الرجوع عن البيع في النظام السعودي

إن البيع من العقود الملزمة للجانبين التي لا يجوز فسخها بالإرادة المنفردة لأحد المتعاقدين، ولكن هل يعني ذلك أنه بمجرد انعقاد البيع فإنه يصبح لازماً لكلا المتعاقدين أم أن باستطاعتهما التحلل من الالتزامات الناشئة عن البيع والرجوع فيه؟ وهذا ما سوف نجيب عنه في هذا المقال وفقاً للنظام السعودي في النقاط التالية:

وتفصيل ذلك على النحو التالي:

أولاً: القوة الملزمة لعقد البيع في النظام السعودي:

يندرج عقد البيع ضمن عقود المعاوضة الملزمة للجانبين، إذ بمجرد توافق الإيجاب والقبول بين البائع والمشتري وانعقاد العقد فإن العقد يكون ملزماً لكلا الطرفين.[1] وبناءً على ذلك لا يجوز لأحد طرفي عقد البيع الرجوع عن هذا العقد بإرادته المنفردة، بل لابد من الاتفاق بينهم على الرجوع وعدم تنفيذ العقد فالعقد شريعة المتعاقدين.

ويجوز الرجوع عن البيع عن طريق الاتفاق بين البائع والمشتري على عدم تنفيذ العقد وهو ما يعرف بالإقالة أو التفاسخ، كما يجوز الرجوع عن البيع عن طريق خيار الرؤية أو التجربة، أو خيار الشرط وغير ذلك.

وبذلك يختلف عقد البيع المدني عن عقود الإذعان التي تكون فيها الدولة طرف في التعاقد بوصفها سلطة عامة إذ تملك الرجوع عن العقد بإرادتها المنفردة.

ثانياً: الإقالة (التفاسخ) في النظام السعودي:

إذا كان عقد البيع من العقود الملزمة للجانبين ومن ثم لا يجوز لأي من المتعاقدين الرجوع عن البيع أو الشراء بإرادته المنفردة، إلا أن إلزامية عقد البيع ليست مطلقة إذ يستطيع المتعاقدان الاتفاق فيما بينهما على الرجوع عن إتمام عقد البيع فيما يعرف بالإقالة أو التفاسخ، فما المقصود بها؟ وما هي شروط صحتها؟ وما هي آثارها؟ وهذا ما سوف نجيب عنه في النقاط التالية: [2]

1- المقصود بالإقالة:

يقصد بالإقالة أو التفاسخ: الاتفاق بين المتعاقدين على إنهاء العقد. فالإقالة اتفاق بين البائع والمشتري على إنهاء عقد البيع ومن ثم فهي استثناء على عدم جواز الرجوع عن العقد بالإرادة المنفردة إذ يستطيعان الاتفاق على إنهاء البيع كما اتفقا على إنشاء عقد البيع.

فقد يجد أحد الطرفين أنه لن يستطيع تنفيذ الالتزامات الناشئة عن عقد البيع أو أنه لم يعد بحاجة لمثل هذا البيع أو الشراء فيجوز لهم الاتفاق على إنهاء العقد حتى يتحقق الاستقرار في المعاملات بين الناس.

ويدل على جواز الإقالة أو التفاسخ قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة.”

2- شروط صحة الإقالة:

لكي تتم الإقالة صحيحة لابد من توافر شروط موضوعية عامة وأخرى خاصة وهذه الشروط هي:

أ- الشروط العامة لصحة الإقالة:

يشترط لصحة الإقالة شروط عامة تتوفر في سائر العقود إذ الإقالة تعتبر عقد لذلك يجب أن يتوافر فيها:

– التراضي بين المتعاقدين:

فيجب أن يكون المتعاقدين راضيين بالإقالة، ويكون التراضي بينهم عن طريق صدور الإيجاب من المتعاقد الراغب في الرجوع عن البيع ويسمى بالنادم وصدور قبول من المتعاقد الآخر المعروض عليه الإقالة أو التفاسخ.

ويشترط في الرضا في الإقالة كالرضا في البيع، وذلك بأن تكون صادرة من ذي أهلية لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، كما يشترط أن يكون الرضا خالياً من عيوب الإرادة كالإكراه، والغلط، والتدليس، والاستغلال.

ويشترط في التراضي في عقد الإقالة اتحاد مجلس الإيجاب والقبول ومن ثم لا يجوز أن يصدر الإيجاب والقبول من متعاقدين غائبين. ولا يشترط شكل معين لصدور الإيجاب والقبول فيستوي أن يكون صريحاً أو ضمنياً.

– محل الإقالة:

يقصد بمحل العقد: المعقود عليه الذي يتم إنشاء العقد من أجله وهو المبيع والثمن في البيع. ويشترط في المحل أن يكون مالاً متقوماً أي له قيمة شرعية فلا يجوز أن يكون دماً أو خمراً، كما يشترط أن يكون موجوداً أو قابلاً للوجود وغير مستحيل. كما يجب أن يكون المعقود عليه معلوماً لكلا المتعاقدين علماً نافياً للجهالة بأن يكون معيناً أو قابلاً للتعيين.

ويشترط في عقد البيع الذي يتم التقايل فيه أن يكون هذا العقد لازم أي أن يكون البيع الذي يتم الرجوع فيه بيعاً لازماً خالياً من الخيارات كخيار الشرط أو الرؤية أو التجربة. كذلك يشترط في عقد البيع أن يكون صحيحاً أما إذا كان عقد البيع باطلاً فلا يصح اٌلإقالة فيه لأن العقد الباطل منعدم وجود له.

– سبب الإقالة:

يقصد بالسبب: الباعث الدافع إلى التعاقد. فيجب أن يكون للإقالة سبب مشروع غير مخالف للنظام العام والآداب العامة، كما يجب أن يكون هذا السبب موجود وصحيح.

ب- الشروط الموضوعية الخاصة بعقد الإقالة:

هناك شروط خاصة بعقد الإقالة وهذه الشروط هي:

– اتحاد مجلس العقد:

فيجب أن يصدر الإيجاب والقبول من كلا المتعاقدين في مجلس العقد ومن ثم يجب أن يكونا حاضرين في مجلس العقد ولا يصح أن يكونا غائبين.

– أن يكون المعقود عليه قائماً وقت الإقالة:

فيجب أن يكون المعقود عليه أي المبيع والثمن موجود وقت توافق الإيجاب والقبول حتى يرد كل طرف ما أخذه من الطرف الآخر ويزول العقد ويرجع المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. وبناءً على ذلك إذا هلك المبيع كله مثلاً أو تغيرت طبيعته بأن كان قماشاً فأصبح ثوباً لم يصح الإقالة.

– أن يكون المعقود عليه مملوكاً للعاقد وقت الإقالة:

وبناءً على ذلك إذا تصرف العاقد في المعقود عليه بأن باع المشتري ما اشتراه للغير فلا يصح الإقالة لزوال ملك المعقود عليه.

3- الآثار القانونية للإقالة:

يترتب على الإقالة عدة آثار سواء فيما بين المتعاقدين أو بالنسبة للغير وهذه الآثار هي:

أ- أثر الإقالة بالنسبة للعاقدين:

اختلف فقهاء الشريعة الإسلامية حول الأثر المترتب على الإقالة بالنسبة للمتعاقدين هل يعتبر فسخ أم يعتبر عقد جديد؟

فذهب الحنابلة والشافعية أنها فسخ لعقد البيع الأول مطلقاً. وذهب الحنفية إلى أنها فسخ في حق المتعاقدين وبيع جديد في حق الغير. أما المالكية وأبو يوسف والظاهرية فذهبوا إلى أن الإقالة بيع جديد.

ويترتب على ذلك أن من اعتبر الإقالة فسخ في حق المتعاقدين فإن معنى ذلك أن البيع الأول قد زال بأثر رجعي ويعتبر البيع كأن لم يكن ويجب أن يرد كل متعاقد ما أخذه من الآخر فإن استحال الرد حكم القاضي بالتعويض.

أما بالنسبة لمن اعتبر الإقالة عقد جديد بالنسبة للمتعاقدين فإن زوال البيع الأول يكون بالنسبة للمستقبل ولا يزول بإثر رجعي.

وفيما يتعلق بالتشريع المقارن فقد اعتبر المشرع الأردني الإقالة فسخ بالنسبة للمتعاقدين يترتب عليها زوال البيع بأثر رجعي وهو ما أكدت عليه (المادة 243) من القانون المدني الأردني بقولها: “الإقالة في حق العاقدين فسخ وفي حق الغير عقد جديد.”

ب- أثر الإقالة بالنسبة للغير:

يترتب على إقالة البيع أن تعتبر هذه الإقالة بمثابة عقد جديد بالنسبة للغير ومن ثم لا تتأثر الحقوق التي اكتسبها الغير بعد إبرام عقد البيع الأول وذلك حفاظاً على مصلحة الغير حسن النية.

ومثال ذلك: إذا قام المشتري برهن العقار الذي اشتراه من البائع ثم بعد ذلك رجع البائع عن هذا البيع فإنه يسترد العقار محملاً بالرهن حتى لا يضار حقوق الدائن المرتهن.

ثالثاً: خيار الرؤية في النظام السعودي:

إذا كان البيع قد انعقد بشرط خيار الرؤية فإن هذا العقد يكون لازماً بالنسبة للبائع وغير لازم بالنسبة للمشتري الذي ثبت له خيار الرؤية في حالة شرائه مبيع لم يره فيكون له الخيار إذا رآه إما بتنفيذ العقد أو بالرجوع عنه وسوف نبين ماهية خيار الرؤية، ومن يثبت له هذا الخيار، ووقت ثبوته، وشروطه، ومتى يسقط خيار الرؤية في النقاط التالية:[3]

1- المقصود بخيار الرؤية:

يقصد بخيار الرؤية: بأنه الخيار الذي يثبت للمشتري في عقد البيع إذا اشترى ما لم يره وقت العقد أو قبله فهو بالخيار إذا رآه بين إمضاء العقد أو فسخه.

فإذا قام المشتري بشراء عين غائبة لم تكن موجودة وقت العقد أو قبلها ثم رآها بعد العقد فيكون له الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه سواء وجدها على الصفة التي وصفت له أم كانت مخالفة لما تم وصفه له وهذا القول هو الراجح عند أبي حنيفة.

ويقوم وصف المبيع مقام الرؤية لأن المبيع يجب أن يكون معلوماً علماً نافياً للجهالة وهو يتحقق بالوصف.

2- من يثبت له خيار الرؤية:

يثبت خيار الرؤية للمشتري دون البائع لأن المشتري هو من سيدخل في ملكه العين الذي اشتراها ولم يرها، أما البائع فلا يثبت له خيار الرؤية فإذا قام ببيع عين ورثها دون أن يراها كان بيعه صحيحاً ولا يملك الحق في خيار الرؤية.

وما يدل على أن خيار الرؤية يثبت للمشتري دون البائع هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه.”

4- وقت ثبوت خيار الرؤية:

يثبت خيار الرؤية وقت رؤية المبيع وليس قبل الرؤية، وإذا رضي المشتري بالمبيع قبل رؤيته فإن رضاءه لا يسقط حقه في خيار الرؤية.

وخيار الرؤية عند الحنفية يثبت للمشتري منذ وقت الرؤية إلى أن يتصرف المشتري في المبيع، وهذا قول منتقد لأنه يؤدي إلى عدم استقرار التعاملات بين الناس فالبائع يظل منتظراً طوال الوقت هل سيقبل المشتري المبيع أم أنه سيفسخ العقد.

ويكون العقد غير لازم في حق المشتري إلى أن يقر البيع، أما البيع في حق البائع فيكون لازماً ما لم يقرر المشتري فسخ البيع.

4- شروط ثبوت خيار الرؤية:

يشترط لثبوت خيار الرؤية للمشتري الشروط التالية:

  • عدم رؤية المشتري للمبيع وقت العقد أو قبله بوقت لا يتغير فيه المبيع.
  • أن يكون المبيع عيناً معيناً لا موصوفاً بالذات فالوصف يقوم مقام الرؤية.
  • أن يكون العقد مما يقبل الفسخ كالبيع حتى يتحقق للمشتري الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه.

5- سقوط خيار الرؤية:

يسقط خيار الرؤية بأحد الحالات التالية:

  • إذا قبل المشتري بالمبيع صراحة أو ضمناً بعد رؤيته.
  • إذا توفي المشتري قبل رؤية المبيع فالبيع يكون لازماً بالنسبة للورثة ولا يملكون خيار الرؤية.
  • إذا هلك المبيع قبل رؤية المشتري له أو تغير.
  • إذا تصرف المشتري في المبيع.

رابعاً: البيع بشرط التجربة:

قد يحدث أن يقوم المشتري بشراء شيء يلزم تجربته أولاً حتى يتأكد من أن هذا المبيع هو الذي يقصد شراءه أو أنه محقق للغرض الذي اشتراه من أجله وهذا ما يعرف بشرط التجربة.[4]

وشرط التجربة يجعل البيع غير لازم بالنسبة للمشتري إلى أن يقوم بتجربة المبيع ويوافق على إمضاء البيع أو يقرر عدم إمضاء البيع ومن ثم يملك المشتري الرجوع عن البيع بهذا الشرط. وسوف نوضح هذا الشرط في النقاط التالية:

1- المقصود بالبيع بشرط التجربة:

هو اشتراط المشتري تجربة المبيع للتأكد من أنه محقق للغرض المقصود منه ومن ثم يكون له الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه.

وتكون التجربة في المبيع الذي لا يكفي رؤيته أو وصفه للتحقق من الغرض المقصود منه كالأدوات الكهربائية والآلات الزراعية وخيل السباق مثلاً وغير ذلك من الأشياء التي يكون المشتري بحاجة إلى تجربتها أولاً قبل أن يقرر إمضاء البيع.

2- المدة التي يتم فيها التجربة:

تتحدد هذه المدة بالاتفاق بين البائع والمشتري، وقد لا يتفقان على تحديد مدة معينة فيقوم البائع بتحديد مدة معينة ليجرب المشتري المبيع بنفسه.

ويتعين على المشتري أن يقرر إمضاء البيع بعد تجربته أو عدم إمضائه في البيع، وإذا انتهت المدة المحددة للتجربة ولم يقم المشتري بتجربة المبيع أو سكت عن قبول المبيع وإمضاء البيع أو عدم إمضائه اعتبر ذلك قبول منه بإمضاء العقد.

الخاتمة:

من خلال النقاط السابق ذكرها يمكن لنا استنتاج أن البيع من العقود الملزمة للجانبين الذي لا يجوز فسخه بالإرادة المنفردة لأحد المتعاقدين وإلا لزمه التعويض عن الضرر الذي يصيب المتعاقد الآخر بسبب ذلك.

وعلى الرغم من أن البيع من العقود الملزمة للجانبين إلا أن ذلك لا يعني أن يكون المتعاقدين ملزمين بالاستمرار في هذا العقد لمجرد إبرامه، بل يملكون حق الفسخ وهو يتحقق بعدة طرق، فقد يكون هذا الفسخ عن طريق الاتفاق فيما بينهما على فسخ العقد فيما يعرف بالتفاسخ أو الإقالة.

كما قد يكون الفسخ عندما يملك المشتري خيار الرؤية في حالة شرائه مبيع لم يره ورغب في فسخ البيع حينما تمكن من رؤية هذا المبيع. كذلك يملك المشتري الحق في فسخ البيع إذا كان البيع بشرط التجربة.

إعداد/ أبرار سيد.

[1] انظر: صانوري، مهند أحمد محمود، إقالة العقود: الاتفاق على عدم تنفيذها، ص385.

[2] انظر: صانوري، مهند أحمد محمود، المرجع السابق، ص289، وانظر: يحيى، إبراهيم أنيس محمد، الإقالة: فسخ العقد برضا الطرفين: دراسة مقارنة، ص59وما بعدها.

[3]  انظر: السنهوري، العقود التي ترد على الملكية، 117وما بعدها، وانظر: المعكاري، محمود عبد الله، خيار الرؤية بين الشريعة الإسلامية وقانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة رقم5لسنة 1985م، ص61وما بعدها، وانظر: رباحي أحمد، مشروعية خيار الرؤية في الفقه الإسلامي، ص107وما بعدها.

[4] انظر: السنهوري، المرجع السابق، ص128وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.