الاتفاق على طريقة محددة للإثبات بين المتعاقدين

تختلف القوانين في شأن ما تعتمده من مذهب واتجاه في مسائل الإثبات، فمنها من يعتمد المذهب القائم على الإثبات بحرية كاملة وتامة في اختيار ما يتم استخدامه من وسائل إثبات، في حين يتجه البعض الآخر إلى اعتماد المذهب الذي لا يتمتع فيه القائم على الإثبات بأي حرية في اختيار وسيلة الإثبات التي يستخدمها، ولكنه يكون مقيداً بوسائل إثبات محددة فقط وبشكل مسبق، وهناك من يتبع مذهباً وسطاً بين هذا وذاك.

وفي ظل تطور البيئة التشريعية في المملكة العربية السعودية، وبعد إصدار المنظم السعودي لنظام الإثبات الجديد، سنجد أن النظام السعودي قد تطور بشكل كبير في شأن ما يعتمده من مذهب في الإثبات، ولعل أهم معالم هذا التطور هو ما استحدثه المنظم السعودي في نظام الإثبات الجديد من مبدأ يجيز للمتعاقدين أن يتفقا بشكل مسبق على وسائل الإثبات التي يتم استخدامها متى نشأ بينهم نزاع عن هذا التعاقد، وهو ما سنوضحه في هذا المقال.

أولاً: تعريف الإثبات

المقصد اللغوي للإثبات يتمثل في التأكيد، بمعنى أنه إذا قيل أثبت الأمر أي قام بتأكيده، كما يستدل منه أيضاً على الاستقرار[1]، وهو المصدر للفعل ثبت، ويقصد به إقامة الدليل والبرهان على صحة ما يدعى به من وجود لأمر أو واقعة ما.

أما في الاصطلاح الفقهي فالإثبات هو عرض الأدلة التي يعتد بها الشرع في مجلس القضاء، للتأكيد على حق محدد أو واقعة معينة، بحيث ينتج عنها آثارها الشرعية.

وفي الاصطلاح القانوني فإن الإثبات يقصد به في رأي فقهاء القانون أنه العملية التي يتم فيها إقامة الدليل أمام القضاء، وذلك باتباع السبل واستخدام الوسائل التي يقررها النظام، وذلك لتأكيد واقعة قانونية، بما يترتب عليه تحقيق تلك الواقعة لآثارها القانونية[2].

وهو ما يمكننا معه أن نضع للإثبات تعريفاً متوازناً، قوامه أنه تأكيد الدليل وإقامته على صدق واقعة قانونية معينة، وينتج عن ذلك إقراراً للآثار القانونية المترتبة على هذه الواقعة، على أن يتم ذلك في نطاق النظام، وما يقرره من إجراءات ووسائل لذلك.

ولم يتعرض المنظم السعودي لتعريف الإثبات في حد ذاته، سواء في نظام المرافعات الشرعية أو نظام الإثبات الجديد، بل تعرض بشكل مباشر لقواعد ومبادئ الإثبات ووسائله، دون أن يضع تعريفاً لعملية الإثبات، تاركاً ذلك للفقه، شأنه في ذلك شأن مشرعي القانون في الدول العربية، والذين لم يضع أياً منهم تعريفاً لعملية الإثبات نفسها، وهو ما نعتبره قصوراً يلزم تداركه.

ثانياً: مذاهب الإثبات

يقصد بمذاهب الإثبات الاتجاهات والمبادئ المختلفة التي يتبعها كل منظم أو مشرع في عملية الإثبات، وما يتطلبه النظام أو القانون من إجراءات وما يفرضه من قيود على حرية المتخاصمين في إثباتهم لحقوقهم المتنازع عليها.

وفي هذا الصدد فإن مذاهب الإثبات المختلفة لا تخرج عن نطاق ثلاث مذاهب رئيسية وأساسية، أولها هو المذهب الحر، وثانيها هو المذهب المقيد، وثالثها هو المذهب المزدوج أو المختلط، وسنتعرض بشكل موجز لكل مذهب منها.

1- المذهب الحر

يسميه بعض شراح القانون بالمذهب المطلق، وتتمثل آلية هذا المذهب في أن النظام لا يضع طرق محددة يلزم أن يسلكها الخصوم في إثبات حقوقهم، ولكنه يمنحهم مطلق الحرية في انتقاء ما يراه كل منهم من طرق في الإثبات، والتي يستطيع من خلالها أن يثبت الحق الذي يدعيه أمام القضاء، كما يمتد الأمر ليشمل القاضي الذي ينظر النزاع، حيث يتخذ موقفاً إيجابياً في النزاع، حيث يتحكم في خط سير الدعوى وتوجيهها، كما أنه يتمتع بسلطة تجميع الأدلة التي يمكنه من خلالها أن يكون عقيدته وقناعاته[3].

وعلى الرغم من أن ظاهر هذا المذهب هو أنه يقارب بشكل كبير بين الواقع الفعلي وما هو مطروح أمام القضاء، وذلك باعتبار أن الخصوم يمكنهم إثبات مزاعمهم بشتى السبل، إلا أن ما تستلزمه المعاملات من استقرار وثبات يتنافى مع الدور الإيجابي المطلق للقاضي، وما يمتلكه من سلطة مطلقة في توجيه النزاع، كما أنه يخالف أيضاً المبدأ القضائي المستقر، والذي قوامه أنه لا يجوز للقاضي أن يلفت نظر الخصوم إلى أوجه دفاعهم، بجانب أن تلك السلطة قد تجعله يحيد عن مبدأ الحيادية اللازم توافره في أدائه لعمله.

2- المذهب المقيد

على النقيض تماماً من المذهب الحر، فإن المذهب المقيد في الإثبات يقوم على التحديد الكامل والتقييد التام للخصوم فيما يتم اللجوء إليه من وسائل وطرق لإثبات حقوقهم، ويكون ذلك التقييد من حيث نوع الوسيلة المستخدمة في الإثبات، مع التفرقة بين استخدام وسيلة وأخرى بناء على قيمة الحق المتنازع عليه، ولا يحق لأياً من الخصوم أن يخالف تلك القواعد والقيود، ولا يحق للقاضي أيضاً أن يصرح لهم باستخدام طرق إثبات تختلف عما نص عليه القانون في هذا الشأن.

وعلى الرغم من أن هذا النظام قد حاول أن يتلافى عيوب المذهب الحر، إلا أنه قام بذلك بشكل مبالغ فيه، وذلك يتبين في التقييد المطلق للقاضي والخصوم، بما يحول معه دون أن تصل للقاضي صورة حقيقية للواقعة المعروضة عليه، ويطرح عليه صورة هي أبعد ما يكون عن الواقع الفعلي لها.

3- المذهب المختلط

بعد أن عجز كلاً من المذهبين الحر والمقيد عن تفادي أوجه قصورهما، وتعديل الجوانب التي تم توجيه أوجه الانتقاد المختلفة والمتعددة إليها، فقد ظهر ما يعرف بالمذهب المختلط، وهو مذهب متوازن حاول الفقه القانوني أن يجمع فيه مميزات المذهبين السابقين، مع تلافي أوجه القصور التي اتسم به كل منهما، ليكون بقدر الإمكان محققاً للهدف الذي شرع الإثبات من أجل تحقيقه، وهو إظهار الحقيقة الكاملة دون تزيد أو نقصان.

وبناء على ذلك فإن مذهب الإثبات المختلط اتخذ موقفاً يختلف في شأن تحديد مدى مرونة الإثبات وفقاً لنوع المسألة أو الواقعة محل هذا الإثبات، فجعل الحرية في الإثبات مطلقة في الموضوعات الجنائية، وذلك نظراً لخطورة وجسامة تلك الموضوعات، بينما شدد الأمر بعض الشيء في الموضوعات التجارية، حيث راعى في ذلك طبيعة المعاملات التجارية واحتياجها للسرعة في إجرائها بصورة كبيرة، فجعل الإثبات فيها لا هو بمتشدد ولا هو بمطلق بل وسطياً، في حين انتهج منهج التقييد الذي يتبعه المذهب المقيد في شأن الإثبات في الموضوعات المدنية، بحيث يكون المرجع الأوحد في شأن تحديد طرق ووسائل الإثبات هو القانون أو النظام فقط، ويقيد في هذا الشأن حرية الخصوم وسلطة القاضي تقييداً كاملاً.

ونظراً لما يتمتع به هذا المذهب من تحقيق للاستقرار والثبات في التعاملات، بجانب مراعاته للقيود التي يلزم أن تظل باقية وقائمة على عملية الإثبات، فقد حقق هذا المذهب أهداف أكثر من مشرع ومنظم، وأخذت به الغالبية العظمى من القوانين العربية الخاصة بالإثبات، والتي منها على سبيل المثال القانون المصري والجزائري.

ثالثاً: ماهية الاتفاق على طريقة محددة للإثبات

في هذا الجزء من المقال سوف نوضح ماهية القاعدة التي تنص على جواز اتفاق المتعاقدين على طرق محددة للإثبات، وذلك من خلال التعرض لها من جانبين، الجانب الأول يتمثل في التعريف بمضمونها، والجانب الثاني يتمثل في بيان شروطها، حيث إنها لم تأت مطلقة، بل مقيدة بشرطين.

1- التعريف بمضمون القاعدة

وفقاً لنص المادة (38/4) من نظام المحاكم التجارية السعودي الصادر بقرار مجلس الوزراء رقم 511 في 14/8/1441 هـ وتعديلاته، فقد وردت هذه القاعدة في الصياغة التالية:

(4- دون إخلال بالنظام العام، إذا اتفق الأطراف على قواعد محددة في الإثبات، فتعمل المحكمة اتفاقهم).

وقد ألغيت تلك المادة بصدور نظام الإثبات السعودي الجديد، والصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 26/5/1443 هـ، إلا أن هذا النظام تضمن ما يقابل نص هذه المادة الملغاة، وذلك فيما ورد بنص المادة (6/1) منه، والتي تضمنت ما يلي:

(1- إذا اتفق الخصوم على قواعد محددة في الإثبات، فتعمل المحكمة اتفاقهم، مالم يخالف النظام العام).

وهو ما نتبين معه من منطوق هذه القاعدة أنها قد وردت في الموضعين السابقين مختلفة بعض الشيء في صياغتها، إلا أنها كانت متفقة في مضمونها ومغزاها، وهذا المضمون والمغزى قوامه أن الأطراف المتخاصمة يحق لها أن تتفق فيما بينها على القواعد التي يتم اتباعها في الإثبات، وذلك فيما يقوم بينهما من خصومة أو نزاع يخص تصرف قانوني معين.

وهو ما يمكن تطبيقه على المتعاقدين في العقد، فقد يصبحا خصوماً في المستقبل متى نشأ بينهم أي خلاف يخص العقد، أو يتعلق بإخلال أياً من أطرافه بما يتضمنه من التزامات وحقوق، فبناء على هذه القاعدة يكون لهم الحق في أن يتفقوا بصورة مسبقة على قواعد الإثبات التي يخضع لها هذا الخلاف متى تم طرحه على القضاء، فتكون عملية الإثبات خاضعة لتلك القواعد المحددة بموجب هذا الاتفاق دون سائر قواعد الإثبات الأخرى، ويكون اتفاقهم هذا ملزماً للمحكمة التي تنظر النزاع[4].

وهذا الاتفاق غالباً ما يكون مذكوراً – إن وجد – كبند من بنود العقد المبرم بين المتعاقدين، وهو في ذلك يماثل بند الاختصاص في العقود، والذي تتحدد بموجبه المحكمة المختصة مكانياً بنظر أي نزاع ينشأ بين المتعاقدين، فيكون وارداً بالعقد على الصيغة التالية:

[تختص محكمة …………. بنظر أي نزاع قد ينشأ – لا قدر الله – عن تفسير أو تنفيذ هذا العقد]

وهنا يكون سلطان إرادة المتعاقدين هو الذي يحدد قواعد الإثبات التي يخضع لها أي نزاع مستقبلي قد ينشأ بينهما بشأن العقد، ومتى نشأ هذا النزاع وتم عرضه على القضاء، فلا يكون أمام القاضي سوى أن يستند إلى قواعد الإثبات المحددة ففقط في تكوين عقيدته، ولا يكون له سلطة في استخدام أي وسائل أخرى يراها، فهو مقيد بالقواعد المحددة من قبل الخصوم (المتعاقدين).

 2- شروط إعمال القاعدة

لم يكن المنظم السعودي في نصه على جواز اتفاق المتعاقدين – باعتبار أن العقد تصرف قانوني – على تحديد طرق محددة للإثبات تاركاً إعمال هذا الاتفاق على إطلاقه، ولكنه تطلب لإعمال القاعدة وإنفاذ الاتفاق على ضرورة توافر شرطين، يمكننا تحديدهما من خلال نص المادة (6) من نظام الإثبات السعودي الجديد، والتي نصت في عجز فقرتها الأولى على أن (1- …….، مالم يخالف النظام العام)، والمقصود بذلك هنا ألا يكون الاتفاق مخالفاً للنظام العام، وأيضاً ما نصت عليه ذات المادة في فقرتها الثانية من أن (2- لا يعتد باتفاق الخصوم المنصوص عليه في هذا النظام ما لم يكن مكتوباً)، وكلاً من فقرتي هذه المادة اشتمل على شرط من شرطي إعمال الاتفاق.

أ- ألا يكون الاتفاق مخالفاً للنظام العام

الشرط الأول يتمثل في أن يكون ما تضمنه الاتفاق من قواعد محددة للإثبات خالياً من أي مخالفة للنظام العام، وباعتبار أن النظام السعودي مستمد من مصادر أساسية تتمثل في القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، فإن النظام العام يقصد به أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة السعودية المختلفة، والتي من ضمنها نظام الإثبات.

فيشترط ألا يكون في تحديد أياً من تلك القواعد التي يتضمنها الاتفاق ثمة مخالفة لأي أمر أو نهي يقرره الشرع أو يتضمنه النظام، حيث أن هناك بعض النصوص في نظام الإثبات، والتي تتضمن بعض الحالات التي يحتم فيها النظام الإثبات بطريق محدد لا يجوز الإثبات بغيره، كما هو الحال في استلزام القانون للإثبات بالكتابة في التصرفات التي تتجاوز مائة ألف ريال، وهناك نصوص أخرى تمنع الإثبات بطرق محددة وتبيحها بسائر الوسائل الأخرى، كما هو الحال في الحالات التي حظر فيها المنظم اللجوء إلى شهادة الشهود لإثبات ما يخالف الثابت بالكتابة، وبالتالي فلا يكون اتفاق الأطراف صحيحاً متى انصب على إخضاع نزاعهم لقواعد في الإثبات يمنع القانون اللجوء إليها في مثل هذا النزاع، أو تخالف النظام في أياً من الحالات المشابهة، وإلا كان اتفاقهم باطل فيما تضمنه.

ب- أن يكون الاتفاق مكتوباً

يعد هذا الشرط بمثابة تأكيداً على اشتراط المنظم قواعد إثبات معينة ومحددة للإثبات في بعض الحالات، حيث ألزم الأطراف أن يثبتوا وجود مثل هذا الاتفاق بالكتابة فقط دون غيرها من وسائل الإثبات الأخرى، فلا مجال للزعم بوجود اتفاق شفهي بين المتعاقدين، أو محاولتهم إثبات وجود الاتفاق بشهادة الشهود مثلاً، فإن لم يكن اتفاقهم بشأن تحديد قواعد الإثبات التي يخضع لها نزاعهم مكتوباً، فإنه يعد هو والعدم سواء، ويتم تطبيق قواعد الإثبات وفقاً لما يقرره النظام في كل حالة.

ولم يشترط المنظم في تلك الكتابة شكلاً معيناً، فلم يحدد كونها رسمية أو عرفية، بل اشترط فيها فقط أن تكون مكتوبة، وذلك بغض النظر عن اللغة المستخدمة في كتابتها، أو الصيغة التي وردت بها، طالما كانت مقروءة ومفهومة، وأن يكون واضح منها أنها تؤكد انصراف نية المتعاقدين وإرادتهم لتطبيق قواعد محددة على نزاعهم متى نشأ، ولعل ذلك هو ما يحدو بالمتعاقدين إلى كتابة مثل هذا الاتفاق في صلب العقد الذي يبرم بينهم كما سبق وأن أوضحنا.

رابعاً: موقف المنظم السعودي من القاعدة

إذا ما تتبعنا موقف المنظم السعودي من مسألة الاتفاق بين المتعاقدين على قواعد محددة للإثبات، فإن البعض قد يظن أن عدم تغير النص هو عدم تغير في موقف المشرع ذاته من تلك القاعدة، إلا أن المدقق يتبين له اختلاف كبير بين موقف المشرع من تلك القاعدة في ظل وجودها قبل صدور نظام الإثبات الجديد، وموقفه بعد صدور هذا النظام، وسوف نوضح كلاً من الموقفين لنوضح أين يكمن التغيير في موقف المنظم السعودي.

1- موقف المنظم السعودي قبل إصدار نظام الإثبات

قبل إصدار نظام الإثبات السعودي الجديد، فقد كانت عملية الإثبات محكومة بقواعد ووسائل إثبات المنصوص عليها في موضعين رئيسيين في النظام:

– الموضع الأول هو الباب التاسع من نظام المرافعات الشرعية السعودي، وهو الباب الخاص بإجراءات الإثبات.

– الموضع الثاني هو الباب السابع من نظام المحاكم التجارية السعودي، وهو الباب الخاص أيضاً بالإثبات.

وبمراجعة المواد والنصوص المقررة بالبابين المذكورين، سنجد أن قواعد الإثبات المقررة بنظام المرافعات الشرعية لم يتضمن قاعدة تماثل القاعدة موضوع المقال، حيث لم يرد بها ما يجيز للأطراف الاتفاق على طرق محددة في الإثبات، بل جاءت جميعها خالية من ذكر أي نص يتضمن ذلك، في حين أن الباب التابع لنظام المحاكم التجارية قد تضمن في مادته رقم (38) بفقرتيها الأولى والرابعة أن:

(1- فيما لم يرد به نص خاص في الأنظمة التجارية، تسري أحكام هذا الفصل على إجراءات الإثبات في الدعاوى التي تختص بنظرها المحكمة. ….. 4- دون إخلال بالنظام العام، إذا اتفق الأطراف على قواعد محددة في الإثبات، فتعمل المحكمة اتفاقهم).

ومن مجمل هاتين الفقرتين يتبين لنا أن إعمال قاعدة إجازة الاتفاق بين الأطراف على قواعد محددة في الإثبات يقتصر على المسائل التجارية فقط، ونستدل على ذلك من أمرين، أولهما أن إيراد تلك القاعدة قد جاء في نظام المحاكم التجارية فقط دون نظام المرافعات الشرعية، وثانيهما ما جاء بنص الفقرة الأولى من المادة المذكورة، والتي تقرر أن ما ورد بهذا الفصل من أحكام يسري فقط على الدعاوى التي تختص بها المحكمة، ويقصد من ذلك الدعاوى التجارية، باعتبار أن المحكمة التجارية تختص بنظر الدعاوى التجارية فقط دون المدنية والشرعية.

وبالتالي فإن موقف المنظم السعودي قبل صدور قانون الإثبات كان يقر للأطراف أن يتفقوا على قواعد محددة للإثبات في الموضوعات التجارية فقط، بينما لا يسري أثرها على المعاملات المدنية والمنازعات الشرعية.

2- موقف المنظم السعودي بعد إصدار نظام الإثبات

بموجب صدور نظام الإثبات الجديد فقد تم إلغاء البابين التاسع من نظام المحاكم التجارية والسابع من نظام المرافعات الشرعية، وحل محلهما نظام الإثبات الجديد، والذي قرر ذات القاعدة في المادة (6/1) منه، وأجاز للأطراف الاتفاق على قواعد محددة في الإثبات، وألزم المحكمة بأن تعمل بهذا الاتفاق، شريطة أن يكون مكتوباً، وألا يكون متضمناً لما يخالف النظام العام.

حتى الآن قد لا يلاحظ البعض أي اختلاف عن الوضع قبل صدور نظام الإثبات الجديد، إلا أن نص المادة الأولى من هذا النظام توضح ما يتغير به وجه الرأي تماماً، حيث نصت المادة الأولى من نظام الإثبات الجديد على أن (تسري أحكام هذا النظام على المعاملات المدنية والتجارية).

 وبموجب هذا النص يصبح تطبيق القاعدة وسريان آثارها القانونية ليس قاصراً على المعاملات التجارية فقط، ولكنها تشمل أيضاً المعاملات المدنية، وهو ما يعد اختلافاً كبيراً وتحولاً هائلاً، حيث أجاز المنظم السعودي وللمرة الأولى للأطراف في المنازعات المدنية

وبالتالي فإن المنازعات التي تنشأ عن عقود مدنية يكون أطرافها قد اتفقوا على تحديد قواعد إثبات محددة لنزاعهم، فإن الدعوى المدنية الخاصة بذلك يجوز فيها للخصوم التمسك بتطبيق هذا الاتفاق على عملية الإثبات التي تتم أمام القاضي، طالما كان اتفاقهم ذلك مكتوباً، ولا يتضمن ما يخالف النظام العام.

خامساً: الخاتمة

لا يمكننا أن ننكر أن موقف المنظم السعودي بتقريره لقاعدة الاتفاق على طرق إثبات محددة بين المتعاقدين، وجعلها سارية على المعاملات التجارية والمدنية على حد سواء، لهو موقف يستحق الإشادة، حيث إنه يمثل نقطة تحول كبيرة في نظام التقاضي بالمملكة، وتطوراً هائلاً للبيئة التشريعية والسياسة القانونية الخاصة بها، وتواكب التطور الكبير الذي طرأ على المجتمع، والذي أصبح يستدعي السرعة في المعاملات المدنية بذات الدرجة التي يستدعيها في المعاملات التجارية.

وباعتبار أن المنظم السعودي يخرج بنظام الإثبات إلى فكر جديد يتسم بكونه أكثر تحرراً من قيود الإثبات المعتادة، فيلزم أن يتكفل المنظم السعودي بتعريف عملية الإثبات في نظام الإثبات الجديد، والصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 26/5/1443، بوضع تعريف قانوني لعملية الإثبات ذاتها، وإن كان عدم ذكر ذلك التعريف في النظام لا يصمه بالقصور، إلا أنه بتوافره وتحقيقه سيجعل نظام الإثبات السعودي أكثر اكتمالاً.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – بطرس البستاني الشهير بـ “المعلم بطرس” – محيط المحيط قاموس مطول للغة العربية – مكتبة لبنان – لبنان – 2011 – ص77.

[2] – عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني الجديد: نظرية الالتزام بوجه عام: الإثبات – الجزء الثاني – دار إحياء التراث العربي – لبنان – بدون عام نشر – ص14.

[3] – توفيق فرج – قواعد الإثبات في المواد المدنية والتجارية – مؤسسة الثقافة الجامعية – مصر – 1982 – ص11.

[4] – رويدة موسى عبد العزيز – القيود الواردة على مبدأ حرية الإثبات في المعاملات التجارية في النظام السعودي – المجلة المصرية للدراسات القانونية والاقتصادية – ع (15) – يوليو 2020 – ص371.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.