التزامات المشتري في عقد البيع وفق النظام السعودي

البيع هو: ” عقد يلتزم به البائع أن ينقل للمشترى ملكية شيء أو حقاً مالياً آخر في مقابل ثمن نقدي”،[1] وتعد البيوع قوامًا للحياة المدنية داخل المجتمعات، وأساسا يرتكز عليه المجتمع الحديث في بناء وتدعيم أركانه، ونظرا للأهمية عقود البيع الكبيرة داخل المجتمع، سارع الشراع إلى إرساء القواعد القانونية الخاصة بالبيوع منذ القدم، فكانت تلك التشريعات – الخاصة بالبيع – من أقدم التشريعات منذ نشأه العصر الحداثي والمجتمعات، ونتحدث اليوم عن البيع والالتزامات التي تقع على المشتري في عقد البيع وفق النظام القانوني السعودي والشريعة الإسلامية.

ولاشك بأن المملكة العربية السعودية تتخذ من الشريعة الإسلامية مصدرا أساسيا للتشريعات، وأحكام الشريعة مستقاه بشكل مباشر من الكتاب والسنة، وباستقراء التعريفات الفقهية لعقود البيع نجد أن البيع لا يقتصر فقط على نقل حق الملكية، وإنما من الممكن أن يرد البيع على الحقوق المالية الأخرى كحوالة الدين على سبيل المثال، وللوقوف بشكل أعمق على حقيقة عقد البيع نتعرض لتعريفه في السطور التالية:

أولاً: التعريف بعقد البيع:

العقد ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو، أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه،[2] وعرفه أبو بكر الرازي بأنه: ” هو كل ما التزم فيه الشخص الوفاء بأمر في المستقبل، سواء أكان ذلك الالتزام بإلزام نفسه أم كان باتفاق مع شخص آخر “.[3]

وعرفه محمد الفقهي بأنه: ” ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره في المحل”،[4] وبإنزال القواعد والنصوص الفقهية والقانونية السابقة على عقد البيع، نجد بأن عقد البيع له عدة خصائص تميزه عن غيره، حيث يتسم بأنه عقد رضائي تتلاقي فيه إرادة الطرفان، فلا ينعقد البيع في عقد يفتقد الرضائية، فالإيجاب والقبول هما السمة الغالبة على عقد البيع، ونجد بأن عقد البيع أيضا ملزم لطرفي التعاقد، فيلتزم البائع بنقل الملكية ويلتزم المشتري بدفع الثمن وفى حالة عدم الالتزام يجوز للطرف المتضرر التمسك بفسخ عقد البيع.

ولما كان ذلك، ومما سبق نجد أن البيع هو عملية من الالتزامات المتبادلة بين البائع والمشتري، ونتعرض في هذا المقام إلى الالتزامات التي تقع على عاتق المشتري في السطور التالية:

ثانيا: التزامات المشتري في عقد البيع:

1- الالتزام بالوفاء بالثمن:

لما كان البيع هو تلاقي إرادتي البائع والمشتري، وبالتالي تنشأ التزامات متبادلة جراء ذلك التلاقي، فالبائع على سبيل المثال يكون ملتزما بتسليم المبيع وضمان عدم التعرض وغيره من الالتزامات، والمشتري يكون على عاتقه التزامات لعل أبرزها هي الوفاء بالثمن.

والثمن هو المقابل المادي لقاء التنازل عن الشيء المبيع وعن حيازته والانتفاع به، وهو تعويضا عن فقدان ذلك الشيء، ومن أهم شروط عقد البيع وفقا للشريعة الإسلامية وفي القانون السعودي هو تحديد ثمن المبيع أثناء وخلال التعاقد. فلا ينعقد بيع لا يحدد فيه ثمن، ومن ثم يصبح هذا الثمن التزاما على المشتري لا يتم البيع إلا بعد أدائه، ويكون هذا الالتزام خاضعا لطبيعة وبنود التعاقد المتفق عليها أثناء إتمام البيع.

فعلى سبيل المثال لو تم الاتفاق على الوفاء بالثمن عن طريق التقسيط في مواعيد محددة فلا يجوز أن يطالب البائع الوفاء بالثمن قبل الميعاد المتفق عليه، أما إذا كان الثمن مستحق الدفع وكان المشتري قد تأخر عن الوفاء به جاز للبائع أن يطالب بالثمن مع التعويض المناسب على الضرر جراء عدم الالتزام به. كما يجوز له أيضا المطالبة بالفسخ مع التعويض جزاء عدم الالتزام من قبل المشتري بالوفاء بالثمن المستحق والمتفق عليه سلفا أثناء التعاقد.

وقد شرعت داخل المملكة العربية السعودية أنظمة تحُدد شكل البيع خاصة فيما يتعلق بطريقة الوفاء بالثمن، مثل نظام البيع بالتقسيط والذي جاء في مادته الأولى تعريفا للبيع بالتقسيط، وجاء في باقي المواد تنظيم الشروط الشكلية والموضوعية لهذا النظام وفقا للقانون السعودي.

وقد شرعت بعض أحكام الشريعة الإسلامية أيضا حق حبس الشيء المبيع حاله عدم الوفاء بالثمن، وشرعت حق حبس الثمن حاله عدم تسلم الشيء المبيع، وذلك لضمان إتمام عملية البيع بالشكل الذي يخدم إرادة طرفي التعاقد، كما يجوز الاتفاق أيضا على الفسخ في حالة عدم الالتزام من أحد الجانبين.

2- الالتزام برسوم ونفقات وتكاليف البيع:

يلتزم المشتري بدفع نفقات وتكاليف ورسوم البيع أمام الجهات المختصة، وذلك في حالة الاتفاق على ذلك، فكما سلف وأن ذكرنا أن مبدأ سلطان الإرادة لطرفي التعاقد يعد ركناً أصيلاً من أركان البيع، فإذا ما تم الاتفاق على تحمل المشتري رسوم وتكاليف البيع فإن ذلك الاتفاق يصبح ملزما وعلى عاتق المشتري ولا مناص من عدم تنفيذه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا ما تم الاتفاق على تكاليف نقل الشيء المبيع – إذا كان منقولا – أو أي مصاريف أخرى فإن المشتري يصبح ملتزما بما تم الاتفاق عليه على النحو المبين في بنود التعاقد إذا كان العقد مكتوبا، أو ما يتم إثباته بكافة طرق الإثبات الأخرى إذا ما كان العقد غير مكتوب.

3- الالتزام باستلام وتسلم الشيء المبيع:

إذا كان الالتزام بتسليم الشيء المبيع أحد أبرز التزامات البائع فإن الالتزام بتسلم واستلام الشيء المبيع أحد أهم الالتزامات التي تقع على عاتق المشتري خاصة في حالة كون المبيع منقولا، ففي تلك الحالة فلابد أن يسارع المشتري لنقل حيازة الشيء المبيع لنفسه، وذلك حتى ينتقل عبء حيازة المبيع والحفاظ عليه على المشتري وليس على البائع، ذلك لأن عملية البيع قد تمت بالفعل ولا حاجه للبائع ولا مصلحة له في الاحتفاظ بحيازة الشيء المبيع منذ أن تم إبرام البيع.

ويتم الاستلام والتسلم حسب ما هو متبع من العرف، حيث إن الشريعة الإسلامية في كثير من الأحكام الشرعية والضوابط التي تقع على المعاملات -ومنها البيع- تأمر باتباع العرف، فيقول الحق سبحانه وتعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )،[5] صدق الله العظيم.

فيكون العرف المتبع في استلام وتسلم المبيع من قبل المشتري مرجعا يتم الالتزام به، أو أن يتم الاتفاق صراحة على الطريقة التي سوف يتم تسلم الشيء المبيع ومكان وزمان الاستلام، وفي حالة الإخلال باستلام الشيء المبيع وتسليمه من قبل المشتري جاز للبائع أن يطلب فسخ العقد قضائيا، أو أن يشرع في التنفيذ العيني وذلك عن طريق إيداع الشيء المبيع في ذمة المشتري وفقا للإجراءات والضوابط التي رسمها القانون في إجراءات التنفيذ.

وتجدر الإشارة إلى أن الالتزامات الواردة على عملية البيع يكون أغلبها على عاتق البائع، أما فيما يخص المشتري فينحصر التزامه بالوفاء بالثمن وتسلم الشيء المبيع وتحمل النفقات، وبالرغم من قلة تلك الالتزامات التي تقع على عاتقة، إلا أنه إن لم يلتزم بها تكون هناك آثار مترتبة على ذلك غاية في الخطورة والأهمية، نتعرض لتلك الآثار في السطور التالي ذكرها.

ثالثا: الآثار المترتبة على عدم تنفيذ المشتري التزاماته الواردة بعقد البيع:

إن عقد البيع منشئ بطبيعته التزامات متقابلة – كما اشرنا سلفا –  لطرفي التعاقد، وإن كنا في هذا المقال بصدد الالتزامات الواردة على عاتق المشتري، وتلك الالتزامات المشار لها سلفا في النقطة الثانية بصدر هذا المقال من الوفاء بالثمن وتحمل نفقات البيع والالتزام بتسلم المبيع، والإخلال الواقع هنا من المشتري يتمثل في عدم دفع الثمن وفق المتفق عليه من مقدار وطريقة وميعاد الوفاء، وأيضا من ناحية أخرى الإخلال بأي شيء آخر متفق عليه سلفا قبل الشروع في البيع .

ونتعرض للفسخ كأثر لعدم وفاء المشتري بالتزامه في عقد البيع وفقا للقانون والشريعة الإسلامية:

1-   فسخ البيع:

والفسخ هو حل الرباط التعاقدي وإعادة كل من أطراف التعاقد إلى الحالة التي كانا عليها قبل البيع، ويعرف أيضا بأنه انحلال الرابطة العقدية بأثر رجعي، وهو جزاء لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه العقدي، ويفترض الفسخ وجود عقد ملزم للجانبين يتخلف فيه أحد المتعاقدين عن الوفاء بالتزامه فيطلب الآخر فسخه.[6]

والفسخ قد يكون اتفاقا بين أطراف التعاقد مثل الخيار وهو أن يكون للمتعاقد الخيار بين إمضاء العقد وعدم إمضائه بفسخه إن كان الأمر أمر خيار شرط أو رؤية أو عيب، أو أن يختار أحد المبيعين إن كان الأمر أمر خيار التعيين، علماً بأن الأصل في البيع اللزوم؛ لأن القصد منه نقل الملك، إلا أن الشارع أثبت فيه الخيار رفقاً بالمتعاقدين.[7]

وقد يكون الفسخ قضائيا كنتيجة لإخلال المشتري بالتزامه بدفع الثمن على سبيل المثال، وفى تلك الحالة يخير البائع بين أن يطالب بالطريق الذي رسمه القانون إما الفسخ وإما أن يطالب بالتنفيذ العيني للالتزام، والتنفيذ العيني هو الإجبار من قبل الجهات التنفيذية المختصة بعد صدور حكم قضائي على تنفيذ المشتري كل ما أخل به من التزامات واردة بعقد البيع، وللبائع الخيار هنا أما الإجبار على التنفيذ أو الفسخ، ويكون للقاضي السلطة التقديرية في الفصل بينهم فيما نشأ من نزاع حسب ملابسات وظروف البيع.

وللفسخ عدة شروط، أولهما هو إخلال المشتري بالتزاماته الواردة بعقد واتفاق البيع، فلا يجوز طلب الفسخ إلا عند الإخلال بالالتزامات، وأن يكون البائع قد قام بتنفيذ التزامه أو على الأقل أبدى استعداده لذلك، وأن الإخلال من طرف المشتري، كما أنه يشترط أن يكون الدين حال الأداء، فلا يجوز على سبيل المثال طلب الفسخ من قبل البائع لعدم دفع الثمن في بيع الأجل الذي لم يحل ميعاد الوفاء بثمنه أو لم يستحق بعد وفقا لما تم الاتفاق عليه سلفا.

وفى كل الأحوال فإن طلب الفسخ لا يعفي المشتري من أداء التعويض وذلك جزاء إخلاله بالالتزامات الواقعة عليه، وهذا سوف يكون الأثر الثاني الذي سوف نتحدث عنه في السطور التالية:

2- التعويض:

الضرر هو: الخسارة الفعلية التي تصيب المدعي في وقت الحق على الإخلال بالعقد، وأطلق عليه تسمية الخسارة المنتظرة،[8] والقصد من التعويض: هو تغطية الضرر الواقع بالتعدي أو الخطأ،[9] ويتضح من التعريف السابق بأن التعويض مرتبط بالضرر الواقع المطالب به، وفي حالتنا  تلك ونحن بصدد هذه الالتزامات الواقعة على المشتري بعقد البيع، يرتبط التعويض بمدى الضرر الواقع على البائع جراء إخلال المشتري بالتزاماته المشار لها سلفا.

ومن المستقر عليه فقها أنه لابد وان يكون هناك ارتباط بين فعل المشتري والضرر الحاصل للبائع حتى يجوز للبائع المطالبة بالتعويض. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا ثبت الإخلال بالالتزام الوارد بعقد البيع من قبل المشتري وإذا ترتب على ذلك فسخ عقد البيع، فإن هذا الفسخ لا يمنع من المطالبة بالتعويض، وتكون المطالبة هنا في إطار الخسارة المستقبلية للبائع عما فاته من مكسب وعما لحقة من خسارة جراء عدم الالتزام بالوفاء بثمن البيع على سبيل المثال.

وقد ذهب فريق من  فقهاء الشريعة الإسلامية إلى أن التعويض يجوز أن يكون تعويضا ماديا عن تلك الأضرار، وأنه وإن كان الأصل معاقبة المعتدي بذات الفعل الذي أتاه، تطبيقا لقول الحق سبحانه وتعالى (وإنْ عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)،[10] إلا أنه يجوز قبول التعويض المادي بدلا من القصاص والاعتداء بنفس فعل المعتدي، والدليل على ذلك قول الحق – سبحانه وتعالى – في الآية الكريمة ” (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به…)،[11] وقياسا على الآية الكريمة فيجوز تعويض البائع ماديا عن الضرر الواقع عليه حتى لو انفسخ العقد.

رابعا: ضمانات البائع على المشتري في عقد البيع:

لا شك بأن الشريعة الإسلامية شددت على قضاء الديون والوفاء بالالتزامات والعهود، وذلك لسلامة قوام المجتمع، فقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ” ثلاث لا يؤخرن: الجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئا، والدين إذا وجدت ما يقضيه “، وكذلك القوانين الوضعية تتحد لتنفيذ مبادئ ومقاصد الشريعة الإسلامية، ونتعرض إلى بعض الضمانات التي أقرها فقهاء الأمة الإسلامية وفقهاء القوانين الوضعية على النحو التالي ذكره:

1- حبس المبيع لحين استلام الثمن:

يعتبر من أهم الضمانات التي ذهبت إليها أقوال العلماء والمذاهب هو حبس المبيع لحين استلام الثمن، وأيضا حبس الثمن لحين استلام المبيع، فهما مترادفان لذات المعني، ومعنى حبس المبيع على الثمن: هو رفض تسليم المبيع حتى يتم قبض الثمن.[12]

وقال الماوردي: وللمشتري حبس الثمن خوفا من تعذر قبض المثمن: لأنه عقد معاوضة يقتضي حفظ العوض، فلو تأخر تسليم المبيع المثمن لعذر أو غير عذر لم يلزم المشتري تعجيل الثمن، وهكذا أيضا للبائع حبس المبيع في يده خوفا من تعذر قبض ثمنه، فلو أعطاه المشتري بالثمن رهنا أو ضمينا لم يلزمه تسليم المبيع : لأن الثمن باق، وإنما هذا وثيقة فيه، وقد كان موثقا في ذمة مشتريه.[13]

ومما سبق نجد أن حبس المبيع هو بمثابة ضمان وإجبار واقع على المشتري حتى يلتزم بما عليه. وحق البائع في المبيع حق عيني يمنحه حق امتياز عليه، فإذا مات المشتري مفلساً قبل قبض المبيع ودفع الثمن، فالبائع أحق بحبسه إلى أن يستوفي الثمن من تركة المشتري أو يبيعه القاضي.[14]

2- الرهن بالثمن:

لا شك بأن الشريعة الإسلامية شرعت الرهن لحفظ وضمان الحقوق، وقد جاء ذلك صراحة في أكثر من موضع بالقرآن والسنة النبوية، مثل قوله تعالى: ” وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة”،[15] صدق الله العظيم.

والرهن عرفه الفقهاء بأنه عقـدٌ يراد منه توثيق دين، فعرَّفه بعـض الحنفيـة بأنه حبس شيءٍ ماليٍ بحقٍ يمكن استيفاؤه ،وعند بعض المالكية: ” مالٌ قبضُهُ توثُـقٌ به في ديــن منه، وللحنابلة تعريف متقارب فهو: “جعل عين مالٍ وثيقةً بدينٍ يستوفى منها عند تعذر وفائه”.[16]

والرهن يختلف عن البيع، فالبيع عكس الشراء وهو عملية المبادلة للشيء المبيع بالثمن، أما الرهن فهو معاوضة ولا يعتبر إرفاق، وقد شرع الرهن كضمان لعدم وفاء المشتري بالثمن أو أي التزام آخر يقع على عاتقه في مواجهة البائع، رهن المبيع هو ربط الشيء الذي تم بيعه بالثمن، فإن لم يتم الوفاء بالثمن يجوز للبائع أن يستوفي باقي ثمنه من الشيء المبيع ذاته.

وهنا يتضح جليا الفرق بين حبس المبيع وبين رهن المبيع على الثمن، فالحبس ما هو إلا مجرد منع المشتري من الوصول للشيء المبيع فقط دون التعرض للشيء المبيع أو المساس به وانقاصه، أما الرهن فيكون الغرض منه هو استيفاء الثمن من الشيء المبيع وليس الحبس، ويكون الرهن في حالة استحقاق الدين أو حتى لو لم يستحق الدين، على عكس الحبس الذي من أهم شروطه هو استحقاق الدين وعدم الوفاء به فيحبس المبيع.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه في حالة حبس المبيع لا يتمكن المشتري من الانتفاع به، ولكن في حالة الرهن فيجوز للمشتري أن ينتفع بالشيء المبيع حتي ولو لم يتم استيفاء الثمن، وفي جميع الأحوال يعتبر الرهن هنا ضمانة لإخلال المشتري بالتزامه في مواجهة البائع، والحنابلة قد أقروا صيغة للرهن، كأن يقول البائع إذا رهنته على ثمنه فقد بعتك، ويعتبر هذا بيع معلق على شرط وهو غير جائز عن باقي المذاهب، إلا أن بعض الحنابلة قد أقروه أجازوا التعامل به.

4- البيع المعلق على الثمن:

والبيع المعلق على الثمن هو أن يحتفظ البائع بملكية المبيع إلى أن يتم استيفاء الثمن من المشتري،[17] ولا تنتقل ملكية الشيء المبيع هنا ويضحي البيع معلقا على شرط الوفاء بالثمن، فيكون ذلك ضمان للبائع ولتوقي الخسارة المستقبلية حالة عدم الوفاء بأحد أهم التزامات المشتري وهو الثمن.

كما أن البيع يفسخ على شرط عدم الوفاء بالثمن، ودليل مشروعية هذا القول قياس تعليق فسخ البيع على عدم سداد الثمن على خيار الشرط؛ حيث إن الحاجة إليه كالحاجة إلى خيار الشرط، فكما أن العاقد يحتاج إلى التروي في البيـع، هـل يوافقه أو لا، فإنه يحتاج إلى التروي في الثمن، هل يصير منقوداً أو لا.[18]

ومما سبق نجد بأن مشروعية كل تلك الضمانات تأتي في إطار التزام المشتري بأن يؤدي ما عليه من التزامات في عقد البيع، وضمان عدم ضياع حقوق الناس وفق الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الذي جاء ليخدم مقاصد تلك الشريعة.

إعداد/ عماد محمد.

 

[1] الطعن رقم ١٣٤١ لسنة ٨٢ قضائية الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٨/٠٧/٠٨.

[2] بدائع الصنائع، للكساني، دار الفكر، بيروت (201/2).

[3] أحكام القرآن، لأبي بكر الرازي، (2/294).

[4] فقه المعاملات، محمد حامد الفقي، دار المريخ، الرياض، ص 125.

[5] سورة الأعراف، الآية 199.

[6] د. عبد الحميد الشواربي، فسخ العقد في ضوء القضاء والفقه، الطبعة الثالثة، 1997، الناشر منشأة المعارف، الإسكندرية، ص15.

[7] الدكتور/ محمد يوسف موسى الأموال ونظرية العقد، ص 466.

[8] د. رؤى عبد الستار، أ. د. جليل حسن، م. م. باسم ذهيب، تعويض الضرر المستقبل في نطاق العقد، ص133.

[9] الدكتور/ الزحلي، نظرية الضمان أو أحكام المسئولية المدنية والجنائية في الفقه الإسلامي، دمشق دار الفكر، 1998، ص 82.

[10] سورة النحل، الآية 126.

[11] سورة البقرة، 229.

[12] كتاب المطلع على دقائق زاد المستقنع المعاملات المالية، ص478.

[13] الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، ص 307.

[14] كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، ص 3211.

[15] سورة البقرة الآية 283.

[16] د. صالح بن عبداللطيف، حكم رهن المبيع على ثمنه، ص 180.

[17] المرجع السابق، ص 192.

[18] المرجع السابق ص 195.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.