السبب في العقد وفق النظام السعودي

مما لا شك فيه أن الإنسان لا يقدم على إبرام عقد من العقود أو إجراء تصرف إلا إذا كان هناك سبب يدفعه إلى ذلك، ونظرية السبب في العقد من المواضيع ذات الأهمية الكبرى. فإذا كان السبب الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد مشروعاً كان العقد مشروعاً أما إن كان السبب غير مشروع فمن المؤكد أن العقد الذي تم إبرامه بناءً على هذا السبب الغير مشروع هو عقد غير صحيح، وهو ما سنوضحه في النقاط التالية:

أولاً: مفهوم السبب:

يُعرف السبب وفقاً للنظرية التقليدية بأنه: ” الغرض المباشر الذي يقصد المتعاقد الوصول إليه”.[1] فالسبب بناءً على هذه النظرية هو الغرض المباشر الذي دفع المتعاقد إلى إبرام عقده والالتزام به، وهو سبب واحد بالنسبة لكل العقود ذات الطبيعة الواحدة فمثلاً عقود المعاوضة يكون سبب التزام البائع بتسليم المشتري للمبيع هو التزام المشتري بتسليم البائع لثمن المبيع.

أما السبب وفقاً للنظرية الحديثة فيعرف بأنه: “الباعث الدافع إلى التعاقد.” فالنظرية الحديثة لا تنظر إلى السبب نظرة قاصرة وتكتفي بالغرض المباشر الذي دفع المتعاقد إلى إبرام عقده وإنما تتعدى ذلك وتنظر في الباعث الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد فمثلاً الباعث الذي دفع المشتري إلى شراء العقار هو أن يسكن فيه.

والسبب من وجهة نظر النظرية الحديثة يكون ذا معيار شخصي يختلف من شخص لآخر ومن عقد لآخر، أما السبب من وجهة نظر النظرية التقليدية فهو ذا معيار موضوعي يكون واحداً في العقود ذات الطبيعة الواحدة.

وقد أخذت الشريعة الإسلامية بنظرية السبب الذاتي أو الباعث في التعاقد.

ثانياً: شروط السبب في العقد:

يشترط في السبب عدة شروط لكي يكون العقد صحيحاً وهذه الشروط هي:[2]

1- أن يكون السبب موجوداً:

فيجب أن يكون السبب الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد موجوداً وقت إبرام العقد ويظل موجوداً إلى وقت تنفيذ العقد إذ لولا هذا السبب لما أقدم على التعاقد.

2- أن يكون السبب مشروعاً:

أي غير مخالف لأحكام الشرع أو غير متعارض مع النظام العام والآداب العامة وإلا كان العقد غير صحيح.

ثالثاً: دور مشروعية السبب في مرحلة انعقاد العقد:

تنعقد العقود بارتباط إيجاب أحد المتعاقدين بقبول المتعاقد الآخر، والإيجاب والقبول ما هما إلا تعبيران عن الإرادة.[3]

ويجب أن تكون الإرادة الباطنة والظاهرة متوافقة لدى المتعاقدين أي أن تكون ألفاظ العقد موافقة لنية المتعاقدين، فإذا خالفت الإرادة الباطنة الإرادة الظاهرة كان العبرة بالإرادة الباطنة.

ولما كان السبب وهو الباعث الدافع إلى التعاقد، أي أنه أمر نفسي باطني كذلك الإرادة أمر نفسي فينبغي معرفة دور مشروعية السبب في تحقيق التراضي، وكذلك عيوب الرضا وعلاقته بمشروعية السبب وذلك فيما يلي:

1- دور مشروعية السبب في تحقيق التراضي:

يجب أن يكون رضا المتعاقدين بالعقد مشروع وذلك بأن يكون صادراً عن ذي أهلية لإبرام العقد الذي يرغب في إبرامه بحيث يكون المتعاقدين أهلاً لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات الناشئة عنه.

وإذا كان السبب هو الباعث الدافع إلى التعاقد أي أنه هو الذي يعبر عن النية الباطنة للتعاقد فهو يكون مرتبط بأهلية المتعاقد فمثلاً:

إذا كان المتعاقد عديم الأهلية بأنه لم يبلغ سن التمييز أو كان مجنوناً أو معتوهاً فإنه لا يستطيع التعبير عن إرادته ولا يستطيع التمييز أو الإدراك لذلك لا يمكن أن يصدر منه سبب لإبرام العقد ويكون التصرف الصادر من هؤلاء باطل بطلاناً مطلقاً.

وإذا كان المتعاقد ناقص الأهلية كالصبي المميز أو ذو السفه أو الغفلة فإن التصرفات النافعة نفعاً محضاً كقبوله للهبة والوصية فهي تصرفات مشروعة لأنها تعود بالنفع على ذمته المالية، أما التصرفات الضارة ضرراً محضاً كأن يهب الصبي المميز أو يوصي فهي غير مشروعة لأنها تنقص من ذمته المالية، وأما التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والإجارة فهي مشروعة بإذن الولي أما إن لم يأذن بها الولي فإنها تكون غير مشروعة.

وقد يكون المتعاقد كامل الأهلية أي بالغاً سن الرشد يتمتع بالإدراك والتمييز إلا أنه يتمتع بصفة معينة كأن يكون نائباً في التعاقد عن الأصيل ففي هذه الحالة يجب أن يكون سبب التصرف الذي يتم الإنابة فيه مشروعاً حتى يكون التصرف مشروعاً وتكون إرادة النائب معتبرة طالما أنها في حدود الاختصاص لأنها حينئذ تعبر عن إرادة الأصيل أما إن تجاوز النائب حدود الإنابة فإن إرادته تكون غير معتبرة إلا إذا أجازها الأصيل.

2- عيوب الرضا ومشروعية السبب:

تتمثل عيوب الرضا في الإكراه، والغلط، والتدليس، والغبن أو الاستغلال فما مدى علاقة هذه العيوب بسبب العقد؟ وهو ما سوف يتضح لنا في النقاط التالية:

أ- الإكراه وعلاقته بمشروعية السبب:

يقصد بالإكراه: “إجبار شخص على فعل عمل معين دون رضاه”. فالإكراه يؤثر على حرية المتعاقد فيسلبه حقه في حرية الرضا بإبرام عقد معين من عدمه، ويكون المتعاقد مجبراً على إبرام هذا العقد لدفع التهديد الواقع عليه.

وإذا كان الرضا هو عنصر في الإرادة فإنه سيؤثر على سبب العقد الذي هو الباعث الدافع إلى التعاقد. فإذا أبرم المتعاقد العقد وهو مكره على ذلك بسبب التهديد الواقع عليه دل ذلك على أن الباعث الذي دفعه إلى التعاقد غير مشروع لأنه ما كان سيبرم هذا العقد لولا التهديد والرهبة الناتجة عنه في نفس المتعاقد، فمثلاً إذا أكره المتعاقد على إبرام عقد بيع عقار يملكه للمكره لدفع تهديد المكره بقتله ففي هذه الحالة يكون الباعث الذي دفع المتعاقد إلى إبرام عقد البيع هو باعث غير مشروع.

ويشترط في الإكراه لكي يكون عيباً في الرضا وكذلك لاعتباره باعث غير مشروع أن يشتمل على خطر جسيم يصيب المتعاقد في جسده أو ماله أو أقاربه.

ويترتب على إبرام العقد بدافع الإكراه الواقع على المتعاقد أن يكون هذا العقد قابلاً للإبطال لمصلحة المكره بعد زوال الإكراه لأن إرادة المتعاقدين لم تكن متطابقة وقت إبرام العقد فحفاظاً على مصلحة المكره يكون من حقه الموافقة على إبرام العقد أو عدم الموافقة على ذلك بعد زوال الإكراه.

ب- الغلط وعلاقته بمشروعية السبب:

يقصد بالغلط: “توهم في ذهن المتعاقد يدفعه إلى تصور الأمر على خلاف حقيقته”. فالغلط يكون نتيجة لتوهم في ذهن المتعاقد تابع من تلقاء نفسه دون تأثير من طرف آخر عليه بخلاف التدليس الذي يوهم فيه شخص آخر بوسائل تدفعه إلى التعاقد.

ويشترط في الغلط أن يكون جوهرياً سواء أكان غلط في صفة جوهرية أو في شخص المتعاقد الآخر الذي يكون محل اعتبار في العقد لأن المتعاقد الذي وقع في الغلط ما كان ليقدم على إبرام العقد لولا هذه الصفة أو الشخص ومن ثم تكون هي الباعث الذي دفعه إلى التعاقد.

ومثال ذلك: شراء المتعاقد لوحة فنية توهم أنها لفنان معين فاتضح أنها مزورة فالمشتري في هذه الحالة ما كان سيقدم على شراء اللوحة لولا اعتقاده بأنها لشخص الفنان فكان شخص المتعاقد هو الدافع الذي دفعه لإبرام العقد.

ويترتب على وقوع المتعاقد في غلط جوهري أن يكون العقد قابلاً للإبطال لمصلحته.

ج- التدليس وعلاقته بمشروعية السبب:

يقصد بالتدليس: “استخدام الحيلة والغش بقصد إيقاع المتعاقد في غلط يدفعه إلى التعاقد”. فالتدليس يحدث من شخص آخر ولا يكون ناتج عن توهم تلقائي في ذهن المتعاقد، ولولا هذا التدليس لما أقدم المتعاقد على إبرام العقد لذلك كان التدليس هو الباعث الدافع إلى التعاقد وهو باعث غير مشروع. ويترتب على التدليس بطلان العقد بطلاناً نسبياً لمصلحة المتعاقد الذي وقع في التدليس.

د- الغبن أو الاستغلال وعلاقته بمشروعية السبب:

يقصد بالغبن: “عدم التعادل بين ما يعطيه أحد المتعاقدين وبين ما يأخذه الآخر”، أما الاستغلال فهو: “الاستفادة من حالة الضعف التي توجد في المتعاقد الآخر لأخذ مزايا لا تقابلها منفعة للمتعاقد الآخر”.

فالاستغلال هو الباعث الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد والذي لولاه لما أقدم على إبرام هذا العقد وهذا الباعث يكون غير مشروع لأنه منطوي على استغلال لحالة الضعف التي تعتري المتعاقد الآخر لكونه سفيه أو معتوه فيجعل ما يقدمه من التزام لا يتناسب البتة مع المنفعة التي يحصل عليها. ومثال ذلك شراء مال يملكه المحجور عليه بثمن زهيد لا يتناسب مع قيمة المال الحقيقية.

ويشترط أن يكون الغبن فاحش أما الغبن اليسير فلا يؤثر في صحة العقد. ويترتب على الغبن الفاحش والاستغلال أن يكون العقد قابلاً للإبطال لمصلحة المتعاقد الذي وقع في الغبن الفاحش أو الاستغلال.

رابعاً: إعمال الباعث غير المشروع في الشريعة:

يذهب ابن القيم إلى القول بأن: ” القصد روح العقد ومصححه ومبطله فاعتبار المقصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ، فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقد هي التي تراد لأجله، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاءً لما يجب اعتباره واعتباراً لما يسوغ إلغاؤه.”[4]

فبناءً على هذا القول يعتد بالإرادة الباطنة للمتعاقد والباعث على التعاقد وسوف نوضح هذين النقطتين مع حالة علم المتعاقد الآخر بالباعث إذا كان غير مشروع وذلك فيما يلي:

1- نطاق الإرادة الباطنة:

يجب أن تكون الإرادة الباطنة واللفظ المعبر عنها متطابقين حتى يكون التصرف صحيحاً فإذا خالفت الإرادة الباطنة اللفظ الذي نطق به المتعاقد فإن العبرة حينئذ بالإرادة الباطنة إذ العبرة في العقود للمعاني والمقاصد دون الألفاظ والمباني.

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: “وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصداً لها، مريداً لموجباتها، كما أنه لابد أن يكون قاصداً للتكلم باللفظ مريداً له فلابد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختياراً، وإرادة موجبة مقتضاه، بل إرادة المعنى من إرادة اللفظ فإنه المقصود وسيلة.”

2- نطاق الباعث على التعاقد:

فالشريعة الإسلامية تأخذ بنظرية الباعث في التعاقد وتجعل الباعث محل اعتبار في العقد فإذا كان الباعث مشروعاً وغير مخالف للنظام العام والآداب العامة كان العقد صحيحاً أما إن كان الباعث على خلاف ذلك فالعقد غير صحيح.

ومثال ذلك يحرم نكاح المحلل، حتى لو لم ينص في العقد على أن سبب هذا النكاح هو التحليل طالما كان الباعث النفسي والإرادة الباطنة اتجهت إلى أن هذا النكاح هو لتحليل زواج المرأة من زوجها الذي طلقها ثلاثاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “لعن الله المحلل والمحلل له.”

3- علم المتعاقد الآخر بالباعث غير المشروع:

يعتد المذهب الحنبلي بالباعث غير المشروع في عدم صحة التصرف ولو لم يكن منصوصاً عليه في العقد صراحة طالما كان المتعاقد الآخر على علم بهذا الباعث الغير مشروع أو كان بإمكانه أن يعلمه، ويستدل على ذلك من الظروف والوقائع المحيطة بالتعاقد، وقد وافقه المذهب المالكي في ذلك.

ومثال ذلك: أن يبيع شخص العنب لمن يملك محل خمور ولم ينص في العقد على أن العنب سيعصر خمراً، ففي هذه الحالة يوجد قرينة على أن العنب سوف يعصر خمراً ومن ثم يكون من المفترض علم المتعاقد الآخر بهذا الباعث الغير مشروع ويكون العقد غير صحيح حينئذ.

أما المذهب الحنفي والشافعي فهما لا يعتدان بالباعث غير المشروع طالما أنه لم ينص عليه صراحة أو ضمناً في العقد وقال الشافعي وأبو ثور: “المحلل الذي يفسد نكاحه هو الذي يعقد عليه في نفس عقد النكاح أنه إنما يتزوجها ليحلها ثم يطلقها، فأما من لم يشترط ذلك في عقد النكاح فعقده صحيح لا داخله فيه سواء شرط ذلك عليه قبل العقد أو لم يشترط، نوى أو لم ينو، وقال أبو ثور وهو مأجور.”

الخاتمة:

يتضح لنا من خلال النقاط السابق ذكرها أن سبب العقد هو الباعث الذي دفع المتعاقد إلى إبرام العقد، وهذا الباعث يدل على النية الباطنة للمتعاقد. ولكي يكون العقد صحيحاً يجب أن يكون الباعث الدافع إلى إبرامه مشروع وغير مخالف للنظام العام والآداب العامة.

وتكون العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني دون الألفاظ والمباني فإذا خالف المعنى المقصود من العقد اللفظ الذي تلفظ به المتعاقد كان العبرة بالمعنى دون اللفظ لذلك إذا أبرم شخص عقد بيع مثلاً وهو في حالة إكراه فإن هذا البيع يكون غير صحيح.

إعداد/ أبرار سيد.

[1] دراغمة، بشار فريح سليمان، السبب في العقد، موقع دار المنظومة، ص27، وانظر: جمعة، رمضان، السبب الباعث وأثره في صحة العقد أو بطلانه، دراسة فقهية قانونية مقارنة، موقع دار المنظومة، ص101.

[2] انظر: ماء العينين، حمداتي شبيهنا، نظرية السبب في الفقه الإسلامي، موقع دار المنظومة، ص182وما بعدها.

[3] انظر: حجازين، مارلين رائد إبراهيم، دور مشروعية السبب في نظرية العقد، ص5 وما بعدها.

[4] دراغمة، بشار فريح سليمان، المرجع السابق، ص106وما بعده وانظر: حجازين، مارلين رائد إبراهيم، المرجع السابق، ص38وما بعدها، وانظر: جمعة، رمضان، المرجع السابق، ص105وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.