العقد شريعة المتعاقدين وفق النظام السعودي

العقد هو الدستور الحاكم للعلاقة القانونية التي تربط المتعاقدين ببعضهما، حيث بموجبه تتحدد حقوق والتزامات كل طرف من أطراف العقد وفقاً لما توافقت عليه إرادتهما، فمنذ اللحظة التي يتلاقى فيها إيجاب وقبول أطراف العقد يعتبر العقد نافذاً ملزماً مرتباً كافة آثاره القانونية، فلا يجوز لأي من أطرافه التحلل من الالتزامات التي يحملها العقد أو تعديلها إلا بتراضي كافة الأطراف على ذلك. ذلك أن الإرادة المشتركة التي أبرمت العقد وأنشأت الالتزام هي القادرة على إنهائه أو تعديله.

إلا أن تلك القاعدة السابقة لا تسري على إطلاقها، فهناك حالات يتم فيها الخروج على قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” حيث إن النظام القانوني يحمل بعض الاستثناءات التي بموجبها قد يتم تعديل أو إنهاء العلاقة التعاقدية دون الحاجة إلى توافق الإرادات التي أنشأت العقد.

وفي هذا المقال سنتولى بيان ماهية قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” والاستثناءات التي ترد عليها وفقاً لما يلي:

أولا: التعريف بالعقد وبيان أركانه:

العقد هو توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني معين، سواء أكان هذا الأثر هو إنشاء التزام، أو نقله، أو تعديله، أو إنهاؤه،[1] فالعقد إذن يُعد أحد المصادر التي يترتب عليها إنشاء التزامات على عاتق أطرافه، بحيث يتعذر التحلل من تلك الالتزامات أو تعديلها إلا باتفاق الأطراف المنشئين للعقد.

ولقد عُرف العقد في الشريعة الإسلامية بأنه: ” ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه، ويترتب على العقد التزام كل واحد من العاقدين بما وجب به للأخر “.[2]

وحتى ينشأ العقد صحيحاً فلابد أن تكتمل أركانه التي اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على أنها العاقد والمعقود عليه وصيغة العقد، فالعقاد يقصد به طرفي العقد ويجب أن يكون كل منهما قادراً على التعبير عن إرادته وذلك بأن يكون بالغاً لسن الرشد القانوني، وأن تكون إرادة كل منهما حرة غير مشوبة بأي عيب من عيوب التراضي، أما المعقود عليه فهو محل العقد أو الشيء الذي يتم التعاقد عليه والذي قد يكون شيئاً عينياً مثل السيارة أو الدار أو أن يكون منفعة مثل السكنى وقد يكون ديناً مثل السلم، أما صيغة العقد فيتم التعبير عنها بالإيجاب الصادر من أحد طرفي العقد والقبول الصادر من الطرف الآخر والذي يجب أن يكون مطابقاً للإيجاب، حيث أن اقتران الإيجاب والقبول على تلك الصورة يؤدي إلى انعقاد العقد وسريان الآثار المترتبة عليه.

وهناك صورة أخرى لصيغة العقد والتي يُطلق عليها ” المعاطاة ” وهي تتم بالفعل لا بالقول، كأن يأخذ المشتري المبيع ويعطي البائع الثمن دون أن يكون هناك اتفاق لفظي بينهما، ولقد ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن العقد ينعقد بالمعاطاة طالما وجدت قرائن تفيد تراضي كل من الطرفين على إبرام التعاقد، في حين ذهب الشافعية إلى عدم جواز إبرام العقد بالمعاطاة.[3]

ثانياً: مضمون قاعدة العقد شريعة المتعاقدين:

1- مضمون القاعدة في مرحلة إنشاء العقد:

تعني قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” أن المتعاقدين لهم الحرية الكاملة في تكوين العقد وتحديد الآثار المترتبة على إبرامه وسريانه، حيث لا يتقيد المتعاقدين بصور معينة للعقود فلهم إنشاء ما شاءوا من العقود سواء أكانت منظمة من قبل الشرع أو القانون أو غير منظمة.

وهذا ما ترتب عليه أن الفقه يفرق بين نوعين من تقسيمات العقود وهما: العقود المسماة والعقود الغير مسماة، فالعقود المسماة هي تلك الطائفة من العقود التي وضعت لها أحكام مفصلة تبين حقوق والتزامات كل من أطرافها، وسبب تنظيم أحكام تلك الطائفة من العقود كثرة العمل بها واعتياد الأشخاص على إبرامها مثل عقود البيع والإجارة والوكالة، أما العقود الغير مسماة فهي تلك الطائفة من العقود التي لم توضع لها أحكام تفصيلية، ولكن يُطبق عليها الأحكام والقواعد العامة المتعلقة بنظرية العقد، فهي عقود صحيحة ملزمة لأطرافها ولكن ليس لها تنظيم مبوب على عكس العقود المسماة، ومن أمثلة تلك العقود عقد العلاج الطبي أو عقد النزول في فندق.

ولكن من الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه على الرغم من وجود أحكام تفصيلية للعقود المسماة إلا أن المتعاقدين المبرمين لتلك الطائفة من العقود يستطيعون الاتفاق على عكس ما أورده القانون من أحكام منظمة لها، حيث إنه في هذا الصدد يجب التفرقة بين نوعين من القواعد القانونية وهما:

1- القواعد الآمرة:

وهي تلك القواعد التي لا يجوز للأطراف الاتفاق على ما يُخالفها، وحال اتفاقهم على عكس ما تضمنته تلك القواعد يُصبح اتفاقهم باطل مجرد من ثمة أثر قانوني، ومن أمثلة تلك القواعد وجوب أن يكون محل العقد غير مُخالف للنظام العام أو للشريعة الإسلامية، بحيث إذا اتفق المتعاقدين على إبرام تعاقد وكان محله مما يُخالف الشريعة الإسلامية لكان العقد باطلاً ولا يُعتد في هذه الحالة باتفاق الطرفين، لأن اتفاقهما خالف أحد أحكام القواعد الآمرة.

2- القواعد المكملة:

وهي قواعد مكملة لاتفاق الطرفين غير ملزمة لهم، لا يظهر إلزامها إلا إذا لم يتفق الأطراف على خلاف ما تضمنته من أحكام، أما إذا اتفقوا على أحكام عكس ما ورد بتلك القواعد لكان لتفاقهم هو الواجب إعماله، فمثلاً من القواعد المكلمة أن ثمن المبيع يجب دفعه فور إبرام التعاقد، ولكن يجوز للمتعاقدين الاتفاق على تأجيل دفع الثمن إلى أجل مسمى بينهم، أو الاتفاق على دفعه في صورة أقساط دورية، وكذلك من القواعد المكملة أن تسليم المبيع إذا كان معيناً بالذات وجب أن يكون في المكان الذي وجد فيه المبيع لحظة إبرام التعاقد، إلا أن المتعاقدين لهم حرية تحديد مكان التسليم وفقاً لما تتوافق عليه إرادتهما.

2- مضمون القاعدة في مرحلة تنفيذ العقد:

قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” تعني أنه طالما تم إبرام العقد فلا يجوز لأي من طرفي العقد بإرادته المنفردة أن يعدل أي من الآثار المترتبة على العقد، فلا يجوز لأي من الطرفين تعديل الثمن المتفق عليه أو تعديل كيفية دفع الثمن أو تعديل أوصاف المبيع أو تعديل مدة التعاقد، حيث إن تلك الآثار لا يجوز تعديلها إلا إذا اتفق الأطراف على هذا التعديل بالإجماع.

وهذا ما يعني أنه لو افترضنا أن هناك عقد متعدد الأطراف كأن يكون عقد إيجار مبرم بين عدة أطراف بوصفهم ملاك للعين المؤجرة وعدة أطراف بوصفهم مستأجرين، فإنه لا يجوز تعديل المدة المتفق عليها إلا بإجماع جميع الأطراف سواء أكانوا المؤجرين أم المستأجرين، حيث إن رفض أحد منهم جدير بهدم مشروع تعديل العقد برمته.

3- مضمون القاعدة في مرحلة إنهاء العقد:

وكذلك تشير قاعدة ” العقد شريعة المتعاقدين ” إلى أنه لا يجوز إنهاء العقد إلى بتنفيذه أو بانقضاء مدته التي تم الاتفاق عليها، حيث لا يجوز لأي من أطرافه أن يقرر إنهاء العقد بإرادته المنفردة، فهذا من شأنه أن يُلقي على عاتقه مسئولية التحلل من الالتزامات التعاقدية التي تودي به إلى إلزامه بتنفيذ العقد والحكم عليه بالتعويض حال تسبب امتناعه عن التنفيذ في الإضرار بالمتعاقد الآخر.

وعلى الجانب العكسي، فإذا انتهت مدة العقد فلا يجوز لأي من أطرافه التمسك بتجديدها مالم يصدر قبول من الطرف الأخر على هذا التجديد، حيث لا يجوز إلزام أي من أطراف العقد بالاستمرار في تنفيذه حال انقضاء المدة التي تم الاتفاق عليها ابتداءً.

ثالثاً: الآثار المترتبة على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين:

1- فيما يتعلق بالالتزامات والحقوق الناشئة عن العقد:

أ- أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين:

إذا تم إنشاء العقد صحيحاً مكتملاً الأركان ومستوفياً الشروط فإنه يكون ملزم لكلا المتعاقدين، فلا يجوز لأي منهم التحلل من الالتزامات التي يرتبها العقد، فإذا تقاعس أحد المتعاقدين عن تنفيذ الالتزامات المنوط به تنفيذها جاز للطرف الأخر إلزامه بتنفيذها من خلال اللجوء إلى القضاء الذي يجبره على التنفيذ العيني إذا كان ممكناً، أما إذا أصبح التنفيذ العيني مستحيلاً بفعل المدين – أي الطرف المتقاعس عن التنفيذ – فإنه يتم اللجوء إلى التنفيذ عن طريق الحكم عليه بالتعويض الجابر للضرر الذي لحق بالطرف الآخر جراء عدم تنفيذ الالتزامات المترتبة على إبرام العقد.

ب- أثر العقد بالنسبة للخلف العام:

القاعدة العامة أن العقد لا يلزم سوى أطرافه استنادا ً إلى مبدأ ” نسبية آثار العقد “، إلا أن معنى أطراف العقد لا يقتصر على كل من المتعاقدين فقط، بل يمتد ليشمل خلفهم العام، والخلف العام هو من يخلف الشخص في ذمته المالية، أي يرثه في كل حقوقه وفي كل التزاماته،[4] وذلك مثل الوارث أو الموصى له بجزء من التركة.

ومن ثم فإن العقد يكون ملزماً للورثة سواء أكانوا عاملين بالعقد أم جاهلين بإبرامه، وسواء أكانوا راضيين عنه أم رافضين لإبرامه، فطالما ثبت أن مورثهم هو من أبرم هذا العقد فإن ذلك من شأنه أن ينقل الآثار المترتبة على العقد إلى الورثة ويكونوا ملزمين بتنفيذ الالتزامات الناشئة عن إبرام هذا العقد.

فالقاعدة أن العقد لا ينقضي بوفاة أحد المتعاقدين، بل تنصرف آثاره إلى ورثة الشخص المتوفي، ولكن هناك استثناءات قد ترد على هذه القاعدة وذلك كأن يتفق المتعاقدين على أن ينتهي العقد بوفاة أي منهم أو أن يكون العقد من العقود المبنية على الاعتبار الشخصي.

ج- أثر العقد بالنسبة إلى الخلف الخاص:

الخلف الخاص هو كل من يخلف سلفه في ملكية شيء مادي أو معنوي كالمشتري أو الموهوب له أو الموصى له بمال معين، والأصل أن العقد لا ينصرف إلى الخلف الخاص، إلا أن هناك عدة شروط إذا توافرت لكان من شأن ذلك أن يلتزم الخلف الخاص بالعقود التي أبرمها السلف، وتلك الشروط هي:[5]

– أن يكون عقد السلف متعلق بالمال الذي انتقل إلى الخلف الخاص، كأن يكون عقد إيجار صادر من السلف لذات العين التي تم بيعها إلى الخلف.

– أن يكون عقد السلف سابق على العقد الذي انتقلت به ملكية الشيء إلى الخلف.

– أن تكون الحقوق والالتزامات الناشئة عن عقد السلف من مستلزمات الشيء الذي انتقل إلى السلف، وذلك كأن يكون العقد الذي أبرمه السلف من شأنه حفظ الشيء أو أن يكون العقد الذي أبرمه السلف من العقود الداخلة في سلطاته على الشيء المبيع مثل العقود التي من شأنها تمكين السلف من استغلال الشيء المبيع كعقد الإيجار مثلاً.

– أن يتحقق علم الخلف وقت إبرام العقد الذي ينقل إليه الملكية بالعقود التي أبرمها سلفه على محل العقد.

وبناءً على ذلك فإذا توافرت الشروط السابقة لكان الخلف الخاص ملتزماً بكافة الالتزامات التي كان سلفه ملتزماً بها، فإذا كنا بصدد بيع لمحل تجاري، وكان البائع بموجب العقد الذي انتقلت به إليه ملكية المحل ملتزماً بعدم المنافسة، فإن ذلك يعني أن المشتري يصبح ملتزماً هو الأخر ملتزماً بعدم المنافسة، ولا يجوز له في هذه الحالة الاحتجاج بأنه لم يكون طرفاً في عقد البيع الأول الذي نقل الملكية إلى البائع.

د- أثر العقد بالنسبة للغير:

الغير هو كل من لم يكن طرفاً في العقد ولا من الخلف العام أو الخلف الخاص، والقاعدة أن العقد لا يرتب ثمة أثر بالنسبة إلى الغير، حيث لا يثقله بالتزام ولا يكسبه حق، إلا أنه من الممكن أن يكتسب الغير حقوقاً من العقد الذي لم يكن طرفاً فيه وذلك من خلال التعهد عن الغير أو الاشتراط لمصلحة الغير حال توافر شروط كل منهما.

2- فيما يتعلق بتفسير العقد:

لا يتم إثارة إشكالية تفسير العقد إلا إذا اكتنف الغموض بعض عبارات العقد الأمر الذي يترتب عليه حدوث نزاعات بين الأطراف حول معنى تلك العبارات، لأن اختلاف المعنى من شأنه أن يغير من الالتزامات إما بزيادتها أو بإنقاصها.

والأصل أن يتم تفسير العقد على ضوء الإرادة المشتركة لأطراف العلاقة التعاقدية، حيث إنه في هذه الحالة يتم البحث عن النية المشتركة لأطراف العقد دون التقيد بالمعنى الحرفي للعبارات الواردة به، ففي هذه الحالة يتعين على القاضي أن يبحث في مكنون نية المتعاقدين ليتمكن من إضفاء التفسير السليم للعبارات الغامضة التي انطوى عليها العقد، ويمكن للقاضي في هذه الحالة أن يبحث عن تلك النية من خلال الاسترشاد بعدة عوامل منها طبيعة التعامل أو العرف الجاري.

ويُلاحظ أنه عند الشروع في تفسير العقد فإن هناك بعض المبادئ الواجب إعمالها، ومن أهم تلك المبادئ وجوب أن يُفسر الشك لمصلحة المدين، حيث إنه إذا كان البند الغامض محل التفسير بفرض التزاماً على أحد المتعاقدين أو يُشدد من مسئوليته فإن الشك في مدلول هذا البند يجب أن يُفسر لمصلحة المدين.

ولكن تجدر الإشارة إلى أن إعمال قاعدة تفسير الشك لمصلحة المدين لا يتم اللجوء إليها إلا إذا تعذر ترجيح معنى معين للعبارة، حيث إذا اشتملت العبارة الواردة بالعقد على أكثر من معنى وتعذر ترجيح أي منهم على الآخر لأدى ذلك إلى إعمال قاعدة تفسير الشك لمصلحة المدين، أما إذا أمكن من خلال البحث عن النية المشتركة لطرفي العقد ترجيح معنى على أخر لوجب إعمال هذا المعنى حتى ولو كان يسيء من مركز المدين.

وهذه القاعدة لا يتم إعمالها في عقود الإذعان، حيث إنه في تلك الأنواع من العقود فإن الشك يفسر لمصلحة الطرف المُذعَن – أي الطرف الضعيف – سواء أكان هو الدائن أم المدين.

رابعاً: الاستثناءات الواردة على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين:

1- إنهاء العقد بالإرادة المنفردة:

وفقاً لما بيناه سابقاً، فإنه بإعمال قاعدة العقد شريعة المتعاقدين يتعذر على أحد طرفي العقد إنهائه بإرادته المنفردة، ذلك أن الإرادات التي أنشأت العقد هي القادرة على إنهائه أو تعديله، ولكن هناك بعض الحالات التي يكون فيها لأي من طرفي العقد إنهائه بالإرادة المنفردة، وهذه الحالات هي:

أ- وجود شرط في العقد يجيز لأحد المتعاقدين إنهائه بالإرادة المنفردة، حيث قد يتم الاتفاق في عقد الإيجار – مثلاً – على أن تكون مدة العقد خمس سنوات، على أن يكون للمستأجر إنهاء العقد شريطة إخطار المؤجر بذلك في مدة معقولة.

ب- هناك بعض الحالات التي يكون فيها لأي من المتعاقدين إنهاء العقد بالإرادة المنفردة دون الحاجة إلى النص على ذلك، كما هو الشأن في عقود الوكالة التي يجوز إنهائها بالإرادة المنفردة، أو عقد العمل غير محدد المدة، حيث يكون للعامل إنهائه بإرادته المنفردة.

ج- إذا وقع المتعاقد في غبن، فإن فقهاء الشريعة الإسلامية أجازوا له إعمال خيار الغبن وإنهاء العقد بالإرادة المنفردة.

2- إنهاء العقد بقوة القانون:

ذكرنا سابقاً أن وفاة أحد المتعاقدين لا يؤدي إلى انتهاء العقد وإنما ينصرف إلى الخلف العام الذين يظلون ملتزمين بتنفيذ العقد وتنفيذ الالتزامات الناشئة عنه، إلا أن هناك عقوداً تقتضي طبيعتها انقضائها بمجرد وفاة أحد المتعاقدين، وذلك حال كون شخصية المتعاقد الذي وافته المنية محل اعتبار في العقد، وذلك كما هو الحال إذا توفي المزارع في عقد المزارعة أو وفاة المحامي في عقد الوكالة بالخصومة أو وفاة الطبيب المعالج في عقد العلاج.

3- تعديل العقد بواسطة القاضي:

يقتضي إعمال قاعدة العقد شريعة المتعاقدين أنه لا يجوز للمتعاقدين ولا للقضاء – كقاعدة عامة – الحق في تعديل أحكام العقد، فما تم الاتفاق عليه بين المتعاقدين وجب إعماله وتنفيذه إما طواعية وهذا هو الأصل أو جبراً حال الإخلال بالتنفيذ.

إلا أن هناك يكون للقضاء حق التدخل وتعديل العقد نزولاً على اعتبارات العدالة واعتبارات الصالح العام، ومن تطبيقات ذلك منح المدين أجلاً إضافياً للوفاء إذا تبين للقاضي أن الظروف التي أحاطت به هي التي حالت دون تمكنه من سداد الدين، وأن إعطائه أجل لن يضر الكثير بمصلحة الدائن، وهذا ما هو إلا إعمالاً لقول المولى عز وجل: ” وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ “.[6]

وأيضاً جواز تدخل القضاء لتعديل قيمة الشرط الجزائي حال تبين أنه مبالغاً فيه إلى حد كبير، وكذلك أحقية القاضي في تعديل البنود المجحفة بحق الطرف الضعيف في عقود الإذعان، وأيضاً تتبدى سلطة القاضي في تعديل بنود العقد حال أن طرأت ظروف طارئة أثناء تنفيذ العقد أدت إلى إحداث خليل جسيم بين التزامات كل من الطرفين، ففي هذه الحالة يكون للقاضي الحق في التدخل والعمل على إعادة التوازن بين الالتزامات مرة أخرى، وذلك إما بزيادة التزامات الدائن أو بتخفيض التزامات المدين أو وقف تنفيذ العقد إلى حين انتهاء الظروف الطارئة.

حيث ورد في مجموعة المبادئ الشرعية والنظامية – ديوان المظالم – القرار رقم 3/ت لعام 1401هـ جلسة 4/1/1401هـ القضية رقم 291/2/ق لعام 1395هــ 2) – أن مفاد نظرية الظروف الطارئة أنه إذا طرأت أثناء تنفيذ العقد ظروف أو أحداث لم تكن متوقعة عند إبرام العقد فقلبت اقتصاداته وألحقت بالمتعاقد خسارة جسيمة تجاوز الخسارة العادية المألوفة، فإن من حق المتعاقد المضار أن يطلب من جهة الإدارة المتعاقدة معه مشاركته في هذه الخسارة التي يتحملها فتعوضه تعويضاً جزئياً.

4- انفساخ العقد بقوة القانون:

يترتب على هلاك محل العقد بقوة قاهرة انفساخ العقد بقوة القانون وتحلل المدين من التزاماته، إلا أن ذلك رهين أن يكون محل العقد قد هلك بقوة قاهرة، كأن يكون العقار المستأجر انهار بفعل عوامل الطبيعة كالزلازل – مثلاً – ففي هذه الحالة يترتب على انهيار العقار المؤجر انقضاء عقود الإيجار المبرمة بشأنه حتى ولو لم تنته مدتها بعد.

أما إذا كان هلاك محل الالتزام راجع إلى خطأ المدين ففي هذه الحالة، وإعمالاً لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين فإن المدين ملزم بأن ينفذ العقد تنفيذاً عينياً إن كان ذلك ممكناً، فإن استحال التنفيذ العيني نتيجة لهلاك محل العقد بفعل المدين فإنه يكون ملزماً بتعويض الدائن تعويضاً جابراً لما لحقه من ضرر.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الأستاذ الدكتور/ رمضان أبو السعود، مصادر الالتزام، 2018، دار الجامعة الجديدة، ص 15.

[2] أنظر المادة 262 من مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان لقدري باشا.

[3] أنظر الهوساوي، سلمى بنت محمد صالح، نظرية العقد، 2014، ص 71.

[4] وفيق علي المقابلة، قاعدة العقد شريعة المتعاقدين والاستثناءات التي ترد عليها: دراسة مقارنة، 1994، ص 51.

[5] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، النظرية العامة للالتزام، 2017، دار الجامعة الجديدة، ص 334 وما بعدها.

[6] سورة البقرة، الآية 280.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.