عقد تشغيل أموال وفق النظام السعودي

يُعتبر عقد تشغيل الأموال من العقود شديد الأهمية والتي يجب على أطرافها الاحتياط اللازم عند صياغتها، نظرا لما قد تنطوي عليه من بنود قد تؤدي إلى بطلان هذا العقد لمخالفته لحكام الشريعة الإسلامية أو انطوائه على بنود تشير إلى كونه عقد قرض وليس عقد تشغيل أموال، وإزاء خطورة هذا العقد فسوف نطرق إليه بالتعريف وبيان أهميته وكيفية صياغته بشكل قانوني منضبط على التفصيل الآتي:

أولا: المقصود بعقد تشغيل الأموال:

يُعرف عقد تشغيل الأموال بأنه: “اتفاق بين مالك المال والمشغل يلتزم فيه مالك المال بدفع مبلغ معين للمشغل بحيث يقوم بتشغيله في تجارة معينة على أن يقتسما الربح أو الخسارة على حسب الأحوال”.

وهو في ذلك لا يختلف عن عقد المضاربة المنصوص عليه في الفقه الإسلامي حيث عرف الحنابلة عقد المضاربة بأنه: (دفع مال إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما ).[1] وعرفه الزيعلي بأنه: (عقد على الشركة في الربح بمال من جانب رب المال وعمل من جانب المضارب ).[2]

ثانيا: مشروعية عقد تشغيل الأموال:

ثبتت مشروعية تشغيل الأموال والمضاربة فيها من القران الكريم والسنة النبوية المطهرة أما في القرآن فمن قوله تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله). وكذلك قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله). إذ أن المفهوم العام لهذه الآيات يبيح العمل على إطلاقه ويحث عليه وهو ما يتضمن بلا شك تشغيل المال والمضاربة فيه.

ومن السنة النبوية المطهرة ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة اشترط على صاحبه ألا يسلك به بحراً، ولا ينزل به وادياً، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ذلك ضمن، فبلغ شرطه رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فأجازه).

وعلى ذلك فيمكن القول أن عقد تشغيل الأموال من العقود الجائزة شرعا طالما لم ينطوي على أي مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وتوافرت فيه الأركان العامة للعقود من تراضي ومحل وسبب، بأن كان التراضي صادرا ممن يملك إصداره وخاليا من أي عيب من عيوب الرضا، كالغلط أو الغش أو الإكراه والتدليس، وكذلك أن يكون المحل مشروعا وهو المال محل هذا العقد فيجب أن يكون مالا متقوما مما يجوز التعامل فيه، وأن يستثمر في تجارة مشروعة وليست مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، وكذاك أن يكون السبب والباعث على هذا العقد مشروعا بأن يكون المقصود منه تحقيق الربح للطرفين، وكذلك تحمل الخسارة في حالة تحققها، أما إذا كان العقد يشترط فيه حصول صاحب المال على نسبة ربح بعيداً عن كون التجارة تحقق ربحا أو خسارة، فهو من باب الربا المحرم الذي لا تجيزه الشريعة الإسلامية ويصبح العقد في هذه الحالة باطلاً بطلاناً مطلقا لمخالفته أحكام الشريعة الإسلامية.

ثالثا: خصائص عقد تشغيل الأموال:

1- عقد ملزم للجانبين: إذ يقع على كل طرف من أطراف هذا العقد التزامات في جانبه كما يقرر له العقد حقوق وواجبات ويصبح كل طرف من أطرافه دائنا ومدينا في ذات الوقت.

2- عقد محدد المدة: إذ يتفق طرفي العقد على مدة انتهاء هذا العقد بحيث يترتب على حلولها انقضاء العقد وزوال الأثار المترتبة عليها، ما لم يتفق الطرفين على تجديده بشكل دوري طالما لم يبلغ أحد الطرفين الأخر برغبته في إنهائه.

3- عقد يقوم على الاعتبار الشخصي: إذ أن صاحب المال لم يكن يدفع المال إلى الطرف الآخر إلا لوجود ثقة في شخصه سواء كان فرداً أو شركة، وبالتالي فلا يجوز لمٌشغل المال أن يعهد بهذا المال لغيره لتشغيله إلا إذا كان العقد ينص صراحة على ذلك.

رابعا: أهمية عقد تشغيل الأموال:

تظهر أهمية عقد تشغيل الأموال من خلال تحديد الفوائد والمميزات التي يتحصل عليها طرفي العقد جراء إبرامه والتي تمثل في:

1- يستطيع صاحب المال ومن خلال إبرام هذا العقد أن يعهد بأمواله إلى أحد الأشخاص أو الشركات المتمرسة في تجارة ما لتشغيل ماله فيها وما يترتب على ذلك من زيادة أرباحه وزيادة رأس ماله.

2- يُساعد هذا العقد في تشغيل الأموال الغير مستخدمة مما يؤدي إلى زيادة رأس مال مشروع تجاري قائم أو إنشاء مشروع تجاري جديد، ولا شك أن في ذلك فوائد عديدة تعود على صاحب المال والمُشغل له وعلى اقتصاد المملكة.

3- من خلال هذا العقد يضمن صاحب المال تشغيل أمواله في تجارة مشروعة وغير مخالفة للأنظمة أو للشريعة الإسلامية.

4- يمكن هذا العقد صاحب المال من الحفاظ على المال المدفوع إذ يذكر في العقد المبلغ المدفوع ولمن تم دفعها حتى يسهل عليه إثبات حقوقه وعدم ضياع ماله.

5- من خلال هذا العقد يتمكن الطرف الثاني وهو المُشغل للمال أو المُضارب من زيادة رأس مال تجارته أو تنفيذ مشروع جديد لم يكن بمقدوره تنفيذه لقلة رأس ماله.

6- من خلال هذا العقد يضمن المُشغل حصوله على جزء من الأرباح الناتجة عن تشغيل هذا المال وفي حالة الخسارة لا يتحمل كامل الخسارة وحده، بل يتحملها الطرفان سويا.

خامسا: لماذا يجب كتابة عقد تشغيل الأموال:

تظهر أهمية كتابة عقد تشغيل الأموال في الحالات التي يحدث فيها نزاع بين أطراف هذا العقد حول أحد البنود المتفق عليها، إذ يسهل في حالة وجود عقد مكتوب إثبات مجموع ما تم الاتفاق عليه وذلك من خلال العقد المكتوب، فعند الاختلاف حول المبلغ الذي تم دفعه أو نسبة الربح أو الخسارة التي يتحملها الطرفان أو ميعاد انتهاء العقد، فإن عملية إثبات ذلك تبدو سهلة في وجود العقد المكتوب والموقع عليه من قبل الطرفيين بحيث لا يجوز للطرف المنكر أن يثبت خلاف الثابت بالكتابة إلا بالكتابة المضادة لها.

أما في حالة عدم وجود عقد مكتوب يصعب إثبات وجود هذا الاتفاق ويسهل على الطرف السيء النية إنكار الاتفاق من الأساس وهو امر شديد الخطورة إذ يقع عبء إثبات هذا العقد على المدعي، وقد لا تساعده ظروف الواقعة على إثباته مما قد يترتب عليه فقدانه لماله إذا كان صاحب المال أو تحمله الخسارة وحده إذا كان المدعي هو مشغل المال أو المضارب.

لذلك ينصح دائما باللجوء إلى أحد المتخصصين القانونيين لكتابة عقد تشغيل الأموال وصياغته بشكل قانوني منضبط يحفظ لجميع الأطراف حقوهم ويضمن عدم مخالفته لحكام الشريعة الإسلامية أو أحد الأنظمة المعمول بها داخل المملكة.

سادسا: بعض النصائح الهامة عند كتابة عقد تشغيل الأموال:

1- يجب تحديد المجالات التي سوف يقوم مُشغل المال باستثمار وتشغيل المال فيها وفي حالة عدم تحديدها على وجه الدقة أن يتم النص صراحة على أن تكون التجارة التي سوف يتم تشغيل المال فيها جائزة شرعا وقانونا.

2- يجب النص صراحة على أن حق صاحب المال في الحصول على نسبة شهرية من الربح أو الخسارة وذلك بعد خصم المصاريف الإدارية والنفقات اللازمة للاستثمار.

3- يجب النص صراحة على أن حق أحد الأطراف هذا العقد في إنهاء العقد يجب أن يسبقه إنذار من الطرف الذي يرغب في إنهاء العقد، مع تحديد المدة اللازمة التي تفصل بين الإعلان بالرغبة في إنهاء العقد واتخاذ الإجراءات الفعلية لإنهائه، وإذا كان الراغب في إنهاء العقد هو صاحب المال فيجب تحديد المدة اللازمة لرد مشغل المال المستثمر للمال الذي يستحقه صاحب المال سواء كان زائدا عن المال الذي دفعه نتيجة لتحقيق ربح أو ناقصا نتيجة لتحقيقه خسارة.

4- يجب النص صراحة على ميعاد انتهاء هذا العقد وكيفية تجديده بحيث يكون العقد مجددا لمدة مماثلة للمدة المذكورة في العقد إذا لم يبلغ أحد الطرفان الطرف الآخر قبل مدة معينة من انتهاء العقد برغبته في عدم تجديد العقد.

5- يجب تحديد قيمة المبلغ الذي تم دفعه من قبل صاحب المال إلى المشغل ويتم تحديده بالأرقام والأحرف حتى لا يحدث أي نزاع فيما بعد حول قيمة المال المدفوع.

سابعا: بعض التحذيرات الهامة عند كتابة عقد تشغيل الأموال:

1- احذر من إغفال النص صراحة على أن أي نزاع يكون بسبب الأموال المدفوعة للمشغل أو المستلمة منه يكون من خلال كشوف الحسابات البنكية للطرفين إذ في ذلك ضمانة لإثبات دفع واستلام المبالغ.

2- احذر من النص على حق صاحب المال في الحصول على نسبة من الأرباح دون أن يكون عليه التزام بتحمل نسبة من الخسائر إذ أن اشتراط الربح فقط يعد من قبيل الربا المحرم الذي لا تجيزه الشريعة الإسلامية.

3- احذر أن يكون المشروع الذي سوف يتم تشغيل المال به غير جائز شرعا كأن يكون مصنعا لخمور أو محلا لبيع أشياء محرمة.

4- احذر من إغفال مسئولية المشغل للمال وضمانه له في حالة قيامة بتشغيل المال بشكل مخالف للشريعة الإسلامية أو الأنظمة المعمول بها داخل المملكة.

ثامنا: بعض التعريفات في عقد تشغيل الأموال:

1- التجارة المشروعة: هي كل مشروع استثماري أو تجارة متوافقة من حيث أحكامها وطريقتها وهدفها مع الشريعة الإسلامية.

2- الربح: هو الزيادة في رأس المال المستفادة نتيجة الادخار.[3]

3- الربا: والربا في هذا العقد هي الزيادة المشروطة،[4] سواء حقق المشغل للمال ربحاً أو خسارة.

تاسعا: كيفية كتابة عقد تشغيل الأموال:

لا يختلف النموذج والشكل القانوني لعقد تشغيل الأموال عن غيره من العقود حيث يتكون من عدة أجزاء رئيسية يقوم كل جزء بتوضيح جزء من مجموع ما تم الاتفاق عليه بين طرفي العقد على التفصيل الآتي:

1- عنوان العقد:

في هذا الجزء يتم كتابة المسمى القانوني للعقد بشكل واضح بحيث يكون دالا على انه عقد تشغيل أموال وليس عقد مشاركة أو غير ذلك.

2- أطراف العقد:

في هذا البند يتم ذكر بيانات كل طرف من أطراف العقد بالتفصيل على النحو الآتي

أ- بيانات الطرف الأول: وهو صاحب المال حيث يتم ذكر بياناته بالتفصيل من حيث اسمه وسنه وعنوانه ورقم ويته الشخصية ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني إذا وجد.

ب- بيانات الطرف الثاني: وهو مُشغل المال حيث يتم ذكر بياناته بشكل مفصل من حيث اسم وسنه وعنوانه ورقم هويته الشخصية ورقم هاتفه والبريد الإلكتروني.

وإذا كان المٌشغل عبارة عن شركة توظيف أموال فيتم ذكر بياناتها بالتفصيل من حيث اسم الشركة ومقرها ورقم تسجلها بالسجل التجاري والمفوض بالتوقيع على العقود نيابة عنها وبيناته وسند هذا التفويض.

3- البند التمهيدي:

في هذا البند يتم ذكر مضمون ما تم الاتفاق عليه في هذا العقد بشكل مجمل وأن الإيجاب والقبول قد صدرا من طرفي العقد وأن هذا البند جزء لا يتجزأ من مضمون العقد.

4- مدة هذا العقد:

يذكر في هذا البند المدة التي ينتهي بها هذا العقد وكيفية تجديده وكيفية إنهائه قبل ميعاده ويفضل الاشتراط في هذا البند إعلان من له الرغبة في تجديد العقد أو إنهائه بتلك الرغبة قبل نهاية العقد بثلاثين يوما على الأقل.

5- شرط مشروعية العمل:

في هذا البند يقرر المشغل للمال سواء كان فردا أو شركة التزامه باستثمار هذا المال في مشروع تجاري جائز من الناحية الشرعية والقانونية، كما يشترط في هذا البند عدم تشغيل المال في عمل آخر غير المتفق عليه في هذا العقد إلا إذا كان العقد يجيز ذلك.

6- نسب الربح والخسارة:

في هذا البند يتم النص على النسبة التي يستحقها صاحب المال كل شهر في حالة الربح والنسبة التي يتحملها من رأس ماله في حالة الخسارة وذلك كله بعد احتساب المصاريف الإدارية التي يدفعها المشغل خلال فترة تشغيل المال، ولا يجوز الاتفاق على أن يكون صاحب المال له الحق في الحصول على ربح جراء هذا العقد، حتى لو ثبت خسارة المشروع.

7- عدم تدخل صاحب المال في عمل المشغل:

يتم النص في هذا البند على أنه لا يحق لصاحب المال التدخل في أعمال المشغل المتعلقة بالمشروع المستثمر فيه المال سواء بالإدارة أو الإشراف، ويتوقف حقه عند التأكد من أن العمل مشروع غير مخالف للشرع أو القانون وأن العمل يحقق المكسب أو يحقق الخسارة فعلا.

8- وفاة صاحب المال:

في هذا البند يتم النص على أن هذا العقد لا ينتهي بوفاة صاحب المال ويبقى قائما ويحل محله ورثته وتطبق على العلاقة بينهم وبين المُشغل بنود هذا العقد باعتبارهم خلف عام لمورثهم، ولهم الحق في المطالبة بما كان له المطالبة من حقوق كما عليهم الالتزام بما كان يجب على المورث الالتزام به.

9- مسك الدفاتر:

يلتزم المُشغل بمسك دفاتر تجارية يحدد فيها رأس المال للمشروع وحصة صاحب المال المدفوعة والنفقات والمصاريف الإدارية على المشروع ومقدار المكسب أو الخسارة المحققة، مع ذكر التواريخ اللازمة لكل عملية من عمليات التجارة حتى يكون الطرف الثاني على علم كامل بما حققه المشروع من ربح أو ما لحقه من خسارة.

10- المحكمة المختصة:

في هذا البند يتم النص على اتفاق الأطراف على المحكمة المختصة بالفصل في النزاعات التي تنشأ عن هذا العقد. وإذا اتفق الطرفان على شرط التحكيم فيجب أن يعهد إلى هيئة تحكيم سعودية بالفصل في النزاعات التي تنشأ عن هذا العقد إلا إذا كان أحد أطراف هذا العقد أجنبيا فيجوز أن يتفق الطرفان على انعقاد الاختصاص لهيئة تحكيم اجنبيه.

11- خاتمة العقد:

في هذا البند يتم ذكر عدد النسخ التي يتكون منها العقد ولمن سلمت كل نسخة ويتم التوقيع على العقد في نهايته بحيث ينتج العقد أثاره القانونية منذ التوقيع عليه.

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] المغني لابن قدامة، الجزء الخامس، ص 134.

[2] الزيعلي، تحفة الأحكام، الجزء الثاني، ص 128.

[3] محمود السيد فقي، دراسة مقارنة لمفهوم الربح في الفقه الإسلامي، كلية التجارة جامعة الأزهر، ص 36، 37

[4] عبد الرازق رحيم الشمري، المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، دار الكتاب الثقافي، ص76.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.