطاً بالتزام المتعاقد الآخر، ويكون ذلك في الالتزامات المتقابلة أي في العقود الملزمة للجانبين، عندما لا يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ولو بجزء منه، فإنه يحق للطرف الآخر أن يتحلل هو الآخر من التزامه بالفسخ بيد أنه لابد أن نؤكد على أن القاضي له سلطة تقديرية عند الحكم بالفسخ.

لذلك سنتولى في هذا المقال إلقاء الضوء على أحكام الفسخ في القانون السعودي وذلك من خلال العناصر الآتية:

أولاً: تعريف الفسخ والفرق بينه وبين البطلان:

إن للفسخ عدة معان: فهو طريقة تطبق لعلاج عدم تنفيذ أحد الأطراف التزامه المنصوص عليه في العقد، كما أنه نقض للارتباط المترتب على التعاقد، كما أنه يعد جزاء يترتب عليه وزال كافة الآثار المترتبة على العقد وانتهاء العلافة التعاقدية نتيجة لبعض الأسباب، كما عرفه البعض بأنه فك علاقة ارتباط بين طرفين في العقد لأسباب متعددة وانتهاء جمعي الآثار المرتبطة به.

واستخلاصاً مما سبق يمكن تعريف الفسخ بأنه الجزاء الذي يترتب على إخلال أحد المتعاقدين بالتزامه، بمناسبة عقد ملزم للجانبين، حيث يحق لأحدهما طلب حل الرابطة التعاقدية إذا لم يوف المتعاقد الآخر بما في ذمته من التزام، فتزول كافة الآثار المترتبة على التعاقد والمرتبطة به.

ومما لا شك فيه أن الفسخ والبطلان يتشابهان في الأثر المترتب على كل منهما وهو انعدام الرابطة التعاقدية، وزوال العقد بأي منهما يكون بأثر رجعى، فيُعاد المتعاقدان للحال التي كانا عليها قبل العقد، بيد أن هناك فارق جوهري بين البطلان والفسخ، حيث إن البطلان جزاء قانونيا يتقرر بسبب عدم توافر أركان أو شروط صحة العقد، بينما الفسخ جزاء يتقرر نتيجة عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المحددة في العقد.

ثانياً: فسخ العقد بحكم القضاء في القانون السعودي:

من المسلم به أنه حتى يتسنى للدائن المطالبة بفسخ العقد أمام القضاء هناك ثلاثة شروط يجب توافرها وهذه الشروط هي:

1- أن يكون العقد ذو طبيعة ملزمة للجانبين:

مما لاشك فيه أن العقود التي يرد عليها الفسخ هي فقط العقود الملزمة للجانبين، سواء كان الفسخ بحكم القاضي أو بالاتفاق أو بحكم القانون، وذلك نظراً لأن العقد الملزم للجانبين يرتب التزامات متقابلة على الطرفين وهى التزامات مرتبطة ببعضها البعض فكل التزام سببه الالتزام المقابل، فإذا أخل أحد المتعاقدين بالتزامه جاز للمتعاقد الآخر المطالبة بفسخ العقد عن طريق القضاء ومن أمثلة العقود الملزمة للجانبين التي يتصور فيها الفسخ عقد البيع وعقد الإيجار، أما العقد الملزم لجانب واحد من أمثلته: عقد الإيداع أو عقد الضمان أو حتى عقد الهدية وهى جميعها لا ترد عليها الفسخ.

فمن المسلم به أن العقد الملزم لجانب واحد يكون طرفاً واحداً فيها هو الملتزم، فإذا لم يقم بتنفيذ التزامه، فلا توجد أي مصلحة للطرف الآخر في طلب الفسخ لأنه لا يوجد ثمة التزام يتحلل منه بالفسخ، بل إن مصلحته تقتضي أن يطلب تنفيذ العقد، لذا فإن الفسخ لا يمكن تصوره إلا في العقود الملزمة للجانبين وهو يرد عليها جميعاً مع اختلاف أثر الفسخ في العقود الزمنية عنه العقود الفورية.

2- أن يخل أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه:

من أهم شروط فسخ العقد في القانون السعودي أن يكون هناك مماطلة من أحد المتعاقدين في تنفيذ الالتزام الواقع عليه سواء كله أو جزء منه دون إبراء سبب مقبول، فعدم التنفيذ يجب أن يرجع إلى فعل المدين، لأنه إذا كان عدم التنفيذ يرجع إلى استحالته لسبب أجنبي فإن التزام المدين ينقضي وينقضي أيضاً الالتزام المقابل له وينفسخ العقد بقوة القانون.

ويلاحظ أن التنفيذ المعيب يعتبر في حكم عدم التنفيذ الجزئي وهو يعطى للدائن الحق في المطالبة بالفسخ، والقاضي في استعمال حقه في التقدير ينظر فيما إذا كان الجزء الباقي دون تنفيذ يبرر الحكم بالفسخ أم لا، وهل يقضى بفسخ العقد كله أم يقتصر على فسخ جزء منه مع بقاء الجزء الآخر وذلك إذا كان التزام المدين يحتمل التجزئة، إذا لم يكن كذلك يتم فسخ العقد كله.[1]

3- أن يكون الطرف الذي يطلب فسخ العقد على استعداد لتنفيذ الالتزام الواقع عليه:

يتطلب القانون السعودي لفسخ العقد ألا يكون الطرف الذي يطلب فسخ التعاقد مقصر هو الآخر في تنفيذ التزامه، فيجب أن يكون قد نفذ القسم الواقع عليه من الالتزام، أو على الأقل قد قام بإبداء رغبته في أدائه، أما إذا كان رافضاً لتنفيذ العقد أو إذا كانت حالته لا تسمح فلا يحق له أن يطلب فسخ العقد.

ويلاحظ أنه يجب أنه يجب أن يكون طالب الفسخ قادراً على إعادة الحال إلى أصله أي قادراً على رد ما قد أخذ.

فإذا تحققت تلك الشروط وتمسك الدائن بطلب الفسخ فإن للقاضي السلطة التقديرية في أن يجيبه إلى طلبه أو أن يرفض فسخ العقد ويلزم المدين بتنفيذ ما عليه من التزامات، إلا أن هناك بعض الحالات التي اختلف فيها الفقه حول مدى أحقية الدائن أن يفسخ العقد دون الرجوع إلى القاضي، وتتمثل تلك الحالات فيما يلي:

المسائلة الأولى: وجود عيب في المبيع:

إذا ظهر في المبيع أحد العيوب الكامنة التي يرجع سببها إلى وقت لاحق على عقد البيع، ففي هذه الحالة اختلف الفقهاء على رأيين:

الرأي الأول: وهو رأى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الفسخ يتم بقول المشترى: فسخت البيع، ولا حاجة إلى رضاء البائع أو القضاء وقاسوه بالطلاق.[2]

الرأي الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الفسخ لا يتم إلا بالتراضي أو بقضاء القاضي، لأن العقد تم باتفاق البائع والمشترى فلا يفسخ إلا برضاهما، فإن تعذر الفسخ برضاهما يفصل بينهما القاضي.

المسألة الثانية: الوقت الذي يتم فيه رد المبيع حال ظهور عيب فيه:

إذا ظهر عيب في المبيع، هل يجب الرد على الفور بعد الاطلاع عليه أم على التراخي، أختلف الفقهاء:

أ- الرأي الأول: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة في رأى لهم أن الرد واجب على الفور، لأن تأخره عن الرد بغير عذر دل على أنه راضٍ بالعيب فيسقط خيار الرد.

ب- الرأي الثاني: ذهب الحنفية والراجح عند الحنابلة إلى أن رد المبيع بعد ظهور العيب واجب على التراخي، فمن علم به وأخر الرد بدون عذر لم يبطل حقه في الفسخ.

ثالثاً: شروط الفسخ للخيار في الفقه الإسلامي:

الشرط الأول: أن يكون العقد غير لازم:

اتفق الفقهاء أنه يلزم لفسخ العقد أن يكون العقد غير لازم، ويكون كذلك إذا وجد أحد الخيارات (كخيار الشرط أو الرؤية أو المجلس)، حيث إن هذه الخيارات شرعت حتى لا يغبن الناس.

واستقر الفقهاء أيضاً على أن العقد قد يكون غير لازم بطبيعته كعقد الرهن، فيملك الدائن المرتهن أن يفسخه من جهته دون حاجة لرضاء المدين الراهن، وغير ذلك من العقود التي تكون غير لازمة من جهة واحدة.

الشرط الثاني: أن يكون الفسخ بعلم المتعاقد الأخر:

وفى هذا الشرط اختلف الفقهاء كما يلي:

الرأي الأول: ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو يوسف إلى أنه لا يشترط علم المتعاقد الآخر بالفسخ وذلك في البيع، فلو فسخ المشترى البيع فلا يشترط علم البائع بهذا الفسخ.[3]

الرأي الثاني: ذهب أبو حنيفة ومحمد إلى اشتراط علم المتعاقد الآخر بفسخ البيع، فإذا فسخ المشترى البيع لابد أن يعلم البائع بالفسخ.[4]

1- أدلة الرأي الأول:

أ- الدليل الأول: قالوا: من ثبت له الخيار فله أن يفسخ في حضور صاحبه وفى غيبته مثل الطلاق.

ب- الدليل الثاني: استدلوا بحديث حبان ابن منقذ، الذي كان يغبن في البيوع، فأتى النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره فقال له النبي صلي الله عليه وسلم :(إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال، فإن رضيت أمسكت، وإن سخطت فاردوها لصاحبها).

2- أدلة الفريق الثاني:

استدلوا بأن الفسخ لو نفذ يعتبر علم صاحبه لتضرر به صاحبه، لهذا لم يجيزوا عزل الوكيل بغير علمه حتى لا يترتب ضرر، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار).

الشرط الثالث: أن يكون المبيع قائماً بيد أحدهما:

فإذا هلك المبيع وهو في يد المشترى، يسقط الخيار ويلزم البيع.

الشرط الرابع: عدم تنازل صاحب الحق في الفسخ عن حقه:

لأن الفسخ حق لصاحبه جاز له إمضاءه والتمسك به، وجاز له عدم التمسك به والتنازل عنه.

الشرط الخامس: بقاء السبب المقتضى للفسخ:

لأنه إذا زال السبب الذي يؤدى للفسخ، فإن العقد يصبح لازم ولا يمكن فسخه.

رابعاً: الشرط الفاسخ في النظام السعودي:

الشرط الفاسخ هو عبارة عن تضمين العقد بنداً يتفق فيه الطرفان على اعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه إذا لم يقم أحدهما بتنفيذ التزامه، وذلك دون حاجة إلى حكم قضائي، وهذا الاتفاق لا يعفى من الإعذار إلى إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه.

وجدير بالذكر إن الاتفاق على الفسخ وقت صدور العقد قد يكون تدريجياً، فأدنى مراتب هذا الشرط هو الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته، وقد يزيدان في قوة هذا الشرط بأن يتفقا على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه، بل قد يتدرجان في القوة إلى حد الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم، ثم قد يصلان إلى الذروة فيتفقان على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إنذار أو دون حاجة إلى إنذار.[5]

وجدير بالإشارة إلى أن مجرد الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً إذا أخل المدين بالتزامه لا يغنى عن الإعذار، ولا عن الالتجاء للقضاء للحصول على حكم بالفسخ، ولا يسلب القاضي سلطته التقديرية في الحكم بالفسخ، أو إعطاء المدين مهلة لتنفيذ التزامه، ولا يمنع المدين من توقى الفسخ بتنفيذ التزامه.

أما الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم، فهذا الشرط يجعل فسخ العقد يقع من تلقاء نفسه إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه، ولا حاجة لرفع دعوى بالفسخ وإذا حدث نزاع بينمها فالقاضي ينحصر دوره فقط في التأكد من أن المدين لم ينفذ التزامه ليصدر حكمه بالفسخ، ويكون حكمه بالفسخ كشف مقرر وليس منشئ، ولا يعفى هذا الشرط من إعذار المدين.

وأخيراً قد يكون الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إعذار بمجرد عدم قيام المدين بالتنفيذ، ويكون الحكم هنا أيضاً بالفسخ مقرر لا منشأ، ويجب أن يكون الإعفاء من شرط الإعذار صريحاً وليس ضمنياً، ويلاحظ أيضاً أن هذا الشرط لا يمنع الدائن من طلب تنفيذ العقد دون فسخه.

ويترتب على فسخ العقد بحكم الاتفاق أن يعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض، وينحل العقد بأثر رجعى سواء بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير فيما عدا العقود الزمنية.

من المسلم به أنه يحق للعاقدين فسخ العقد بالتراضي، والإقالة نوع من الفسخ الاتفاقي، وقد ذهب الحنابلة إلى أن الإقالة فسخ في حق الناس كافة، لأن الإقالة هي الرفع والإزالة، ولأن المبيع عاد إلى البائع فكان فسخاً.

خامساً: انفساخ العقد بحكم القانون في النظام السعودي:

إذا كان تنفيذ بنود العقد قد أصبحت مستحيلة لسبب خارجي ليس لأحد الأطراف علاقة به يتم فسخ العقد بقوة القانون لاستحالة تنفيذه بسبب أجنبي، وإذا لم يثبت المدين أن استحالة تنفيذه لالتزامه يرجع إلى سبب أجنبي لا يد له فيه يظل ملتزماً بالعقد ويحكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه استناداً للمسئولية العقدية.

واستحالة التنفيذ التي ترجع إلى سبب أجنبي تؤدى إلى انقضاء التزام المدين، لأنه لا تكليف بمستحيل فينفسخ العقد من تلقاء نفسه ولا محل للأعذار، لأن الإعذار يكون فقط إذا كان التنفيذ لا يزال ممكناً، ولا خيار للدائن بين التنفيذ والفسخ لأن التنفيذ أصبح مستحيل، ويقع الفسخ في هذه الحالة بقوة القانون دون حاجة للجوء إلى القاضي، لكن إذا حدث نزاع وتم اللجوء إلى القضاء فحكم القاضي بانفساخ العقد يقرر الفسخ ولا ينشئه.

وإذا انفسخ العقد بحكم القانون يُعاد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ولا محل للتعويض لأن المدين قد انقضى التزامه بقوة قاهرة، وينحل العقد يؤثر رجعى سواء بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير فيما عدا العقود الزمنية.

سادساً: الآثار القانونية للفسخ القضائي في النظام السعودي:

1- انحلال العقد:

ويُقصد به زوال الرابطة العقدية التي نشأت صحيحة وما يترتب عليه من زوال الالتزامات الناشئة عن العقد، فعلى سبيل المثال:( إذا أبرم عقد بيع بثمن مؤجل ولم يقم البائع بتسليم المبيع، وقضى للمشترى بفسخ العقد بسبب إخلال البائع بالتزامه بتسليم المبيع، فلا يحق للبائع مطالبة المشترى بتسليم الثمن لأن هذا الالتزام زال بفسخ العقد).

وانحلال العقد بعد من أهم آثار الفسخ ولا يؤدى زوال العقد بالفسخ إلى زوال الالتزامات الناشئة عن العقد فقط، بل يؤدى إلى زوال الالتزامات الأخرى الناشئة عن عقود فرعية أخرى تابعة لذلك العقد، ممثلاً إذا قام المشترى بثمن مؤجل بإبرام عقد رهن للبائع ليضمن البائع حقه، فإنه إذا زال عقد البيع بالفسخ يزول بالتبعية عقد الرهن لانقضاء الدين المضمون، كما تنقض عقود الشركات التابعة للشركة الأم بفسخ عقد الشركة الأم.

وانحلال العقد قد يكون كلياً أي يؤدى إلى زوال كافة الالتزامات الناشئة عن العقد وكافة العقود الفرعية التابعة لذلك العقد، ومن الممكن أن يكون زوال العقد جزئياً فلا تزول إلا بعض الالتزامات الناشئة عن الجزء الذي زال من العقد وذلك في حالة الفسخ الجزئي، فمثلاً إذا حكم بفسخ جزئي لعقد بيع في بعض المبيع يزول العقد في حدود ذلك فقط، ويزول التزام المشترى فقط بدفع ثمن الجزء الذي تم فسخه، وتبقى الالتزامات الأخرى والعقود التابعة لها والتي لم تفسخ.[6]

2- انحلال العقد بأثر رجعى:

من المسلم به أن العقد لا ينحل من يوم وقوع الفسخ فقط في المستقبل بأثر فورى، بل ينسحب انحلال العقد إلى الماضي فينحل العقد من يوم نشوئه بأثر رجعى، ويعتبر العقد معدوماً منذ نشوئه لا يرتب أية آثار قانونية، وكأنه لم يكن أصلاً فيعاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل وكأن المال لم يخرج من يد صاحبه، ويطبق الأثر الرجعى للفسخ في كل صور الفسخ سواء القضائي أو الاتفاقي أو القانوني.

3- استثناء العقود الزمنية من الأثر الرجعى:

في العقود الزمنية لا يكون للفسخ آثر رجعى كعقد الإيجار فلا يسرى فيها الفسخ على الماضي، بل من وقت الفسخ، لأن الزمن لا يعود للوراء فإذا انفسخ عقد الإيجار بعد البدء في تنفيذه تظل آثاره قبل الفسخ قائمة، ويكون المقابل المستحق عن الفترة ما بين انعقاده وفسخه له صفة الأجرة لا التعويض، لأن المستأجر انتفع بالعين في هذه الفترة.

4- الالتزام بالتعويض:

والتعويض في حالة الفسخ يجد أساسه في المسئولية التقصيرية وليس العقدية، لأن العقد يزول من ذ نشوئه بأثر رجعى، فقد يرى الدائن أن فسخ العقد كجزاء لإخلال المدين بتنفيذ التزامه لا يكفي لرفع الضرر الناشئ عن إخلال المدين بتنفيذ التزامه خصوصاً في العقود الزمنية التي ليس للفسخ فيها أثر رجعى، لذا يلجأ الدائن لطلب تعويض عن ذلك الضرر ولابد للحكم بالتعويض تحقق شروط المسئولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما، وعلى المضرور وهو الدائن عبء إثبات الضرر كواقعة مادية وذلك بكافة طرف الإثبات.

٥- الالتزام بالرد:

من المسلم به أن الأثر الرجعى لفسخ العقد يترتب عليه التزام المتعاقدين بالعودة إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد، ويلتزم كل منهما بالرد إذا كان قد تم تنفيذ العقد، فالمتعاقد الذي تسلم شيئاً بموجب العقد قبل فسخ العقد يلتزم برده، ويجب في الالتزام بالرد أن يقوم الشخص برد الشيء ذاته، فإذا كان ما تسلمه المتعاقد قبل الفسخ عيناً معينة بالذات سواء عقاراً أو منقول فيجب عليه أن يرد العين بذاتها ويمكن للدائن أن يرفع دعوى على المدين يطالبه فيه برد العين التي أخذها من دون وجه حق.[7]

ويجب على المتعاقد ألا يرد فقط الشيء ذاته، بل يجب أن يرد ثمرات الشيء وفوائده القانونية في حالة الالتزام برد مبالغ مالية، وتسحق الفوائد من وقت المطالبة القضائية برد ما صرفه الدائن من مصروفات العقد وما أنفقه في المحافظة على العين وصيانتها، ويلاحظ أن المصروفات التي يلتزم بردها المصروفات الضرورية والنافعة وليس المصروفات الكمالية.

وإذا استحال الرد بسبب المدين وذلك بإتلاف الشيء وإهلاكه، فإن المدين يلتزم بتعويض الدائن، أما إذا كان سبب استحالة الرد هو السبب الأجنبي، فلا يلتزم المدين بالتعويض إلا بقدر ما انتفع به كأن يستفيد بباقي الشيء بعد هلاكه.

6- سريان الفسخ على الغير:

الأثر الرجعى لانحلال العقد يسرى على المتعاقدين وأيضاً على الغير الذي تعامل معهم، ويحق للدائن الرجوع على الغير بدعوى مستقلة هي دعوى استحقاق العين لأنها مستحقة لمالكها وهو الدائن الذي حكم بالفسخ لصالحه.[8]

7- استثناء الإدارة من الأثر الرجعى للفسخ:

رغم أن الأصل سريان الأثر الرجعى بالنسبة للغير لكن يستثنى منه إذا كان التصرف إلى الغير من أعمال الإدارة، وهي التي يراد بها استعمال الشيء أو الانتفاع به واستثماره دون التصرف فيه، فإذا فسخ العقد وكان المدين قد أجر العين محل الرد إلى شخص ثالث فهل يزول عقد الإيجار؟

لا يزول عقد الإيجار لأنه من أعمال الإدارة تدخل في الاستثناء، بشرط أن تبرم هذه الأعمال بحسن نية وبدون غش ولمدة معقولة غير طويلة.

٨- استثناء أعمال التصرف في المنقول من الأثر الرجعى للفسخ:

إذا كانت المدين قد قام بعمل من أعمال التصرف للغير وكان ذلك على منقول ثم فسخ عقد بيع المنقول بعد أن تصرف المدين فيه لشخص ثالث، فإن للغير أن يدفع أمام هذا الدائن بقاعدة الحيازة في المنقول سند الملكية، لأنه حائز لهذا المنقول بشرط أن تكون الحيازة بسبب صحيح وبحسن نية، وأن يكون غير عالم بالخطر الذي يهدد العقد، وفى هذه الحالة لا يكون أمام الدائن سوى الرجوع على المدين بالتعويض لاستحالة الرد بسبب استحقاق الغير للمنقول.

9- استثناء أعمال التصرف في العقار من الأثر الرجعى للفسخ:

يستطيع الدائن حماية حقه في العقار عن طريق شهر دعوى الفسخ والتأشير عليها في السجل العقاري، وبالتالي يسترد الدائن العقار من الغير، أما إذا لم يقم الدائن بتسجيل دعوى الفسخ، وقام الغير بتسجيل ملكية العقار قبل تسجيل دعوى الفسخ فإن حقه في استرداد العقار مرهون بما إذا كان الغير حسن النية أو سيئ النية، فإذا كان سيئ النية فالفسخ يسرى في حقه ويسترد الدائن العقار منه.

أما إذا كان الغير حسن النية فالفسخ لا يسرى في حقه، ولا يستطيع الدائن استرداد العقار، وعليه الرجوع على المدين بالتعويض، لاستحالة الرد، ويسرى نفس الحكم بالنسبة للرهن.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر: عبد الرازق احمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام، عام ١٩٥٢، دار النشر للجامعات المصرية، ص ٥٧٣.

[2] انظر حاشية الدسوقي، ج٣ ص ١١، حاشية الجمل علي شرح المنهاج، ج٣ ص ١٨٣،١٨٤، المغني لابن قدامة، ج٤، ص ١٠٩.

[3] أنظر المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لأبي المعالي برهان الدين محمود بن احمد عبد العزيز بن عمر الحنفي، تحقيق عبد الكريم سامي: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١٤٢٤، ج٦، ص٥٣٣.

[4] بدائع الصنائع، ج٥، ص ٣٧٢.

[5] انظر د. عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص ٥٨٥.

[6] انظر: د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات، الكتاب الأول المصادر الإرادية، دار النهضة العربية، القاهرة ط ١ عام ١٩٩٩، ص ٦٠٨.

[7] انظر: شامل سليمان عسله، الأثار القانونية للفسخ القضائي في العقود المتعاقبة (دراسة مقارنة)، ص ١٠١٩.

[8] انظر د. عبد الحي حجازي، النظرية العامة للالتزام، ص ٣٧٣.