الإثبات بالكتابة في النظام السعودي

في ظل التقدم التكنولوجي الكبير الذي يشهده العالم في كافة مجالاته، فقد تطورت المعاملات التي تتم بين بين البشر على مستوى العالم بأسره، حيث لم تعد الحدود والمسافات بمثابة عائق يحول بين تواصلهم وإتمام تلك المعاملات باختلاف أنواعها وسائلها، لذلك كان لزاماً على كافة الدول أن تنقح وتطور قوانينها وأنظمتها لتتناسب مع الطبيعة الجديدة للمعاملات التي تتم في كنفها، ولعلنا لا نبالغ في قولنا إن أهم تلك القوانين والأنظمة هي التي تنظم طرق الإثبات، حيث إن الأساس في اقتضاء الحقوق هو إثباتها، ولعل هذا هو ما حدا بالمنظم السعودي لوضع حزمة من الأنظمة التي يعد البعض منها جديد والبعض الآخر تحديث وتطوير لأنظمة قائمة بالفعل، وكان نظام الإثبات هو أول تلك الأنظمة، والصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) بتاريخ 26/5/1443هـ.

وباعتبار أن الكتابة تعد من أهم طرق ووسائل الإثبات، وذلك باعتبارها الوسيلة الأكثر قوة في الدلالة على مقصدها ومضمونها، فقد ارتأينا أن نتناول في مقالنا هذا الكتابة كوسيلة للإثبات، وذلك في ضوء ما ورد بشأنها من تنظيم في نظام الإثبات السعودي الجديد، مستهدفين من ذلك توضيح موقفه من الكتابة كوسيلة للإثبات.

أولاً: ماهية الإثبات بالكتابة

بداية وقبل الخوض في مضمون المقال يجدر بنا أن نتعرف على مفردات موضوعه، حيث يلزم أن نتعرف على المقصود بعملية الإثبات، وأن نوضح ماهية الكتابة كوسيلة من وسائل الإثبات.

1- المقصود بالإثبات

الإثبات لفظاً هو المصدر للفعل “ثُبُت”، وفي اللغة يجد له أكثر من مقصد، فيقصد به ضبط الأمر وحفظه، كما يقصد به أيضاً التأكد والتيقن، وإقامة الحجة على الغير، فإذا قيل: أثبت الأمر، أي تيقن منه وأكده، ويقال أثبت الحجة أي بينها وجعلها أكثر وضوحاً[1].

أما في الاصطلاح فإن لفظ “إثبات” متى تم استخدامه على إطلاقه فإنه يستخدم للدلالة على إقامة الحجة بشكل مطلق، بغض النظر عن الجهة التي يتم إقامة تلك الحجة أمامها، سواء كانت جهة قضائية أو غيرها، أو كان ذلك في إطار دعوى قضائية متداولة أو خارج إطارها، أما إذا ما تناولناه في استخدامه المخصص، فسنجد أنه يقصد به إقامة الحجة أمام الجهة القضائية، فيتحول مسماه من الإثبات فقط إلى “الإثبات القضائي”، وهو ما ينقلنا إلى بيان تعريف الإثبات القضائي من وجهة النظر القانونية.

تناول الفقه الإسلامي تعريف الإثبات القضائي على أنه “إقامة الحجة لدى القاضي وفقاً للسبل التي قررتها الشريعة الإسلامية، وذلك عن حق أو واقعة معينة”، كما تعرض إليه أيضاً فقهاء القانون بالتعريف، فعرف لديهم الإثبات القضائي بكونه “إقامة الأدلة لدى القضاء بالوسائل التي ينص عليها القانون، وذلك بشأن تأكيد تحقق واقعة قانونية ما، وما ترتب عليها من آثار”.

وقد كان لشراح النظام في المملكة العربية السعودية مساهمة في تعريف الإثبات القضائي، وذلك باعتباره “إقامة الدليل أمام القضاء بشأن تصرف معين أو واقعة محددة، لجعلها منتجة في الدعوى، وذلك من خلال ما تنص عليه الشريعة الإسلامية والنظام من أحكام وقواعد وإجراءات”[2].

2- المقصود بالكتابة

عملية الإثبات القضائي لا تتم إلا من خلال وسائل محددة بالنظام على سبيل الحصر، وهذه الوسائل هي التي يتم اتباعها في سبيل تأكيد صحة ما يقدمونه من وقائع أمام القضاء، وتحقيق القناعة لدى القاضي بصحتها[3]، ومن أهم تلك الوسائل المستخدمة في ذلك الإثبات هي الكتابة.

والكتابة هي “الخطوط التي يتم رسمها وفقاً لما هو متعارف عليه بشكل معتاد، وذلك في سبيل توثيق الحقوق، لتعد حجة متى قام نزاع حول هذه الحقوق”، لما جاء بقوله عز وجل في كتابه الحكيم ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ (سورة البقرة: الآية 282).

وبالرجوع إلى نظام الإثبات الجديد سنجد أن المنظم السعودي قد انتهج منهجاً محموداً، حيث لم يتعرض للكتابة بالتعريف بصورة مستقلة، ولكنه تعامل مع المحرر بشكل مباشر باعتباره يمثل الدليل الكتابي، وهو أمر مفهوم تماماً، فالكتابة لا وجود لها إلا بوجود جسم مادي تُخَط عليه فتظهر للعيان، والمحرر هو الجسم المادي الذي يضم الكتابة، بغض النظر عن نوع هذا الجسم، وإن كان الوضع المتبع هو أن يكون ذلك الجسم المادي عبارة عن الأوراق التي يتم تحرير الكتابة عليها، لذلك فقد لجأ المنظم السعودي في تعرضه للكتابة إلى تعريف المحررات التي تضم هذه الكتابة، باعتبارهما صنوان لا يفترقان، وسوف نتعرض لتعريف تلك المحررات في موضعه عند التعرض لأنواع المحررات.

2- المقصود بالإثبات بالكتابة

بعد تعريف الإثبات والكتابة، فمن الوهلة الأولى يمكننا أن نعرف الإثبات بالكتابة بأنها العملية التي يتم من خلالها تأكيد صحة واقعة معينة أمام القضاء، وذلك باستخدام المحررات الكتابية بأنواعها كوسيلة لذلك، فعملية الإثبات بالكتابة تختلف عن أي عملية أخرى من عمليات الإثبات سواء في الوسيلة المستخدمة بها، أو في قوة الحجة التي تستخلص منها.

ثانياً: أنواع الكتابة

تتنوع الكتابة في الإثبات بتنوع المحرر الذي يتم تدوينها فيه، فنجد أن هناك نوعين من المحررات، النوع الأول هو المحرر الرسمي، والنوع الثاني هو المحرر العادي.

1- المحرر الرسمي

عرف نظام الإثبات السعودي المحرر الرسمي الذي يمثل الكتابة الرسمية بنص المادة رقم (25/1) منه، حيث ورد بهذا التعريف أن “المحرر الرسمي هو الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن طبقاً للأوضاع النظامية، وفي حدود سلطته واختصاصه”، ومن خلال هذا التعريف يمكننا أن نحدد الشروط اللازم توافرها في المحرر ليعد رسمياً في ثلاث شروط أساسية وهي:

– أن يكون الشخص القائم على تحرير المحرر الرسمي هو شخص يحمل صفة الموظف العام، أو مكلف بأن يؤدي خدمة عامة.

– أن يكون لدى هذا الموظف أو المكلف بأن يؤدي خدمة عامة السلطة والاختصاص التي تمنحه الصفة في إصدار وتحرير مثل هذه المحررات.

– أن يكون تحرير هذا المحرر قد تم طبقاً للأوضاع التي يحددها النظام بشأنه[4].

وقد قرر النظام في الفقرة الثانية من ذات المادة جزاء لتخلف أي شرط كمن الشروط سالفة البيان، حيث قرر أن المحرر الذي يتخلف فيه أحد الشروط اللازم توافرها في المحرر الرسمي يسقط عنه صفة الرسمية، ويصبح في مرتبة المحرر العادي شريطة أن يكون هذا المحرر قد ذُيل بتوقيع من ينسب إليهم من ذوي الشأن فيه، وبالتالي إذا لم يكن موقعاً منهم فلا يعد محرراً رسمياً ولا عادياً، ولكن يمكن اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة.

ومن أهم الأمثلة على المحررات الرسمية الصور الرسمية للأحكام والتي تستخرج من المحكمة وتذيل بختم المحكمة، وعقود البيع التي يتم توثيقها وتسجيلها بالشهور العقارية، وأي مستند رسمي تصدره جهة رسمية مختصة وتمهره بختمها.

2- المحرر العادي

يسميه رجال القانون بالمحرر العرفي أيضاً، ويقصد به المستندات والأوراق التي لم يقم بإصدارها موظف عمومي، كما لم يقم بإصدارها شخص مكلف بأداء خدمة عامة، وبمعنى آخر فالمحرر العرفي هو المحرر الذي لا تتوافر فيه شروط المحررات الرسمية، ولكنه موقع من قبل ذوي الشأن فيه، فهي في الغالب تكون محررة بخط من تنسب إليه وممهورة بتوقيعه عليها، فتعد كما لو كانت إقراراً مكتوباً، والإقرار الكتابي في الفقه الإسلامي يعد بمنزلة الإقرار القولي.

كما أن المحرر العادي قد يصدر في شكل العقود التي يحررها ويبرمها الأفراد فيما بينهم، دون الحاجة إلى اللجوء إلى موظف عام أو إلى أي جهة رسمية، كما هو الحال في عقود إيجار السيارات أو نحوها، ويشترط في هذه المحررات بجانب اشتراط توقيعها ممن تنسب إليهم، أن تكون محررة بالصورة المتعارف عليها من حيث عدم وجود تزوير أو تغيير سواء في مضمونها أو في التواقيع الممهورة بها.

ثالثاً: حجية الكتابة في الاثبات

يعتبر الدليل الكتابي من أكثر وسائل الإثبات أهمية، وذلك لما تمثله من وسيلة نقل للمعرفة وتوصيل للأفكار والمقاصد، لاسيما وأن الكتابة كانت هي الوسيلة التي وصل بها كتاب الله عز وجل إلينا من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، وعلى الرغم من أن جمهور الفقه يرى أن الشهادة أقوى حجية من الكتابة، إلا أن أهمية الكتابة في وقتنا الحالي باتت أكثر أهمية من الشهادة، وذلك نعزيه إلى انتشار الانحراف الخلقي والديني، فزاد أصحاب النفوس الضعيفة ممن يغلب عليهم اتباع أهوائهم، وهو ما تصبح معه شهادة الحق أمراً عزيزاً، ويكون اللجوء فيه إلى الإثبات بالكتابة أكثر انضباطاً وقدرة في الحفاظ على الحقوق.

وتختلف حجية الكتابة باختلاف نوعها، حيث إن المنظم السعودي كغيره من مشرعي القانون في الدول الأخرى لم يساو بين نوعي الكتابة في حجيتهما، ولكنه جعل لكل منهما حجية متفاوتة عن الأخرى، بل وجعل الكتابة العادية – متمثلة في المحرر العادي – مقسمة إلى أكثر من شكل، وفرق بين كل شكل منها في درجة الحجية التي يتمتع بها عن سائر الأشكال الأخرى، وسوف نبين حجية نوعي الكتابة كل على حدة وبشكل مستقل.

1- حجية المحرر الرسمي (الكتابة الرسمية) في الإثبات

قرر نظام الإثبات للكتابة الرسمية متمثلة في المحررات الرسمية الحجية المطلقة في مواجهة الجميع، وهذه الحجية تتعلق بما تم تدوينه وكتابته في هذا المحرر من أمور قام محرره بها في إطار وحدود وظيفته، أو قام بها ذوي الشأن في حضوره، فتكون الكتابة الرسمية هنا حجة على تلك الأمور في مواجهة الجميع، سواء كانت في مواجهة طرفي المحرر أو الغير، فيحتج به منهما كما يحتج به عليهما، ويظل الحال كذلك طالما لم يثبت أن هذا المحرر هو محرر مزور وفقاً لما يقرره النظام.

وبالتالي فالكتابة الرسمية متى لم يثبت تزويرها تعتبر ذات حجية مطلقة في مواجهة الكافة، وعن الأمور والحقوق والبيانات التي تتضمنها، وهو أمر يتفق مع حقيقة أن الجهات الرسمية التي تقوم بإصدار المحررات الرسمية لا توافق على إصداره إلا بعد أن تتيقن من أن البيانات الواردة به صحيحة، سواء كان ذلك بطريق إجراء تحريات دقيقة، أو بشهادة الشهود، أو بالعودة إلى ما تحوزه من دفاتر وسجلات[5].

هذا بالنسبة لحجية أصل المحرر الرسمي، ولكن يثور تساؤل حول الحجية التي تتمتع بها الصورة المأخوذة من هذا الأصل، فهل لصور المحرر الرسمي ذات الحجية التي يتمتع بها أصله أم لا؟ لكي نجيب على هذا التساؤل يجب أن نفرق بين ما إذا كانت الصورة المأخوذة من الأصل الرسمي للمحرر هي صورة رسمية منه، أم مجرد صورة غير رسمية (ضوئية) منه.

فإذا كانت الصورة المأخوذة من أصل المحرر الرسمي هي صورة رسمية، وكان مظهرها الخارجي لا يجعل أي مجال للتشكيك في مطابقتها لأصل المحرر المأخوذة منه، فإن حجية تلك الصورة تختلف بين حالتين، الأولى أن يكون أصل المحرر الرسمي موجود، فعندئذ تكون حجية الصورة الرسمية منه بالقدر الذي تتطابق فيه معه الأصل عند مطابقتها عليه، والحالة الثانية أن يكون أصل المحرر غير موجود كما لو فُقِد مثلاً، فإن الصورة الرسمية المأخوذة منه – متى كان مظهرها الخارجي لا يوحي بأي شك في صحتها – يكون لها ذات الحجية التي يتمتع بها الأصل، فتقوم مقامه ويكون لها نفس حجيته.

أما إذا كانت الصورة المأخوذة من أصل المحرر الرسمي هي صورة غير رسمية (ضوئية أو شمسية)، فإن هذه الصورة لا يكون لها أي حجية في الإثبات، ولكن المنظم جعل الأخذ بها لا يكون على سبيل الإثبات، ولكن على سبيل الاستئناس فقط.

2- حجية المحرر العادي (الكتابة العادية) في الإثبات

قرر المنظم السعودي بعض الأحكام التي تتعلق بحجية الكتابة العادية متمثلة في المحررات العادية في الإثبات، حيث وضع قاعدة عامة، ثم خص كل شكل من أشكال الكتابة العادية ببعض الأحكام الخاصة به.

أ- القاعدة العامة

قرر المنظم السعودي في قانون الإثبات بشأن حجية الكتابة العادية ما يلي:

– المحرر العادي يعتبر صادراً من الشخص الذي يكون هذا المحرر ممهوراً بتوقيعه، فيكون حجة عليه بما تضمنه من حقوق وأمور، إلا أن تلك الحجية تزول متى أنكره من ينسب إليه المحرر، سواء انصب إنكاره هذا على الخط، أو الإمضاء، أو الختم، أو البصمة، وقرر أن أياً منها لا يعود إليه، وأيضاً تزول تلك الحجية متى قام خلفه بإنكار معرفته وعلمه بصدور الخط، أو الإمضاء، أو الختم، أو البصمة ممن تلقى عنه الحق الذي يتعلق به المحرر، ففي تلك الحالات تزول حجية المحرر العادي.

– إلا أن من يتم الاحتجاج في مواجهته بمحرر من المحررات العادية وتطرق إلى موضوعه دون أن ينكره بداية، فلا يحق له أو لخلفه الاحتجاج بما سبق، ويكون المحرر قد أصبح ذو حجية في مواجهته لا يمكنه إنكارها، حيث إن مناقشة موضوع ومضمون المحرر العادي يسقط الحق في إنكاره، مما يمكننا معه اعتبار إنكار المحرر العادي من قبيل الدفوع الشكلية التي يسقط الحق فيها بمجرد التطرق للموضوع.

ب- أشكال المحررات العادية وأحكام حجيتها

أورد نظام الإثبات السعودي بعض النماذج للمحررات العادية، وقرر لكل منها أحكام خاصة بحجيتها، وتتمثل هذه المحررات العادية في:

a– المراسلات بأنواعها   

يقصد بالمراسلات هنا الخطابات والبرقيات وكافة أشكال المراسلة التي تتم بين طرفين، فقد جعل لها المنظم ذات حجية الإثبات التي قررها للمحرر العادي، وذلك في ظل اشتراط شرطين يلزم توافرهما في تلك المراسلات، ويتمثل هذين الشرطين في:

– أن تكون هذه المراسلات مذيلة بتوقيع من أرسلها، أو تكون نسبتها إليه ثابتة.

– ألا يتمكن من أرسالها من إثبات أنه لم يقم بإرسالها، وأنه لم يكلف غيره ليرسلها.

فإذا ما توافر هذين الشرطين يكون لتلك المراسلات حجة عليه مثلها في ذلك مثل حجية المحرر العادي وفقاً لما سبق وأن أشرنا في معرض حديثنا عن القاعدة العامة.

b– دفاتر التجار  

القاعدة المستقرة في عملية الإثبات وأصولها هو أن الشخص لا يمكنه أن يصطنع لنفسه دليلاً ليتمسك به في مواجهة غيره[6]، إلا أنه وعلى سبيل الاستثناء فقد قرر المنظم أن دفاتر التجار التي يتخذونها لقيد معاملاتهم التجارية يمكن أن تعد حجة له وعليه متى كان خصمه الذي يحتج عليه بها تاجراً هو الآخر، حيث قرر المنظم أن دفاتر التاجر لا تعد حجة متى كان خصمه ليس بتاجر، إلا أنه في تلك الحالة جعل ما يرد بها من بيانات بمثابة أساس، يمكن أن تقوم المحكمة باستكماله عن طريق اليمين المتممة متى تراءى لها ذلك، شريطة أن يكون ذلك في معرض إثبات ما يجوز أن يتم إثباته بشهادة الشهود فقط، أما إذا كان ما تنشد المحكمة إثباته لا يجوز أن يثبت بشهادة الشهود، فلا يجوز للمحكمة عندئذ استكمال بيانات الدفاتر باليمين المتممة.

وقد قرر المنظم للدفاتر المنتظمة حجية في الإثبات قررها لصالح التاجر صاحب هذه الدفاتر، وذلك متى كان يتمسك بها في مواجهة تاجر آخر، ويمكن لخصمه التاجر أن يثبت ما يخالفها بجميع وسائل الإثبات والتي من ضمنها دفاتره المنتظمة باعتباره هو الآخر تاجر.

أما بالنسبة للتاجر ذاته فإن دفاتره سواء كانت منتظمة أو غير منظمة، وسواء كان خصمه تاجر أو غير تاجر، فإن ما يرد بدفاتره تلك يعد حجة عليه، حيث إنه وإن كان لا يجوز للشخص اصطناع دليل لنفسه، فلا يوجد ما يمنع من اتخاذ هذا الدليل الذي اصطنعه ليكون عليه.

والخلاصة أن دفاتر التجار لا تتمتع بحجية في الإثبات إلا في إطار العلاقات التي بين التجار فقط دون غيرهم، ولكنها تصلح دائماً لتكون حجة على التاجر في الإثبات.

c– الأوراق والدفاتر الخاصة  

يقصد بها الدفاتر والأوراق التي لا يتمتع صاحبها بصفة التاجر، فهي دفاتر وأوراق عادية يكتب فيها صاحبها كتابة عادية وغير رسمية، وهذه المحررات العادية قرر لها المنظم حجية في الإثبات على من حررها لصالح مدينه، ولكنه اشترط في ذلك شرطين وهما:

– أن يكون قد أثبت بها بشكل صريح أنه قد تقاضى دينه.

– أن يكون قد أثبت فيها بشكل صريح أن قصده من تحريرها هو أن تكون بمنزلة السند لمن أثبتت له حقاً.

فعلى سبيل المثال لذلك أن يموت زيد، ويجد ورثته ضمن أوراقه دفتر محرر فيه ما يفيد أنه تقاضى دينه لدى مدينه بكر، وأنه حرر ذلك السند ليكون مثبتاً لهذا الوفاء، فعندئذ يكون ما حرره بمثابة مخالصة يحتج بها عليه وعلى ورثته من قبل بكر، طالما أنها كانت موقعة من زيد.

أما إذا توافر الشرطين السابقين دون أن يكون المحرر مذيل بتوقيع محرره، فيكون له الحق عندئذ أن يثبت خلاف ما ورد بالمحرر بجميع طرق الإثبات.

رابعاً: حالات يجب الإثبات فيها بالكتابة

قيد المنظم بعد التصرفات في شأن إثباتها، بحيث جعل الوسيلة الوحيدة التي يمكن اللجوء إليها في ذلك هي الكتابة دون غيرها من سائر وسائل الإثبات الأخرى، وسنورد حالتين يمثلا أهم هذه الحالات:

– الحالة الأولى: هي الحالة التي نص عليها المنظم في قانون الإثبات الجديد بمادته رقم (66/1)، والتي أوجب فيها المنظم اللجوء إلى الكتابة دون غيرها لإثبات أي تصرف تجاوز قيمته مبلغ مائة ألف ريال، فإذا كان التصرف المراد إثباته يزيد عن ذلك المبلغ أو ما يعادله بأي عملة أخرى، أو كان غير محدد القيمة فيعد مجاوزاً لهذا المبلغ، فلا يجوز إثباته بأي طريق من طرق الإثبات إلا عن طريق وحيد وهو الدليل الكتابي.

– الحالة الثاني: هي الحالة التي نص عليها المنظم في قانون الشركات بمادته رقم (12)، حيث قرر أن عقد تأسيس الشركة وأي تعديل عليه يجب أن يكون مكتوباً، واستثنى من ذلك شركة المحاصة فقط، والتي جعل إثبات عقدها والتعديلات التي تدخل عليه بكافة طرق الإثبات المختلفة، ولكن في شأن باقي الشركات جعل الكتابة فقط هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها إثبات وجود عقد الشركة، وإثبات أي تعديل يزعم بوجوده.

خامساً: نماذج لأحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

– حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 4012 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 4/12/1442هـ، والمتضمن أنه (ولما كانت المدعية والمدعى عليها تاجرين والدعوى بسبب أعمالهما التجارية فإن الاختصاص منعقد لهذه المحكمة بناء على الفقرة الأولى من المادة السادسة عشر من نظام المحاكم التجارية ، ولما أقرت المدعى عليها في مذكرتها التي أرفقتها في (تبادل المذكرات) في تاريخ ٢٩-١٠-١٤٤٢ بإقرار صريح بأن في ذمتها المبلغ الذي ادعت به المدعية ، والإقرار بالكتابة حجة يعتد بها، ……..، حكمت الدائرة بإلزام المدعى عليها بأن تسلم للمدعية حالاً مبلغا وقدره سبعون ألفا ومائتين وسبعة وأربعون ريالا وخمسون هللة).

– حكم المحكمة التجارية بمكة المكرمة رقم 450 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 9/8/1442هـ، والتضمن أنه (وبما أن المدعي وكالة قدم مطابقة رصيد بختم وتوقيع منسوب للمدعى عليه، وبما أن المطابقة التي قدمها وكيل المدعية حجة كافية في إثبات المبلغ المدعى به، إذ إن الكتابة حجة شرعية على المختار لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ)، ولا شك أن المصادقة أقوى حجة وأبلغ إثباتا من مجرد الكتابة فقط).

– حكم المحكمة التجارية بالدمام رقم 3426 لسنة 1440هـ والصادر بجلسة 9/4/1442هـ، والتضمن أنه (عدم جواز الأخذ بالشهادة متى تضمنت خلاف ما اشتمل عليه الدليل الكتابي، كما لو نص العقد المكتوب على أن ثمن محدد، بينما تضمنت الشهادة قدراً آخر من الثمن، فالعبرة بما قضى به الدليل الكتابي، وذلك نظراً لأن الدليل الكتابي أقوى من الشهادة من جهة قدرة الدليل الكتابي على البقاء والحفظ، بخلاف الشهادة التي تنسى مع مرور الزمن).

سادساً: الخاتمة

لم يشكك المنظم السعودي بنظام الإثبات الجديد في حجية الكتابة في الإثبات، بل قرر للكتابة ما تقرره سائر قوانين الإثبات الأخرى من حجية تفوق حجية شهادة الشهود، وقد أصاب المنظم السعودي في ذلك، حيث إن الكتابة يمكنها أن تحفظ الحقوق حتى ولو مات الشهود، فهي لا تبلى ولا تموت، ولكن تظل دليلاً على ما تتضمنه من حقوق، لذلك فإننا وبعد أن تناولنا الإثبات بالكتابة في النظام السعودي الجديد، يمكننا وبكل ثقة أن ندعم ما قرره بشأن حجية الكتابة كطريق من طرق الإثبات، ونرى أن ذلك النظام سيؤتي ثماره وسيحقق الأهداف المنشودة منه

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – محمد بن منظور – معجم لسان العرب – ط3 – دار صادر – لبنان – 1414هـ – الجزء الثاني – ص 19 وما يليها.

[2] – محمود عبد السلام وافي – طرق الإثبات وقضاء التنفيذ في النظام السعودي – ط1 – دار جوهرة العلوم – الرياض – 2018 – ص15.

[3] – محمد قاسم ومحمد الفقي – أساسيات القانون – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 2003 – ص234.

[4] – أنور العمروسي – أصول المرافعات الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 1983 – فقرة رقم (318).

[5] – عوض أبو بكر – نظام الإثبات في الفقه الإسلامي – مجلة الجامعة الإسلامية – مج (16) – ع (62) – المدينة المنورة – بدون عام نشر – ص115.

[6] – أحمد نشأت – رسالة الإثبات – دار الفكر العربي – مصر – 1970 – ج1 – ص453.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.