الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن في النظام السعودي

تقوم شركات الأشخاص على الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن، وهذا الاعتبار الشخصي هو ما يدفع الشركاء لتكوين شركة فيما بينهم ويعتمدون على الثقة والسمعة التي يملكها كل شريك، ونظراً لأن الاعتبار الشخصي هو جوهر الشراكة فإن فقد الشريك المتضامن له سيؤثر على الشركة، وسوف نبين في هذا المقال مدى الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن في النظام السعودي وذلك في النقاط التالية:

وتفصيل ذلك على النحو التالي:

أولاً: مدى اعتبار شخصية الشريك في الشركات التجارية في النظام السعودي:

تعرف الشركة وفقاً لنص (المادة 2) من نظام الشركات السعودي بأنها: “عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح بتقديم حصة من مال أو عمل أو منهما معاً لاقتسام ما ينشأ من هذا المشروع من ربح أو خسارة.”

والشركات منها ما هو قائم على الاعتبار الشخصي (شركات أشخاص) ومنها ما هو قائم على الاعتبار المالي (شركات أموال) ومنها ما هو مختلط يجمع بين الاعتبار الشخصي والاعتبار المالي.[1]

فشركات الأشخاص تكون فيها شخصية الشريك محل اعتبار حيث تتأثر الشركة بما يطرأ على هذا الشريك من أسباب تؤثر على الأهلية القانونية له كالوفاة، والحجر عليه، والإفلاس أو الإعسار، وغير ذلك من أسباب.

وتنقسم شركات الأشخاص إلى شركة تضامن، وشركة التوصية البسيطة، وشركة المحاصة وأهم هذه الأنواع هي شركة التضامن التي عرفتها (المادة 17) من نظام الشركات السعودي بأنها: “شركة بين أشخاص من ذوي الصفة الطبيعية يكونون فيها مسؤولين شخصياً في جميع أموالهم وبالتضامن عن ديون الشركة والتزاماتها ويكتسب الشريك فيها صفة التاجر.”

ومن خلال نص المادة سالفة الذكر يتضح لنا أن مبادئ الاعتبار الشخصي لشركات الأشخاص تتمثل فيما يلي:

1- مبدأ الثقة المتبادلة:

فإذا كانت شركات الأشخاص تقوم على الاعتبار الشخصي فهذا يعني أن الشركاء يثقون في بعضهم البعض ويربط بينهم روابط وثيقة كرابط القرابة أو الصداقة، وغالباً ما يكون أعداد هؤلاء الشركاء الذين تتكون منهم شركة الأشخاص محدود.

والثقة المتبادلة لا تقتصر على الشركاء فحسب، بل تشمل أيضاَ الغير الذي يتعامل مع هؤلاء الشركاء بمقتضى الثقة فيهم وحسن السمعة التي يمتلكونها فيقدمون على التعامل معهم وفقاً لذلك.

2- مبدأ الالتزام بالتضامن:

فجميع الشركاء في شركات الأشخاص يكونون مسؤولين بالتضامن عن جميع ديون الشركة وفي جميع أموالهم إذ يستطيع الغير أن يقتضي ديونه من أي شريك.

ثانياً: أثر وفاة الشريك المتضامن على الشركة في النظام السعودي:

نصت (المادة 37) من نظام الشركات السعودي على أنه: “تنقضي شركة التضامن بوفاة أحد الشركاء…) ويتضح من خلال هذا النص أنه في حالة وفاة أحد الشركاء في شركات الأشخاص فإن الشركة تنقضي حينئذٍ وذلك لأن شخص الشريك محل اعتبار فإذا توفى فقد اعتباره الشخصي وهذا هو الأصل.[2] وتنقضي الشركة من تاريخ وفاة الشريك بقوة النظام دون حاجة إلى اتفاق أو حكم قضائي.

أما المشرع الأردني فقد خالف نظام الشركات السعودي واعتبر أن وفاة أحد الشركاء لا يترتب عليه انقضاء الشركة إلا إذا نص عقد الشركة على انقضائها بوفاة أحد الشركاء وهو ما نصت عليه (المادة 30) من قانون الشركات الأردني بقولها: “ما لم ينص عقد الشركة أو أي عقد آخر وقعه جميع الشركاء قبل وفاة أحد شركائها على غير ذلك…تبقى شركة التضامن قائمة ويستمر وجودها في حالة وفاة أحد شركائها.”

ولكن قد يثور التساؤل حول إمكانية استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء فيما بين ورثة الشريك المتوفي وبقية الشركاء أو فيما بين بقية الشركاء في النظام السعودي؟ وللإجابة على هذين السؤالين نبين ما يلي:

1- استمرار الشركة بحلول ورثة الشريك المتوفي محله:

الأصل وفقاً لنص (المادة 37) من نظام الشركات السعودي أنه إذا توفي أحد الشركاء فإن الشركة تنقضي لأنها قامت على الاعتبار الشخصي لهذا الشريك وثقة الشركاء فيه وبسمعته، ولا يجبر الشركاء على أن يحل ورثة هذا الشريك محله لأنه قد لا يتمتع بنفس الثقة والسمعة التي يتمتع بها مورثه.

ولكن استثناءً من هذا الأصل يجوز استمرار الشركة بحلول ورثة الشريك المتوفي محله بذات العقد الأصلي المبرم بين مورثهم وبقية الشركاء بشرط النص على ذلك صراحة في عقد الشركة عند تأسيسها، أما إن لم يوجد مثل هذا النص الصريح في عقد تأسيس الشركة فلا تستمر الشركة بحلول ورثة الشريك المتوفي محله، بل تنقضي فوراً بوفاته، ولا يؤثر الاتفاق اللاحق على وفاة الشريك بين ورثة هذا الشريك المتوفي وبقية الشركاء على استمرار الشركة لأن هذا الاتفاق اللاحق يعتبر عقداً جديداً وليس استمراراً للعقد الأصلي.

وبجانب النص الصريح في عقد تأسيس الشركة على حلول ورثة الشريك المتوفي محله لا بد من موافقة الورثة سواء جميعهم أو بعضهم على إحلالهم محل مورثهم في الشركة إذ تكون إرادتهم محل اعتبار ويكونون بالخيار بين أن يحلوا محل مورثهم في الشركة أو يرفضوا ذلك.

وفي حالة ما إذا كان الورثة قصر أو ممنوعين من ممارسة الأعمال التجارية فإن النظام السعودي قد أضفى لهم حماية خاصة فجعل مسؤوليتهم عن ديون الشركة في حال إحلالهم محل مورثهم في الشركة بقدر رأس مالهم فقط ويكون شريك موصي ولا يكتسب صفة التاجر وتنقلب شركة التضامن إلى شركة توصية بسيطة.

وقد أكدت (المادة 37) من نظام الشركات السعودي على ذلك بقولها: “تنقضي شركة التضامن بوفاة أحد الشركاء…ومع ذلك يجوز أن ينص في عقد تأسيس الشركة على أنه في حالة وفاة أحد الشركاء تستمر الشركة مع من يرغب من ورثة المتوفى ولو كانوا قصراً أو ممنوعين نظاماً من ممارسة الأعمال التجارية، على ألا يسأل ورثة الشريك القصر أو الممنوعين نظاماً من ممارسة الأعمال التجارية عن ديون الشركة في حال استمرارها إلا في حدود نصيب كل واحد منهم في حصة مورثه في رأس مال الشركة. ويجب في هذه الحالة تحويل الشركة خلال مدة لا تجاوز سنة من تاريخ وفاة مورثهم إلى شركة توصية بسيطة يصبح فيها القاصر أو الممنوع نظاماً من ممارسة الأعمال التجارية موصياً وإلا أصبحت الشركة منقضية بقوة النظام ما لم يبلغ القاصر- خلال هذه المدة- سن الرشد أو ينتف سبب المنع عن مزاولة الأعمال التجارية.”

2- استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء بين بقية الشركاء:

نصت (المادة 37/2) من نظام الشركات السعودي على أنه: “يجوز أن ينص في عقد تأسيس الشركة على أنه إذا توفي أحد الشركاء…. تستمر الشركة بين الباقين من الشركاء وفي هذه الحالة لا يكون لهذا الشريك أو ورثته إلا نصيبه في أموال الشركة ويقدر هذا النصيب وفقاً لتقرير خاص يعد من مقوم مرخص له يبين القيمة العادلة لنصيب كل شريك في أموال الشركة…ولا يكون للشريك أو ورثته نصيب فيما يستجد بعد ذلك من حقوق إلا بقدر ما تكون هذه الحقوق ناتجة من عمليات سابقة على تلك الواقعة.”

إذاً يتضح من خلال نص المادة سالفة الذكر أنه استثناءً من الأصل الذي يقضي بانقضاء الشركة بوفاة أحد الشركاء فإنه يجوز استمرار الشركة بعد وفاة الشريك بين بقية الشركاء بشرط النص على ذلك صراحة في عقد تأسيس الشركة، كما لا يجوز أن يقل عدد الشركاء حينئذٍ عن شريكين وإلا كانت الشركة باطلة.

ويكون من حق ورثة الشريك المتوفي أخذ نصيب مورثهم في الشركة دون أن يحلوا محله فيها، وهذا النصيب يقتصر على ما كان للمورث قبل وفاته أما ما يستجد بعد وفاته من حقوق فليس للورثة حق فيها إلا إذا كانت هذه الحقوق ناتجة عن عمليات سابقة على وفاة الشريك.

ثالثاً: أثر الحجر على الشريك المتضامن وأثره على الشركة في النظام السعودي:

نظراً لأن شركات الأشخاص تقوم على الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن فإن الشركة تنقضي في حالة الحجر على الشريك المتضامن.[3] ولا يجوز في حالة الحجر على الشريك المتضامن أن يحل القيم محله في الشركة لأن الشركاء قد وثقوا بهذا الشريك وقد لا تتوفر ذات الثقة بالنسبة للقيم، إلا أنه يجوز استمرار الشركة بين بقية الشركاء بشرط النص صراحة على ذلك في عقد تأسيس الشركة.

وقد أكدت على ذلك (المادة 37/2) من نظام الشركات السعودي بقولها: ” يجوز أن ينص في عقد تأسيس الشركة على أنه إذا توفي أحد الشركاء أو حجر عليه…. تستمر الشركة بين الباقين من الشركاء”

رابعاً: أثر إشهار إفلاس أو إعسار الشريك المتضامن على الشركة في النظام السعودي:

إذا أشهر إفلاس أو إعسار أحد الشركاء المتضامنين فإنه يكون قد فقد اعتباره الشخصي ومن ثم تنقضي الشركة لأنها تقوم على الاعتبار الشخصي للشركاء.[4] ومع ذلك يجوز استمرار الشركة بين بقية الشركاء إذا كان عقد تأسيس الشركة ينص صراحة على استمرار الشركة بعد إشهار إفلاس أو إعسار أحد الشركاء، ولكن لا يجوز استمرار الشركة بين ممثل الشريك المفلس أو المعسر وباقي الشركاء لأن الثقة فيه قد لا تتوافر بذات القدر الذي كان متوفراً في الشريك المفلس أو المعسر.

ويكون من حق الشريك المفلس أو المعسر نصيبه من الشركة وقت إشهار إفلاسه أو إعساره لأنه يجب تصفية أمواله حينئذٍ ونصيبه من الشركة من بين الأموال التي يملكها.

وقد أكدت (المادة 37) من نظام الشركات السعودي على ذلك بقولها: “1. تنقضي شركة التضامن.. بشهر إفلاسه أو بإعساره. 2.يجوز أن ينص في عقد تأسيس الشركة على أنه…أو شهر إفلاسه أو أعسر.. تستمر الشركة بين الباقين من الشركاء”

خامساً: أثر انسحاب الشريك المتضامن على الشركة في النظام السعودي:

كما أن للشريك المتضامن الحرية في إنشاء عقد الشركة ابتداءً وتحمل الالتزامات الناشئة عنه فهو حر أيضاً في الانسحاب من الشركة ويترتب على هذا الانسحاب زوال الاعتبار الشخصي له ومن ثم تنقضي الشركة لأنها تقوم على الاعتبار الشخصي للشركاء.[5]

ولكن الانسحاب مقيد بعدة قيود حتى لا يضار مصالح الشركاء الآخرين وهو ما أوضحته (المادة36/1) من نظام الشركات السعودي بقولها: ” لا يجوز للشريك أن ينسحب من الشركة إذا كانت محددة المدة إلا لسبب مشروع تقبله الجهة القضائية المختصة. وإذا كانت الشركة غير محددة المدة فيجب أن يكون انسحاب الشريك بحسن نية، وأن يعلنه لباقي الشركاء في وقت مناسب وإلا جاز للجهة القضائية المختصة الحكم عليه بالاستمرار في الشركة فضلاً عن التعويض عند الاقتضاء.”

ومن خلال نص المادة السابقة يمكن استنتاج القيود التالية:[6]

1- إذا كانت الشركة محددة المدة أو أنشئت من أجل إتمام عمل معين فلا يجوز للشريك الانسحاب من الشركة قبل انتهاء المدة المحددة أو إتمام العمل المحدد، ويجوز له في هذه الحالة تقديم طلب الانسحاب إلى الجهة القضائية المختصة ويقدم أسباب سائغة تبرر انسحابه قبل انتهاء المدة المحددة للشركة أو قبل انتهاء العمل الذي أنشئت الشركة من أجل إتمامه.

2- إذا كانت الشركة غير محددة المدة ورغب الشريك المتضامن الانسحاب منها فيجب عليه إعلام باقي الشركاء برغبته قبل الانسحاب بمدة معقولة. وأن يكون هذا الانسحاب بحسن نية منه دون أن يقصد من وراء انسحابه إضرار بمصالح باقي الشركاء كأن ينتظر تحقيق ربح أو وجود أزمة في الشركة، أو أن يكون الانسحاب ناتج عن غش وخداع منه.

إذا لم يلتزم الشريك المتضامن بالقيدين السابقين فيجوز للمحكمة أن تلزمه بالاستمرار في الشركة ودفع التعويض المناسب.

وإذا انسحب الشريك المتضامن مع التزامه بالقيود السابقة جاز لبقية الشركاء الاستمرار في الشركة بشرط النص على ذلك صراحة في عقد تأسيس الشركة وهو ما أكدت عليه (المادة 37) من نظام الشركات السعودي بقولها: ”

  1. تنقضي شركة التضامن…أو بانسحابه..

2.يجوز أن ينص في عقد تأسيس الشركة على أنه…أو انسحب تستمر الشركة بين الباقين من الشركاء.”

سادساً: أثر إخراج الشريك المتضامن على الشركة في النظام السعودي:

نصت (المادة 36/2) من نظام الشركات السعودي على أنه: ” يجوز للأغلبية العددية للشركاء أن تطلب من الجهة القضائية المختصة إخراج شريك أو أكثر من الشركة إذا كانت هناك أسباب مشروعة تدعو إلى ذلك وفي هذه الحالة يجوز للجهة القضائية المختصة أن تقرر استمرار الشركة بعد إخراج الشريك أو الشركاء إذا كان ذلك – بحسب تقديرها – سيؤدي إلى استمرار الشركة في أعمالها بصورة طبيعية تحقق مصلحة الشركة والشركاء الباقين فيها وتحفظ حقوق الغير، وإذا كان استمرار الشركة أمراً غير ممكن بين الشركاء بعد فحص الجهة القضائية لطلب إخراج الشريك كان لها أن تقرر حل الشركة “.

ومن خلال نص المادة السابقة يتضح أنه يجوز للشركاء المتضامنين طلب إخراج شريك أو أكثر من الشركة من المحكمة المختصة وتقديم أسباب سائغة تبرر هذا الطلب.[7]

وللمحكمة المختصة سلطة تقديرية في استجابة طلب الشركاء فقد تقرر الموافقة على إخراج شريك أو أكثر مع استمرار الشركة بين باقي الشركاء إذا رأت أن استمرار الشركة سيحقق مصالحها ويحفظ حقوق الغير. أما إذا رأت المحكمة أن الشركة بعد إخراج أحد الشركاء منها لن تحقق مصالحها أو تحفظ حقوق الغير فإنها تحكم بحل الشركة. وإذا خرج الشريك المتضامن من الشركة فيكون مستحقا لنصيبه فيها وقت إخراجه منها.

الخاتمة:

إن الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن يمثل جوهر شركات الأشخاص فهذا الاعتبار هو ما تقوم عليه مثل هذه الشركات لذلك يتأثر وجود الشركة بكل ما يؤثر على الاعتبار الشخصي لأحد الشركاء المتضامنين فيها.

وبناءً على ذلك تنقضي الشركة في حالة وفاة الشريك المتضامن، أو الحجر عليه، أو شهر إفلاسه أو إعساره وهذا هو الأصل.

ويجوز للشركة أن تستمر بين باقي الشركاء إذا كان عقد تأسيس الشركة ينص صراحة على جواز استمرار الشركة بعد وفاة أحد الشركاء المتضامنين فيها، أو الحجر عليه، أو شهر إفلاسه أو إعساره وهذا استثناء من الأصل قرره المشرع لمصلحة الشركاء الباقين.

إعداد/ أبرار سيد.

[1] انظر: الرحيلي، حسن بن غازي بن ناجم، زوال الاعتبار الشخصي للشريك المتضامن وأثره على الشركة: دراسة مقارنة، موقع دار المنظومة، ص569وما بعدها، وانظر: نذير، سعداوي، الاعتبار الشخصي في الشركات التجارية، موقع دار المنظومة، ص1083.

[2] انظر المرجع السابق، ص60.

[3] انظر، المرجع السابق، ص66

[4] انظر، المرجع السابق، ص61

[5] انظر المرجع السابق، ص62

[6] أنظر في ذلك الأستاذ الدكتور/ محمد فريد العريني، الشركات التجارية، 2015، دار الجامعة الجديدة، ص 73، 74.

[7] انظر: الرحيلي، حسن بن غازي بن ناجم، المرجع السابق، ص598، وانظر: المبارك، فريال عبد الله محمد، المرجع السابق، ص63

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.