بطلان عقد البيع للغش وفق النظام السعودي

لما كان للغش أثر كبير على المعاملات والعقود، والأمر لا يخص العقود المدنية البسيطة بل امتد ليشمل التعاقدات التجارية متعددة الجنسيات والتي قد تتسبب في خسائر مادية فادحة، حال كون المملكة العربية السعودية تمر في وقتنا الحالي بحالة رواج تجاري كبيرة وهو ما يستدعي مناقشة إشكالية الغش في العقود ومدى إمكانية بطلان عقود البيع للغش في النظام القانوني السعودي.

ولما كانت المملكة العربية السعودية تتخذ من الشريعة الإسلامية الغراء منهاجا ونظاما للمعاملات ولا يوجد نظام يحدد بشكل قاطع إشكالية الغش في العقود وما إن كان هذا الغش يؤدي للبطلان من عدمه فكان من الهام بحث تلك الإشكالية وتوضيحها بشيء من التفصيل مع تعريف الغش المبطل للتصرفات وكذا بيان صورة وحكم الشرع الإسلامي فيه وكذا إيضاح تطبيق لتلك الإشكالية في النظام القانوني السعودي.

أولاً: التعريف بالغش المبطل للتصرفات:

في مجال تعريف الغش المبطل للتصرفات فقد عرفة الفقه المالكي بأنه: ” أن يوهم وجود مفقود مقصود بوجوده في المبيع أو يكتم وجود موجود مقصود فقدة “.[1] ومن هذا التعريف يمكننا أن نوضح المقصود بالغش بأنه إيهام الطرف الثاني في العقد بوجود شيء ما من المفترض عدم وجودة في المبيع أو أن يوهم الطرف الثاني بعدم وجود شيء من المفترض وجودة في العقد.

والغش إما أن يكون خاص بالظروف المحيطة بالعقد والخارجة عن موضوع العقد أو أن ينصب على تنفيذ العقد بعد إبرامه، فمثال على حالات الغش أن يتم الاتفاق على بيع سلعة ما بأوصاف معينة ويوهمه البائع بأنها قابلة للتخزين ويكتشف المشترى عقب إبرام العقد أن تلك السلع غير قابله للتخزين، فهذه الظروف لو كان المشتري على علم بها قبل التعاقد لما أقدم على إبرام العقد.

ثانيا: التمييز بين الغش المبطل للتصرفات وما قد يتشابه معه من عيوب الإرادة:

هناك خلطا قانونيا بين كلا من الغش والتدليس المبطل للتصرفات، والغش والتدليس الجنائي أو كما يسمي جريمة النصب وهناك خلطا من ناحية أخرى بين كلا من الغش والغبن بالإضافة إلى الخلط بين الغش وبيع النجش:

1 – التمييز بين الغش والتدليس:

عادة ما يتفق كل من الغش والتدليس في كونهما ينطويان على استخدام طرق احتياليه بهدف إظهار شيء ما في المبيع في حال عدم وجوده أو إخفاء شيء ما في المبيع لا يجب إخفاؤه وفي أن كلاهما يتسببان في بطلان عقد البيع إذا ما كان حد الغش والتدليس وصل لمرحلة أن الشخص المغشوش أو المدلس عليه ما كان ليستمر في البيع إذا علم بحقيقة ما تم إخفاؤه عنه، إلا أن الفارق بينهما يكمن في أن الغش أعم وأشمل من التدليس حال كون الأخير إنما يتوافر في مرحلة إبرام العقد فقط أما الغش فهو قد يستمر إلى مرحلة ما بعد إبرام التعاقد ويصل الغش إلى مرحلة تنفيذ العقد.

وقد عرف الفقه القانوني التدليس بأنه إيقاع المتعاقد في غلط يدفعه إلى التعاقد.[2] وبالتالي فإن التدليس يختلف عن الغش في أن التدليس يكون أثناء تكوين العقد أما الغش فقد يقع بعد تكوين العقد،[3] والتدليس أو الغش قد يكون بالسكوت أو عدم الإفصاح وهو ما لا يشترط معه أن تكون الطرق الاحتيالية التي يقوم بها المستفيد فعلا إيجابيا وإنما يمكن أن ينطوي الغش أو التدليس على فعلا سلبيا متمثل في السكوت.، وهذا ما تقرره محكمة النقض المصرية بقولها: (المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه يشترط في الغش والتدليس على ما عرفته المادة ١٢٥ من القانون المدني أن يكون ما استعمل في خداع المتعاقد حيلة وأن تكون هذه الحيلة غير مشروعة قانوناً ، وأن النص في المادة المشار إليها يدل على أن الحيلة غير المشروعة التي يتحقق بها التدليس إما أن تكون إيجابية باستعمال طرق احتيالية أو أن تكون سلبية بتعمد المتعاقد كتمان أمر على المتعاقد الآخر متى كان هذا الأمر يبلغ من الجسامة بحيث لو علمه الطرف الآخر ما أقدم على التعاقد بشروطه).[4]

2 – التمييز بين الغش والتدليس الجنائي (النصب):

يتفق كلا من الغش والتدليس والنصب في أن كل منهم ينطوي على استخدام طرق احتيالية بهدف الوصول إلى بغية أو ميزة مادية إلا أن هناك اختلاف بين كل من الغش والنصب في أن النصب يجب أن يكون استخدام الطرق الاحتيالية مقترنا بوجود مشروع وهمي وأن الطرق الاحتيالية وصلت إلي حد كبير من الجسامة ما يخلع عنها ثوب المخالفة المدنية التي يكون أبلغ أثارها هو فسخ العقد ويلبسها ثوب الجرم الجنائي المعاقب عليه بعقوبات جنائية، هذا فضلا عن أنه في حالة الغش أو التدليس المدني نكون أمام مشروع قائم وهو وجود مبيع أما في حالة النصب أو التدليس الجنائي قد يكون هناك انتفاء للمشروع أصلا أو المبيع الذي يُعد محلا لعقد البيع.

ومثال على ذلك أن يتم تحرير عقد بيع عقار موجود فعلا ومملوك للبائع ولكن المشترى وقع ضحية لواقعة غش أو تدليس في أوصاف العقار المبيع هنا نكون بصدد واقعة غش أو تدليس بإخفاء أي من العيوب التي كادت تتسبب في إيقاف التعامل وعدم الإقدام على إتمام عملية البيع أما إن كان العقار غير موجود أو غير مملوك للبائع فنكون بصدد واقعة نصب أو تدليس جنائي شريطة أن يكون هناك طرق تدليسية جسيمة استخدمت من قبل البائع كأن يُقدم ورق غير سليم يثبت ملكية العقار أو وجوده أو يستعين على إثبات ذلك للمشتري بأشخاص يحتالون عليه.

3 – التمييز بين الغش والغبن:

يُعرف الفقه القانوني الغبن بأنه: “عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وما يأخذه”،[5] وعرفة الفقه الإسلامي بأنه: ” بيع للسلعة بأكثر مما جرت عليه العادة فيكون النقص في أحد العوضين بأن يكون أحدهما أقل مما يساوي عند التعاقد”،[6] وقد اختلف الفقه الإسلامي في أثر الغبن كمبطل للعقود من عدمه إلا أن الرأي الراجح والذي بأن الغبن يُعطي الحق للمتعاقد المغبون في فسخ العقد وهذا ما سار عليه الحنابلة.[7]

ومن التعريف السابق بالغبن المبطل للعقود يتضح لنا الفرق بين بين الغبن والغش والذي يجد مناطه في أن الغبن إنما يتعلق بالعوض المادي أو مقابل التعاقد أي أن محل التعاقد صحيح وسليم إلا أن الغبن المبطل للعقد تعلق بالمقابل، كما لو قام شخص بشراء عقار من شخص ما بقيمة أقل من نصف قيمته الحقيقية المتعارف عليها في الأسواق مستغلا غفلة منه أو جهل بما يملكه وهنا يحق للشخص المغبون المطالبة بفسخ العقد. أما في حالة الغش فيستخدم المستفيد طرقا احتياليه لإخفاء عيوب لو علم المغشوش بها لما أقدم على التعاقد كما أسلفنا.

4- التمييز بين الغش وبيع النجش:

بيع النجش يمكن تعريفة بأنه زيادة في سعر سلعة ما ممن لا يريد شراؤها ولكن ليغري غيره ليبتاعها بأكثر من قيمتها الحقيقية أو لإسباغها قيمه مخالفة لقيمتها الحقيقية، وبيع النجش يجد مرادفا له في سياسات السوق فيما خص سياسات العرض والطلب فكلما زاد الطلب ارتفع السعر ولو كان الطلب وهميا أو النقص في العرض ناتج عن سياسات أو ممارسات احتكارية لا مجال للاسترسال فيها.

وبيع النجش بهذا الشكل يختلف عن الغش المبطل للبيوع في أن بيع النجش إنما يفترض وجود طرف ثالث يضارب في سعر الشيء المبيع على الرغم من عدم وجود رغبه حقيقيه في الشراء وهو بهذا الشكل يتفق مع الغش في أن كل منهما يُستخدَم فيه طرق احتيالية ويختلف عن الغش في أن المشتري يكون على علم بحالة الشيء المبيع بالكامل ولكنه وبتدخل من الغير الذي أعطاه قيمة أكبر من قيمته الحقيقية قد ابتاعه بقيمه أعلى من قيمته.

وبطبيعة الحال فإن بيع النجش فيه معصية لله تعالى حيث قال تعالى:” إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”[8]، وبوجود النص بمعصية الناجش فلا مجال للحديث عن مشروعية هذا الفعل وأما عن حالة البيع ذاته فقد اختلف في مشروعيته جمهور الفقهاء، ويُرجح الرأي القائل بعدم مشروعيته إعمالا للقاعدة الشرعية والقانونية القائلة بأن ما بني على باطل فهو باطل وفي حالة بيع النجش فإن عملية البيع ارتكزت على عملية احتيالية شابها البطلان والتحريم الشرعي بنص صريح.

ثالثا: بيان موقف الشريعة الإسلامية من الغش:

قال الله تعالى: ” وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ”.[9]وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من غشنا فليس منا ” رواه مسلم.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” البيعان بالخيار مالم يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما، محقت بركة بيعهما”، روي في الصحيحين عن حكيم بن حزام.

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: ” ما هذا يا صاحب الطعام؟ ” قال: ” أصابته السماء يا رسول الله “، قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غش فليس مني” رواه مسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: ” من باع عيبا لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه “، رواه ابن ماجة. وهو ما يؤكد على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الغش في البيوع نهيا مطلقا، ونعى الغشاش بأنه ليس من رسول الله.

وعن حكم البيع المغشوش فهو أمر محل خلاف فقهي إلا أنه وفي حال وجود عيب في أي من العوضين نصبح أمام خيار العيب، أي حق أي من الطرفين في فسخ العقد لظهور عيب لم يكن ظاهرا في مجلس التعاقد ولم يظهر بمعاينة المبيع ولم يفصح عنه البائع، وهو ما يؤثر على ركن الرضاء المكمل والمتمم لانعقاد العقد لأن المشتري ما كان ليقدم على إبرام هذا العقد إذا ما علم بالعيب غير الظاهر والذي أخفاه عنه البائع.

ويرى المالكية في بيان خيار العيب بأنه: “هو رد المبيع لما طرأ فيه من الخيار بعدم وجود وصف مشروط اشترط المبتاع له”.[10] وقد عرفة الشافعية بأنه: ” طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه إلا أن الشارع أثبت فيـه الخيار رفقاً بالمتعاقدين”.[11]

رابعا: بيان حكم الغش في النظام القانوني بالمملكة العربية السعودية:

لا يوجد بالتنظيم القانوني بالمملكة العربية السعودية تنظيما قانونيا خاص بالمعاملات المدنية بشكل مجمل كما هو الحال في أغلب دول العالم، فقد اكتفت المملكة العربية السعودية بأحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها – وبحق – هي التشريع الاسمى الملم بكافة أحكام المعاملات.

وبعد أن أوضحنا موقف الشريعة الإسلامية من الغش وأثرة على التعاقدات وهو الرأي المعمول به داخل المملكة العربية السعودية لا يمكننا أن نغفل أن المقنن السعودي قد أورد بعض الأحكام الخاصة بالغش في بعض الأنظمة الخاصة ومنها ما ورد في النظام التجاري للمملكة العربية السعودية في مادته (الخامسة) حيث نص على: ” يجب على كل تاجر أن يسلك في كل أعماله التجارية بدين وشرف فلا يرتكب غشا ولا تدليسا ولا احتيالا ولا غبنا ولا غررا “.[12]

ومن الواضح هنا أن النظام السعودي قد أفصح وبشكل صريح ووضع قاعدة عامة مجردة فيما خص جميع المعاملات التجارية، بل والمعاملات المدنية حيث نهى عن الغش والتدليس والاحتيال والغبن والغرر بشكل كامل وساير بهذا رأي الفقه الإسلامي فيما يخص ركن التجريم.

خامسا: بعض صور الغش المتعارف عليها:

1- الغش في قيمة الشيء المبيع:

وتلك الحالة تختلف عن الغبن كما أسلفنا حيث أن المشتري قد ابتاع الشيء المبيع بقيمته الحقيقية وفقا لطبائع الأمور مع عدم علمه باختلاف قيمته الذي قد ينتج عن وجود عيوب خفية أو لوجود ظروف مختلفة محيطة بالعقد.

2- الغش في حالة الشيء المبيع:

وهنا يكون الغش منصبا على إخفاء عيب في الشيء المبيع أو السكوت عنه أو العمل على عدم توضيحه بإدخال وسائل احتيالية على المشتري وفي تلك الحالة لا يشترط كما أسلفنا أن يكون دور المستفيد من الغش إيجابيا وإنما يكفي أن يكون سلبيا ففعل السكوت هنا يقصد به أمساك المعلومة وعدم الإفصاح عنها عمدا لتحقيق مزية أو منفعة مادية.

3 – الغش في الباعث على التعاقد:

وتلك الحالة لم تنال قدر من البحث إلا أنها مفترضة وينطبق عليها كافة أوصاف الغش بكامل وشروطه وهو الغش في الباعث على التعاقد، ونضرب مثالا أن يبتاع شخص أرضا ليقيم عليها مسجد أو مستشفى حتي يستفيد من تعاطف البائع في مرحلة التفاوض على قيمة التعاقد فيحصل على ميزة الشراء بسعر منخفض ليتفاجأ البائع بعدها بأن الهدف من شراء تلك الأرض كان تحقيق ربح تجاري لإعادة بيعها أو لإقامة مبنى تجاري عليها، وهنا يكون المشتري هو من استخدم الطرق الاحتيالية لاكتساب فائدة أو مزية مادية تتلخص في الشراء بسعر منخفض وهو ما ينطبق عليه كافة أوصاف الغش وان البائع لو كان يعلم بأن الشراء كان لإقامة مشروع تجاري لما اقدم على البيع بهذا المقابل.

إعداد/ حسين سمير.

[1] ابن عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الجزء الثالث، ص169.

[2] د عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، ص258 فقرة 179.

[3] د عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص259.

[4] الطعن رقم ٩٤١٠ لسنة ٧٨ قضائية، الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٧/٠٣/١٦.

[5] د عبد الرزاق السنهوري، المرجع السابق، ص290 فقرة 202.

[6] نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء، ص258.

[7] علاء الدين أبو الحسن المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، الجزء الرابع، ص394.

[8] سورة أل عمران، الآية 77.

[9] سورة البقرة، الآية 188.

[10] انظر ابن عرفة، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، الجزء الثالث ص108.

[11] شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج الجزء الثاني، ص50.

[12] يراجع في ذلك المادة (5) من النظام التجاري للمملكة العربية السعودية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (32) لسنة 1350 هـ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.