عقد تسويق مقابل عمولة وفقا للنظام السعودي

في مستهل الحديث عن هذا الموضوع الهام يجب أن نشير إلى أن مواقع التسويق بالعمولة قد انتشرت بشكل مثير وملفت للنظر في الآونة الأخيرة في المملكة العربية السعودية، بل وفي معظم دول العالم خاصة عن طريق الإنترنت، فلقد لجأت الكثير من الشركات وكذلك التجار وأصحاب الأعمال لمواقع الأنترنت وذلك لعرض منتجاتهم أو خدماتهم بغرض الترويج لهم وزيادة معاملاتهم الخارجية ومن ثم أرباحها.

ومن هذا المنطلق زادت أهمية المسوق بالعمولة والذي قد يكون مالكا لمواقع إلكترونية متعددة لديها ملايين الزوار شهريا، أو شخص لديه قوائم بريد إلكتروني لآلاف الأشخاص أو عدد متابعين كبير جدا على وسائل التواصل الاجتماعي، وكلما اتسعت شبكة العملاء الذين يمكن الوصول إليهم زادت القدرة على تحقيق الأرباح والعمولة.

وترتيبا على ما تقدم فإن المسوق قد يقوم بعروض تسويقية لجذب العملاء عن طريق خصومات وهدايا عينية أو اشتراكات مجانية وغيرها من العروض المغرية للعملاء فيكسب المسوق المزيد من العملاء والأرباح والعمولات.

وسوف نتناول هذا الموضوع الهام من خلال العناصر الآتية:

أولاً: مفهوم عقد التسويق بالعمولة:

للتسويق عدة معان نذكر منها: (العملية الخاصة بتخطيط وتنفيذ، وإيجاد، وتسعير، وترويج، وتوزيع الأفكار أو السلع، أو الخدمات اللازمة لإتمام عمليات التبادل التي تؤدى إلى إشباع حاجات الأفراد وتحقيق أهداف المنظمات).[1]

والمسوق بالعمولة هو شخص يروج منتجات وخدمات شخص آخر، ويحصل على عمولات أو حوافز مالية نتيجة لبيعه المنتج أو الخدمة، أو نظير إقناع الغير بشرائها.

وترتيباً على ما تقدم يمكننا أن نضع تعريفاً مبسطاً لعقد التسويق بعمولة، بأنه العقد الذي يتفق فيه شخصين، بأن يقوم أحدهما بالترويج لمنتجات أو خدمات الآخر، في مقابل حصوله على نسبة ثابته من الأرباح أو عمولة نظير ما يقوم به من عمل، سواء من محاولة إقناع الغير بالشراء، أو نتيجة لبيعه لهذه السلعة أو الخدمة.

ثانياً: شرعية عقد التسوية بعمولة:

مما لا شك فيه أن أكثر الفقهاء والباحثين أكد على شرعية عقد التسويق بعموله، وتستند مشروعة هذا العقد على أدلة عدة وردت في القرآن الكريم وفى السنة النبوية الشريفة، ومن تلك الأدلة ما يلي:

1- القرآن الكريم:

تؤسس شرعية عقد التسويق بعموله على القاعدة العامة وهي أن الأصل في المعاملات والعقود الإباحة، إلا ما دل الدليل على تحريمه، استنادا لقوله تعالى :(يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود)،[2] وكذلك قوله تعالى :(وأحل الله البيع وحرم الربا).[3]

فالآية الأولى أمرت بالوفاء بالعقود بصورة عامة، دون تحديد لنوع العقد فتشمل كل ما يستجد في الوقت الحاضر من عقود، ومنها عقد التسويق بعمولة. أما الآية الثانية فهي تدل على حكم الأصل، وهو إباحة العقود والمعاملات التي لم يرد نص فيها بتحريمها أو منعها.

2- السنة النبوية المطهرة:

إن عقد التسويق بعمولة يُعد نوع من الوكالة، وهي جائزة لحديث عروة بن أبى الجعد البارقي رضى الله عنه قال: (أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ديناراً يشترى به أضحية أو شاه، فاشترى شاتين فباع أحدهما بدينار، فأتاه بشاه ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى تراباً لربح فيه).

والعمولات الممنوحة في عقد التسوية هي من باب الجعالة الشرعية استناداً لحديث عن أبى سعيد رضى الله عنه، قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبو أن يضيفوهم، فلدع سيد ذلك الحى، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء، فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقى ولكن والله لقد استضفناكم فلن تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ (الحمد لله رب العالمين)، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشى. قال: فأوفوهم جعلهم الذى صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذى رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي  صلى الله عليه وسلم ،فذكروا له، فقال :(وما يدريك أنها رقية، ثم قال: قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهماً، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم )

ويستفاد من الحديث السابق أن المسوق إذا أتى بعملاء للشركة استحق العمولة وإلا فلا، لأن هذا صنيع الجعالة، والجعالة عقد جائز شرعاً.

ثالثاً: أهمية عقد التسويق بعمولة:

مما لا شك فيه أن التسويق بعمولة هو طريقة فعالة للمسوق لتحقيق وسيلة كسب من مصدر دخل ثاني،[4] لذلك هناك إقبال على هذا العمل من قبل الأفراد، أملاً في العوائد والعمولات التي سيجنيها من عمله، ولتحسين نمط حياتهم، كما أنه لا يخفى عن الفطنة أن أهميتها في الآونة الأخيرة بسبب التطور التكنولوجي لوسائل الاتصالات والتواصل عبر الإنترنت، وظهور ما يسمى بالتسويق الإلكتروني، وأيضاً ما يطلق عليه بالتسويق الشبكي.

ومن هنا بدأت الشركات تستغل هذا الأسلوب لترويج سلعها ومنتجاتها، لزيادة الطلب عليها، وتحقيق مزيد من الأرباح يمكن أن تساهم في تطوير منتجات جديدة، أو إدخال تكنولوجيا جديدة، فالتسويق يؤثر على مستوى الاقتصاد ككل، ويوفر المزيد من فرص العمل فيقلل من مخاطر البطالة، ويكسب الشخص علاقات اقتصادية جيدة.

رابعاً: لماذا نحتاج إلى كتابة عقد التسويق بعمولة:

من المسلم به أن الكتابة تعد من أهم وسائل التعبير عن الإرادة، وأوضحها دلالة، سواء تم استخدامها للتعبير من الإيجاب أو القبول، ولقد أجاز الفقه التعاقد بالكتابة في كافة العقود، على الرغم من أن الكتابة تحتل المرتبة الثانية بعد الألفاظ من حيث القوة والدلالة على إرادة المتعاقدين.[5]

وترتيباً على ما تقدم وعلى الرغم من أن الأنظمة السعودية لم تنص على الكتابة كركن أو شرط لانعقاد العقد، بل فقط كوسيلة لإثباته، إلا أنه لا يخفى عن الفطنة أن كتابة العقد أمر هام لتفادى أي نزاع يحتمل أن ينشأ في المستقبل سواء حول وجود العقد من أصله أو حول بنوده.

ومن هذا المنطلق وتطبيقاً لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، فيلزم أن نؤكد على أن العقد هو القانون المنظم للعلاقة بين أطرافه، ولا يستساغ بأي حال من الأحوال أن يكون هذا القانون شفويا غير مكتوب، إذاً فكتابة عقد التسويق بعمولة هو أمر ضروري، خاصة لتحديد التزامات وحقوق كل طرف من أطرافه، ولتحديد محله بمنتهى الدقة، والمقابل المالي (العمولة) وطريقة حل أي خلاف قد ينشأ بين أطرافه حول تنفيذه أو تفسيره بالطرق الودية، والمحكمة المختصة إذا تعذر الحل الودى وغير ذلك من المسائل الهامة الأخرى، التي إذا تمت كتابتها بصورة صريحة وواضحة فلن يحدث خلاف حولها، وإذا حدث خلاف فالعقد المكتوب يسهل مهمة القاضي في حسم الخلاف.

ولا يفوتنا أن ننوه على أن عدم كتابة عقد التسويق بعمولة قد يعرض الأطراف أو أحدهما للعديد من المخاطر، لعل أهمها هو أن يتنصل أحدهما من التزاماته ولا ينفذها، مما يضر الطرف الآخر، فالواقع العملي يحتم كتابة هذا العقد للحفاظ على حقوق طرفيه.

خامساً: نصائح هامة عند كتابة عقد التسويق بعمولة:

لابد أن يؤكد في العقد على ربط العمولة بالشراء، لأن الغالب في مثل هذه العقود أن تمنح عمولة على بيع المنتجات، أي تحقق الصفقة، ويجب أيضاً إيضاح كيفية احتساب العمولة ومقدارها، لأن الصفة المميزة لهذا العقد هي العمولة، فيلزم النص على نسبتها، وميعاد استحقاقها.

كما يلزم أيضاً تحديد المنتج أو الخدمة التي سيقوم المسوق بالترويج لها، وذلك بشكل واضح ونافياً للجهالة تفادياً لأن نزاع، وضرورة تحديد النطاق المكاني أو الجغرافي الذي يلتزم المسوق بالتسويق فيه، سواء في مدينة واحدة أو عدة مدن، أو في نطاق الدولة أو في عدة دول، أو في جميع دول العالم، وتحديد مدة العقد، والقانون الواجب التطبيق عليهن والمحكمة المختصة بنظر أي نزاع يتعلق بالعقد.

سادساً: تحذيرات مهمة عند كتابة عقد التسويق بعمولة:

يجب مراجعة العقد جيداً للتأكد من عدم احتوائه على أخطاء إملائية ولجعله منسقاً، وتفادى الإطالة الزائدة والتكرار الغير لازم، خاصة عند صياغة البنود الهامة، وتجنب العبارات والألفاظ الفضفاضة والتي تحتمل أكثر من معنى وتثير اللبس، وقد تفتح المجال لحدوث خلافات بين الأطراف، ويفضل استخدام الجمل القصيرة، والابتعاد عن الشطب والكشط والتحشير، والتأكد من صحة توقيع الأطراف بعد معرفتهم الكاملة بكافة البنود المنصوص عليها في العقد، ورضائهم بها وبما ورد في العقد من حقوق والتزامات.

سابعاً: كيفية كتابة عقد التسويق بعمولة:

لكي تقوم بكتابة عقد التسويق بعمولة يجب بقدر الإمكان الالتزام بالترتيب التالي:

1- عنوان العقد:

يجب أن يكون العنوان واضحاً يدل على ما أراده المتعاقدين، بحيث يكتب (عقد تسويق منتج أو خدمة بعمولة وفقاً للنظام السعودي).

2- كتابة تاريخ العقد:

من الضروري تحديد التاريخ الذي أبرم فيه العقد وأن يذكر اليوم والشهر والسنة.

3- تعيين أطراف العقد:

يلزم ذكر أطراف العقد بشكل واضح وكافي بكتابة بياناتهم الشخصية من واقع هويتهم، وكتابة أسماءهم كاملة ورقم الهوية، وعناوينهم بالتفصيل، والبريد الإلكتروني، وإذا كان المتعاقد مع المسوق شخصاً معنوياً (شركة) مثلاً فيجب كتابة اسمها وعنوانها ورقم البطاقة الضريبة وبيانات ممثلها القانوني.

4- تحديد الغرض من العقد:

وذلك بكتابة بند تمهيدي يوضح فيه نشاط الشركة ومنتجاتها أو خدماتها التي ترغب في التسويق لها، والنطاق المكاني الذي سوف يقوم المسوق بالتسويق فيه وما لديه من خبرات في مجال التسويق، وأن هذا التمهيد جزء لا يتجزأ من العقد.

5- تحديد التزامات الأطراف:

وذلك بشكل واضح لا لبس فيه ولا غموض، وهذا يحتاج لذكر محل العقد جيداً، وتحديد طبيعة المنتجات والخدمات التي سيتم تسويقها وبفرعها ومقدارها وسعرها وكافة مواصفتها.

6- تحديد العمولة:

يجب أن يُحدد في العقد المقابل المالي الذي يحصل عليه المسوق من جراء قيامه بعمله وهو الترويج لسلعة أو خدمة يقدمها الطرف الأخر.

ويجب تحديدها بدقة سواء كانت نسبة ثابتة من أرباح الصفقة، أو عمولة متفق عليها بين الطرفين، وكتابة ذلك بالأرقام وبالحروف، وتحديد مواعيد استحقاقها وكيفية احتسابها.

7- مدة العقد:

يجب تحديد النطاق الزمنى للعقد، على أن تبدأ المدة من تاريخ التوقيع على العقد وتكتب المدة بالتاريخ الهجري والميلادي.

8- الشرط الجزائي:

يجب أن يذكر في هذا البند حالات استحقاق من قيمة الشرط الجزائي الذي يترتب على إخلال أحد الأطراف تنفيذ التزامه، ويكتب الشرط الجزائي بالحروف والأرقام.

9- كيفية حل الخلافات:

يجب كتابة بند في عقد التسويق بعمولة يوضح كيفية حل أي نزاع قد ينشب بين الطرفين بسبب تنفيذ أو تفسير بنود العقد، والوسائل والطرق الودية التي يلجأ إليها حال حدوث ذلك، والمحكمة المختصة بنظر النزاع إذا تعذر الحل الودي.

10- التوقيع:

في الغالب يكون توقيع الأطراف في أسفل الورقة الأخيرة، لكن ليس هناك ما يمنع من أن يكون توقيع المتعاقدين على كل ورقة من أوراق العقد، وكذلك يشمل العقد توقيع الشهود، وذكر عدد النسخ التي تم تحرير العقد فيها وتسليمها لذوي الشأن.

وفى نهاية المقال لا يفوتنا أن نشير إلى أن هذا العقد كغيره من العقود الهامة التي تحتاج إلى صياغة قانونية سليمة من المتخصصين في كتابة العقود، حتى يتم المحافظة على قوق جميع الأطراف من الضياع، ولذا يلزم ذكر كافة التفاصيل المتعلقة بالعقد، وذلك كله في إطار قانوني سليم ومنضبط.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر حسين الشهراني، التسويق التجاري، وأحكامه في الفقه الإسلامي، الرياض، ط الأولي ١٤٣١هـ، ص ٢٧.

[2] سورة المائدة: الآية 1.

[3] سورة البقرة: الآية 275.

[4] أنظر حمزة عدنان مشوقة، أحمد نعيم حسين، التسويق الشبكي من منظور اقتصاد إسلامي، إعداد دائرة الإفتاء العام بالمملكة الأردنية الهاشمية ص ٨. وأنظر د. محمد الصيرفي، التسويق الإلكتروني، طبعة دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، ص ٤٧٢.

[5] أنظر علي حيدر، درر الحكام، شرح مجلة الأحكام العدلية، تعريب: فهمي حسيني، طبعة خاصة، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤٣٢هـ، الجزء الأول، ص ٤٠.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.