أهمية شرط التحكيم في العقود وفق النظام السعودي

من نافلة القول تبدو أهمية التحكيم جلية كونه يُعد وسيلة حديثة سريعة مرنة قليلة التكلفة في فض النزاعات التي تنشأ بين الأطراف، فللتحكيم أهمية كبيرة في تقدم اقتصاديات الدول خاصة مع نمو دور القطاع الخاص في مختلف المجالات، فكان لابد من الأخذ بنظام أكثر مرونة وسرعة من القضاء العادي عند حدوث منازعات أثناء تطبيق العقود، فظهر مفهوم التحكيم كوسيلة لفض المنازعات.

واتفاق التحكيم لابد أن يتوافر فيه بعض الشروط الموضوعية والشكلية اللازمة لصحته، ويتمتع هذا الاتفاق باستقلال قانوني لكي يصبح بعيد عن أي عيب قد يلحق بالعقد الأصلي فيترتب عليه فسخه أو بطلانه. ويترتب على هذا الاتفاق بعض الآثار التي تنتج عند تحقق شروطه الموضوعية والشكلية.

وحرياً بنا التطرق لموضوع أهمية شرط التحكيم من خلال عدة نقاط على النحو التالي:

أولاً: مفهوم اتفاق التحكيم وصوره:

1- تعريف اتفاق التحكيم:

تعرضت الفقرة الأولى من (المادة الأولى) من نظام التحكيم السعودي لتعريف اتفاق التحكيم بأنه: ” هو اتفاق بين طرفين أو أكثر على أن يحيلا إلى التحكيم جميع أو بعض المنازعات المحددة التي نشأت أو قد تنشأ بينهما في شأن علاقة نظامية محددة، تعاقدية كانت أم غير تعاقدية، سواءً أكان اتفاق التحكيم في صورة شرط تحكيم وارد في عقد، أم في صورة مشارطة تحكيم مستقلة “.

ومن خلال هذا التعريف يمكن القول بأن التحكيم هو طريق ودي يتم بالالتفاق لحل المنازعات بعيداً عن ساحة المحاكم وهو أحد أهم الطرق البديلة في تسوية المنازعات، حيث يقوم به أشخاص ليسوا من القضاة، يثق فيهم أطراف النزاع، ولا يتبعون الإجراءات المتبعة أمام المحاكم، ويصدر حكمهم في وقت قصير.[1]

ومن هذا المنطلق فإن وجود اتفاق بين الأشخاص على عرض نزاعهم على التحكيم يُعتبر مفترضًا ضروريًا للعملية التحكيمية بكافة مراحلها، بدءًا من خصومة التحكيم ومرورًا بالحكم الذي تصدره هيئة التحكيم وانتهاءً بدعوى بطلان هذا الحكم. [2]

وتماشياً مع ما تم ذكره فالتحكيم مصدره هو الاتفاق، حيث يحدد أطراف التحكيم نطاق الحقوق المتنازع عليها بينهما التي يمكن أن تعرض لهما، فاتفاق التحكيم هو الأساس وهو مصدر سلطة المحكمين، ومن خلال هذا الاتفاق يباشرون المحكمون عملهم وعليهم الالتزام بما ورد في هذا الاتفاق.

ويكون للأطراف الحق في الاتفاق على القانون الواجب التطبيق عليهم بغض النظر عن كون الجهة المتفق على إحالة النزاع إليها مركزاً دائماً أو منظمة، وبغض النظر عن كون اتفاق التحكيم المبرم سابقًا على قيام النزاع أم لاحقاً لوجوده، وسواء كان هذا الاتفاق المبرم بينهما قائمًا بذاته أم ورد في عقد معين، وهذا ما نصت عليه المادة الثالثة من نظام التحكيم السعودي.

ويُعتبر كذلك اتفاقًا على التحكيم كل إحالة توجد في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم، إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد، وقد أكدت على ذلك المادة الخامسة من نظام التحكيم السعودي حيث نصت على: ” إذا اتفق طرفا التحكيم على إخضاع العلاقة بينهما لأحكام أي وثيقة (عقد نموذجي، أو اتفاقية دولية أو غيرهما)، وجب العمل بأحكام هذه الوثيقة بما تشمله من أحكام خاصة بالتحكيم، وذلك بما لا يخالف أحكام الشريعة الإسلامية.”

2- صور اتفاق التحكيم:

ويأخذ الاتفاق على التحكيم في أغلب أنظمة التحكيم إحدى صورتين ” شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم “:

وشرط التحكيم يمكن تعريفه بأنه اتفاق بين طرفين على أن ما قد يثور بينهما من نزاع بشأن علاقة قانونية معينة يُفصل فيه بواسطة التحكيم، ويكتب الشرط عادة في نفس العقد الأصلي، سواء كان هذا العقد عقدًا مدنياً أو تجارياً أو إدارياً، حيث يتفق طرفي العقد – مثلاً – على أن ما قد يثور من نزاع حول هذا العقد وحول تنفيذه يُفصل فيه بواسطة التحكيم وليس القضاء العادي، وعندئذ يرد التحكيم على أي نزاع ينشأ في المستقبل، وبذلك لا ينصب على نزاع بعينه. وهذه الصورة هي الأكثر ذيوعاً وانتشاراً.

أما الصورة الثانية هي مشارطة التحكيم التي تعتبر اتفاق مستقل عن العقد فتكون في حالة ما إذا أبرم الاتفاق على التحكيم لاحقًا على نشأة النزاع فإنه يسمى مُشارطة تحكيم، وتعتبر مشارطة التحكيم أيضاً لاحقة على قيام النزاع وبعد معرفة موضوعه.

ثانياً: مشروعية إدراج شرط التحكيم في العقود:

تتجلى مشروعية اللجوء إلى التحكيم في قوله تعالى: ” وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا “، فضلاً عما ورد بقوله تعالى: ” فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا “.

بالإضافة إلى ما وري عن رسول الله أنه قال: (من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله).

ثالثاً: شروط صحة اتفاق التحكيم:

لصحة اتفاق التحكيم يلزم توافر شروط موضوعية وشروط شكلية وذلك على النحو التالي:

1- الشروط الموضوعية:

يلزم لصحة اتفاق التحكيم، مثله مثل كافة العقود الأخرى، أن يكون هناك تراضي بين أطرافه وأن يكون لديهم أهلية إبرام العقود، وتوافر محل يتمثل هذا المحل في المنازعة المعروضة على التحكيم، وكل ذلك من اجل تحقيق السبب وراء اتفاق التحكيم. لذلك سنتعرض للشروط الموضوعية من خلال توافر الرضا، ووجود الأهلية، وتوافرمحل وسبب اتفاق التحكيم، وذلك على النحو الذي سنبينه.

أ- وجود الرضا في اتفاق التحكيم:

يعتبر الرضا هو الركن الأساسي لصحة اتفاق التحكيم مثل كافة العقود الأخرى، فتوافر ركن الرضا هو الذي يخرج النزاع من ولاية القضاء العادي إلى سلطة هيئة التحكيم، ومن البديهي توافر ركن الرضا في التحكيم لأنه في الأصل اتفاق يتم بإرادة الأطراف الحرة دون إجبار من أحد.

ب- الأهلية في اتفاق التحكيم:

لا شك في أن وجود الرضا وحده لا يكفي في اتفاق التحكيم وإنما يجب أن يكون هذا الرضا صحيحًا، وهو لا يكون صحيحاً إلا إذا كان الرضا صادر ممن يتمتع بالأهلية اللازمة لذلك، وهذا ما نصت عليه المادة العاشرة من نظام التحكيم السعودي، حيث نصت على: ” لا يصح الاتفاق على التحكيم إلا ممن يملك التصرف في حقوقه سواء كان شخصًا طبيعيًا – أو من يمثله – أم شخصًا اعتباريًا”.

ويمكن لنا تعريف الأهلية بأنها إمكانية الشخص على التعبير بنفسه عن إرادته تعبيرًا صحيحاً ومنتجًا لآثاره القانونية في حقه وذمته، وكذلك لابد أن تتمتع هيئة التحكيم أيضاً بالأهلية الكاملة.

ج- محل وسبب اتفاق التحكيم:

– محل اتفاق التحكيم:

يتم إبرام شرط التحكيم قبل حدوث أي نزاع ويتم إبرام هذا الشرط بين أطراف لا يتوقعون نشوء أي نزاع. لذلك فمحل التحكيم يحتل أهمية كبيرة لكي يكون شرط التحكيم صحيحاً.

وجدير بالإشارة أنه يشترط أن يكون المحل قابلاً للتحكيم، فهناك بعض الموضوعات لا يجوز أن تكون محلاً للتحكيم، وتأكيدًا على ذلك هناك بعض الدول تترك المجال مفتوحاً وتقر بجواز التحكيم في أي مسألة من مسائل المنازعات مع وجود استثناءات محددة على سبيل الحصر.

وعلى النقيض من ذلك فهناك دول تضيق من نطاق التحكيم وبالتالي تجعل بعض المسائل تخرج عن نظام التحكيم ولا يجوز فيها التحكيم، ومن هذه الدول المملكة العربية السعودية، حيث نصت المادة الثانية من نظام التحكيم السعودي على أن: ” مع عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية وأحكام الاتفاقيات الدولية التي تكون المملكة طرفاً فيها؛ تسري أحكام هذا النظام على كل تحكيم، أياً كانت طبيعة العلاقة النظامية التي يدور حولها النزاع، إذا جرى هذا التحكيم في المملكة، أو كان تحكيماً تجارياً دولياً يجري في الخارج، واتفق طرفاه على إخضاعه لأحكام هذا النظام. ولا تسري أحكام هذا النظام على المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية، والمسائل التي لا يجوز فيها الصلح.”

– السبب في اتفاق التحكيم:

لابد من توافر السبب في اتفاق التحكيم وأن يكون هذا السبب مشروعًا وغير مخالف للشريعة الإسلامية، وذلك وفقاً لما قرره نظام التحكيم السعودي، فاتفاق التحكيم كغيره من الاتفاقات يجب أن يتضمن ركن السبب، ومفاد السبب هو اتجاه إرادة الأطراف إلى استبعاد عرض النزاع على القضاء وعرض الأمر على المحكمين، ولذلك يُعتبر السبب من العناصر المهمة في اتفاق التحكيم.

2- الشروط الشكلية لصحة شرط التحكيم:

ذكرنا آنفًا أنه يشترط لصحة شرط التحكيم ما يشترط لصحة العقود بوجه عام من ضرورة ووجود الرضا وتوافرالأهلية والمحل والسبب، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا ويجب أن تكون هذه الكتابة واضحة، بحيث يستطيع الشخص العادي أن يقرأها فإن لم تكن كذلك فإن اتفاق التحكيم يكون باطلاً، وهذا ما نص عليه نظام التحكيم السعودي في (المادة التاسعة) بقولها: “يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبًا وإلا كان باطلاً”.[3]

ونصت أيضًا في ذات المادة في الفقرة الثالثة على: “يكون اتفاق التحكيم مكتوباً إذا تضمنه محرر صادر من طرفي التحكيم، أو إذا تضمنه ما تبادلاه من مراسلات موثقة، أو برقيات، أو غيرها من وسائل الاتصال الإلكترونية، أو المكتوبة. وتعد الإشارة في عقد ما، أو الإحالة فيه إلى مستند يشتمل على شرط للتحكيم، بمثابة اتفاق تحكيم. كما يُعدّ في حكم اتفاق التحكيم المكتوب كل إحالة في العقد إلى أحكام عقد نموذجي، أو اتفاقية دولية، أو أي وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد “.

ولعل الحكمة من اشتراط الكتابة هو ما في شرط التحكيم من أهمية وخطورة بما يحرص الخصوم على توافر الضمانات التي تكفلها إجراءات التقاضي أمام القضاء العادي والحرص أيضاً على التأكد من حقيقة انصراف إرادة المتعاقدين إلى التحكيم.

كما أن الكتابة أو الدليل الخطي كما يعتقد البعض شرط لازم لا يجوز أن نتغاضى عنه حتى ولو كان موضوع النزاع مما يجوز إثباته بالشهود أو القرائن، ومفاد ذلك أن المقصود من التحكيم هو السرعة في حسم النزاع وتبسيط أسباب التسوية عن طريق عرض النزاع على المحكمين بدلاً من عرض الخلاف على القضاء، فيجب أن يكون دليله قاطعًا لا يشوبه الشك حتى لا يحدث نزاع آخر بسبب إجازة التحكيم بغير الدليل الخطي.[4]

رابعاً: استقلال شرط التحكيم:

يعد المفهوم التقليدي لمبدأ استقلال شرط التحكيم هو انفصال هذا شرط التحكيم عن العقد الأصلي الذي ورد فيه، بحيث يُنظر دائمًا في تقدير صحة شرط التحكيم إلى الشرط في حد ذاته من حيث وجود هذا الشرط لا من حيث وجود العقد، بعبارة أخرى يمكن القول إن شرط التحكيم يُعد بمثابة عقد داخل العقد الأصلي الذي ورد به.[5]

يتضح من ذلك أن المقصود باستقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي هو أن عدم مشروعية العقد الأصلي، أو صحته، أو بطلانه، أو فسخه لا يؤثر على شرط التحكيم الذي ورد داخل العقد الأصلي، سواء كان هذا الشرط مُدرجًا في العقد الأصلي أم كان مستقلاً عنه في صورة مُشارطة تحكيم، وذلك لأن اتفاق التحكيم يُعالج موضوعًا يختلف عن موضوع العقد الأصلي لأن اتفاق التحكيم تصرف قائم بذاته له وضعه المستقل عن العقد الأصلي الذي ورد فيه. [6]

وتماشياً مع ما تم ذكره فقد نص نظام التحكيم السعودي في (المادة الحادية والعشرون) على:يعد شرط التحكيم الوارد في أحد العقود اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى. ولا يترتب على بطلان العقد ـ الذي يتضمن شرط التحكيم ـ أو فسخه أو إنهائه بطلان شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته “.

ومن هذا المنطلق سنتناول في هذا البند أهمية استقلال شرط التحكيم ومبررات مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي.

1- أهمية استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي:

عرف جانب من الفقه مبدأ استقلال شرط التحكيم بأنه: ” استقلال عن العقد الذي تضمنه فلا يتأثر به ولا يرتبط مصيره بمصير العقد الأصلي، وتكون هيئة التحكيم هي المختصة بالنظر في صحة أو بطلان العقد الأصلي”.[7]

ويترتب على وجود ارتباط بين شرط التحكيم والعقد الأصلي الوارد فيه هذا الشرط عدم الخوض في إجراءات التحكيم حتى تفصل الجهة القضائية صاحبة الولاية في المنازعات المتعلقة باختصاص هيئة التحكيم أو انعدام ولايتها.

فإذا وجد ارتباط بين شرط التحكيم وبين العقد الأصلي فهذا يؤدي إلى رفع يد المحكم عن التحكيم بمجرد أن يطرح أي طرف عدم صحة العقد الأصلي فيصبح المحكم في هذه الحالة ملتزمًا بأن يعلن عدم صلاحيته، فإذا قام أحد أطراف العقد بالطعن في العقد الأصلي بأحد أوجه البطلان فإن الأخذ بوجود ارتباط بين شرط التحكيم والعقد الأصلي يؤدي إلى جعل المحكم غير أهل لنظر المنازعات المتعلقة بالعقد الأصلي، لأنه يستحيل على المحكم أن يفصل في صحة عقد هو مصدر سلطاته، وعلى هذا الأساس إذا ما تم الطعن في صحة العقد الأصلي فإن القضاء هو من سيتصدى لهذه المسالة ويمكنه من خلال النظر في صحة العقد الأصلي التصدي لأساس هذا النزاع. [8]

ولكن الأخذ بمبدأ استقلال شرط التحكيم عن موضوع العقد الأصلي يؤدي إلى عدم وجود تأثير على شرط التحكيم في حالة بطلان العقد الأصلي، بحيث يعتبر شرط التحكيم مستقلاً تماماً عن العقد الأصلي وسيكون من حق المحكم في حالة استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي النظر في النزاع المتعلق ببطلان العقد الأصلي لأنه لا يستمد ولايته من هذا العقد وإنما يستمد ولايته من اتفاق التحكيم المستقل عن العقد الأصلي. [9]

2- مبررات مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي:

بعد عرضنا لأهمية مبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي نعرض لعدة مبررات فقهية لهذا المبدأ، وذلك على النحو التالي الآتي:

أ- احترام إرادة الأطراف:

جدير بالذكر أن إحالة المنازعات التي من الممكن إثارتها حول تنفيذ أو تفسير العقد المبرم بين الأطراف بواسطة التحكيم ذلك يعني أن الاطراف أرادوا عرض كافة المنازعات التي من الممكن أن تنشأ حول هذا العقد، فهي طريق واسع ليشمل النظر في صحة أو بطلان العقد الأصلي، لذلك فإن عدم إجازة استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي معناه عدم الاعتداد بإرادة الأطراف التي عزمت على عرض كافة المنازعات التي من الممكن أن تثار حول العقد الأصلي، ولو أراد أطراف العقد التضييق من نطاق إرادتهم لعبروا عن ذلك صراحة.

ب- اختلاف كلاً من موضوع العقد الأصلي وشرط التحكيم المدرج فيه:

من مبررات استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي أيضاً تباين كل من موضوع شرط التحكيم والعقد الأصلي، فالعقد الأصلي قد يتعلق ببيع، أو شراء، أو توريد، أو أي عمل من الأعمال طالما أن هذا العقد لا يخالف النظام العام أو الآداب العامة، أما بالنسبة شرط التحكيم فموضوعه حل المنازعات التي من الممكن أن تدور حول تنفيذ أو تفسير العقد الأصلي مستقبلاً. وبذلك يكون موضوع العقد الأصلي مختلفًا عن موضوع شرط التحكيم وإن كان هذا الأخير مدرج ضمن بنود العقد الأصلي.[10]

ج- عدم استقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي سيؤدي إلى رفع يد المحكم عن التحكيم:

إن القول بعدم استقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي الذي ورد فيه شرط التحكيم سيؤدي بنا إلى نتيجة حتمية وهي عدم صلاحية المحكم للنظر فى المنازعات المتعلقة بالعقد الأصلي إذا دفع أحد الأطراف ببطلان هذا العقد الأصلي؛ لأن المحكم في هذه الحالة سينظر في وقت واحد في صحة العقد الأصلي وفي صحة شرط التحكيم، ومن غير المعقول أن ينظر المحكم في عقد يستمد منه قوته ويعتبر مصدر سلطاته. [11]

خامساً: آثار شرط التحكيم:

يترتب على شرط التحكيم عند تحقق شروطه الموضوعية والشكلية بعض الآثار تتمثل في الأثر الإيجابي لشرط التحكيم والأثر السلبي له.

1- الأثر الإيجابي:

يتجسد الأثر الإيجابي لشرط التحكيم في انعقاد الاختصاص لهيئة التحكيم بالفصل في المنازعات المعروضة عليها بمقتضى شرط التحكيم وفي حدود هذا الشرط، حيث يتوجب على المحكمين احترام كل بنود شرط التحكيم وعدم تجاوز حدود هذا الشرط وذلك سواء من حيث الموضوع أو من حيث الاشخاص.

كما يتمثل الأثر الإيجابي كذلك في إلزام أطراف النزاع باللجوء إلى التحكيم لحل النزاع الناشئ والاعتراف بحكم المحكمين واعتباره كأنه صادر عن المحكمة المختصة أصلاً، ولابد من الأخذ بالاعتبار ضرورة اكساب حكم التحكيم صيغة التنفيذ وذلك وفقًا للقاعدة العامة في العقود أن العقد شريعة المتعاقدين.

2- الأثر السلبي:

إن الأثر الذي يترتب على شرط التحكيم هو انتقال نظر النزاع من ولاية جهة القضاء الوطني ونقله إلى ولاية هيئة التحكيم، ويتمثل كذلك أيضاً بنزول أطراف التحكيم عن حقهم في الالتجاء إلى المحكمة المختصة بنظر النزاع، ولا يتم الرجوع عن التحكيم أو تعديله إلا بالاتفاق بين الطرفين.

ولتوضيح ذلك فإن شرط التحكيم ينشئ التزامًا سلبيًا متبادلًا على عاتق أطراف التحكيم بالامتناع عن الرجوع إلى القضاء للفصل في النزاع القائم والبدء بإجراءات التحكيم، فإذا امتنع أحد الأطراف عن تنفيذ شرط التحكيم بعد نشوء النزاع جاز للطرف الآخر الرجوع للمحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع حتى تلزمه بتنفيذ شرط التحكيم.

وقد يحدث أن يخل أحد الأطراف بالتزامه ويرفع دعواه إلى القضاء بشأن النزاع المتفق فيه على التحكيم، وفي هذه الحالة يكون للطرف الآخر أن يدفع هذه الدعوى بسبق الاتفاق على التحكيم وأن يطلب إحالة النزاع إلى المحكم أو المحكمين.[12]

إعداد / د. عبد الغني عطية.

[1] أ. د/ أحمد هندي، التحكيم، دار الجامعة الجديدة، 2018، ص10.

[2] أ. د/الأنصاري النيداني، اتفاق التحكيم، الطبعة الأولى، بدون دار نشر، 2017، ص6.

[3] أحمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص41.

[4] نسيبة العمري، شرط التحكيم في العقود التجارية الدولية، رسالة ماجستير، الأردن، 2000، ص82.

[5] أحمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص53.

[6] احمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص41.

[7] سميحة القليوبي، الأسس القانونية للتحكيم التجاري الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2017، ص52.

[8] احمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص46.

[9] احمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص48.

[10] أ. د/ نبيل إسماعيل عمر، التحكيم في المواد المدنية والتجارية الوطنية والدولية، الطبعة الأولى، دار الجامعة الجديدة، 2004، ص 56.

[11] احمد جمال الدين حامد، شرط التحكيم بالإحالة، رسالة دكتوراة، جامعة الاسكندرية، 2021، ص53.

[12] نسيبة العمري، شرط التحكيم في العقود التجارية الدولية، رسالة ماجستير، الأردن، 2000، ص 98.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.