جريمة الشيك لا يقابله رصيد في النظام السعودي

للأوراق التجارية دوراً هاماً في نطاق المعاملات المالية وعلى وجه الخصوص التجارية منها، حيث تقوم مقام النقود في الوفاء بالالتزامات الناشئة عن المعاملات المختلفة التي تتم بين الأفراد، لذلك أعطى النظام أهمية بالغة للأوراق التجارية وتناولها بالتنظيم من خلال النصوص القانونية التي تولت إيضاح بيانتها وأحكام سحبها وأحكام الوفاء بها.

ولم يقتصر تناول النظم القانونية على أحكام الوفاء بتلك الأوراق التجارية، بل اهتمت اهتمام بالغ ببيان الجزاءات الجنائية المترتبة على الإخلال بالوفاء بالأوراق التجارية، ويأتي الشيك على رأس الأوراق التجارية التي وضع لها النظام أحكام جزائية حال سحبه دون أن يكون لدى الساحب رصيد كافِ للوفاء به.

وفي مقالنا الحالي سنتولى بيان ماهية الشيك وحكم سحبه بدون رصيد وذلك وفقاً لما يلي:

أولاً: التعريف بالشيك:

الشيك هو روقة تجارية تتضمن أمراً من شخص يسمى الساحب إلى شخص أخر يسمى المسحوب عليه ” ويجب أن يكون بنكاً “، بأن يدفع بمجرد الاطلاع مبلغاً معيناً من النقود لشخص ثالث يسمى المستفيد أو لإذنه أو لحامل الورقة.[1]

والشيك هو ورقة مستحقة الدفع لدى الاطلاع عليه، ولذلك لا يتضمن إلا تاريخاً واحداً وهو تاريخ تحريره. فإذا تضمن تاريخاً للوفاء غير تاريخ تحريره لم يكن شيكاً، بل يكون كمبيالة معيبة.[2]

فالشيك إذن هو ورقة ثلاثية الأطراف، حيث يكون ساحب الشيك هو الطرف الأول وهو الذي يقوم بسحب الشيك لمصلحة المستفيد وهو الطرف الثاني والذي عادة ما يكون دائناً لهذا الساحب، فيتلقى منه الشيك وفاءً لما على الساحب من التزامات، ويكون الشيك مسحوباً على الطرف الثالث والذي يجب – دائماً – أن يكون بنكاً. وبطبيعة الحال فإن الساحب يكون أحد عُملاء هذا البك والذي يلتزم بالوفاء بقيمة الشيك إلى المستفيد.

ويتشابه الشيك إلى حد كبير مع الكمبيالة والتي تتكون هي الأخرى من ثلاث أطراف وهم الساحب والمسحوب عليه والمستفيد، إلا أن وجه التفرقة بين الشيك والكمبيالة، في أنه يجب أن يكون المسحوب عليه في الشيك دائماً بنك، وهذا ما عبر عنه النظام السعودي بموجب (المادة 93) من نظام الأوراق التجارية والتي نصت على أن: (لا يجوز سحب الشيكات الصادرة في المملكة والمستحقة الوفاء فيها إلا على بنك، والصكوك المسحوبة في صورة شيكات على غير بنك لا تعتبر شيكات صحيحة).

ومن ثم فإن المسحوب عليه في الشيك يجب أن يكون بنكاً وإلا كانت الورقة باطلة باعتبارها شيك ويمكن أن تتحول إلى كمبيالة إذا تضمنت البيانات الواجب توافرها فيها، أو تتحول إلى سند دين عادي أو تبطل بحسب الأحوال.

ولما كان المسحوب عليه في الشيك يجب أن يكون بنكاً فإن الساحب يتعين عليه أن يُحدد البنك المسحوب عليه تحديداً نافياً للجهالة، حيث إن عدم تحديد البنك المسحوب عليه يؤدي إلى بطلان الورقة التجارية، ولكن يمكن أن يقوم المستفيد بتحديد المسحوب عليه وفقاً لتعليمات الساحب، وفي هذه الحالة إذا تبين أن الساحب ليس له رصيد في البنك المسحوب عليه فإنه يُعد مرتكباً لجريمة إصدار شيك بدون رصيد.

أما إذا قام المستفيد بكتابة اسم بنك غير الذي قصده أو عينه الساحب وتبين عدم وجود رصيد في هذا البنك للساحب فإن الأخير لا يُعد مرتكباً لجريمة إصدار شيك بدون رصيد نظراً لانتفاء القصد الجنائي لديه في هذه الحالة.

ثانياً: أنواع الشيكات:

هناك عدد من صور الشيكات التي ابتدعها العمل والتي تتمثل فيما يلي:

1- الشيك المسطر:

تناولت (المادة 111) من نظام الأوراق التجارية السعودي هذه الصورة من الشيكات بالنص عليها بقولها: (يجوز لساحب الشيك وحامله أن يسطره وذلك بوضع خطين متوازيين في صدر الشيك، ويكون التسطير عاما أو خاصا، فإذا خلا ما بين الخطين من أي بيان أو إذا كتب بينهما لفظ (بنك) أو أي لفظ آخر في هذا المعنى كان التسطير عاما، أما إذا كتب اسم بنك معين بين الخطين فإن التسطير يكون خاصا، ويجوز أن يستحيل التسطير العام إلى تسطير خاص، وأما التسطير الخاص فلا يستحيل إلى تسطير عام، ويعتبر كأن لم يكن شطب التسطير أو اسم البنك المكتوب فيما بين الخطين.

فالتسطير قد يكون عاماً وذلك بأن يكون ما بين السطرين الذين يتم وضعهما على الشيك خالياً من أي لفظ، وفي هذه الحالة يجب على البنك الامتناع عن صرف الشيك إلا إذا كان حامله أحد عُملائه أو بنك آخر، وقد يكون التسطير خاصاً وذلك بوضع اسم بنك أو عميل معين ما بين السطرين وفي هذه الحالة يتعين على البنك المسحوب عليه عدم الوفاء إلا للبنك أو العميل المذكور بين السطرين.

2- الشيك المقيد في الحساب:

وهذا الشيك لا يتم الوفاء به إلا من خلال وضع قيمته في حساب المستفيد في البنك نفسه، أو مقاصة قيمة الشيك في ذات البنك، حيث لا يجوز بأي حال أن يتم صرف قيمة هذا الشيك بصورة نقدية، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 113) من النظام بنصها على أن: (يجوز لساحب الشيك أو لحامله أن يشترط عدم وفائه نقدا بأن يضع على صدره عبارة (القيد في الحساب) أو أية عبارة أخرى تفيد نفس المعنى. وفي هذه الحالة لا يكون للمسحوب عليه إلا تسوية قيمة الشيك بطريق قيود كتابية كالقيد في الحساب أو النقل المصرفي أو المقاصة. وتقوم هذه القيود مقام الوفاء ولا يعتد بشطب بيان “للقيد في الحساب”).

3- الشيك السياحي:

الشيك السياحي هو عبارة عن أوامر تصدرها مؤسسة مصرفية إلى فروعها في بلاد مختلفة من العالم تُمكن المستفيد منها من قبض قيمتها في البلد الذي يوجد فيه بعد التوقيع عليها لدى البنك في الخارج،[3] وبمطالعة أحكام النظام التجاري السعودي يتبين لنا أنه لم يتناول هذا النوع من الشيكات بالتنظيم.

ثالثاً: الركن المادي لجريمة إصدار شيك بدون رصيد:

حتى تقوم جريمة إعطاء شيك بدون رصيد فيجب أن يقوم الساحب بتحرير شيك وإعطائه إلى المستفيد، فضلاً عن ضرورة أن يكون حساب الساحب خالياً من الرصيد الكفي للوفاء بقيمة الشيك، ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:

1- سحب الشيك:

سحب الشيك فقط لا يكفي لقيام البنيان القانوني لجريمة شيك بدون رصيد، فإذا قام الساحب بحسب شيك لا يوجد لديه ما يكفي للقيمة الواردة به فإنه لا يُعد مرتكباً لجريمة، ولكن حتى يقوم الركن المادي لتلك الجريمة فيجب أن يكون الساحب قد طرح الشيك للتداول وذلك بإعطائه إلى المستفيد.

فطرح الساحب لشيك لا يوجد له غطاء نقدي كافي للوفاء به من شأنه أن يخل بالثقة التي وضعها الأشخاص في الأوراق التجارية والتي أصبحت تحل محل النقود في العديد من المعاملات المالية وخصوصاً التجارية، فتلك الأوراق التجارية – وعلى رأسها الشيك – أصبحت تحل محل النقود – إلى حد كبير – في الوفاء بالالتزامات النقدية.

وحتى يكون سحب الشيك ممثلاً لأحد عناصر الركن المادي للجريمة يجب أن يكون إعطاء الشيك للمستفيد قد تم بموجب إرادة الساحب، أما إذا قام المستفيد بالتحصل على الشيك خلسه دون علم الساحب وقدمه إلى البنك فإن الساحب في هذه الحالة لا يُعد مرتكباً للجريمة، لأن إرادته لم تتجه إلى تداول هذا الشيك.

وتجدر الإشارة إلى أن وجود الشيك في حوزة المستفيد قرينة على اتجاه إرادة الساحب إلى تسليمه للمستفيد، ومن ثم يتعين على الساحب أن يُثبت أن الشيك الذي قام بسحبه قد خرج من حيازته دون إرادته كأن يُثبت أن الشيك قد سُرق أو ضاع منه، فتلك القرينة هي مجرد قرينة بسيطة قابلة لإثبات العكس.

إذن يتضح أن تخلي الساحب عن حيازة الشيك وطرحه للتداول يُعد أحد العناصر الجوهرية لتلك الجريمة، إلا أنه ينبغي مُلاحظة إمكانية قيام تلك الجريمة إذا قام وكيل الساحب بسحب الشيك وطرحه للتداول بعلم الساحب، حيث إن الوكيل في هذه الحالة يتعامل باسم الساحب ولحسابه.

2- عدم كفاية الرصيد:

الشيك يُعتبر أداة وفاء وليس أداة ائتمان، وهذا ما يتطلب أن يكون مقابل الوفاء – الرصيد – موجوداً في حساب الساحب لحظة سحب الشيك، ومن ثم تقوم جريمة إصدار شيك بدون رصيد إذا كان رصيد الساحب غير كافي للوفاء بقيمة الشيك لحظة سحبه. ولا يؤثر في قيام الجريمة أن يتوافر الرصيد الكافي للوفاء بالشيك في وقت لاحق على سحبه.

حيث لا يُقبل من الساحب أن ينفي الجريمة عن نفسه إذا أثبت أن الرصيد كان كافي لحظة تقدم المستفيد إلى استيفاء قيمة الشيك وأنه لم يصبه ثمة ضرر من كون الشيك كان بدون رصيد لحظة سحبه، لأن العبرة في قيام الجريمة بعدم توافر الرصيد في حساب الساحب لحظة سحبه للشيك، ذلك أن الضرر الذي قد يلحق بالمستفيد لا يُعد أحد عناصر تلك الجريمة. بل أن الضرر يُعد عنصر مفترض يتحقق بقوة القانون إذا كان الشيك بدون رصيد لحظة سحبه من قبل الساحب.

وهناك عدة حالات تتحقق فيها الجريمة نظراً لعدم كفاية الرصيد وهي:

أ- ألا يكون لدى الساحب حساب بنكي في البنك المسحوب عليه.

ب- أن يكون لدى الساحب حساب بنكي لدى البنك الذي تم سحب الشيك عليه، ولكن هذا الرصيد لا يكفي للوفاء بكامل قيمة الشيك.

ج- أن يكون لدى الساحب حساب وبه أموال تكفي للوفاء بكامل قيمة الشيك إلا أنه يتعذر سحب تلك الأموال، ويكون ذلك إما للحجز على أموال الساحب لدى البنك أو لكون الساحب غير قادر على إدارة أمواله أو لكونه لا يستطيع منح الإذن بصرف أمواله لكونه قاصر أو ناقص الأهلية.

ولقد عبرت عن ذلك (المادة 118/أ) من نظام الأوراق التجارية بقولها: (مع مراعاة ما تقتضي به الأنظمة الأخرى، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أقدم بسوء نية على ارتكاب أحد الأفعال الآتية: أ- إذا سحب شيكا لا يكون له مقابل وفاء قائم وقابل للسحب أو يكون له مقابل وفاء أقل من قيمة الشيك).

ولكن حتى تتحقق الجريمة في الحالات السابقة يجب أن يكون الساحب على علم بحالته القانونية، أي يكون عالماً بحجز أمواله لدى البنك أو أن يكون عالماً بعدم قدرته على منح الإذن بصرف أمواله كأن ينمى إلى علمه صدور قرار بالحجر عليه. فإذا انتفى علم الساحب بحالته القانونية التي لا تمكنه من إدارة أمواله على النحو السابق فلا تقوم الجريمة بشأنه وذلك لانتفاء أحد عناصر الجريمة وهو العلم.

وجدير بالذكر أن علم المستفيد بعدم وجود رصيد لدى الساحب لحظة سحبه للشيك لا يؤثر في قيام الجريمة، ذلك أن تلك الجريمة إنما شُرعت لحماية المستفيد بغض النظر عن كونه عالماً بمركز الساحب أو غير عالماً به.

ولذلك فقد قرر القضاء السعودي بأن: ” علم المستفيد بعدم وجود رصيد للساحب لدى البنك المسحوب عليه لا يعفي الساحب من المسئولية “،[4] وفي حكم أخر قرر القضاء السعودي أنه: ” تتحقق جريمة إصدار شيك بدون رصيد بصرف النظر عما إذا كان المستفيد يعلم بواقعة عدم وجود الرصيد من عدمه باعتبار أن الغاية من التجريم هي حماية التعامل بالشيك “.[5]

رابعاً: الصور التي تقوم بها جريمة إصدار شيك بدون رصيد:

بينا فيما سبق أن الركن المادي لجريمة سحب الشيك بدون رصيد تقوم إذا قام السحب بطرح شيك للتداول دون أن يكون له رصيد كافِ، إلا أن هناك بعض الصور التي تقوم بها الجريمة وهي:

1- استرداد مُقابل الوفاء:

تقوم جريمة سحب شيك بدون رصيد إذا كان لدى الساحب رصيد كافِ للوفاء بقيمة الشيك لحظة سحبه، ولكنه قام باسترداد مُقابل الوفاء قبل أن يتمكن المستفيد من صرف الشيك، وهذا ما عبرت عنه (المادة 118/ب) من النظام بقولها: (مع مراعاة ما تقتضي به الأنظمة الأخرى، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أقدم بسوء نية على ارتكاب أحد الأفعال الآتية: ب- إذا استرد بعد إعطاء الشيك مقابل الوفاء أو بعضه بحيث أصبح الباقي لا يفي بقيمة الشيك).

إلا أنه حتى تتحقق تلك الصورة يجب أن يكون الساحب سيء النية وهو ما يتحقق إذا كان الساحب أو وكليه من قام باسترداد مقابل الوفاء بالشيك، أما إذا تم استرداد مقابل الوفاء دون أن يكون الساحب على علم بذلك فلا تتحقق الجريمة بشأنه، ويحدث ذلك – مثلاً – إذا قام البنك بخصم رصيد من الساحب وفاء لبعض المستحقات عليه لدى البنك دون إشعاره بذلك، ففي تلك الحالة ينتفي القصد الجنائي لدى الساحب ومن ثم لا تقوم الجريمة في حقه.

وتلك الحالة تثير تساؤلاً حول المدة التي ينبغي على الساحب أن يظل محتفظاً فيها بمقابل الوفاء لدى البنك؟

وللإجابة على هذا التساؤل يجب مُطالعة مواعيد صرف الشيك التي قررتها (المادة 103) من النظام بقولها: (الشيك المسحوب في المملكة والمستحق الوفاء فيها يجب تقديمه للوفاء خلال شهر، فإذا كان مسحوبا خارج المملكة ومستحق الوفاء فيها وجب تقديمه خلال ثلاثة أشهر، وتبدأ المواعيد المذكورة من التاريخ المبين في الشيك أنه تاريخ إصداره. ويعتبر تقديم الشيك إلى إحدى غرف المقاصة المعترف بها بمثابة تقديم للوفاء).

ووفقاً لتلك المادة السالف بيانها فقد ذهب جانباً من الفقه إلى القول بأن المسئولية الجنائية تنتفي إذا استرد الساحب مقابل الوفاء بعد فوات المدد المذكورة، إلا أن هذا الرأي قد جانب الصواب. ذلك أن ملكية مقابل الوفاء تنتقل بقوة القانون إلى المستفيد وإلى الحملة المتعاقبين ممن ظُهر إليهم الشيك، ومن ثم يتعين على الساحب أن يظل محتفظاً بمقابل الوفاء حتى ولو بعد فوات المدد المذكورة، ذلك أن فوات تلك المدد لا يعفي الساحب من إثارة مسئوليته الجنائية عن جريمة إصدار شيك بدون رصيد إذا هو قام بسحب مقابل الوفاء بعد فوات تلك المدد.

2- أمر المسحوب عليه بعدم صرف قيمة الشيك:

تتحقق جريمة إصدار شيك بدون رصيد إذا وجه الساحب أمراً إلى المستفيد بعد التوجه إلى البنك المسحوب عليه لصرف قيمة الشيك، أو أن يكون الأمر موجهاً إلى البنك بإلزامه بعدم صرف قيمة الشيك إلى المسحوب عليه بغض النظر عن السبب الذي دعا الساحب إلى إصدار مثل هذا الأمر إلى البنك. حيث إن تخلف السبب الذي من أجله أصدر الساحب الشيك إلى المستفيد لا يؤثر على مسئوليته الجنائية إذا أمر البنك بعد الوفاء بقيمة الشيك إلى المستفيد.

3- التوقيع على الشيك أو تحريره بصورة تحول دون صرفه:

أضيفت تلك الحالة بموجب التعديل التشريعي الذي طرأ على (المادة 118) من نظام الأوراق التجارية، حيث نصت الفقرة (د) من تلك المادة على أنه: (إذا تعمد تحرير الشيك أو التوقيع عليه بصورة تمنع صرفه).

ومن ثم فإن قيام الساحب بتحرير الشيك أو التوقيع عليه بصورة تحول دون تمكن المستفيد من صرفه يوقعه تحت طائلة العقاب، وذلك كأن يوقع على الشيك بتوقيع غير المعتمد لدى البنك.

4- تظهير الشيك أو تسليمه مع أنه لا يقبل الصرف:

تتعلق تلك الصورة بحامل الشيك الذي قد يعلم بأن الشيك يستعصي على الوفاء به لأي سبب كان، ففي هذه الحالة يكون الحامل مرتكباً جريمة إذا ما قام بتظهيره أو تسليمه إلى الغير مع علمه بذلك، فعلم الحامل بعدم قابلية الشيك للصرف عنصر جوهري لقيام الجريمة في شأنه، بحيث إذا انتفى علمه بذلك لانتفت مسئوليته الجنائية وبقيت المسئولية على الساحب فقط.

5- قبول شيك دون أن يكون له رصيد كافِ:

بموجب التعديل الملكي رقم (م/45) وتاريخ 12 / 9 / 1409 هـ، أصبح المستفيد – أو الحامل – واقعاً تحت طائلة المسائلة الجنائية إذا هو تلقى شيكاً لا يوجد له رصيد كافِ للوفاء بقيمته، ومن ثم فلم تعد المسئولية قاصرة على الساحب الذي يحرر شيكاً دون أن يكون له رصيد كافِ، وإنما اتسعت المسئولية لتشمل المستفيد الذي يقبل شيك وهو عالماً أن ليس له رصيد كافِ.

وتتحقق الجريمة في شأن المظهر إليه أو الحامل الذي يتسلم شيكاً من المستفيد أو الحامل الأخير للشيك وهو على علم بأن الشيك ليس له رصيد كافِ للوفاء بقيمته.

خامساً: الركن المعنوي لجريمة إصدار شيك بدون رصيد:

عبر النظام عن الركن المعنوي لجريمة إصدار شيك بدون رصيد بسوء النية، وهو ما يعني أن الركن المعنوي لتلك الجريمة يتخذ صورة القصد الجنائي العمد، ومن ثم فيجب أن يتحقق لدى الجاني عنصري العلم والإرادة، أما إذا كان سحب الشيك دون أن يكون له رصيد تم عن طريق الخطأ أو الإهمال أو عدم العلم وحسن النية فلا تقوم الجريمة في شأن الفاعل سواء أكان الساحب، أم المستفيد، أم المظهر إليه على نحو ما بينا سابقاً.

وجريمة إصدار شيك بدون رصيد هي واحدة من جرائم القصد العام، ومن ثم فلا يتطلب لقيام تلك الجريمة أن يتوافر لدى الجاني قصداً خاصاً بها، وذلك عكس ما ذهب إليه بعض الفقه من تطلب جريمة إصدار شيك بدون رصيد قصداً خاصاً يتمثل في نية مرتكب الجريمة في الإضرار بحقوق الحامل حسن النية.

ويؤكد انتفاء تطلب قصداً خاصاً في تلك الجريمة ما ذهبت إليه بعض أحكام القضاء السعودي من أنه: (سوء النية في جريمة إصدار شيك بدون رصيد يتوافر بمجرد علم مصدر الشيك بعدم وجود مقابل وفاء له في تاريخ إصداره وهو أمر مفترض في حق الساحب ومن ثم فإن جريمة إصدار شيك لا يقابله تتم بمجرد إعطاء الساحب الشيك إلى المستفيد مع علمه بعدم وجود مقابل وفاء قابل للسحب في تاريخ الاستحقاق ).[6]

ولما كانت جريمة إصدار شيك بدون رصد تُعد أحد الجرائم العمدية فإن إثبات القصد الجنائي فيها يتم بكافة طرق الإثبات، ويكون لمحكمة الموضوع أن تستخلص كافة القرائن التي تدل على سوء نية الساحب أو الجاني، مثل قيمة الشيك وظروف إصداره وتاريخ إصداره وظروف الرصيد نفسه ومبلغ النقص فيه ومكانة الساحب الاجتماعية.[7]

سادساً: مدى تأثير بطلان الشيك كورقة تجارية على قيام جريمة إصداره بدون رصيد:

الشيك هو ورقة تجارية شكلية، حيث يجب أن يحرر وفقاً لشكل معين حدده النظام بموجب بيانات معينة يجب أن يتم ذكرها في الشيك وإلا أصبح الشيك باطلاً، تلك البيانات أوضحتها (المادة 91) من نظام الأوراق التجارية بنصها على أن: (يشتمل الشيك على البيانات الآتية:

  • أ – كلمة (شيك) مكتوبة في متن الصك باللغة التي كتب بها.
  • ب – أمر غير معلق على شرط بوفاء مبلغ معين من النقود.
  • جـ – اسم من يلزمه الوفاء (المسحوب عليه).
  • د – مكان الوفاء.
  • هـ – تاريخ ومكان إنشاء الشيك.
  • و – توقيع من أنشأ الشيك (الساحب).

ومن ثم، فإذا تخلف أي من تلك البيانات فإن الشيك يبطل كورقة تجارية باستثناء البيانات التي نصت عليها (المادة 92) بقولها: (الصك الخالي من أحد البيانات المذكورة في المادة السابقة لا يعتبر شيكا إلا في الحالتين الآتيتين:

أ – إذا خلا الشيك من بيان مكان وفائه اعتبر مستحق الوفاء في المكان المبين بجانب اسم المسحوب عليه، فإذا تعددت الأماكن المبينة بجانب اسم المسحوب عليه اعتبر الشيك مستحق الوفاء في أول مكان منها، وإذا خلا الشيك من هذه البيانات أو من أي بيان آخر اعتبر مستحق الوفاء في المكان الذي يقع فيه المحل الرئيسي للمسحوب عليه.

ب – إذا خلا الشيك من بيان مكان الإنشاء اعتبر منشأ في المكان المبين بجانب اسم الساحب).

والواقع من الأمر أن للقانون الجنائي استقلاليته وذاتيته عن كافة القوانين الأخرى، فهناك العديد من المفاهيم التي يتبناها النظام الجنائي وتكون مختلفة عن ذات المفاهيم في بعض القوانين الأخرى، مثل مدلول الموظف العام الذي يعد ركناً مفترضاً في جريمة الرشوة حيث يختلف تعريفه في نطاق القانون الجنائي عن تعريفه في نطاق القانون الإداري.

وذات الأمر ينطبق على الشيك كورقة تجارية، حيث إن بطلان الشيك كورقة تجارية بعدم اشتماله على أي من البيانات التي تطلبها النظام لا يؤثر على قيام المسئولية الجنائية في شأن الساحب والذي لا يقبل منه أن يدفع المسئولية عن نفسه بقوله إن الشيك باطل كورقة تجارية، حيث إن النظام يضفي حمايته على الشيك بغض النظر عن كونه كورقة تجارية صحيحة أم باطلة.

حيث إن اللجنة القانونية للأوراق التجارية في المملكة العربية السعودية قررت بأنه: ” إذا كان الصك المدعى به لا يُعد ورقة تجارية في مفهوم النظام التجاري فإن ذلك لا يؤثر في معاقبة الساحب على سحبه شيكاً بدون رصيد – أساس ذلك اختلاف معنى الشيك في النظام التجاري عنه في النظام الجنائي “.[8]

ولكن تجدر الإشارة إلى أن القاعدة السابقة لا تسري على إطلاقها، فإذا كان هناك بعض البيانات التي لا يؤثر تخلفها على قيام جريمة إصدار شيك بدون رصيد، فهناك بعض البيانات الأخرى التي إن تخلفت زال عن الورقة التجارية صفة الشيك في كل من النظام التجاري والنظام الجنائي، وهذه البيانات هي:

  • أمر الدفع غير المعلق على شرط.
  • مبلغ من النقود.
  • اسم المسحوب عليه.
  • توقيع الساحب.

إذن فتخلف أياً من البيانات السالف ذكرها يؤدي إلى نفي صفة الشيك عن الورقة التجارية مما يؤدي إلى عدم قيام جريمة إصدار شيك بدون رصيد، أما إذا تخلفت أياً من البيانات الأخرى التي بينتها (المادة 91) من نظام الأوراق التجارية فإنها وإن كانت تؤثر على صحة الشيك في نظر النظام التجاري إلا أنها لا يكون لها ثمة أثر على قيام جريمة إصدار شيك بدون رصيد في نطاق النظام الجنائي، حيث إن تخلف كلمة شيك، أو تاريخ إنشائه ،أو مكان إنشائه أو اسم المستفيد منه لا يؤثر على جريمة إصدار الشيك بدون رصيد في نظر القانون الجنائي.

سابعاً: عقوبة جريمة إصدار شيك بدون رصيد:

1- العقوبة الأصلية:

بينت (المادة 118) من نظام الأوراق التجارية عقوبة كل من ارتكب أي من الأفعال التي سبق وأن بيناها بقولها: (مع مراعاة ما تقتضي به الأنظمة الأخرى، يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تزيد على خمسين ألف ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أقدم بسوء نية على ارتكاب أحد الأفعال الآتية..).

ومن ثم يتضح أنه يكون للمحكمة سلطة تقديرية في أن تقضي على الجاني إما بعقوبة الحبس الذي لا يزيد على ثلاث سنوات أو بعقوبة الغرامة التي لا تزيد على خمسين ألف ريال، بل ويكون للمحكمة إذا ما رأت من ملابسات الدعوى أن الجاني يستحق أشد صور العقاب أن تعاقبه بالحبس والغرامة معاً.

2- العقوبة التكميلية:

تقررت تلك العقوبة بموجب التعديل الذي طرأ على نظام الأوراق التجارية عام 1409 وذلك بإضافة (المادة 121) والتي أجازت للمحكمة أن تنشر أسماء من صدر ضدهم حكم بالإدانة حيث نصت على أن: (يجوز الحكم بنشر أسماء الأشخاص الذين يصدر بحقهم حكم بالإدانة بموجب هذا النظام ويحدد الحكم كيفية ذلك).

ولقد قامت وزارة التجارة بتحديد طريقة النشر وذلك لكونها الجهة المختصة بتطبيق نظام الأوراق التجارية والتي قررت أن: (توضع أسماء المحكوم عليهم لمدة شهر واحد داخل لوحة تُعد لهذا الغرض بالغرفة التجارية والصناعية الكائنة بالمدن التي توجد بها مكاتب أو لجان للفصل في منازعات الأوراق التجارية، على أن تُعلق في مكان بارز بمدخل كل غرفة وأن يتم تغيير بياناتها شهرياً).

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الأستاذ الدكتور/ محمد السيد الفقي، الأستاذ الدكتور/ محمد فريد العريني، القانون التجاري، 2019، دار الجامعة الجديدة، ص 18.

[2] محيي الدين إسماعيل علم الدين، إعطاء شيك بدون رصيد، 1975، نادي التجارة، ص 38.

[3] أسامة محمد عجب، جريمة إصدار شيك بدون رصيد في نظام الأوراق التجارية السعودية، 1998، جامعة الملك سعود، ص 210.

[4] القرار رقم 87/1404، لسنة 1404هـ، جلسة 15/10/1404هـ، مجموعة المبادئ النظامية، الجزء الأول، ص 202.

[5] القرار رقم 97/1404هـ، لسنة 1404هـ، جلسة 2/11/1404هـ، مجموعة المبادئ النظامية، الجزء الأول، ص 219.

[6] قرار رقم 62/1406، لسنة 1406هـ، جلسة 3/5/1406هـ، مجموعة المبادئ النظامية، الجزء الثاني، ص 210.

[7] أنظر حسام توفيق عوض، المسؤولية القانونية المترتبة على إصدار شيك بدون رصيد: دراسة مقارنة، ص 59.

[8] أسامة محمد عجب، مرجع سابق، ص 218-219.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.