توقيع الشهود على عقد البيع وفق النظام السعودي

يعتبر عقد البيع أهم العقود قاطبة وأكثرها شيوعا فيما يتعلق بالمعاملات المالية، وذلك نظرا لكونه يمثل قوام الحياة المدنية والتجارية، كما تظهر أهمية عقد البيع لمساسه بحق الملكية بشكل مباشر، وهو يمثل سنام الحقوق المالية متقدما بذلك على سائر الحقوق العينية الأخرى كحق الانتفاع وحق الارتفاق، فيترتب على عقد البيع فقدان البائع لملكه (بشكل نهائي وليس مؤقت)، وانتقاله للمشتري نظير المال الذي يقوم المشتري بدفعه، فالبائع يفقد ملكه والمشتري يفقد ماله، ولعل أن هذا الأثر الخطير المترتب على عقد البيع هو الذي دعي المولى عز وجل إلى تخصيصه بالذكر في قوله تعالى (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ )، وسواء أكان هذا الأمر للوجوب أو للندب إلا أنه يبين لنا أهمية الشهادة على عقود البيع كافة نظرا لما يترتب على تلك العقود من فقدان المرء لملكه بشكل كامل، فوجود الشهود على عقد البيع يمثل وسيلة إثبات للتصرف تضاف إلى العقد المكتوب، حيث أن العقد نفسه قد يفقد أو يضيع، كما قد يغفل العاقدان عن ذكر جميع ما تم الاتفاق عليه فيه، أو قد تشوب بعض بنوده أو شروطه الغموض، ويختلف طرفيه فيما قصداه، فيرجع في تلك الحالات إلى الشهود الذين حضروا مجلس العقد ووقعوا عليه، ليشهدوا بما رأوه وسمعوه، الأمر الذي قد يكون فيه كشف اللثام عن حقيقة ما تنازع عليه اطراف العقد.

وقد كان إثبات عقد البيع شأنه شأن سائر العقود في المملكة العربية السعودية يخضع من حيث إثباته وما حواه من بنود وشروط لقواعد الشريعة الإسلامية، والتي تجيز الإثبات بشهادة الشهود بشكل مطلق دون النظر إلى قيمة العقد، إلا انه وعقب إقرار وصدور نظام الإثبات الجديد الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 1443/5/26هـ، أصبح الإثبات بشهادة الشهود يقتصر على الوقائع المادية والمسائل التجارية والتصرفات القانونية التي لا تزيد عن المائة الف ريال، ولا تقبل الشهادة في إثبات غير ذلك إلا في حالات مستثناه على سبيل الحصر، ذلك أن المشرع قدر احتمال الكذب فيها فعمل على التقليل من خطرها بتقديم الكتابة عليها، والحق فإن هذا المسلك من المشرع هو الذي يتوافق مع الشريعة لعموم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ) فجعل الأصل في الإثبات الكتابة، ثم تلى ذلك بقوله (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ )، ثم بين ضرورة الكتابة بقوله (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلى أَجَلِهِ )، فجعل الكتابة هي أساس الإثبات،  وسوف نقتصر في مقالنا هذا على نتناول على مسألة توقيع الشهود على عقد البيع في النظام السعودي من خلال النقاط الآتية:

أولا: تعريف عقد البيع:

يعرف فقهاء الشريعة الإسلامية البيع بأنه (مبادلة مال بمال على سبيل التراضي) وحكمه: ثبوت الملك للمشتري في المبيع وللبائع في الثمن إذا كان تاما وعند الإجابة إذا كان موقوفا.[1]

بينما يعرف عقد البيع قانونا بأنه: ( عقد يلتزم البائع فيه بنقل ملكية شيء أو حقا ماليا أخر إلى المشتري في مقابل ثمن نقدي )،[2] ومن خلال تلك التعريفات يتبين لنا أن عقد البيع من العقود التي ترد على الملكية، ومن ثم فهو يتميز عن العقود الأخرى التي ترد على المنفعة كعقد الإيجار، حيث يترتب على البيع نقل ملكية الأشياء وكذا الحقوق، فقد يقع البيع على الأشياء كالعقارات أو المنقولات، كما قد يقع على الحقوق كحق الانتفاع أو الارتفاق، وقد يقع أيضا على بعض الحقوق الشخصية كما في حوالة الحق اذا كانت هذه الحوالة قد تمت في مقابل ثمن نقدي،[3]  كما قد يقع البيع أيضا على حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية أو ما يسمى بحقوق الملكية الفكرية.[4]

والمقابل في عقد البيع في القوانين الوضعية يشترط أن يكون ثمن نقدي وهو الأمر الذي يسمح بالتمييز بين عقد البيع وبين عقود أخرى قد تختلط به كعقد المقايضة،[5] أما في الفقه الإسلامي فيصح أن يكون الثمن من غير النقود، حيث إن البيع فيها كما سبق وأن ذكرنا (مبادلة مال بمال) فيتسع البيع فيه ليشمل المقايضة والصرف والسلم.[6]

ثانيا: المقصود بالشهادة وتوقيع الشهود على عقد البيع:

يقصد بالشهادة بدءا ( إخبار الإنسان بحق لغيره على غيره ) وهي في ذلك تختلف عن الإقرار إذ هو إخبار الإنسان بحق على نفسه لغيره.[7] بينما يقصد بتوقيع الشهود على عقد البيع هو قيامهم بالتوقيع ( كتابة أسمائهم ) أسفل توقيعات كلا من البائع والمشتري على عقد البيع المحرر، وذلك بوصفهم شهود على ما تم الاتفاق عليه بالعقد من بنود وشروط، وهو ما يجري به العمل عادة، والمقصد من أن تأتي توقيعاتهم اسفل توقيعات البائع والمشتري بأخر العقد، أن تكون شهادتهم منصبه على كامل ما حواه عقد البيع بما في ذلك صحة توقيعات البائع والمشتري، فعند وقوع أي نزاع يتعلق بعقد البيع يكون لأي طرف من أطراف العقد أو خلفهم اني يلجأ إلى الشهود الذين وقعوا على العقد ليشهدوا بما رأوه وقرأوه وبما سمعوه ووعوه من اتفاقات وتعهدات تمس العقد، وتكون شهاداتهم مقدمة على سائر من يتم استدعاؤه من شهود أخرين، وذلك لان شهاداتهم بشأن العقد تكون مباشرة ومن ثم تمثل اقوى أنواع الشهادات، وذلك خلافا للشهادة السماعية والشهادة بالاستفاضة.

ثالثا: مشروعية توقيع الشهود على عقد البيع:

أن الشهادة على المعاملات المالية تجد مشروعيتها في القرآن والسنة والإجماع:

1- فمن القران الكريم:

قوله تعالى (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) وقوله تعالى (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) البقرة: 282.

2 – ومن السنة المطهرة:

قوله صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ).[8]

3 ـ وأما الإجماع:

فقد مضى العمل في جميع العصور الإسلامية والى يومنا هذا على الأخذ بالشهادة واعتبارها حجة في الإثبات من غير إنكار من أحد فيكون هذا إجماعا. [9]

رابعا: حجية الشهادة:

اتفق فقهاء الشريعة والقانون على حجية شهادة الشهود في الإثبات، متى توافرت شروطها، والشهادة حجة تظهر الحق ولا توجبه، فللمحكمة سلطة تقدير الشهادة، فلها أن تقدر قيمتها من حيث عدالة الشهود وسلوكهم وتصرفاتهم وغير ذلك بالنظر إلى ظروف القضية بعد تعديلهم، ومتى صدرت الشهادة الأصلية مستوفية شروطها الشرعية والقانونية، ترتب عليها أثرها وهو وجوب القضاء بمقتضاها مع من اليمين.[10]

خامسا: أهمية توقيع الشهود على عقد البيع وتمييزه:

إن لتوقيع الشهود على عقد البيع أهمية كبيرة بوصفة وسيلة من الوسائل المعدة سلفا للإثبات، وهذه الأهمية وإن كانت قيدت في ظل نظام الإثبات الحالي إلا أنها لازالت تحتفظ بأهميتها الشرعية والقانونية والتي تتمثل في:

1 – أن توقيع الشهود على عقد البيع يمثل خضوعا وتسليما لأمر الله تعالى في قوله: ( وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) البقرة: 282، يعني بذلك جل ثناؤه ( وأشهدوا على صغير ما تبايعتم وكبيره من حقوقكم، عاجل ذلك وآجله، ونقده ونسائه، فإن ترخيصي لكم في ترك اكتتاب الكتب بينكم فيما كان من حقوق تجري بينكم لبعضكم من قبل بعض عن تجارة حاضرة دائرة بينكم يدًا بيد ونقدًا، ليس بترخيصي مني لكم في ترك الإشهاد منكم على من بعتموه شيئا أو ابتعتم منه، لأن في ترككم الإشهاد على ذلك خوف المضرة على كل من الفريقين، أما على المشتري، فأن يجحد البائع البيع ، وله بينة على ملكه ما قد باع، ولا بينة للمشتري منه على الشراء منه، فيكون القول حينئذ قول البائع مع يمينه ويقضى له به، فيذهب مال المشتري باطل وأما على البائع، فأن يجحد المشتري الشراء، وقد زال ملك البائع عما باع، ووجب له قبل المبتاع ثمن ما باع، فيحلف على ذلك، فيبطل حق البائع قبل المشتري من ثمن ما باعه، فأمر الله عز وجل كلا الفريقين بضرورة الإشهاد، لئلا يضيع حق أحد الفريقين قبل الفريق الآخر).[11]

2- أن شهادة الشهود من وسائل الإثبات التي يعول عليها النظام السعودي في الإثبات، فتأتي في الأصل من حيث القوة والحجية بعد الكتابة، فمتى توافرت في الشهادة شروط صحتها، فإنها تكون كاشفة للحق المتنازع بشأنه، ويكون القاضي متى لجأ إليها أن يقضي بها مع يمين المدعي، كما أنها في بعض الظروف الأخرى قد تتساوى قوتها مع قوة الكتابة نفسها، حيث يجوز وفقا (للمادة 69) من نظام الإثبات الجديد الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة في الأحوال الآتية:

  • إذا وجد مبدأ الثبوت بالكتابة.
  • إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي، ويعد من الموانع المادية عدم وجود من يستطيع الكتابة، أو أن يكون طالب الإثبات شخصاً ثالثاً لم يكن طرفاً في العقد، ويعد من الموانع الأدبية رابطة الزوجية، وصلة القرابة والمصاهرة حتى الدرجة الرابعة.
  • إذا ثبت أن المدعي فقد دليله الكتابي بسبب لا يد له فيه.

3 – أن توقيع الشهود على عقد البيع إنما يمثل الشهادة المباشرة وهي الشهادة المقصودة كدليل حقيقي في الإثبات، وفقا لما نصت عليه (المادة 69) من نظام الإثبات الجديد من أنه: ( تكون الشهادة عن مشاهدة أو معاينة أو سماع ) بحيث يدلي الشاهد بما قراءة من بنود وشروط العقد بعينيه، وبما سمعه من اتفاقات وتعهدات بمجلس العقد بأذنيه، فالشاهد يكون قد عرف شخصيا بما يشهد به بحواس نفسه، فقد حضر البيع وسمع الإيجاب والقبول ورأى دفع الثمن، [12] وذلك بخلاف من علم به من الغير أو ما نسبه للشهرة العامة فلا تقبل شهادته فيه، ولا يعتبر شاهدا قانونا إلا من عرف شخصيا ما حصل، وتسمى شهادة من علم بالأمر من الغير شهادة سماعية، وهذه الشهادة لا يعول عليها لأنها لا تنشأ من ادراك مباشر ولا يخفى أن الأخبار كثيرا ما تتغير عند النقل.[13]

4- أنه يوجد حالات يقوم فيها إلى جانب التصرف القانوني ( كالبيع ) عمل مادي لا سبيل إلى إثباته إلا بالبينة، كما لو تم التعاقد بالبيع كتابة وقام البائع بتنفيذ الالتزام المترتب على العقد عن طريق أعمال مادية، ففي هذه الحالة لا يجوز إثبات البيع نفسه إذا تجاوزت قيمته المائة الف ريال إلا بالكتابة، غير أن تنفيذ الالتزام وهو عمل مادي يجوز إثباته بكافة طرق الإثبات، فإذا قام نزاع بين البائع والمشتري حول استلام العين المبيعة ووضع المشتري اليد عليها، فهي واقعة مادية يجوز إثباتها بشهادة الشهود، إلا اذا كان قد نص في العقد على أن التسليم قد تم فعلا فعندئذ لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة وفقا لنص (المادة 67/3) من نظام الإثبات .[14]

إلا أن للشهادة كما تحوز العديد من المميزات إلا أنها بها أيضا بعض العيوب التي قد تنال منها، حيث أن الإنسان قد يشهد زورا محاباة لاحد الأطراف، أو كرها لمن يشهد ضده، كما قد يشهد أيضا بغير الحق بسبب الخطأ أو النسيان، وقد يكون الشاهد غير دقيق الملاحظة، هذا فضلا عن أن مضي وقت طويل بين تحمل الشهادة وأدائها مما يساعد على النسيان، [15] لذا يجب دائما وأبدا مراعاة اختيار الشهود العدول الأهل للشهادة للتوقيع على عقد البيع نظرا لأهمية ذلك العقد لما يمثله من تصرف في اهم أنواع الحقوق المالية وهو حق الملكية، ولذلك فقد أحسن المشرع السعودي صنعا في نظام الإثبات الجديد بان جعل القاعدة في الإثبات أن يكون بالكتابة إلا فيما استثنى لأسباب قوية، وهذه القاعدة ليست مفيدة فقط في تجنب أخطار الشهادة الكاذبة أو غير الصحيحة، بل هي مفيدة أيضا لتجنب كثرة القضايا التي تكون على غير أساس وإشغال المحاكم بما تعجز عنه.

سادسا: ما يجب مراعاته عند توقيع الشهود على عقد البيع:

توجد بعض الأمور الهامة التي يجب مراعاتها عند كتابة عقد البيع والاتفاق على إحضار شهود للتوقيع على عقد البيع، والتي تتمثل في:

1- مراعاة اختيار الشهود العدول للتوقيع على عقد البيع:

فيجب بداية أن يقوم كلا من البائع والمشتري باختيار الشهود العدول للتوقيع على عقد البيع، وذلك حتى لا تتعرض شهادتهم للرد عند النزاع، فقد يطعن على شهادة أيا من الشهود الموقعين على العقد، وفي تلك الحالة تطلب المحكمة من الخصم الذي ركن في إثبات دعواه إلى شهادة هؤلاء الشهود أن يقوم بتعديلهم، بمعنى أن يحضر من يشهد بعدالة وثقة الشهود، وذلك استنادا لقوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم ) الطلاق: 2، وقد نصت (المادة 124) من نظام المرافعات الشرعية على أنه: ( للخصم الذي تؤدى الشهادة ضده أن يبين للمحكمة ما يخل بشهادة الشاهد من طعن فيه أو في شهادته).

ومن أسباب الطعن على شهادة الشهود الموقعين على عقد البيع:

أ – الجنون أو الغفلة: حيث لا تقبل شهادة المجنون، أو المعروف بالغفلة، أو المريض بداء النسيان، أو الزهايمر.

ب- الحد في القذف: فلا تقبل شهادة من سبق عقابه في جريمة القذف، وذلك تطبيقا لقوله تعالى (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فأجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون) النور: (4).

جـ – الخصومة: فلا تقبل شهادة من بينه وبين أطراف الدعوى خصومة، لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين).

جـ – الطعن في الدين وصلاح الأمر: فلا تقبل شهادة من هو معروف بالفسوق والمجون، كما لا يكون أهلا للشهادة من سبق اتهامه وحوكم بخيانة الأمانة أو السرقة أو النصب.

2- مراعاة نصاب الشهادة:

حيث إنه ومن المعروف أن عقد البيع من المعاملات المالية التي يتطلب الشرع فيها نصاب معين في الشهادة تطبيقا لقوله تعالى: (اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) البقرة 282، وإن كان هناك من يرى جواز شهادة الشاهد الواحد، إلا أن الأحوط هو توقيع شاهدين عدول على عقد البيع.

3- حضور الشهود بمجلس العقد:

فيجب أن يكون الشهود حاضرين بأنفسهم بمجلس العقد، وذلك للشهادة على ما عسى أن يكون كلا من البائع والمشتري قد اغفلوا ذكره بعقد البيع وان اتفقوا على إتمامه ونفاذة أثناء مفاوضاتهم الشفهية عند إتمام الاتفاق، أو ما يكون قد اتفقوا على العدول عنه وتناسوا شطبه من عقد البيع، مع مراعاة حدود قبول شهادة الشهود بشأن الإثبات في التصرفات.

4- قراءة الشهود لكامل بنود عقد البيع:

فيجب أن يقوم الشهود الاهتمام بقراءة كامل بنود عقد البيع قبل التوقيع عليه، لأن شهادتهم سوف تكون متعلقة في الأساس عند حدوث النزاع بما تم الاتفاق عليه بين البائع والمشتري وورد ذكره ببنود عقد البيع، ومدى موافقة تلك البنود لإرادتهما الفعلية، كما قد يتم طلبهم عند فقد عقد البيع للشهادة بما حواه العقد من بنود وشروط.

5- مشاهدة الشهود لطرفي عقد البيع أثناء قيامهم بالتوقيع:

فيجب أن يقوم الشهود بمشاهدة قيام كلا من البائع والمشتري بالتوقيع على عقد البيع بأعينهم، فلا يصح أن يؤتى إليهم بعقد البيع عقب إمضاءه من أطرافه للتوقيع عليه كشهود، لأنه قد يلجأ القاضي إلى سماع الشهود (لإثبات مدى صحة توقيع أي طرف على العقد عند الطعن بإنكاره من الطرف الأخر)، وفي تلك الحالة لا يجوز الأخذ بشهادتهم لأنهم لم يروا بأعينهم من قام بالتوقيع فعليا على عقد البيع.

سابعاً: هل يعد توقيع الشهود على عقد البيع ركنا من أركان العقد:

إن أركان عقد البيع هي التراضي والعاقدان والمحل، ولا يعتبر توقيع الشهود على عقد البيع أحد أركان العقد، فيصح العقد وإن خلا من توقيع الشهود عليه، ولا يجوز المطالبة بإبطاله لهذا السبب، لأن توقيع الشهود على عقد البيع إنما هي وسيلة من وسائل إثبات ما حواه العقد وما تم الاتفاق عليه بين كلا من البائع والمشتري، فكما يصح البيع وإن لم يتم كتابته، حيث يجوز إثباته في تلك الحالة بالإقرار أو بشهادة الشهود مع اليمين – مع مراعاة ما نصت عليه (المادتين 61 ، 62) من نظام الإثبات الجديد بشأن الحالات التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة – ، كذلك يصح عقد البيع وان خلا من وجود الشهود على وقوعه، إذ يجوز إثباته في تلك الحالة بالإقرار أو بالكتابة.

سابعا: أسئلة شائعة بخصوص شهادة الشهود على عقد البيع:

1- هل يجوز إثبات عقد البيع بشهادة الشهود بشكل مطلق:

وفقا لنظام الإثبات الجديد المعمول به حاليا أصبح لا يجوز إثبات عقد البيع بشهادة الشهود بشكل مطلق إذا تجاوزت قيمته مائة ألف ريال، مالم يتفق الطرفان على جواز الإثبات بشهادة الشهود وذلك وفقاً لما قررته (المادة 66) من نظام الإثبات.

2- ما الحل إذا فقد عقد البيع وكيف يتم إثبات البيع في تلك الحالة:

إذا فقد عقد البيع بسبب لا يد لصاحبه فيه فإنه يجوز له في تلك الحالة إثبات وقوع البيع وشروطه بشهادة الشهود وفقا لنص (المادة 68) من نظام الإثبات.

3- هل يجوز شهادة الأخرس على عقد البيع:

وفقا لنظام الإثبات الجديد المعمول به حاليا فإنه يجوز شهادة الأخرس أمام المحكمة، ويكون أداؤه للشهادة واليمين وتوجيهها والنكول عنها وردها بالكتابة، فإن لم يكن يعرف الكتابة فبإشارته المعهودة، ومن ثم أصبح لا مانع من توقيع الأخرس على عقد البيع كشاهد.

4- هل يجوز توقيع الفتى الذي لم يبلغ الخامسة عشرا عاما كشاهد على عقد البيع:

وفقا لنظام الإثبات الجديد فإنه لا يكون أهلاً للشهادة من لم يبلغ سن (الخامسة عشرة)، ومن لم يكن سليم الإدراك، على أنه يجوز أن تسمع أقواله على سبيل الاستئناس، ومن ثم فلا ينصح بتوقيع من لم يبلغ الخامسة عشرة كشاهد على عقد البيع لان شهادته لن تكون شهادة كاملة عند حدوث نزاع.

ثامنا: بعض التطبيقات القضائية بالمحاكم السعودية بشأن شهادة الشهود بخصوص عقد البيع:

1 – ادعى المدعى وكالة بأن موكله اتفق مع المدعى عليه على شراء أرض زراعية  )ذكر وصفها( بمبلغ ذكر قدره سلم موكله الجزء الأكبر من المبلغ على دفعات – ثم اتفقا على إلغاء المبايعة وإعادة المبلغ المسم، بناء عليه سدد المدعى عليه جزءاً من المبلغ وتبقى في ذمته جزءاً آخر )ذكر مقداره(  طلب المدعي وكاله إلزام المدعى عليه بأن يدفع لموكله المبلغ المتبقي- أقر المدعى عليه بالبيع وأنكر مقدار المبلغ المستلم وانكر إلغاء المبايعة شفهياً- احضر المدعى شاهدين ورصدت شهادتهما- جرى تعديل الشاهد الأول لأن شهادته موصله- حلف المدعي أصالة اليمن تكمله لبينته- كما أبرز المدعي خمس ورقات رصد مضمونها- كما رصد مضمون جواب مؤسسة النقد-  ولقضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد مع اليمن وهو قول أكثر الفقهاء لذا صدر الحكم على المدعى عليه بأن يدفع للمدعى أصالة المبلغ المدعى به – لم يقنع المدعى عليه بالحكم- صدق الحكم من محكمة الاستئناف .

(رقم الصك 34172977: تاريخه 28/3/1434هـ – رقم الدعوى 32142390) – (رقم قرار التصديق من محكمة – الاستئناف 34277832 – تاريخه 24/7/1434هـ).

2 – دعوى المدعي ضد ورثة أخيه ومن ضمنهم زوجة أخيه ووالده والزوجة أصالة عن نفسها ووكيلة ووليه على أولادها ومضمون الدعوى أنه طلب منه مورث المدعى عليهم أخوه في حياته أن يشتري له أرضا في المدينة المنورة وسلم له مبلغ مليون ريال وطلب مورث المدعى عليهم أن يفرغ المدعي لمورث المدعى عليهم صك عقار ثم ذكر موقعه وأوصافه في نص الضبط وذلك حتى يتم إنهاء إجراءات شراء عقاره في المدينة وقد تم شراء الأرض لمورث المدعى عليهم إلا أنه توفي قبل إعادة الأرض للمدعي ونقلها باسمه وطلب المدعي الحكم بإعادة الأرض له ونقلها باسمه – أجاب المدعى عليهما بالمصادقة على الدعوى جملة وتفصيلاً – تم الاستفسار عن سريان مفعول الصك و مصدره فتمت الإجابة أنه ساري المفعول – صدر الحكم بانتقال ملكية العقار للمدعي – تم رفع الحكم لمحكمة الاستئناف لتدقيقه لوجود قصار في القضية – وردت المعاملة من محكمة الاستئناف بالملاحظة بان إقرار المدعى عليهما لا يكفي بل لابد من إثبات دعواه والإقرار يلزم البالغين فقط – أجاب ناظر القضية بان الإقرار في حق البالغين يعتبر إقراراً في حقهم وشهادة في حق غيرهم كما نص عليه ابن قدامه في المغنى وغيره – صدر قرار محكمة الاستئناف بالملاحظة بأنه لابد من لفظ الشهادة وشهادة الأب لا تقبل لابنه وشهادة الزوجة غير كافية – احضر المدعي شاهدين تم تعديلهما شرعاً ولم يظهر لناظر القضية خلاف ما حكم به – صدر قرار محكمة الاستئناف بالمصادقة على الحكم.

(رقم الصك 34262424 – تاريخه 9/7/1434هـ، رقم الدعوى 34259555) – (رقم قرار التصديق من محكمة الاستئناف 34385604– تاريخه 24/12/1434هـ).

3 – أقامت المدعية دعواها ضد المدعى عليهم بصفتهم باقي ورثة زوجها طالبة إثبات شرائها لمنزل منه وإفراغه باسمها؛ وذلك لأنها اشترت المنزل من زوجها حال حياته وسلمته ثمنه وتقبلت باقي قرض الصندوق العقاري الذي رهن المنزل لضمان الوفاء به، وبعد وفاة زوجها شمله إعفاء المتوفين من باقي القرض، وبعرض الدعوى على المدعى عليهم أصالة ووكالة أقروا بصحتها، ونظراً لوجود قاصرة بين الورثة فقد استشهد القاضي الحاضرين منهم فشهدوا بصحة الدعوى، وقرر القاضي قبول شهادتهم لكون شهادة الابن لأبيه مقبولة فيما لا تهمة فيه، ثم جرى تعديلهم شرعا، ونظراً لأن باقي القرض الذي تقبلته المدعية هو من ضمن ثمن العقار، ولأن إسقاطه عن المورث لا يسقطه عن المدعية لكون الإعفاء خاص بالمتوفين وهذا يعني ثبوت نصيب القاصرة فيه، لذا فقد ثبت لدى القاضي بيع مورث الطرفين للعقار على المدعية وتسلمه كامل ثمنه منها عدا باقي مبلغ القرض، وحكم بإلزام المدعى عليها أن تسلم لولي القاصرة نصيبها من باقي مبلغ القرض الذي تم إسقاطه، وقرر التهميش على صك العقار بموجب ذلك بعد اكتساب الحكم القطعية، ولكون الحكم على قاصر وقد جرى عرضه على محكمة الاستئناف فقررت تصديقه.

(محكمة الدرجة الأولى: المحكمة العامة بالرياض – رقم القضية: ٣٤٣١٦٤٤٣ تاريخها: ١٤٣٤) – (محكمة الاستئناف: محكمة الاستئناف بمنطقة الرياض رقم القرار ٣٥٢٦٤٣٦٠ تاريخه 2/6/1435).

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.

[1]  الشيخ حسن أيوب، فقه المعاملات المالية في الإسلام، ج 1، ص 5.

[2]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج4 عقد البيع، ص 20.

[3]  د. محمد على عمران، موجز البيع، ص 7.

[4]  د. سمير السيد تناغو، عقد البيع، ص20.

[5]  د. محمد لبيب شنب، عقد البيع، ص 4.

[6]  د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج4 عقد البيع، ص 22.

[7]  م. عز الدين الدناصوري، حامد عكاز، التعليق على قانون المرافعات، ج 2، ط 2015، ص 492.

[8] ذكر الإمام النووي هذا الحديث في الأربعين النووية برقم 29 وقال رواه البيهقي بهذا اللفظ، أي بلفظ: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، كما قال النووي: وبعضه في الصحيحين، فقد جاء في الصحيحين: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن اليمين على المدعى عليه) هكذا عند البخاري وعند مسلم، فأكثره في الصحيحين، وإنما الذي ليس في الصحيحين جملة (البينة على المدعي).

[9]  د. عبد الفتاح أبو العينين، القضاء والإثبات في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، ص 122 وما بعدها.

[10]  م. عز الدين الدناصوري، حامد عكاز، التعليق على قانون المرافعات، ج 2، ط 2015، ص 496.

[11]  تفسير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق أحمد شاكر، ج6، ص 82: 82.

[12] م. مصطفى مجدي هرجة، قانون الإثبات في المواد المدنية، ط 2، 1991، ص 385.

[13] د. أحمد نشأت، رسالة الإثبات في التعهدات، ص 438 بند 379.

[14] م. عز الدين الدناصوري، حامد عكاز، التعليق على قانون المرافعات، ج 2، ط 2015، ص 537.

[15] د. أحمد نشأت، رسالة الإثبات في التعهدات، ص 429 بند 377.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.