طرق إثبات صورية عقد البيع وفق النظام السعودي

قد يسعى المتعاقدين إلى إخفاء إرادتهما الحقيقية وإخفاء ما تم التعاقد عليه من خلال إبرام عقد حقيقي مستتر وأخر ظاهر صوري، وما يفعله المتعاقدان قد يؤدي إلى الإضرار بالغير أو خلفهما العام أو الخاص، لذلك فكان لا بد من تنظيم أحكام صورية العقود حتى لا يترتب عليها إهدار حقوق الأشخاص.

ومن خلال هذا المقال سنتعرف على الصورية، وأنواعها، وشروط صورية عقد البيع، وأحكام الصورية، ودعوى الصورية، وأخيرا طرق إثبات العقد الصوري.

أولا: تعريف الصورية:

عرف البعض العقد الصوري على أنه: ” اتفاق طرفي التصرف القانوني على إخفاء إرادتهما الحقيقية، تحت شعار أو مذهب كاذب، سواء أكانت الصورية نسبية أو ظاهرة، وذلك لغرض ما يخفيانه عن الغير فيكون المتعاقدين في مركزين قانونين متعارضين أحدهما ظاهر، ولكنه كاذب يعتقد الغير أنه هو الحقيقة، والآخر حقيقي، ولكنه خفي عن الغير، ومن هنا وجد التصرف الظاهر وهو التصرف الصوري، ووجد التصرف المستتر وهو التصرف الحقيقي أو ما يسمى بورقة الضد”.[1]

ثانيا: أنواع الصورية:

تنقسم الصورية إلى صورية مطلقة وإلى صورية نسبية:

1- الصورية المطلقة:

الصورية المطلقة للعقد هي التي تكون متعلقة بوجود العقد من الأساس، حيث لا يكون هناك أي وجود للعقد الظاهر، أما العقد المستتر فلا يتضمن أي عقد جديد بل يتضمن ما يثبت صورية التصرف أو العقد الظاهر، وبالتالي يعتبر التصرف الصوري المطلق تصرف باطل بطلان مطلق لا يترتب عليه أي أثر، ومثال على ذلك قيام المدين من أجل منع دائنيه من التنفيذ على أملاكه بإبرام عقدين العقد الأول منهما يتضمن بيع بعض أملاكه لأحد الأشخاص صوريا، والعقد الآخر يتضمن ما يثبت صورية عقد البيع، وبالتالي يظل المدين مالك لهذه الأملاك، وبنفس الوقت استطاع منع دائنيه من التنفيذ على أملاكه.

2- الصورية النسبية:

بالنسبة للصورية النسبية فإنها تتضمن علاقة قانونية حقيقية، حيث يكون هناك اتفاق بين أطراف العقد على أن التصرف الصوري يتضمن تصرف حقيقي، فنجد أن التصرف الحقيقي يستتر تحت التصرف الصوري، وبالتالي فالصورية النسبية تتعلق قد تتعلق بجزء من أجزاء العقد وليس العقد بأكمله.

وتنقسم الصورية لعدة أقسام وهي الصورية بطريق التستر، والصورية بطريق التسخير، والصورية بطريق المضادة.

أ- الصورية النسبية بطريق التستر:

الصورية بطريق التستر هي التي تتناول فيها الصورية نوع العقد وليس ذاته أو وجوده، حيث يكون الغرض من ورائها إخفاء التصرف الحقيقي، كاتفاق طرفي العقد على أن يتم عقد البيع في صورة هبة، فيكون العقد الظاهر عقد هبة أما العقد الحقيقي المستتر عقد بيع، وقد يلجأ المتعاقدين لذلك من أجل حرمان الشفيع من طلب الشفعة.

ب- الصورية النسبية عن طرق التسخير:

يقصد بالصورية بطريق التسخير أن يتم التصرف باسم شخص غير الشخص الذي أبرم العقد لحسابه تحايلا على أحكام القانون التي تحرم على بعض الأشخاص، أو تمنعهم من مباشرة بعض التصرفات القانونية بأنفسهم، ومن أمثلة ذلك منع عمال القضاء من شراء الحقوق المتنازع عليها التي تدخل في اختصاص الجهة القضائية التي يباشرون فيها وظائفهم، سواء تم الشراء بأسمائهم أو بأسماء مستعارة.[2]

ج- الصورية النسبية عن طريق المضادة:

الصورية بطريق المضادة لا تتعلق بوجود العقد أو حتى بأشخاص العقد أو تكييفه، إنما تتعلق بأحد أركان العقد أو أحد شروطه، حيث قد يلجأ طرفي عقد البيع من أجل حرمان الشفيع من الشفعة ذكر ثمن أكبر من الثمن الحقيقي في العقد ليعزف الشفيع عن الشراء، أو يتم وضع تاريخ لإبرام عقد البيع يسبق حق الدائنين، حتى لا يستطيع الدائنين التنفيذ على المبيع.

ثالثا: شروط صورية عقد البيع:

للقول بوجود عقد بيع صوري يجب توافر عدة شروط وهي وجود عقدين أتحد فيهما الطرفان، واتجاه إرادة المتعاقدين إلى إخفاء تصرف حقيقي في صورة تصرف ظاهر يخالفه، وأيضا ألا يوجد بالتصرف الظاهر ما يفيد ما يخفيه من تصرف حقيقي، وأيضا أن يتعاصر إبرام التصرف الحقيقي مع إبرام التصرف الظاهر.

1- وجود عقدين أتحد فيهما الطرفان:

لكي تتوافر الصورية يجب أن يكون هناك عقدين أحدهما حقيقي مستتر وهو ما اتجهت إليه إرادة المتعاقدين وآخر ظاهر صوري لم تتجه إليه إرادتيهما، إلا أنه في التصرف الانفرادي لا يشترط وجود عقدين، وإنما يكفي أن تتجه إرادة الشخص المتصرف إلى إبرام عقد معين في صورة عقد آخر، كعقد الهبة في صورة البيع.[3]

كما يجب وجود عاقدين على الأقل لكي تتوافر الصورية، فلا يكون هناك صورية بوجود شخص واحد، أما بالنسبة للعقد الملزم لجانب واحد، فالالتزام فيه يقع على عاتق أحد طرفي العقد إلا أن العقد يتضمن عاقدين.

2- اتجاه إرادة المتعاقدين إلى إخفاء حقيقة العقد:

يشترط للقول بصورية العقد أن تتجه نية طرفي العقد إلى إخفاء حقيقة العقد، حيث تتجه نية المتعاقدين إلى إخفاء التصرف الحقيقي في صورة تصرف ظاهر يخالفه، وبالتالي لا يكون العقد صوريا إذا اتجهت إرادة المتعاقدين إلى العدول عن أحد بنود العقد أو اتفقا على إضافة تعديل جديد.

3- ألا يوجد بالتصرف الظاهر ما يفيد ما يخفيه من تصرف حقيقي:

يشترط لصورية العقد أن يكون التصرف الظاهر الصوري بين المتعاقدين هو التصرف الحقيقي أمام الغير، وبالتالي لا نكون أمام صورية إذا كان يوجد بالعقد الظاهر الصوري ما يدل على صوريته وأنه يخفي تصرف آخر حقيقي، وذلك كأن يتم التعاقد على إبرام عقد هبة في صورة عقد بيع، ويتم ذكر ثمن تافه أو رمزي لا يتناسب بأي حال مع قيمة المبيع، فيدل ذلك على صورية البيع.

4- أن يتعاصر إبرام التصرف الحقيقي مع إبرام التصرف الظاهر:

ويشترط أيضا أن يتعاصر أو يتزامن إبرام المتعاقدين للتصرف الحقيقي مع التصرف الظاهر، حيث يجب أن يتم إبرام كل من التصرف الحقيقي والتصرف الظاهر في وقت واحد، فيكون المتعاقدان متفقان على صورية العقد منذ صدوره، وبتالي لا نكون أمام صورية في حالة إذا تم إبرام تصرف ثم اتفق المتعاقدين على إبرام عقد جديد يعدل التصرف الأول أو يعدل من بعض نتائجه.

وذهب البعض إلى أن المهم في تعاصر إبرام العقد الصوري مع إبرام العقد الحقيقي ليس التعاصر الزمني بين العقدين، وإنما وجود التعاصر الذهني بينهما، ولذلك تقرر أن العقد محل الدعوى، وإن صدر في يوم تال لعقد آخر بينه وبين العقد الآخر معاصرة ذهنية، وأن العقد الأخير وإن وصف بأنه إقالة أو تفاسخ فهو في حقيقته حسبما انعقدت عليه نية الطرفين، وورقة الضد تفيد صورية العقد الأول.[4]

رابعا: أحكام إثبات الصورية:

الأصل في العقود أنها حقيقية، وبالتالي يقع عبء إثبات صورية عقد البيع على من يدعي صورية العقد، وذلك لأن الأصل في العقود بأنها حقيقية، وبالتالي فقد يقع عبء إثبات الصورية على المتعاقدين أو خلفهما العام أو الغير.

1- إثبات الصورية بين المتعاقدين:

يجوز لكلا المتعاقدين في عقد البيع الصوري إثبات صورية هذا العقد، ويقع عبء الإثبات على من يدعي من المتعاقدين صورية العقد سواء كان المشتري أو البائع، ويسعى مدعي صورية العقد إلى إثبات هذه الصورية ليتمكن بذلك من تبرئة زمته مما يقع على عاتقه من التزامات صورية اتجاه الطرف الآخر.

وغالبا ما يكون لدى كل من المتعاقدين ورقة تسمى ورقة الضد تثبت صورية العقد، لذلك يكون لهذه الورقة كوثيقة مكتوبة أهمية كبيرة في حالة وجود خلاف بين المتعاقدين في إثبات حقيقة التصرفات القانونية التي تمت ما بين المتعاقدين.

وقد أنكر بعض الفقهاء حق المتعاقدين في إثبات صورية العقد وذلك أخذا بقاعدة عدم جواز انتفاع الإنسان بغشه، إلا أن هذا الرأي خاطئ، وذلك لأنه يترتب عليه أن يلجأ العاقدين إلى الصورية لإجازة ما حرمه القانون، فتصبح العقود الباطلة صحيحة، ويقف القانون عاجزا عن تنفيذ أحكامه، لذلك يجوز المتعاقدين إثبات صورية العقد.[5]

2- إثبات الصورية بواسطة الخلف العام للمتعاقدين:

الخلف العام للمتعاقدين هم ورثتهم أو الموصي لهم، ويجوز لهؤلاء الخلف العام إثبات صورية عقد البيع، فقد يبرم المورث وصية في صورة عقد بيع إضرارا بورثته بقصد حرمان الورثة أو أحدهم من الميراث، وبالتالي يكون للورثة الحق في إثبات هذه الصورية باعتبار أن هذا العقد غير حقيقي ولا يقصد به سوى الإضرار بالورثة، فالعقد الظاهر لا يكون له أي أثر لأن نية المتعاقدين لم تتجه إلى أبرام هذا التصرف الصوري.

ولكي يتمسك الخلف العام بصورية العقد الظاهر وبحقيقة العقد المستتر يجب أن يكون العقد المستتر مستوفي لكافة الشروط الموضوعية اللازمة لصحة العقد من رضا ومحل وسبب، فمثلا إذا ستر المتعاقدان هبة في صورة بيع وجب أن تتوافر ي الهبة شروط صحتها وأركانها من الناحية الموضوعية، أما من الناحية الشكلية فإذا كان العقد الخفي يتطلب شكلية معينة بينما العقد الظاهر لا يتطلب إفراغه في قالب معين ففي هذه الحالة يكون العقد الخفي صحيح.[6]

ولا يكون للخلف العام الحق في إثبات الصورية إلا بالكتابة مثلهم مثل المتعاقدين، إلا أنه يكون للخلف العام إثبات الصورية بكافة طرق الإثبات إذا كان العقد الصوري قد تم إبرامه بُغية الإضرار بحقوقهم أو للتحايل على أحد نصوص القانون.

3- إثبات الصورية بواسطة الغير:

وبالنسبة للغير الذي لم يكن طرفا في عقد البيع الصوري وليس من الخلف العام للمتعاقدين يجوز له إثبات صورية العقد بكافة طرق الإثبات، والغير قد يكون أحد دائني المتعاقدين سواء كانت حقوقهم مستحقة الأداء أو غير مستحقة أو خلفا خاصا لهم ممن أكتسب حقا عينيا على الشيء محل التصرف الصوري في تاريخ لاحق للتصرف، ولا يقتصر الحق في إثبات الصورية على هؤلاء فقط، بل يجوز لأي شخص يكون له مصلحة إثبات الصورية الحق في التمسك بصورية العقد.

أ- حق الغير في إثبات صورية العقد:

قد يلجأ المدين في محاولة منه لإبعاد دائنيه أو خلفه الخاص من التنفيذ على أحد أمواله من بيعه بيعا صوريا، وهو ما يشكل ضررا للدائنين والخلف الخاص، وبالتالي يجوز لكلا منهما الحق في أن يتمسكا بالعقد الحقيقي المستتر وإثبات صورية العقد الظاهر الذي لا وجود له في الحقيقة، وهو ما يمكنهم من التنفيذ على هذا المبيع الذي مازال في ملك المدين.

ولما كان من حق الغير التمسك بصورية العقد فإنه يجوز للمشتري من المالك الحقيقي الذي لم يشهر عقده التمسك بصورية العقد المشهر، لأن الشهر لا ينشئ الحق العيني بصفة مجردة، بل يجب أن يستند إلى تصرف صحيح وجدي، فالشهر لا يعتبر عائقا للطعن في تلك التصرفات الصورية المشهرة، وعليه فإن قواعد الشهر لا تعيق إعمال قواعد الصورية، وقد تقتضي مصلحة الغير التمسك به، ففي هذه الحالة يجب عليه إثبات صورية العقد بكافة الوسائل.[7]

ب- حق الغير في التمسك بالعقد الظاهر:

إذا كان الأصل أن يعتد بالعقد الخفي باعتباره هو العقد الحقيقي الذي يعبر عن إرادة المتعاقدين وأن العقد الصوري ليس له أي وجود أو أثر، فإنه في بعض الحالات قد يفضل الغير التمسك بالعقد الظاهر الصوري، وذلك إذا كان هؤلاء الغير يجهلون صورية هذا العقد وكانوا حسن النية في تعاملهم مع أحد المتعاقدين.

وتطبيقا أيضا لمبدأ استقرار المعاملات يكون من حق الغير التمسك بالعقد الظاهر، كأن يكون من مصلحة دائني المشتري في العقد الصوري التمسك بالعقد الظاهر الذي يحقق لهم مصلحتهم بدخول المبيع في ملك مدينهم وهو ما يمكنهم من التنفيذ عليه، وبالتالي يمكن للغير أن يتمسك بالعقد الحقيقي الخفي وذلك بإثبات صورية هذا العقد، وبنفس الوقت أيضا يمكن للغير التمسك بالعقد الظاهر إذا كان حسن النية.

وإذا كان للغير أن يتمسك بالعقد الظاهر الصوري أو بالعقد المستتر الحقيقي وفقا لمصلحته، فإن ذلك قد يؤدي لحدوث تعارض بين مصالح الغير، مثلا نجد في الصورية المطلقة من مصلحة دائن البيع وخلفه الخاص التمسك بالعقد الحقيقي، وإثبات صورية البيع، بينما من مصلحة دائن المشتري وخلفه الخاص التمسك بالعقد الصوري، ففي هذه الحالة فمن المقرر أن الأولوية تمنح لمن تمسك بالعقد الظاهر، وذلك حماية وتحقيقا لاستقرار المعاملات القانوني.[8]

خامسا: دعوى الصورية:

يسعى الدائن أو المضرور من عقد البيع الصوري من خلال دعوى الصورية إلى المحافظة على ضمانه العام لدى مدينه، فتعد هذه الدعوى بمثابة أداة يتمكن بها المضرور من العقد الصور من كشف هذه الصورية بإثبات العقد الحقيقي المستتر.

ويجب أن يكون لرافع دعوى الصورية مصلحة في إثبات صورية العقد، وتتمثل مصلحة رافع دعوى الصورية في الفائدة التي تعود عليه من تمسكه بالعقد الحقيقي المستتر ويسعى من خلال دعوى الصورية لكشف هذه الصورية، وإذا لم تتوافر هذه المصلحة لدي رافع الدعوى فلا تقبل دعوته، وهو ما أكد عليه المشرع السعودي في المادة (3) من نظام المرافعات الشرعية حيث ورد بها أنه :” لا يقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة ومشروعة ومع ذلك تكفي المصلحة المحتملة إذا كان الغرض من الطلب الاحتياط لدفع ضرر محدق أو الاستيثاق لحق يخشى زوال دليله عند النزاع فيه”.

ويجب أن يكون حق رافع الدعوى محقق الوجود خاليا من أي نزاع، ويجوز أن يكون حق رافع الدعوى محتمل الوقوع، كأن يسعى رافع الدعوى لدفع ضرر محتمل، كالدائن الذي لم يحن بعد وقت دينه إلا أنه يرفع دعوى الصورية على مدينة ليثبت صورية التصرف الذي أجراه المدين بقصد الإضرار به، ويثبت أن أمواله مازالت في ملكه، فيحافظ بذلك على الضمان العام ويمنع مدينة من إنقاص زمته المالية.

وبالنسبة لتصرف المدين فيكفي أن يكون صوريا، ولا يشترط أن يؤدي هذا التصرف إلى إعسار المدين أو إلى زيادة إعساره، كما لا يلزم أن يكون المدين والمتعاقد معه سيئ النية، فيجوز الطعن في التصرف بالصورية، ولو كان معاوضة وكان المدين حسن النية لم يقصد به الإضرار بالدائن.[9]

سادسا: طرق إثبات العقد الصوري:

تختلف الطرق التي يتم بها إثبات صورية العقد الصوري بين ما إذا كان يتم إثبات الصورية بواسطة أحد المتعاقدين أو خلفهما العام وبين إذا كان يتم إثبات الصورية بواسطة الغير.

1- إثبات الصورية بواسطة أحد المتعاقدين أو خلفهما العام:

القاعدة في إثبات المتعاقدين أو خلفهما العام لصورية العقد هي أن يتم الإثبات بالكتابة، وذلك وفقا للقواعد العامة، إلا أنه يرد على هذه القاعدة عدة استثناءات.

أ- إثبات الصورية بالكتابة:

الأصل في إثبات صورية عقد البيع بالنسبة لطرفي العقد الصوري أو خلفهما العام هو تطبيق القواعد العامة في الإثبات، وبالتالي لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة، وذلك إذا كانت قيمة عقد البيع المراد إثبات صوريته يزيد عن مائة ألف ريال سعودي أو كان غير محدد القيمة، ففي هذه الحالة لا يجوز الإثبات فيه إلا بالكتابة، فلا يجوز إذا إثبات الصورية بشهادة الشهود، وذلك وفقا لما ورد بالفقرة الأولى من المادة (66) من نظام الإثبات السعودي حيث ورد بها أنه: ” يجب أن يثبت بالكتابة كل تصرف تزيد قيمته عن (مئة ألف ريال أو ما يعادلها) أو كان غير محدد القيمة”.

كما أن المشرع السعودي اشترط الإثبات بالكتابة ولو لم يذيد قيمة التصرف عن مائة ألف ريال، وذلك إذا اشترط النظام لإثباته أن يكون مكتوبا، إذا كان المطلوب جزء من حق لا يجوز إثباته إلا بالكتابة، وأيضا في الحالة التي يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي وذلك وقفاً لما قررته (المادة 67) من نظام الإثبات السعودي.

ولما كان لا يجوز إثبات عقد البيع الصوري المكتوب سوى بالكتابة، فإن المتعاقدين يستخدمون ورقة الضد التي تبين حقيقة العقد في إثبات صورية العقد، وبالتالي يكون لهذه الورقة أهمية كبيرة في حالة نشوب خلاف بين المتعاقدين في إثبات حقيقة التصرفات القانونية.

ب- الاستثناءات الواردة على مبدأ الإثبات بالكتابة:

توجد بعض الاستثناءات التي ترد على مبدأ الإثبات بالكتابة، حيث أجاز المشرع السعودي الإثبات بشهادة الشهود في حالات معينة وهي وجود مبدأ ثبوت الكتابة، أو وجود مانع مادي أو أدبي، وأيضا في حالة التحايل على القانون.

الحالة الأولى: وجود مبدأ ثبوت الكتابة:

استثناء على القاعدة العامة في الإثبات بالكتابة أجاز المشرع السعودي إثبات العقد الصوري بشهادة الشهود على الرغم من ثبوته العقد بالكتابة، وذلك كصدور كتابة من الخصم تجعل من وجود التصرف المدعى به قريب الاحتمال كالخطابات، وذلك وفقا لما ورد النص عليه في الفقرة الأولى من المادة (68) من نظام الإثبات السعودي حيث جاء فيها: ” يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة”.

ويشترط لتحقيق مبدأ الثبوت بالكتابة توافر ثلاثة شروط وهي وجود دليل كتابي، وأن يكون الدليل الكتابي صادر من الخصم وليس من المدعي، وأن تكون الكتابة من شأنها جعل التصرف الصوري قريب الاحتمال يدل على صورية العقد، فإذا نجح مدعي صورية العقد بإثبات هذه الشروط في الدليل الكتابي كان لهذا دليل مبدأ ثبوت بالكتابة ويكون للمدعي في هذه الحالة الإثبات بشهادة الشهود.

الحالة الثانية: وجود مانع مادي أو أدبي:

أجاز المشرع السعودي إثبات صورية التصرف بشهاد الشهود على الرغم من ثبوت هذا التصرف بالكتابة وذلك في حالة استحالة إثبات مدعي الصورية صورية العقد بسبب وجود مانع مادي يمنعه من الإثبات بالكتابة بواسطة ورقة الضد أو يمنعه من إقامة الدليل الكتابي يدل على الصورية، ومثال على ذلك هلاك ورقة الضد بسبب حريق أو لسرقتها.

كما أنه يجوز لمدعي صورية العقد في حالة وجود مانع أدبي يمنعه من الإثبات بالكتابة إثبات هذه الصورية بشهادة الشهود كوجود صلة زوجية أو صلة قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة بين الخصمان تمنع أحدهما في الحصول على ورقة الضد أو دليل كتابي يمكنه من إثبات الصورية، كما يمكن للمدعي إثبات صورية العقد بشهادة الشهود إذا أثبت تعرضه لسبب أجنبي خرج عن إرادته أدي لضياع ورقة الضد التي كانت بحوزته.

الحالة الثالثة: التحايل على القانون:

كما أجاز المشرع لمدعي صورية التصرف إثبات هذه الصورية بشهادة الشهود إذا كان يقصد من وراء الصورية التحايل على القانون للتهرب من أحكامه أو كان يتضمن التصرف ما يخالف النظام العام أو الآداب، وبالتالي لا يمكن أن يستفيد المتعاقدين بالتهرب من أحكام القانون لمجرد إبرام تصرف صوري ولو كان مثبت بالكتابة، وذلك كأن يقوم المورث ببيع ماله بقصد حرمان ورثته منه، أو أن يكون التصرف الظاهر يخفي دينا غير مشروع كالقمار فيكون هدف المتعاقدين مجرد إخفاء هذا الدين غير المشروع والتحايل على القانون وفي مثل هذه الحالات يجوز إثبات صورية التصرف بكافة طرق الإثبات ولو كان التصرف الظاهر ثابت بالكتابة.

ويجوز إثبات الصورية للعقد المعلن بكافة طرق الإثبات، مهما بلغت قيمة التصرف المثبت به، ولو كان العقد مكتوبا، فمن وهب إنسانا مالا بعقد بيع مكتوب، والغاية منه الهبة، يبطل التصرف بوسائل الإثبات، كالشهود/ والقرائن، ولا تعطي الكتابة حصانة لعدم رد العقد الصوري، وكذا الحال لو كان التاريخ الفعلي للعقد لاحقا للتاريخ المكتوب الذي تعاقد عليه الطرفان، وجعلاه سابقا على تاريخ الحجر على أحدهما، والسبب في جواز الإثبات بكافه الوسائل أن المتعاقد المستفيد من العقد يرفض إظهار العقد الحقيقي لمصلحته الخاصة، إذ إن هذا العقد سيبطل العقد الصوري.[10]

2- إثبات الصورية بواسطة الغير:

قد تكون مصلحة الغير في التمسك بالعقد الحقيقي المستتر ومن ثم يقع على الغير عبء إثبات صورية العقد الظاهر في مواجهة المتعاقدين، وللغير أن يثبت صورية العقد الصوري بكافة طرق الإثبات، بل يكون للغير إثبات صورية العقد بكافة الطرق ولو كان العقد الظاهر ثابت بالكتابة، وذلك لأن الغالب أن يقوم المتعاقدين بإبرام العقد الصوري فيما بينهم دون حضور الغير بقصد الإضرار بحقوقه، ومن ثم لا يكون بحوزة الغير أي دليل كتابي يثبت هذه الصورية، كما أن الصورية بالنسبة للغير تُعد واقعة مادية وليس تصرفا قانونية مما يعطي الغير الحق في إثبات الصورية بطافة طرق الإثبات.

ولا يشترط في الغير رافع دعوى الصورية أن يكون حسن النية أو سيئ النية، فهو في الحالتين يستطيع التمسك بالعقد المستتر أو الاحتجاج بالآثار المترتبة عنه، لأن حُسن نية الغير ليست شرطا متطلبا إلا حين يتمسك الغير بالعقد الظاهر، حيث لا يكون الغير على علم بهذه الصورية، ويتعامل مع أحد المتعاقدين على أساس هذا العقد، وبالتالي إذا أدرك الغير صورية العقد الظاهر فلا يحق له التمسك بالعقد الظاهر، ويكون له فقط التمسك بالعقد المستتر وإثبات صورية العقد الظاهر.[11]

إعداد/ مصطفى كامل.

[1] أنظر أستاذ راشد ناصر مصبح الكلباني، وإشراف دكتور معتصم القضاه، صورية عقد الشركة دراسة مقارنة بين القانون الإماراتي والقانون الكويتي، أطروحة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير، ص 7.

[2] أنظر أستاذة تيغرنت جهيدة، وأستاذة بركان سلوى، وإشراف دكتورة كريم غانية، الصورية في التعاقد، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، 2012/2013، ص 8.

[3] أنظر أسناد عرفات نواف فهمي مرداوي، وإشراف دكتور يوسف شندي، الصورية في التعاقد دراسة مقارنة، أطروحة لاستكمال متطلبات درجة الماجستير، 2010، ص 11.

[4] أنظر أسناد عرفات نواف فهمي مرداوي، وإشراف دكتور يوسف شندي، الصورية في التعاقد دراسة مقارنة، أطروحة لاستكمال متطلبات درجة الماجستير، 2010، ص 12.

[5] أنظر أستاذ صليب يك سامي، دعوى الصورية، مجلة المحاماة، العدد العاشر، السنة الثامنة، ص 5.

[6] أنظر أستاذة تيغرنت جهيدة، وأستاذة بركان سلوى، وإشراف دكتورة كريم غانية، الصورية في التعاقد، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، 2012/2013، ص 18.

[7] أنظر أستاذ ناصر مصبح الكلباني، وإشراف دكتور معتصم القضاه، صورية عقد الشركة دراسة مقارنة، أطروحة لاستكمال متطلبات الحصوا على درجة الماجستير، ديسمبر 2018، ص 70.

[8] أنظر أستاذة تيغرنت جهيدة، وأستاذة بركان سلوى، وإشراف دكتورة كريم غانية، الصورية في التعاقد، مذكرة لنيل شهادة الماستر في الحقوق، 2012/2013، ص 20.

[9] أنظر دكتور محمود عبد الرحمن محمد، النظرية العامة للالتزامات، الجزء 2، أحكام الالتزام، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، ص 283.

[10] أنظر أستاذ عدنان عبد الهادي حسن حسان، وأستاذ يونس محي الدين فايز الأسطل، أحكام العقود الصورية في الفقه الإسلامي، رسالة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير، 1427 هـ، 2006، ص 136.

[11] أنظر أستاذ راشد ناصر مصبح الكلباني، وإشراف دكتور معتصم القضاه، صورية عقد الشركة دراسة مقارنة بين القانون الإماراتي والقانون الكويتي، أطروحة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير، ص 90.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.