عقد الكفالة في النظام السعودي

يسعى الدائن إلى الحصول على تأمينات من مدينه حتى يطمأن إلى تمكنه من الحصول على دينه وقت استحقاق الدين، وتختلف التأمينات التي يستطيع أن يحصل عليها الدائن وتتنوع إلى تأمينات عينية وتأمينات شخصية وتأمينات مختلفة – أخرى – غير مسماة.

وتُعد الكفالة واحدة من أهم التأمينات التي يحصل عليها الدائن لضمان حصوله على دينه، إذ بمقتضى عقد الكفالة تُضَم ذمة مالية أخرى – وهي ذمة الكفيل – إلى جانب ذمة المدين لضمان الوفاء بالدين، بحيث إذا امتنع المدين عن الوفاء وقت الاستحقاق جاز للدائن أن يرجع على الكفيل ويقتضي منه الدين.

وعقد الكفالة باعتباره أحد العقود التأمينية له بعض الخصوصية التي تميزه عن غيره من العقود الأخرى، وفي مقالنا الحالي سنتولى بيان ماهية عقد الكفالة مع بيان أحكامه القانونية وذلك على النحو التالي:

أولاً: تعريف عقد الكفالة:

الكفالة هي عقد يبرم بين كل من الدائن والكفيل، يتعهد بمقتضاه الأخير بأن يفي بالتزام المدين إن لم يف به هذا المدين، ولقد عرف الحنابلة الكفالة بأنها: ” التزام من يصح تبرعه وهو الحر غير المحجور عليه أو التزام مُفلس برضاهما أي من يصح تبرعه والمفلس ديناً وجب على غيره مع بقاء الواجب على الغير “.[1]

فالكفالة إذن هي عقد يتم إبرامه بين كل من الدائن والكفيل حيث لا يكون المدين طرفاً في هذا العقد، بل ولا يُشترط موافقته على إبرام عقد الكفالة، بل وقد يتم إبرام عقد الكفالة دون علمه أو بعلمه ومعارضته على إبرام هذا العقد.

إلا أن العلاقة ليست منبتة بين المدين وعقد الكفالة، ذلك أن محل عقد الكفالة هو ضمان التزام المدين في مواجهة الدائن، حيث يكون الكفيل ملتزماً بالوفاء بدين المدين إذا امتنع الأخير عن الوفاء في الميعاد المتفق عليه في عقد الدين الأصلي.

وينبني على ذلك أن التزام الكفيل ما هو إلا التزام تابع لالتزام المدين، ويترتب على ذلك أن التزام الكفيل يتأثر بكل ما يطرأ على التزام المدين – كقاعدة عامة – بحيث يكون التزام الكفيل تابع لالتزام المدين في صحته، وانقضائه، وبطلانه، وأوصافه.

وطالما كان التزام الكفيل التزاماً تابعاً للالتزام الأصلي وهو التزام المدين فإن ذلك يترتب عليه نتيجة غاية في الأهمية وهي أن التزام الكفيل لا يجوز – بأي حال من الأحوال – أن يكون أشد من التزام المدين، ولكن على العكس من ذلك يجوز أن يكون التزام الكفيل أخف من التزام المدين على نحو ما سنوضحه لا حقاً.

إلا أن تبعية التزام الكفيل لالتزام المدين أثارت تساؤلاً مؤداه، هل يُعد التزام الكفيل التزام موصوف بكونه مُعلق على شرط واقف وهو عدم وفاء المدين لما عليه من التزام في مواجهة المدين؟

والإجابة على هذا التساؤل تأتي بالنفي، ذلك أن التزام الكفيل هو التزام بات يترتب في ذمة الكفيل بمجرد إبرام التعاقد بينه وبين الدائن، إلا أن التزام الكفيل يوصف بأنه ذي صفة احتياطية حيث يكون الكفيل ملتزماً من الدرجة الثانية، حيث لا يتم الرجوع عليه إلا بعد سبق الرجوع على المدين أولاً.[2]

ثانياً: خصائص عقد الكفالة:

تتسم الكفالة بعدة خصائص تتمثل فيما يلي:

1- الكفالة عقد من عقود الضمان الشخصي:

فالضمانات – أو التأمينات – تنقسم بدورها إلى نوعين وهما التأمينات الشخصية والتأمينات العينية، ففي التأمينات العينية يكون المدين ملتزماً بتقديم عين تكون ضامنة للوفاء بديونه، فإذا كنا بصدد عقد رهن رسمي لكان المدين ملتزم بتقديم عقار كضمان للوفاء بما عليه من دين للدائن، أما إذا كنا بصدد رهن حيازي فإن المدين قد يقوم بتقديم عقاراً أو منقولاً كضمان للوفاء بما عليه من دين. أما التأمينات الشخصية والتي تتمثل في الكفالة فهي تعني أن يقوم المدين بتقديم شخص آخر يلتزم بالوفاء بالدين حال تقاعس المدين عن سداد الدين في الموعد المحدد في عقد الدين الأصلي.

فعقد الكفالة بتلك الصورة يعتبر ضماناً للدائن، يقيه إعسار المدين وقت استحقاق الدين، حيث يستطيع في تلك الحالة أن يرجع على الكفيل ويتقاضى منه الدين بالاستناد إلى عقد الكفالة المبرم بينه وبين الكفيل.

مع ضرورة الإشارة إلى أن هُناك نوعاً أخر من الكفالة وهي الكفالة العينية، والتي يكون فيها الكفيل ملزماً بتقديم عقار ضماناً للوفاء بدين المدين، ولكن بعض الفقهاء وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري يستبعد تلك الصورة من الكفالة من نطاق عقد الكفالة، وذلك لكون الكفيل العيني يُعد من الناحية الواقعية راهناً وليس كفيلاً.

2- عقد الكفالة عقد رضائي:

حيث ينعقد عقد الكفالة بمجرد تلاقي إرادتي كل من الدائن والكفيل دون حاجة إلى إفراغ العقد في شكل مُعين، فالعقد يُعد مبرماً منذ اقتران إيجاب وقبول أطرافه، ولا يقدح في رضائية عقد الكفالة تطلب بعض القوانين المقارنة أن يتم إثبات عقد الكفالة بالكتابة كما هو الحال في القانون المصري، ذلك أن تلك الكتابة تُعد متطلبة – فقط – للإثبات دون الانعقاد.

وبمطالعة أحكام مجلة الأحكام العدلية يتجلى لنا أنها لم تشترط شكلاً معيناً لإبرام عقد الكفالة، حيث قررت في (المادة 621) منها بأنه: ” تنعقد الكفالة بإيجاب من الكفيل وحده “، وهو ما يعني – وفقاً لأحكام المجلة – أن عقد الكفالة ينعقد بمجرد تحقق رضاء الكفيل وحده دون حاجة إلى ثمة إجراء آخر.

3- عقد الكفالة عقد ملزم لجانب واحد:

فالكفيل وحده هو الذي يلتزم بعقد الكفالة لوفاء الدين للدائن إن لم يفِ به المدين الأصلي، أما الدائن فلا يلتزم بشيء نحو الكفيل. وهذا هو الأصل، ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون الكفالة عقداً ملزماً للجانبين إذا التزم الدائن نحو الكفيل بدفع مقابل في نظير كفالته للدين.[3]

4- عقد الكفالة من عقود التبرع:

حيث نصت مجلة الأحكام العدلية في مادتها (628) على أن: (تشترط لانعقاد الكفالة كون الكفيل عاقلاً وبالغاً فلا تصح كفالة المجنون والمعتوه والصبي ولو كفل حال صباه لا يؤاخذ وإن أثر بعد البلوغ بهذه الكفالة). فهذا النص يبين أهلية الكفيل والتي تُعد انعكاساً لصفة عقد الكفالة بكونه من عقود التبرع، وهو ما يشترط كمال أهلية الكفيل حتى ينعقد العقد صحيحاً.

وينقلب عقد الكفالة إلى عقد مُعاوضة إذا قام المدين بدفع مبلغ من المال إلى الكفيل نظير كفالته، إلا أن الفقهاء المسلمون ذهبوا إلى أن ذلك لا يجوز شرعاً لاشتماله على الغرر والربا.[4]

5- عقد الكفالة عقد تابع:

تُعد صفة التبعية واحدة من أهم الصفات التي يتسم بها عقد الكفالة، إذ ترتكز أحكام عقد الكفالة على تلك الصفة، حيث يكون عقد الكفالة تابعاً لعقد الدين الأصلي الذي يلتزم به المدين، ويرجع تفسير ذلك إلى أن التزام الكفيل هو الوفاء بالتزام المدين الأصلي إذا ما امتنع الأخير عن الوفاء به.

ويترتب على ذلك أن كل اتفاق لضمان دين الدائن لا يترتب عليه تبعية التزام الضامن لالتزام المدين فإنه لا يُعد عقد كفالة حتى ولو سماه المتعاقدين عقد كفالة، وعلى العكس من ذلك يُعد كل اتفاق لضمان دين الدائن ينطوي على تبعية التزام الضامن لالتزام المدين الأصلي عقد كفالة ولو أطلق عليه المتعاقدين أسم آخر بخلاف عقد الكفالة، ذلك أن العبرة – دوماً – في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يقدح في تبعية التزام الكفيل لالتزام المدين أن يتم الاتفاق على إنشاء حالة تضامن بين كل من الكفيل والمدين، ذلك أن أثر اشتراط التضامن يقتصر فقط على زيادة فاعلية الضمان بالنسبة للدائن الذي يستطيع – في تلك الحالة – أن يرجع على أي من الكفيل أو المدين دون مراعاة لثمة ترتيب ودون أن يكون الكفيل قادراً على أن يدفع في مواجهته لا بالتجريد ولا بالتقسيم. ذلك أن اشتراط التضامن يجعله بمثابة ملتزم أصلي وليس مجرد ملتزم احتياطي، ولكن التزامه يظل التزاماً تابعاً لالتزام المدين ويتأثر بكل ما يطرأ عليه.

ويترتب على تبعية التزام الكفيل لالتزام المدين عدة نتائج تتمثل فيما يلي:

أ- أن الكفالة لا تكون صحيحة إلا إذا كان الالتزام المكفول صحيحاً، وهو ما يعين أن التزام الكفيل يبطل حال الحكم ببطلان التزام المدين.

ب- لا يجوز أن يكون التزام الكفيل أشد من التزام المدين، ومن ثم فلا تجوز الكفالة في مبلغ أكثر مما هو مستحق على المدين، ولا يجوز أن يكون التزام الكفيل بشروط أشد من الشروط التي يلتزم بها المدين.

ج- يستفيد الكفيل بكل ما يطرأ على التزام المدين من تغيرات، فإذا تم منح المدين أجل إضافي فإن الكفيل يستفيد بهذا الأجل.

د- ينقضي التزام الكفيل بكل ما يؤدي إلى انقضاء التزام المدين، سواء أكان ذلك بالوفاء، أو المقاصة، أو التجديد، أو الإبراء، أو غير ذلك من أسباب انقضاء الدين.

ثالثا: الشروط الواجب توافرها في الكفيل:

1- يجب أن يكون الكفيل مقيماً بالمملكة العربية السعودية، ويتعين عليه ألا يُغادر المملكة قبل أداء الدين المكفول. والحكمة من ذلك تكمن في تمكن الدائن من مُطالبة الكفيل إذا امتنع المدين عن الوفاء في ميعاد استحقاق الدين.

وهذا أيضاً ما اشترطه المشرع المصري، والذي تطلب أن يكون الكفيل مقيماً في مصر حتى ولو لم يكن مصري الجنسية، فيكفي في القانون المصري أن يكون للكفيل موطناً مختاراً في مصر ليتمكن من إبرام عقد الكفالة.

2- يجوز للشخص – إذا كان ذي ملائة مالية – أن يكفل ثلاث ديون بحد أقصى، أما إذا كان متوسط الحال فلا يجوز له سوى أن يكفل ديناً واحداً. فيسار الكفيل هو أحد الشروط الضرورية لانعقاد عقد الكفالة، فمثلاً يشترط القانون الفرنسي أن يكون مال الكفيل الذي يثبت يساره عقاراً لا منقولاً ما لم يكن الدين المكفول تجارياً أو زهيد القيمة.

3- لا يشترط أن يكون الكفيل عالماً بالدين المكفول وذلك وفقاً لما ذهب إليه جمهور العلماء ومنهم الحنابلة، إلا أن الحنفية يشترطون أن يكون الكفيل عالماً بالدين الذي يتولى كفالته.

رابعاً: أركان عقد الكفالة:

عقد الكفالة مثله مثل أي عقد آخر، لا ينعقد إلا بتوافر أركان ثلاث تتمثل في التراضي والمحل والسبب، ويمكن بيان تفصيل ذلك على النحو التالي:

1- التراضي:

كما ذكرنا آنفاً فقد تطلبت مجلة الأحكام العدلية أن يعبر الكفيل عن إيجابه في إبرام عقد الكفالة، فبهذا الإيجاب تنعقد الكفالة صحيحة دون حاجة إلى ثمة إجراء آخر، إلا أنه يشترط في الكفيل أن يكون بالغ عاقل ذلك أن عقد الكفالة يُعد من عقود التبرع وهو ما يتطلب أن يكون الكفيل كامل الأهلية.

أما إذا كان الكفيل محجور عليه لسفه فلا تصح كفالته عن الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، أما الحنابلة فقد أجازوا الكفالة من المحجور عليه لسفه، ولكنها لا تنتج آثارها إلا بعد فك الحجر عنه. أما إذا كان الحجر راجع إلى إفلاس المحجور عليه فإن كفالته تكون صحيحة عند الحنابلة – من ناحية الأهلية – ذلك لأنه رغم الحجر عليه للفلس إلا أنه أهلاً للتبرع.[5]

فالتراضي المقصود إذن هو التراضي الذي ينعقد بين الكفيل والدائن، أما المدين فلا حاجة لإرادته لإبرام عقد الكفالة، فهو لا يُعد أحد أطراف العقد، وبناءً على ذلك يجوز إبرام عقد الكفالة دون موافقة المدين أو دون علمه.

فإذا انعقد التراضي بين كل من الدائن والكفيل انعقد عقد الكفالة صحيح شريطة أن يكون رضاء كل من الطرفين سليماً خالياً من عيوب الرضا والتي تتمثل في الغلط والتدليس والإكراه والاستغلال، فتواجد أحد تلك العيوب من شأنه أن يجعل العقد قابلاً للإبطال.

2- المحل:

محل عقد الكفالة يتمثل في التزام المدين الأصلي، حيث إن الكفيل يكفل التزام المدين، ويكون ملزماً بالوفاء به إذا امتنع الميد عن وفائه في ميعاد استحقاقه، ولما كان عقد الكفالة من العقود التبعية فإنه يشترط لصحة المحل في عقد الكفالة أن يكون الالتزام الأصلي التزاماً صحيحاً، ذلك أن عقد الكفالة يتأثر بصحة وبطلان الالتزام الأصلي.

فإذا كان الالتزام الأصلي باطلاً لترتب على ذلك بطلان عقد الكفالة، بغض النظر عن سبب البطلان سواء لكون الدين المكفول غير مشروع مُخالف لأحكام الشريعة الإسلامية، أو لكون عقد الدين الأصلي انتابه سبب من أسباب البطلان.

3- السبب في عقد الكفالة:

من الصعوبة بمكان تطبيق نظرية السبب على عقد الكفالة بالنظر إلى طبيعتها الخاصة باعتبارها عملية قانونية ثلاثية فهنالك العلاقة بين الدائن والمدين ثم العلاقة بين الكفيل والدائن وكذلك العلاقة بين الكفيل والمدين، وعلى الرغم من أهمية العلاقة الأخيرة إلا أنها في حقيقة الأمر خارجة نطاق عقد الكفالة لأن المدين ليس طرفاً في عقد الكفالة، وفي نطاق هذه العلاقة نجد بأن الكفيل قد تكون سبب كفالته هو تقديم خدمة للمدين دون مقابل من خلال تقديم الائتمان له أو يتمثل المقابل في قضاء دين عليه للأخير.[6]

وهذا ما يعني ضرورة البحث عن سبب الكفالة في كل عقد على حدي، فإذا كفل شخص لزوجته ديناً عليها دون أن يحصل منها على مقابل فإن ذلك يعني أن سبب الكفالة هو التبرع للزوجة، أما إذا كانت الكفالة للخليلة دون الحصول منها على مزية، ولكن لمجرد كسب رضاها لأدى ذلك إلى اعتبار سبب الكفالة غير مشروع والذي يتمثل في استمرارية العلاقة الآثمة بين الكفيل والخليلة وأدى ذلك إلى بطلان عقد الكفالة.[7]

خامساً: حكم كفالة الدين الشرطي:

لما كان الدين الأصلي هو محل عقد الكفالة فكان من المتعين أن يكون هذا الدين موجوداً أو قابلاً للوجود، وبناءً على ذلك كان من المتعين البحث عن حكم كفالة الدين الشرطي، فغني عن البيان أن الالتزام قد يكون منجزاً بحث ينتج أثره في الحال، وقد يكون موصوفاً إما بكون مضاف إلى أجل أو مُعلق على شرط.

وتعليق الدين على شرط قد يكون بتعليقه على شرط فاسخ أو شرط واقف، فإذا كان الدين مُعلق على شرط واقف فإن الدين يُعتبر غير موجود، ولكنه يُحتمل أن يوجد في المستقبل حال تحقق الشرط الواقف، أما إذا تم تعليق الدين على شرط فاسخ فهذا يعني أن الدين موجوداً، ولكنه مُهدد بالزوال حال تحقق الشرط الفاسخ.

وفي هذا الصدد يثور التساؤل عن حكم كفالة الدين المُعلق على شرط واقف أو فاسخ؟

والواقع أنه لا يوجد ثمة ما يحول دون أن تكون الكفالة منصبة على كفالة التزام مُعلق على شرط سواء أكان واقفاً أو فاسخاً، ولكن ولما كانت الكفالة عقد تابع للالتزام الأصلي فإنها تأخذ ذات الوصف الذي يلحق بهذا الالتزام، حيث تكون الكفالة هي الأخرى مُعلقة على ذات الشرط سواء أكان واقفاً أم فاسخاً.

ويترتب على ذلك أنه لو انصبت الكفالة على التزام معلق على شرط واقف، فإن التزام الكفيل يكون هو الأخر مُعلق على شرط وقف، لا يتحقق وجوده إلا بتحقق هذا الشرط، أما إذا تخلف الشرط فإن التزام الكفيل لن ينشأ ويتحقق زواله قبل نشأته.

أما إذا كان الالتزام الأصلي مُعلق على شرط فاسخ فهذا يؤدي إلى تعليق التزام الكفيل – هو الأخر – على شرط فاسخ، حيث يكون التزام الكفيل في تلك الحالة مُهدد بالزوال، فإذا ما تحقق الشرط لأدى ذلك إلى فسخ الالتزام الأصلي وهو ما يترتب عليه فسخ التزام الكفيل أيضاً بأثر رجعي.

سادساً: حكم كفالة الالتزام الباطل:

إذا كان التزام الكفيل يتبع الالتزام الأصلي في صحته وبطلانه فإن كفالة الالتزام الباطل تكون باطلة، وعلى ذلك تقع باطلة كفالة الهبة التي لا تأخذ الشكل القانوني وكفالة الالتزام الباطل لانعدام الأهلية وكفالة الالتزامات المخالفة للنظام العام والآداب كالديون الربوية والتصرفات المتعلق بالتركات المستقبلية وغيرها.[8]

سابعاً: حكم كفالة الالتزام المستقبل:

ذهب بعض الفقه إلى عدم صحة كفالة الالتزام المستقبل وذلك لتعارضها مع ضرورة كون التزام المكفول موجوداً، وهناك رأي آخر ذهب إلى صحة التزام كفالة الالتزام المستقبل، ولكنها تُعد معلقة على شرط واقف والمتمثل في تحقق الالتزام المكفول.

وبمطالعة أحكام التشريع المصري نجد أنه أجاز كفالة الالتزام المستقبل بموجب (المادة 778) من القانون المدني والتي نصت على أن: (تجوز الكفالة في الدين المستقبل إذا حُدد مقدماً المبلغ المكفول، كما تجوز في الدين الشرطي)، وهذا ما يعني جواز كفالة الدين المستقبل شريطة أن يُحدد حد أقصى لمقدار هذا الدين.

ثامناً: حكم كفالة الالتزام القابل للإبطال:

الالتزام القابل للإبطال هو التزام قائم منتج لكافة آثاره حتى يُحكم ببطلانه، وهذا ما يعني أنه تكون جائزة الكفالة التي تنصب على الالتزام القابل للإبطال إلا أنها ستكون تابعة له من حيث صحته وبطلانه، فإذا انقلب الالتزام القابل للإبطال صحيحاً إما بسقوط الحق في رفع دعوى البطلان أو بإجازة العقد ممن تقرر البطلان لمصلحته فإن ذلك يؤدي إلى جعل عقد الكفالة صحيحاً هو الآخر. أما إذا تم الحكم ببطلان الالتزام الأصلي فإن ذلك يترتب عليه بطلان عقد الكفالة وزوال التزام الكفيل.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في الفترة السابقة على إجازة أو بطلان الالتزام الأصلي فإنه يكون للكفيل أن يتمسك في موجهة الدائن بكافة الدفوع التي يكون للمدين أن يتمسك بها في مواجهته، وهو ما يعني أنه يكون للكفيل أن يتمسك ببطلان الالتزام الأصلي حال رجوع الدائن عليه لمطالبته بالوفاء بالدين.

تاسعا: حكم كفالة التزام ناقص الأهلية:[9]

التزام ناقص الأهلية هو من حيث الأصل التزام قابل للإبطال ومن ثم كان من الطبيعي أن يسري عليه ما سبق عرضه عند الحديث عن كفالة الالتزام القابل للإبطال، ولكن لكفالة التزام ناقص الأهلية خصوصيته حيث قد يكون التزام الكفيل صحيحاً على الرغم من بطلان التزام المدين بسبب نقص أهليته، إلا أن ذلك يقتضي بداية أن نبين فروض كفالة التزام ناقص الأهلية وبيان متى يكون التزام الكفيل صحيحاً على الرغم من بطلان التزام المدين بسبب نقص أهليته:

الفرض الأول: إذا كان الكفيل يجهل نقص أهلية المدين:

إذا أقدم الكفيل على كفالة المدين دون أن يكون عالماً بأن الأخير ناقص الأهلية فإن عقد الكفالة في هذه الحالة يكون قابل للإبطال مثله مثل عقد الالتزام الأصلي، حيث يكون لكل من الكفيل أو المدين التمسك ببطلان عقد الكفالة نظراً لنقصان أهلية المدين على نحو ما بينا سابقا.

الفرض الثاني: إذا كان الكفيل يعلم بنقصان أهلية المدين الأصلي:

الواقع من الأمر أن علم الكفيل بنقصان أهلية المدين لا تؤثر على صحة أو بطلان عقد الكفالة، إذا يظل عقد الكفالة – في هذه الحالة – تابعاً لعقد الالتزام الأصلي، بحيث إذا ما قضي ببطلانه لأدى ذلك إلى بطلان عقد الكفالة وانقضاء التزام الكفيل بأثر رجعي، بل ويكون للكفيل أن يتمسك في مواجهة الدائن ببطلان الالتزام الأصلي – وهو ما يستتبع بطلان التزام الكفيل – نظراً لنقصان أهلية المدين الأصلي.

الفرض الثالث: أن يكون الكفيل كفل ناقص الأهلية بسبب نقص أهليته:

إن الكفالة في هذا الصدد لم تبرم إلا بسبب نقصان أهلية المدين، ومن ثم فلا يمكن القول بأن عقد الكفالة هنا يتبع عقد الالتزام الأصلي فيما يتعلق ببطلانه لنقصان أهلية المدين، ذلك أن سبب التزام الكفيل في هذه الحالة هو نقص أهلية المدين.

ويترتب على ذلك أنه لو تمسك المدين الأصلي ببطلان عقد الالتزام الأصلي لنقصان أهليته وتم إبطال هذا العقد فإن ذلك يؤدي إلى اعتبار الكفيل هو المدين الأصلي بموجب عقد الكفالة الذي أبرمه مع الدائن ومن ثم يتعين عليه أن ينفذ ما كان على المدين الأصلي من التزام، حيث إنه في هذه الحالة لا يكون الكفيل كفيلاً، بل يكون هو المدين الأصلي في مواجهة الدائن.

أما إذا أجاز المدين الأصلي عقد الالتزام الأصلي بعد بلوغه سن الرشد فإنه في هذه الحالة ينقلب الالتزام من كونه قابل للإبطال إلى التزام صحيح، وهو ما ينعسك على التزام الكفيل أيضاً والذي يُعد في هذه الحالة بمثابة ملتزم احتياطي باعتباره كفيلاً لا باعتباره مديناً أصلياً.

عاشراً: آثار عقد الكفالة:

إذا انعقد عقد الكفالة صحيحاً فإنه يرتب آثاراً قانونية تتعلق بأطرافه والمتمثلين في كل من الدائن الكفيل، بل وتلحق أيضاً بالمدين، ويمكن بيان تلك الآثار على النحو التالي:

1- العلاقة بين الكفيل والدائن:

عقد الكفالة هو عقد ملزم للكفيل في مواجهة الدائن، بحيث يكون الكفيل ملتزما ً بوفاء دين المدين حال امتناع الأخير عن الوفاء به، حيث إن الكفيل هو ضامن للوفاء بدين المدين وذلك بضم ذمة الكفيل إلى ذمة المدين للوفاء بالدين في مواجهة الكفيل وهو الراجح لدى جمهور العلماء ومن بينهم الإمام أحمد بن حنبل.[10]

ولما كان الكفيل يضمن أن يفي بالتزام المدين حال امتناع الأخير عن الوفاء به فإنه يتعين على الدائن أولاً أن يُطالب المدين بالوفاء بالالتزام، فإذا امتنع جاز له في تلك الحالة أن يرجع على الكفيل، حيث لا يكون للدائن الرجوع بداءة على الكفيل وإلا كان للأخير أن يدفع في مواجهة الدائن بالتجريد.

ومن ثم فإنه يمكن القول بأنه حتى يكون للدائن أن يرجع على الكفيل فلا بد من توافر عدة شروط وهي:

أ- حلول أجل الدين بالنسبة للكفيل:

حيث لا يتصور أن يتم مُطالبة الكفيل بالدين قبل حلول أجله، وعادة ما يحل أجل الدين بالنسبة للكفيل بمجرد حلول الأجل بالنسبة للمدي، لأنه من غير الجائز أن يحل أجل دين الكفيل قبل حلول أجل دين المدين وذلك لعدم جواز أن يكون التزام الكفيل أشد من التزام المدين.

إلا أنه لا يوجد ثمة ما يحول على أن يتم الاتفاق على أن يكون أجل الكفيل أبعد من أجل المدين، وفي هذه الحالة لا يكفي حلول الأجل بالنسبة للمدين حتى يمكن مُطالبة الكفيل، ولكن لا بد من حلول الأجل الخاص بالكفيل، ذلك أنه إن لم يكن جائزاً أن يكون التزام الكفيل أشد من التزام المدين إلا أنه لا يوجد ثمة ما يحول دون أن يكون التزام الكفيل أخف من التزام المدين.

ب- الرجوع على المدين قبل الرجوع على الكفيل:

لما كان التزام الكفيل هو مجرد التزام احتياطي فإن هذا يعني ضرورة أن يرجع الدائن على المدين أولا ً قبل أن يشرع في رجوعه على الكفيل، فإن تقاعس المدين عن الوفاء للدائن بما عليه من التزام جاز للأخير في تلك الحالة أن يرجع على الكفيل ليطالبه بالوفاء بالتزام المدين.

أما إذا رجع الدائن على الكفيل مباشرة فإن الأخير في هذه الحالة يحق له أن يتسمك في مواجهة الدائن بالدفع بالتجريد، ولكن من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه حتى يصح التمسك بهذا الدفع فلا بد من توافر عدة شروط تتمثل فيما يلي:

  • أن يتمسك الكفيل بالدفع بالتجريد، ذلك أن سبق تجريد المدين هو حق للكفيل لا يقرر له إلا حال تمسكه بهذا الدفع، وينبني على ذلك أنه يجوز للكفيل أن يتنازل عن التمسك بهذا الدفع إما صراحة أو ضمناً.
  • أن يرشد الكفيل الدائن إلى أموال تفي بالدين كله، حيث لا يكون الدفع بالتجريد مقبولاً إن لم يكن للمدين أموال كافية للوفاء بما عليه من دين للدائن.
  • يجب ألا يكون الكفيل متضامناً على المدين، لأنه إذا كان متضامناً معه فإنه يُعد ملتزماً التزاماً أصلياً بالدين وليس مجرد ملتزم احتياطي، وهو ما يعني سقوط حقه في التمسك بالدفع بالتجريد.

فإذا ما تحقق الشرطين السابق الإشارة إليهم فإن الدائن يكون له الحق في الرجوع على الكفيل واستيفاء الدين منه، على أن يلتزم الدائن في تلك الحالة بأن يُسلم إلى الكفيل كافة المستندات المتعلقة بالدين والتي تُمكن الكفيل من الرجوع على المدين.

2- العلاقة بين الكفيل والمدين:

إذا دفع الكفيل دين المدين فإنه يجوز أن يرجع على المدين بما دفعه بموجب دعوى الكفالة، حيث يكون له أن يتقاضى منه ما قام بالوفاء به إلى الدائن سواء أكان المدين عالماً بالكفالة أم لا، بل ويكون للكفيل أن يرجع على المدين حتى ولو تمت الكفالة رغم مُعارضته.

إلا أن رجوع الكفيل على المدين مشروط بأن يُخبر الكفيل المدين بأنه سيقوم بالوفاء بالدين إلى الدائن، فإن لم يُعارض المدين في هذا الوفاء جاز للكفيل أن يوفي للدائن ثم يرجع بما أوفاه على المدين بموجب دعوى الكفالة.

أما إذا عارض المدين في الوفاء فإن الكفيل لا يجوز له أن يوفي بالدين إذا كان للمدين أسباب خاصة لمعارضته، فإن أوفى الكفيل للدائن على الرغم من معارضة المدين في الوفاء ففي هذه الحالة يتعين أن نفرق بين فرضين:

أ- الفرض الأول: أن يكون للمدين أسباب تبرر معارضته في الوفاء ففي هذه الحالة إذا تبين صحة تلك الأسباب فلا يجوز للكفيل الرجوع على المدين.

ب- الفرض الثاني: أن يُعارض المدين في الوفاء دون أن يكون له من الأسباب ما تبرر ذلك، فهنا يكون للكفيل أن يوفي للدائن وأن يرجع على المدين ليقتضي منه ما أوفاه على الرغم من مُعارضته.

3- العلاقة بين الدائن الكفلاء حال تعددهم:

إذا تعدد الكفلاء فإنه ينبغي التفرقة بين فرضين:

أن يكون كل منهم كافل للالتزام بعقد منفصل وفي هذه الحالة يكون كل كفيل ملتزم بكامل الدين ومن ثم فلا يجوز له أن يدفع في مواجهة الدائن بتقسيم الدين عليهم.

أما إذا كفل الكُفلاء ذات الدين بعقد واحد فإنه جميعاً يكونوا ضامنين لذات الدين، فإن لم يكن بينهم تضامن جاز لهم الدفع في مواجهة الدائن بتقسيم الدين عليهم.

حادي عشر: انقضاء عقد الكفالة:

عقد الكفالة قد ينقضي بصفة أصلية وقد ينقضي بصفة تبعية، ويمكن بيان ذلك على النحول التالي:

1- انقضاء عقد الكفالة بصفة تبعية:

ينقضي عقد الكفالة بصفة تبعية إذا انقضى الالتزام الأصلي وذلك نظراً لكون عقد الكفالة تابع للالتزام الأصلي، ومن ثم فهو يتأثر بكل ما يطرأ عليه مما يؤدي إلى انقضاء عقد الكفالة إذا انقضى الالتزام الأصلي.

والالتزام الأصلي قد ينقضي بالوفاء حيث يقوم المدين بالوفاء إلى الدائن أو قد ينقضي بالإبراء وذلك حال قيام الدائن بإبراء المدين من الدين، أو قد ينقضي بتجديد الالتزام سواء بتجديد محله أو بتجديد أشخاصه، فإذا لم يعلن الكفل عن رضائه بكفالة الالتزام الجديد فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى انقضاء عقد الكفالة.

وكذلك ينقضي التزام الكفيل إذا انقضى الالتزام الأصلي باتحاد الذمة أو إذا انقضى لاستحالة تنفيذه، وذلك إذا استطاع المدين أن يثبت استحالة تنفيذ الالتزام لسبب أجنبي خارج عن إرادته، ويذهب الفقه الإسلامي إلى انقضاء الكفالة إذا وهب الدائن المال إلى الكفيل أو إلى الأصيل ذلك أن الهبة بمنزلة الأداء ويأخذ حكم الهبة التصدق بالدين على الكفيل أو على المدين الأصلي.

2- انقضاء الكفالة بصفة أصلية:

ينقضي التزام الكفيل بصورة أصلية إذا كان عقد الكفالة ذاته باطلاً لانعدام أهلية الكفيل أو لكون سبب الكفالة غير مشروع، وكذلك ينقضي التزام الكفيل إذا أهمل الدائن في الحصول على دينه من المدين ففي هذه الحالة لا يحق له الرجوع على الكفيل لأنه بإهماله هو من تسبب في تعذر حصوله على حقه من المدين.

حيث إن إهمال الدائن في مطالبة المدين يؤدي إلى انقضاء التزام الكفيل بقدر ما أضاعه الدائن من حق كان من الممكن أن يحصل عليه من المدين إذا لم يتقاعس في المطالبة بهذا الحق، وعلى ذلك فإن التزام الكفيل في هذه الحالة قد ينقضي انقضاء كلياً أو جزئياً وذلك على حسب الحق الذي أدى إهمال الدائن إلى ضياعه.

وكذلك تنقضي الكفالة بصورة أصلية إذا تم الاتفاق بين كل من الدائن والكفيل على إنهاء عقد الكفالة، وهو ما يُعرف بإقالة العقد، ذلك أن الإرادة التي أنشأت العقد هي القادرة على إنهائه، وكذلك ينقضي التزام الكفيل بصورة أصلية إذا كان عقد الكفالة موقوتاً بمدة معينة وانقضت تلك المدة دون أن يرجع عليه الدائن.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] أ. م. د. نوزاد صديق سليمان، عقد الكفالة: دراسة مُقارنة في القانون والشريعة الإسلامية، 2013، جامعة كركوك – كلية القانون والعلوم السياسة، ص 7.

[2] أنظر الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، التأمينات العينية والشخصية، 2016، دار الجامعة الجديدة، ص 283.

[3] الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني: الجزء العاشر، دار إحياء التراث العربي، ص 24.

[4] أنظر الفقه الإسلامي وأدلته، 6/41822. مشار إليه لدى أ. م. د. نوزاد صديق سليمان، مرجع سابق، ص 13.

[5] أنظر سعاد توفيق سليمان أبو مشايخ، عقد الكفالة المدنية والآثار المترتبة عليه: دراسة مقارنة بين مجلة الأحكام العدلية والقانون المدني المصري، 2006، ص 72، 73.

[6] أ. م. د. نوزاد صديق سليمان، مرجع سابق، ص 39.

[7] أنظر الأستاذ الدكتور/ سليمان مرقص، الوافي في شرح القانون المدني: المجلد الثالث، 1994، ط3، ص 66.

[8] الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، مرجع سابق، ص 330.

[9] أنظر الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 43 وما بعدها.

[10] الدكتور/ محمد إسماعيل أبو الريش، أركان عقد الكفالة: دراسة فقهية مقارنة، 1998م – 1418هـ، ط1، مطبعة الأمانة، ص 67 وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.