دعوى بطلان عقد البيع وفق النظام السعودي

تُعتبر دعوى بطلان عقد البيع أحد أخطر الدعاوي التي ترد على التصرفات القانونية إذ يترتب على قبول هذه الدعوى بطلان التصرف الصادر بين الأطراف وعودتهما إلى ما كانا عليه قبل التعاقد، ولما كان موضوع هذه الدعوى يدور وجودا وعدما حول انتفاء أحد أركان العقد أو شروط صحته إلى جانب مخالفة العقد للأنظمة المعمول بها داخل المملكة  وهو الأمر الذي إذا ثبت قضي ببطلان عقد، فسوف يدور حديثنا خلال هذا المقال حول بطلا ن العقد وأسبابه والأثر المترتب على القضاء في دعوى البطلان بالقبول أو الرفض على النحو الاتي:

أولا: المقصود ببطلان عقد البيع:

البطلان لغة هو ما كان ضد الحق أو خلافه والبطلان يعني لغة ذهاب الشي وزواله،[1] وقال ابن الفارس البطلان يعني قلة مكث الشيء وذهابه. والبطلان في الاصطلاح القانوني يعرف بأنه: ” هو الجزاء الذي يرتبه القانون على عدم تضمن العقد لأركانه كاملة ومستوفية للشروط اللازمة “.[2] وأضاف البعض أن البطلان يؤدي إلى انعدام اثأر العقد سواء بالنسبة للمتعاقدين أو بالنسبة للغير،[3] كما عرف الدكتور جميل الشرقاوي البطلان بأنه: (وصف يلحق التصرف القانوني يجعله معيبا منذ نشأته ومخالفا للقواعد القانونية ويؤدي إلى نتيجة مفادها عدم نفاذة ).[4]

أما الفقه الإسلامي فقد عرف البطلان بعدة تعريفات منها تعريف الآمدي للبطلان بأنه: ( ما يخالف الصحة بكل اعتبار من الاعتبارات)، كما عرفه الإمام الزيعلي في كتابه تبيين الحقائق بأنه: ( البيع على أربعة أقسام صحيح بأصله ووصفه ويفيد الحكم بنفسه وباطل وهو غير مشروع أصلا وفاسد وموقوف)،[5] كما عرفته (المادة 110) من مجلة الأحكام العدلية بأنه: ( البيع الباطل ما لا يصح أصلا يعني انه لا يكون مشروع أصلا ).

ومن جماع التعريفات السابقة سواء اللغوية أو القانونية أو الفقهية يتبين أن البطلان أساس منشأه هو أن يشوب عقد البيع عيب يمس أحد أركانه وشروطه الأساسية، فينتج عن ذلك خللا في العقد بحيث تكون أحد أركانه لا تتفق  بشكل مع ما أوجبته الشريعة والقوانين، وسواء كان هذا العيب قد مس احد أركان العقد الأساسية فيه مثل الرضا والمحل والسبب فتسبب في منع  تكون أحد الأركان أصلا أو كان العيب مؤثرا على الركن بحيث يكون الركن موجود إلا أنه مشوبا بعيب كأن يكون الرضا متولد عن إكراه أو أن يكون المحل مستحيل الوجود والمصدر الأساسي لإسباغ وصف البطلان على العقد  هو مخالفة العقد للشروط  والأركان التي أوجب القانون والفقه تواجدها في العقد.

ثانيا: الفرق بين دعوى البطلان ودعوى الفسخ:

هناك عدة فروق جوهرية بين دعوى بطلان عقد البيع وبين دعوى فسخ عقد البيع والتي تتمثل في:

1- حيث أن البطلان يعني أن العقد لم يولد من الأساس أو ولد مشوها وبه عيوب تكفي للحكم ببطلانه وزوال أثره، أما الفسخ فالعقد يولد صحيحا مستوفيا لجميع الأركان والشروط اللازمة في عقد البيع إلا أن أحد أطرافه ينكل عن تنفيذ الالتزامات التي يرتبها العقد مما يعطي الحق للطرف الثاني المطالبة قضائيا بفسخ العقد وإزالة أثاره.

2- كما أن الفسخ يكون الغرض الأساسي منه هو التأكيد على وجوب احترام الأطراف المتعاقدة لما نشأ من التزامات بينهما تأسيسا على العقد، بخلاف البطلان فالغرض منه هو إلزام أطراف التعاقد على احترام القانون وما قرره من شروط وأركان لصحة نفاذ التصرفات القانونية.

3-  فضلاً عن أن دعوى الفسخ يُمنح فيها القاضي سلطة تقديرية في تقييم أسباب الدعوى وما إذا كانت فعلا جديرة للدرجة التي تجعله يقضي بفسخ عقد البيع من عدمه، و إزاء هذه السلطة الممنوحة للقاضي يكون له الحق بعد فحصه للأوراق وبينات الأطراف أن يقضي بالفسخ أو أن يرفض الدعوى، وهذا على خلاف دعوى بطلان عقد البيع إذ تكون سلطة القاضي التقديرية فيها مقيدة ومحددة بحيث إذا رفعت دعوى البطلان وتوافرت شرائطها فلا يجوز للقاضي إعمال سلطته التقديرية ومحاولة منح العقد حجية قانونية افتقدها بفوات أحد أركانه بل يجب عليه القضاء ببطلان عقد البيع وزوال اثره وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.[6]

4- وأخيرا فإن العقد الباطل بطلان مطلق من حيث الأصل لا يحتاج إلى حكم قضائي ليحكم ببطلانه إذ أنه لم يولد من الأصل ويعتبر الحكم ببطلان عقد البيع هو حكم مقرر للحالة الواقعية والقانونية للعقد وليس حكم منشأ لواقعة قانونية مستحدثة، وذلك على خلاف الفسخ الذي يكون الحكم فيه منشأ لواقعة قانونية جديد تتمثل في زوال العقد وفسخه بعد أن كان ساريا وملزما لأطرافه.[7]

ثالثا: أنواع البطلان الذي يكون سببا في دعوى بطلان عقد البيع:

ينقسم البطلان في القوانين الوضعية وفي الفقه الإسلامي إلى أكثر من نوع ويجب الوقوف على تلك التقسيمات والأنواع بحيث إذا توافر أحدها توفر السبب والدليل اللازم لرفع دعوى البطلان وذلك باعتبار أن النظام القضائي السعودي يعتمد من حيث الأصل على ما ورد بالشريعة الإسلامية من أحكام.

1- أنواع البطلان في القانون:

قسم القانونيين العقود الباطلة من حيث الأصل إلى ثلاثة أقسام وهي العقد المنعدم والعقد الباطل بطلان مطلق والعقد الباطل بطلانا نسبيا على التفصيل الآتي:

أ- عقد البيع المنعدم: ويعرف بأنه ذلك العقد الذي افتقد لأحد الأركان الثلاثة المقررة لعقد البيع وهم الرضا والمحل والسبب فهذا العقد هو العدم سواء ومثاله العقد الذي يصدر من الهازل والعقود الصورية التي تفتقد لركن الرضا.[8]

2- عقد البيع الباطل بطلان مطلق: وهو عقد توافرت فيه الأركان اللازمة لعقد البيع إلا أنه افتقد لحد الشروط كأن يتوافر فيه الرضا إلا أن هذا الرضا صادرا من غير مميز.

3- عقد البيع الباطل بطلانا نسبيا: وهو عقد البيع الذي يصدر مكتملا الأركان إلا أن الرضا فيه مشوبا بعيب من عيوب الرضا بحيث تتوقف إجازته على زوال هذا العيب وصدور الرضا صحيحا خاليا من أي عيب.

وقد وجه لهذا التقسيم الثلاثي للبطلان انتقادات واسعة لخلطة بين البطلان والانعدام، واتجه الفقه القانوني وتبعه القضاء إلى تقسيم البطلان تقسيما ثنائيا إلى بطلان مطلق وبطلان نسبي بحيث يكون عقد البيع باطلا بطلانا مطلقا إذا افتقد إلى أحد الأركان الأساسية للعقد كالرضا أو المحل أو السبب، بينما يكون البطلان نسبيا إذا كان العيب الذي قد لحق بالعقد يمكن معالجته وتصحيحه واطلق على هذا النوع مسمى العقد القابل للإبطال إذ يتوقف القضاء ببطلانه على المطالبة بذلك بخلاف البطلان المطلق فلا يمكن تصحيحه.[9]

2- أنواع البطلان في عقد البيع في الفقه الإسلامي:

قسمت الشريعة الإسلامية العقود بشكل عام إلى عقود باطلة وعقود فاسدة وعقود موقوفة وعقود لازمة وعقود نافذة، وساوى الفقه بين العقد الفاسد والقد الباطل في أن كلاهما لا ينتج أثره أما باقي العقود فهي عقود صحيحة مستوفية لأركانها ومختلفة تماما عن العقد الباطل أو الفاسد ومع ذلك وبالنظر إلى أراء الفقهاء نجد انهم أجازوا الأخذ ببعض تقسيمات العقود الباطلة الواردة في القانون كالعقد الباطل بطلانا نسبيا فنجد أن الفقهاء قد اعتبروا أن العقد الذي ينطوي على شرط غير مشروع شرعا يجوز إنفاذه إذا تم استبعاد ذلك الشرط ويحكم ببطلان الشرط وصحة العقد، وهي صورة تشبه بشكل واضح ما يعمل به في الأنظمة القانونية فيما يتعلق بالبطلان النسبي أو القابلية للإبطال، أما إذا كان العيب الذي لحق بالعقد أصاب أحد أركانه الأساسية الرضا والمحل و السبب فيكون العقد باطلا بطلانا مطلقا ولا تصححه الإجازة.

 رابعا: أهمية التفرقة بين أنواع البطلان عند رفع دعوى بطلان عقد البيع:

للتفرقة بين البطلان المطلق والبطلان النسبي أهمية كبيرة خصوصا عندما يقرر المدعي اللجوء إلى القضاء بدعوى بطلان عقد البيع ويمكن حصر هذه الأهمية في النقاط الآتية:

1- إذا كان البطلان مطلقا فيجوز لكل ذي مصلحة التمسك بهذا البطلان كما يجوز له رفع دعوى بطلان عقد البيع ابتداء طالما كانت مصلحته معتبرة عند الحكم ببطلان هذا العقد، وبالتالي إذا كان البطلان مطلقا فلا يمكن للمدعي عليه دفع الدعوى بانعدام صفة المدعي كونه ليس من أطراف العقد فطالما استطاع المدعي إثبات مصلحته في بطلان العقد الذي ينطوي على عيب يجعله باطلا بطلانا مطلقا كان له الصفة القانونية اللازمة لرفع الدعوى ابتداء أو التدخل هجوميا في دعوى قائمة والمطالبة بالقضاء ببطلان العقد لاعتبارات مصلحته الخاصة مادامت كان أسباب البطلان متوافرة.

وعلى خلاف ذلك إذا كان العقد به عيب يوصمه بالبطلان النسبي فلا يجوز لغير أطرافه المطالبة بإبطال العقد باعتبار أن هذا الحق منح لأحد الطرفين فقط – وهو من تقرر البطلان لمصلحته – وأن سكوته على هذا العيب قد يكون من باب تصحيح العيب الذي لحق به.

2- إذا كان العقد ينطوي على عيب يجعله باطلا بطلانا مطلقا فلا يسقط الحق في رفع هذه الدعوى بالتقادم إلا بعد مرور مدة طويلة من الزمن، على خلاف البطلان النسبي الذي يخضع للأحكام العامة للتقادم وعدم جواز رفع الدعوى بعد مرور مدة معينة والتي تتسم بقصرها في العديد من الأحيان.

3- إذا كان العقد ينطوي على عيب يجعله باطلا بطلانا مطلقا فلا يجوز للأطراف تصحيح هذا العيب أو إجازته حتى لا تهدر اعتبارات النظام العام وحتى يبقى البطلان جزاء قانوني معتبر لأي مساس بأركان العقد وعدم ترك الأمر لإرادة المتصرف خالصة دون أي اعتبار للقانون،[10] وسواء قبل رفع الدعوى أو بعد رفعها، وذلك على خلاف البطلان النسبي الذي يمكن أطراف التعاقد من تصحيح العقد وإجازته سواء قبل رفع الدعوى أو حتى أثناء السير فيها وفي هذه الحالة تحكم المحكمة بانتهاء الدعوى صلحا بعد إثبات ذلك.

خامسا: الأسباب التي تؤسس عليها دعوى بطلان عقد البيع:

عند صياغة دعوى بطلان عقد البيع يجب بيان الأسباب التي على أساسها يطالب المدعي ببطلان هذا العقد، وتنحصر تلك الأسباب في أن يكون عقد البيع قد تخلف عنه أحد الأركان أو الشروط اللازمة لصحته أو أن يكون عقد البيع قد تم مخالفا لما تقرره الأنظمة السعودية وسوف نوضح ذلك على التفصيل الآتي:

1- بطلان عقد البيع لافتقاده أحد الأركان أو الشروط:

ويكون العقد باطلا إذا لحق أحد أركانه أو شروطه عيبا أدى إلى افتقاد هذا الركن كليا أو جزئيا سواء كان ركن الرضا أو المحل أو السبب:

أ- الرضا :

يعتبر تراضي أطراف العقد هو أحد الأركان الأساسية لنشوء العقد فيجب أن يصدر من أحد اطرف العقد إيجابا يواجه قبولا من الطرف الآخر بحيث يكون تلاقي الإرادتين سببا في نشوء العقد وإحداث أثره القانوني، ويجب في هذا التراضي أن يكون واضحا وصريحا وأن يكون متحد في الموضوع بحيث يكون كلا الطرفين على علم يقيني بموضوع العقد بحيث يبتعد عن تراضي الأطراف أي عيب يدل على حدوث لبس أو غموض فيما تراضيا عليه.

كما يجب أن يكون التراضي قد صدر من المتعاقدين في مجلس واحد طالما كانا في مجلس العقد أو أن يتصل الإيجاب من أحد الأطراف مع قبول الأخر الغائب بمجرد وصول الإيجاب إليه ويجب أن يكون ذلك التراضي قد صدر من ذي صفة وممن تتوافر فيه الأهيلة القانونية اللازمة لإبرام التصرفات القانونية وهناك بعض العيوب التي قد تلحق بالتراضي فتجعل التراضي باطلا أو قابلا للإبطال ومنها:

  • أن ينتهي مجلس العقد والبائع والمشتري حاضران دون أن يصدر منهما تراضي على العقد فلا يتصل الإيجاب الصادر من أحدهما مع القبول من الأخر.
  • أن يتراجع أحد أطراف عقد البيع عن الإيجاب أو القبول الذي أبداه قبل الخروج من مجلس العقد.
  • أن يفقد أحد أطراف عقد البيع أهليته القانونية قبل حدوث التراضي بين أطراف عقد البيع.
  • أن يلحق بالمبيع عيبا يؤدي إلى هلاكه أو نقصان قيمته بشكل كبير قبل اتصال الإيجاب الصادر من أحدهما بالقبول من الطرف الأخر.

 ب – المحل:

والمحل في عقد البيع هو الشيء الذي يكون موضوع البيع والشراء كالدار والسيارة، أي المبيع في عقد البيع، ويشترط في المحل أن يكون مالا متقوما مما يجوز التعامل فيه شرعا وقانونا فإذا كان محل عقد البيع مخدرات أو خمور أو لحم خنزير انتفى ركن المحل وأصبح عقد البيع مفتقدا لأحد أركانه ويكون باطلا بطلانا مطلقا، كما يجب أن يكون المحل مُعين تعيين دقيق بحيث يمكن تمييزه عن غيره، فإذا كان المحل غير مُعين لأدى ذلك إلى بُطلان العقد بُطلان مطلق.

ج – السبب:

وهو الباعث والغرض من عقد البيع ويشترط في السبب ما يشترط في المحل من حيث وجوب أن يكون السبب مشروعا وغير مخالف للشريعة الإسلامية أو الأنظمة القانونية في المملكة وإذا كان السبب في عقد البيع غير مشروعا وقع عقد البيع تحت الجزاء المقرر قانونا لانتفاء ركن من أركانه وهو بطلانه وزواله بأثر رجعي.

2- النصوص القانونية لتي تقرر بطلان التصرفات لمخالفتها في الأنظمة السعودية:

لا يتوقف الحق في رفع دعوى بطلان عقد البيع على مخالفته للأركان والشروط اللازمة فقط، بل يجوز لكل ذي مصلحة رفع دعوى بطلان عقد البيع إذا كان العقد ينطوي على مخالفة لنص قانوني قررته أحد الأنظمة السعودية ومن ذلك:

أ- بطلان عقد البيع الذي يصدر لأحد الأجانب بقصد تمليكه عقارا داخل حدود مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة إذ أن عقد البيع في هذه الحالة يكون مخالفا لنظام تملك غير السعوديين للعقار واستثماره، حيث نص النظام في المادة الخامسة منه على أن: ( لا يجوز لغير السعودي بأي طريق غير الميراث اكتساب حق الملكية أو حق الارتفاق أو الانتفاع على عقار واقع داخل حدود مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ويستثنى من ذلك اكتساب حق الملكية إذا اقترن بها وقف العقار المملوك طبقا للقواعد الشرعية على جهة معينة سعودية وبشرط أن ينص في الوقف على أن يكون للمجلس الأعلى للأوقاف حق النظارة على الموقوف. على أنه يجوز لغير السعودي من المسلمين استئجار العقار داخل حدود مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة لمدة لا تزيد على سنتين قابلة للتجديد لمدة أو مدد مماثلة).

ب- ما نصت عليه (المادة 187) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي بأنه: ( كل إجراء مخالف للشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلا ).

ج- ما نصت عليه (المادة الخامسة) من نظام المرافعات الشرعية السعودي بأنه: (يكون الإجراء باطلا إذا نص النظام على بطلانه أو شابه عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء).

سادسا: الأثر المترتب على الحكم في دعوى بطلان عقد البيع:

ينبني على رفع دعوى بطلان عقد البيع أحد أمرين:

الأمر الأول: أن ترفض المحكمة الدعوى وذلك إذا ثبت لها يقينا أنها أقيمت على غير سند أو دليل يقيني ويمكن للقاضي أن يقف على ذلك بوضوح بالتعرض للعقد محل الدعوى بالفحص الدقيق للوقوف على توافر أركانه وشروطه من عدمه، بحيث إذا تبين له عدم صحة ما يدعيه المدعي وفقا لما يقتضه الفقه والنظام وخلو العقد من أي عيب أو سبب من أسباب البطلان قضى برفض الدعوى ما يعني بقاء عقد البيع منتجا لآثاره بين أطرافه ولا يمكن لأي منهما التحلل من التزامات العقد التي يفرضها.

الأمر الثاني: أن يرى القاضي بعض فحصه وبحثه لأدلة المدعي ثبوت انطواء العقد على عيب يؤدي إلى بطلان العقد سواء كان بطلانا كليا أو نسبيا إذ يترتب على ذلك القضاء بطلان العقد وينتج عن ذلك القضاء زوال العقد وزوال أثاره القانونية ويصبح عقد البيع هو والعدم سواء وتعود حالة المتعاقد القانونية إلى الحالة التي كانا عليها قبل صدور العقد ولا يجوز لأحد أطرافه مطالبة الطرف الآخر بتنفيذ التزامات ذلك العقد لأنه هو والعدم سواء.

سابعا: بعض السوابق القضائية فيما يتعلق ببطلان عقد البيع:

1- حكم ببطلان عقد البيع لانتفاء أحد أركان عقد البيع وهو ركن المحل وذلك في القضية رقم 1134 الصادر بتاريخ 26-4-1441 حيث جاء نص الحكم:

أ- الأسباب:

فبناء على الدعوى والإجابة وما مضى من مرافعات ومذكرات بين الطرفين، ولما كانت غاية المدعيين من دعواهما هي الحكم لهما بثبوت بطلان بيع المدعى عليه لحصص في مصنعه للمدعيين بناء على أن المصنع محل النزاع كان مرهونا لصندوق التنمية الصناعي؛ ولما كانت غاية المدعي من دعواه المضمومة إلزام المدعى عليهم هناك بتقديم حصتهم من الرهن وإلزامهم بإتمام الإجراءات النظامية لنقل ترخيص المصنع للشركة الجامعة بين الأطراف بعد موافقة الصندوق؛ وكذلك التعويض عن الضرر.

ولما كان محل البيع مرهونا ومقبوضا قبضا حكميا من المرتهن؛ بقيام الصندوق بمخاطبة كتابة العدل لإيقاف التصرف في المصنع؛ ولما كان الراجح أن بيع المرهون المقبوض من المرتهن موقوف على إجازته؛ ولما خاطبت الدائرة الصندوق المرتهن عن ذلك، ولما أبدى الصندوق عدم موافقته على البيع؛ ولأن إتمام البيع وتصحيحه مما تدعو إليه الحاجة إلا إذا وقع فيه بطلان لا يمكن معه تصحيح، أو ضرر أكبر من مصلحة الإمضاء، ولما كان البيع قد وقع على المصنع أصلا وعلى ما دونه من الوكالة وسجل فرع المؤسسة تبعا؛ فقد ثبت للدائرة بطلان البيع محل النزاع. ولما كان البيع بين الأطراف باطلا فقد وجب رد الثمن إلى المشتري؛ ولما نص العقد على استلام الثمن؛ ولم ينازع المدعى عليه في استلامه؛ فقد ثبت للدائرة استحقاق المدعيين لما طلبا، ورأت الدائرة وجاهة الحكم لهما بذلك. ولما ثبت للدائرة بطلان عقد البيع بين الطرفين، ولما كانت طلبات المدعي خالد في دعواه المضمومة مبنية على إلزام خصومه بما يدعي بأنها شروط ذلك البيع ومقتضياته، فقد ثبت للدائرة عدم استحقاقه لما يطلب ورأت وجاهة الحكم برفض جميع طلباته بناء على ذلك. ولا ينال مما سبق كون سجل فرع المؤسسة مالكة المصنع قد انتقل إلى ملكية الشركة لأن الترخيص الصناعي للمصنع لا يزال باسم المالك خالد بإقرار الأطراف؛ وبالتالي فالانتقال ليس على الحقيقة هنا فلا يزال خالد يملك المصنع نظاما بموجب الترخيص الرسمي. ولا ينال من ذلك أيضا علم أو جهل الأطراف ببطلان العقد بناء على مبطل خارجي أو داخلي؛ لأن العبرة بحقيقة ما في الأمر لا بما في ظن المكلفين. ولا ينال من ذلك قول القائل أن التصرف في الحصص بنقل ملكيتها يسقط خيار العيب؛ لأنه ولو سلمنا بذلك جدلا -بعد ثبوت عدم نقل الترخيص الصناعي- فالموجب هنا ليس التعييب بالرهن وإنما بطلان العقد لعدم إجازة المرتهن. ولذلك كله فقد رأت الدائرة وجاهة الحكم بمنطوقه.

ب- منطوق الحكم

بالعدول عن حكمها السابق في القضية والقاضي: (برفض هذه الدعوى) والحكم مجددا بالتالي: أولا: بثبوت بطلان عقد بيع المصنع بين الأطراف والذي كان يوم الثلاثاء ١٧ شوال ١٤٣٨هـ.

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، للجوري، ج ٤، ص 1635.

[2] د/ السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، ج 3، ص 89.

[3] سليمان مرقس، نظرية العقد، دار الكتب القانونية, 1998، ص 206.

[4]د/ جمل الشرقاوي، نظرية بطلان التصرف القانوني في القانون المدني المصري، ص (٧١.(

[5] الزيعلي، تبيين الحقائق، ج 4، ص 44.

[6] د/ سليمان مرقس، الوافي في عقد البيع، دار الكتب القانونية، ط١ ،١٩٩٠م، فقرة (٣٠١ (

[7] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج3، ص 71.

[8] د/ السنهوري -مصادر الحق، ج4، ص 90.

[9]د/ السنهوري، مصادر الحق، ج4، ص 92.

[10] د/ أحمد حشمت أبو ستیت، نظرية الالتزام في القانون المدني الجديد، ص (٢٥٩).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.