أركان العقد الإلكتروني وفق النظام السعودي

لم يعد مجلس العقد بالمواجهة، ولم يعد التوقيع على الورق بالحبر الأزرق، شرطا لإلزام الأطراف، وأصبح العقد ينعقد بلا ورق ولا حاضرين، فالعقد أصبح إلكتروني والتعاقد بهذه الوسيلة السريعة وفر الوقت والجهد والمال، و سهل عمليات التبادل التجاري، إلا أن العقد الإلكتروني له أركانه الخاصة، حتى يصبح عقد صحيحا،  وهو ما سوف نحاول أن نلقي الضوء عليه من خلال هذا المقال على النحو التالي:[1]

أولا: ماهية العقد الإلكتروني ومدي مشروعيه:

1ـ تعريف العقد الإلكتروني:

اكتفي نظام التعاملات الإلكترونية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/18) بتاريخ 8/3/1428هـ بتعريف التعاملات الإلكترونية، إذ نص في المادة رقم (1/10) منه على: ” يقصد بالألفاظ والعبارات الآتية ـ أينما وردت في هذا النظام ـ المعاني المبينة أمام كل منها، ما لم يقتض السياق خلاف ذلك: ـ التعاملات الإلكترونية: أي تبادل أو تراسل أو تعاقد، أو أي إجراء آخر يبرم أو ينفذ بشكل كلي أو جزئي ـ بوسيلة إلكترونية”

هذا وقد اعتبر النظام السعودي أن أي تصرف يسبق العقد أو يلازمه بخصوص إبرامه من حيث المرحلة السابقة لإبرام التعاقد، التفاوض، تتم كلها أو جزء منها عن طريق وسيط إلكتروني فإن هذا العقد يعتبر عقداَ إلكترونياَ.

ومن هنا يمكن القول بأن العقد الإلكتروني ما هو إلا اتفاق يتم انعقاده بوسائل إلكترونية كلياَ أو جزئياَ، وتتثمل الوسيلة الإلكترونية في وسيلة كهربائية، أو مغناطيسية، أو ضوئية، أو إلكترو مغناطيسية، أو أي وسيلة أخرى مشابهة صالحة لتبادل المعلومات بين المتعاقدين. وهو العقد الذي تتلاقي فيه عروض السلع والخدمات والتي يعبر عنها بالوسائط الإلكترونية المتعددة خصوصاَ شبكة المعلومات الدولية الإنترنت من جانب أشخاص متواجدين في دولة أو دول مختلفة، بقبول يمكن التعبير عنه من خلال ذات الوسائط من أشخاص في دول أخرى، وذلك بالتفاعل بينهم من أجل إشباع حاجاتهم المتبادلة بإتمام العقد.

2ـ مدي مشروعية العقد الإلكتروني:

إن العقود الإلكترونية كغيرها من العقود من حيث أركان انعقادها وشروطها، فيجب أن تكون تلك العقود مشروعة، وغير مخالفة للنظام العام والآداب والشريعة الإسلامية، وإلا عد العقد باطلاَ، ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن العقود الإلكترونية تُعد كغيرها مشروعة ويجوز التعامل بها طالما أنها لم تخالف النظام العام والآداب ولم تخالف تعاليم الشريعة الإسلامية باعتبار الأخيرة المصدر الرئيسي للنظام السعودي، والأصل في التجارة والعقود الإباحة ما لم يرد دليل على عدم مشروعيتها.

أـ من الناحية الشرعية:

أجمع الفقه على مشروعية العقود بصفه عامة والعقد الإلكتروني بصفه خاصة، مستدلين على ذلك بما ورد من أدلة شرعية في الكتاب والسنة، فقد استندوا في الكتاب على ما جاء في قوله تعالي” يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ” وأن الأصل في العقود التراضي الإباحة والعقود الإلكترونية تدخل في هذه العقود.

واستدلوا من السنة النبوية الشريفة فيما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الحلال ما أحل الله في كتبه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه” واستدلوا بأن الله عز وجل قد أحل التجارة والمكاسب والعقود، فكل عقد أو معاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، ويدخل في ذلك عقود التجارة الإلكترونية.

ب- من الناحية القانونية:

حيث نظمت النصوص القانونية من خلال نظام التعاملات الإلكترونية، والذي صدر بناء على المرسوم الملكي رقم (م/18) بتاريخ 8/3/1428هـ، بما يضفي على تلك العقود من المشروعية القانونية ما يجعلها من السهل التعامل بها وإثباتها.

ثانيا: أركان العقد الإلكتروني:

لا يكفي وجود إرادة أو التعبير عنها لانعقاد العقد الإلكتروني، بل يجب تتجه هذه الإرادة لإحداث أثر قانوني، أي يجب أن يكون هناك إيجاب وقبول لتكوين العقد، فيصدر الإيجاب أولا ثم يليه القبول، ويتم التطابق بينهما سواء في مجلس واحد أو بين غائبين، وإذا نظرنا إلى العقود الإلكترونية فإنها تبرم بين متعاقدين غير مجتمعين في مكان واحد، ولا يوجد بينهما اتصال مباشر، ووجود فترة زمنية فاصلة بين صدور الإيجاب والقبول وعلم الموجب به من خلال طرق المراسلة الإلكترونية المختلفة ( البريد الإلكتروني، الاتصال المباشر، زيارة المواقع التجارية، أي وسيلى إلكترونية)، ومن ثم فإن العقد الإلكتروني هو من العقود المبرمة عن بعد ومن ثم فإنه يستوجب المحافظة على التوازن العقدي بين طرفي العقد، ولتمكن المتعاقدين من الاطلاع على المحل بشكل مباشر، وأن تكون جميع التصرفات أمام أعين المتعاقدين، مما يحد من الصعوبات التي قد تواجه الأطراف في العقد، وإنهائها.[2]

ـ وحيث أن العقد الإلكتروني كغيره من العقود يجب أن يتضمن الأركان الرئيسية للانعقاد، وهي ركن الرضا المتمثل في الإيجاب والقبول، والمحل والسبب. ويمكن بيان ذلك على النحو التالي:

1ـ ركن الرضا في العقد الإلكتروني:

إذا كان الأصل في جميع العقود أن تتم بالتراضي بين أطرافها، فالرضا هو جوهر العقد وقوامه، وهو اتجاه إرادة كل من المتعاقدين عن قصد وإدراك لإبرام العقد دون توافر سبب من أسباب عيوب الإرادة، ولما كانت العقود الإلكترونية ما هي إلا عبارة عن اتفاق تتم صياغته والتوقيع عليه إلكترونياَ، كما يمكن صياغته بأسلوب مشابه لصياغة العقود العادية على الورق وإرساله عبر البريد الإلكتروني إلى الشخص المتعاقد معه فيقوم الأخير بالتوقيع عليه إلكترونياَ وإعادة إرساله فهذا يعد بمثابة قبولاَ للإيجاب الصادر من قبله، ويمكن تقسيم ركن الرضا في العقد الإلكتروني كالتالي:

أ ـ الإيجاب في العقد الإلكتروني:

وهو الخطوة الأولي في هذه العقود، بأن يبدأ أحد الأشخاص بعرضه على آخر بعد أن يكون قد استقر نهائياَ عليه، وقد عرفه فقهاء القانون بأنه: ” كل اتصال عن بعد يتضمن كافة العناصر اللازمة لتمكين المرسل إليه الإيجاب من أن يقبل التعاقد مباشرة ويستبعد من هذا النطاق مجرد الإعلان”، ويشترط في الإيجاب الإلكتروني كما هو الحال في الإيجاب التقليدي أن يكون محدد وبات لا رجعه فيه، بمعني أن تتجه نية الموجب إلى إبرام العقد بمجرد اقتران القول بها، أما إذا احتفظ الموجب بشرط يعلن فيه أنه غير ملتزم بما عرضه في حالة القبول فلا يعد ذلك إيجاباَ بل هو مجرد دعوة إلى التعاقد.[3]

والإيجاب الإلكتروني لا يكون له فاعليته إلا بعد عرضة على شبكات الإنترنت أو بالبريد الإلكتروني أو بأية وسيلة من وسائل التعبير الإلكتروني، ويترتب على ذلك نشوء حق لمن وجه إليه الإيجاب الإلكتروني حيث يحق له قبول الإيجاب أو رفضه، ويجوز لمن صدر منه الإيجاب الإلكتروني الرجوع فيه وسحبة من مواقع عرضه، بشرط الإعلان عن رغبته في الرجوع عن هذا الإيجاب، وبالتالي ينعدم أي أثر قانوني له.

ولا يجوز سحب الإيجاب إذا تم تعيين أجل محدد للقبول، ولما كان الإيجاب الإلكتروني  يتم عن بعد، ومن ثم فإنه يخضع للقواعد الخاصة بحماية المستهلك في العقود المبرمة عن بعد، والتي تفرض مجموعة من الواجبات التي يلتزم بها الشخص تجاه المستهلك، كما أن الإيجاب الإلكتروني يتم عن طريق وسيط إلكتروني وهو مقدم خدمة الإنترنت، وفي الغالب يكون إيجاب عبر الحدود لا يتقيد بحدود الدول السياسية والجغرافية، ويجب أن نفرق هنا بين الإيجاب وبين الدعوة للتعاقد والتفاوض، فالأخير هو أن الأمر مازال في مرحلة التفاوض على العقد، ومن ثم فإن الأطراف غير ملزمة بإبرام التعاقد، أما الإيجاب فيدل على الخروج من مرحلة التفاوض والدخول في مرحلة إبرام العقد، فالدعوة إلى التعاقد هو العرض الذي يتقدم به شخص للتعاقد دون أن يحدد عناصره وشروطه، أما الإيجاب فهو التعبير عن الإرادة باتة ويتضمن جميع عناصر العقد الأساسية.

ب ـ القبول في العقد الإلكتروني:

القبول هو تعبير عن إرادة الطرف الآخر الذي تلقى الإيجاب، يطلقه نحو الموجب ليعلمه بموافقته على الإيجاب، بما يعني أنه تعبير بالموافقة على عرض الموجب.[4] فالقبول هو الإرادة الثانية في العقد ويصدر ممن وجه إليه الإيجاب، ويجب أن يصدر القبول صريح وقاطع، لا يختلف حال القبول في العقود الإلكترونية عن غيرها سوي أنه في هذه العقود يتم عن طريق وسائط إلكترونية من خلال شبكة الإنترنت، فهو قبول عن بعد، ولما كانت العقود الإلكترونية في الغالب الأعم تكون عقود استهلاك، ومن ثم فإن القبول الإلكتروني يكون غير نهائي، ويتم التعبير عن القبول الإلكتروني بالعديد من الوسائل منها الكتابة بما يفيد الموافقة أو باستخدام التوقيع الإلكتروني عبر البريد الإلكتروني، أو عن طريق اللفظ من خلال غرف المحادثة أو التنزيل عن بعد، فالقبول الإلكتروني يتم عن طريق أجهزة وبرامج إلكترونية تعمل آلياَ.

ـ هذا وقد نصت المادة العاشرة من نظام التعاملات الإلكتروني على أن: ” 1ـ يجوز التعبير عن الإيجاب والقبول في العقود بوساطة التعامل الإلكتروني، ويعد العقد صحيحاَ وقابلا للتنفيذ متى تم وفقاَ لأحكام هذا النظام. 2ـ لا يفقد العقد صحته أو قابليته لمجرد أنه تم بوساطة سجل إلكتروني واحد أو أكثر”.

ـ كما نصت المادة (11) من نظام التعاملات الإلكترونية السعودي على أن: ” 1ـ يجوز أن يتم التعاقد من خلال منظومات بيانات إلكترونية آلية أو مباشرة بين منظومتي بيانات إلكترونية أو أكثر تكون معدة ومبرمجة مسبقاَ للقيام بمثل هذه المهمات بوصفها ممثلة عن طرفي العقد. ويكون التعاقد صحيحاَ ونافذاَ ومنتجاَ لآثاره النظامية على الرغم من عدم التدخل المباشر لأي شخص ذي صفة طبيعية في عملية إبرام العقد. 2ـ يجوز أن يتم التعاقد بين منظومة بيانات إلكترونية آلية وشخص ذي صفة طبيعية، إذا كان يعلم ـ أو من المفترض أنه يعلم ـ أنه يتعامل مع منظومة آلية ستتولى مهمة إبرام العقد أو تنفيذه”.

ومن هنا يمكن القول إن التعبير عن الإرادة لا يخضع لشكل معين، فللمتعاقد أن يفصح عن إرادته بالأسلوب الذي يراه مناسباَ شرط أن يكون له مدلول يفهمه الطرف الآخر.

ج ـ الأهلية في إبرام العقد الإلكترونية:

وهي أهلية أداء بما يعني صلاحية الشخص للقيام بالتصرفات القانونية، وهي تتأثر بسن الشخص ودرجة تمييزه، أما الأهلية الأخرى وهي أهلية الوجوب وهي صلاحية الشخص لفرض عليه بعض الالتزامات وتوفير له بعض الحقوق، فيجب على الشخص المتعاقد في العقود بصفه عامة والعقد الإلكتروني بصفه خاصة أن يكون كامل الأهلية، بالغ وعاقل ورشيد يسمح له بإبرام التعاقد والتصرف قانونا وفقا للنظام السعودي.

ويجب أن يتم رضا المتعاقدين في العقد الإلكتروني دون توافر سبب من أسباب عيوب الإرادة، كالغلط، والإكراه، والتدليس، والغبن، فيجب أن يتم الرضا في التعاقد من أطراف ذو أهلية قانونية في التعامل والتصرف، وبإرادة حره وواضحة.

2ـ ركن المحل في العقد الإلكتروني:

يجب أن يكون محل الالتزام الذي من المفترض أن ينشئه العقد ممكناَ وقابلاَ لحكم الشرع، وإلا وقع باطلاَ، فلا يصح التعاقد على ما هو مخالف للنظام العام والآداب أو مخالفاَ لأحكام الشريعة الإسلامية، وكثيراَ من مواقع الإنترنت تخالف هذا الشرط، ويتم حجبها في المملكة بواسطة مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.

ويجب أن يكون محل الالتزام موجوداَ أو ممكن الوجود كما لو كان محل الالتزام نقل حق عيني فيجب أن يكون هذا الشيء موجود وقت نشوء الالتزام أو أن يكون محتمل الوجود في المستقبل وفقا لقصد المتعاقدين، وإذا كان محل الالتزام عمل فيلزم أن يكون هذا العمل ممكناَ، كما يجب أن يكون محل الالتزام معيناَ أو قابل للتعيين، ويجب كذلك أن يكون قابلاَ للتعامل فيه بمعني ألا يكون مخالفاَ للنظام العام والآداب أو خارجاَ عن دائرة التعامل.

ومن هنا يمكننا القول إن محل الالتزام في العقد الإلكتروني كغيره من محل الالتزام في العقود الأخرى التقليدية، يجب أن تتوافر فيه ذات الشروط والخصائص، ويجب أن يتم وصف محل العقد وصفا دقيقاَ، كما هو الحال في الكتالوج الورقي التقليدي فيصبح المحل معلوم للطرفين، وأن يكون المعقود عليه موجود وسليم، ويتضح أن نظام التعاملات الإلكترونية السعودي لم يتطرق لشروط المعقود عليه، واكتفي بالأصل العام المتبع في المملكة من تحكيم قواعد الشريعة الإسلامية في العقود والمعاملات.

3ـ ركن السبب في العقد الإلكتروني:

السبب هو الهدف والغرض الذي من أجله تم التعاقد والتزام كل طرف بما عليه من التزامات وما له من حقوق، ويجب أن يكون السبب موجود فإن لم يوجد عد العقد باطلاَ، وإذا التزم المتعاقدين دون سبب، أو لسبب غير مشروع، كان العقد باطلاَ ، كما يجب أن يكون السبب صحيح، فقد يكون السبب غير صحيح إذا كان هناك وهم أو صوريه، كأن يقوم وارث بالتخارج مع شخص يعتقد أنه وارث ثم يتبين أنه غير وارث، كما يجب أن يكون السبب مشروع غير مخالف للنظام العام والآداب وأحكام الشريعة الإسلامية، والسبب في العقد الإلكتروني كغيره في العقود التقليدية الأخرى.[5]

ثالثا: خصائص العقد الإلكتروني:

يتميز العقد الإلكتروني بعدة خصائص تميزه عن غيره من العقود الأخرى، نظراَ للطبيعة الخاصة لهذه العقود وهي كالتالي:

1ـ عدم وجود علاقة مباشرة بين أطرافه: فمن أهم ما يميز العقود الإلكترونية عن باقي العقود أنها تبرم عن طريق الاتصال بوسائل تكنولوجية، ومن ثم يتبادل الطرفان الإيجاب والقبول إلكترونياَ، وبالتالي فإن هذه العقود تنتمي لطائفة العقود التي تبرم عن بعد، إذا يجتمع الطرفان في مجلس عقد افتراضي، وغير حقيقي عبر الإنترنت، فهو تعاقد بين حاضرين حكماَ حيث إن هناك تباعد مكاني بين الأطراف، ولا يوجد مجلس عقد حقيقي.

2ـ العقد الإلكتروني يبرم عن طريق وسيط إلكتروني دون الحاجة للانتقال: حيث من الممكن أن يتم التنفيذ إلكترونياَ بذات الطريقة التي تم إبرام العقد بها، حيث أصبح من الممكن تسليم بعض المنتجات إلكترونياَ مثل برامج الحاسب الآلي والتسجيلات الموسيقية والخدمات المصرفية والاستشارات الطبية، كما يتم الوفاء بمقابل هذه السلع والمنتجات والخدمات إلكترونياَ، عن طريق وسائل الدفع الإلكتروني.

3ـ السرعة في إنجاز الأعمال: تعد السرعة في إنجاز الأعمال هي إحدى خصائص ومميزات العقد الإلكتروني، حيث إن طرفي العقد يقوم بالتفاوض وإتمام التعاقد وهو في مكتبه دون تحمل عناء ومشقة السفر، وهو ما يعد تقدماَ كبيراَ في إنجاز التعاقدات والتعاملات.

4ـ يتم إثباته عن طريق التعامل الإلكتروني، والتوقيع الإلكتروني: وهو ما أكدت عليه المادة التاسعة من نظام التعاملات الإلكترونية بالنص في الفقرة الأولي منها بقولها: ” 1ـ يقبل التعامل الإلكتروني أو التوقيع الإلكتروني دليلاَ في الإثبات إذا استوفي سجله الإلكتروني متطلبات حكم المادة (الثامنة) من هذا النظام”.

رابعا: إثبات العقد الإلكتروني وحجيته في الإثبات:

إن الإثبات هو إقامة الحجة والدليل أمام القضاء بالطرق التي يحددها النظام على صحة واقعة قانونية يدعيها أحد طرفي الخصومة وينكرها الطرف الأخر، ولعل الإثبات في العقود الإلكترونية يعتريه عده صعوبات من الناحية التقنية نظراَ لحداثة هذه التكنولوجيا وتعقدها، وإذا كان الأصل العام هو أن التعبير عن الإدارة لا يخضع لشكل معين، فالمتعاقد يفصح عن إرادته بأي أسلوب يراه مناسباَ شرط أن يكون له مدلول يفهمه الطرف الآخر، ولما كان العقد الإلكتروني يخضع في إبرامه لنفس هذه القواعد فهو أيضا يخضع للأحكام الخاصة به والتي تتوافق مع صفته الإلكترونية.

كما أن التعاقد الإلكتروني في ظل نظام التعاملات الإلكترونية السعودي يعتبر قرينة في الإثبات حتى وإن لم يستوف المستند الإلكتروني المتطلبات الواردة في النظام، إذ أجاز نظام التعاملات الإلكترونية السعودي التعاقد الإلكتروني وجعل حجيته في الإثبات تعادل المستند المكتوب خطياَ وملزماَ لأطرافه.

وهو ما نصت عليه المادة الخامسة من نظام التعاملات الإلكترونية على أن: ” 1ـ يكون للتعاملات والسجلات والتوقيعات الإلكترونية حجتها الملزمة، ولا يجوز نفي صحتها أو قابليتها للتنفيذ ولا منع تنفيذها بسبب أنها تمت كلياَ أو جزئياَ بشكل إلكتروني بشرط أن تتم تلك التعاملات والسجلات والتوقيعات الإلكترونية بحسب الشروط المنصوص عليها في هذا النظام. 2ـ لا تفقد المعلومات التي تنتج من التعامل الإلكتروني حجيتها أو قابليتها للتنفيذ متى كان الاطلاع على تفاصيلها متاحاَ ضمن منظومة البيانات الإلكترونية الخاصة بمنشئها وأشير إلى كيفية الاطلاع عليها”.

كما نصت المادة التاسعة من ذات النظام على:

1ـ يقبل التعامل الإلكتروني أو التوقيع الإلكتروني دليلاَ في الإثبات إذا استوفي سجله الإلكتروني متطلبات حكم المادة (الثامنة) من هذا النظام.

2ـ يجوز قبول التعامل الإلكتروني أو التوقيع الإلكتروني قرينة في الإثبات، حتى وإن لم يستوف سجله الإلكتروني بمتطلبات حكم المادة (الثامنة) من هذا النظام.

3ـ يعد كل من التعامل الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني والسجل الإلكتروني حجة يعتد بها في التعاملات وأن كلا منها على (لم يتغير منذ إنشائه) ما لم يظهر خلاف ذلك.

4ـ يراعى عند تقرير حجية التعامل الإلكتروني مدى الثقة في الآتي:

  • الطريقة التي استخدمت في إنشاء السجل الإلكتروني أو تخزينه أو إبلاغه، وإمكان التعديل عليه.
  • الطريقة التي استخدمت في المحافظة على سلامة المعلومات.
  • الطريقة التي حددت بها شخصية المنشئ “.

خامسا: آثار العقد الإلكتروني:

بعد إتمام إبرام وتوقيع العقد الإلكتروني فإن الأمر يترتب عليه مجموعة من الالتزامات على عاتق كل طرفي العقد يمكن توضيحها في النقاط التالية:

1ـ الالتزام بتسليم المبيع:

إن التسليم يتحقق عندما يضع البائع السلعة أو الخدمة تحت تصرف المشتري، بحيث يتمكن الأخير من الانتفاع بها دون تعرض، ومن ثم فإن البائع أو مقدم الخدمة ملتزم بتسليم المبيع للمشتري أو متلقي الخدمة، ولا يوجد صورة معينة في التسليم نظراَ لاختلاف الأشياء في كيفية تسليمها وقبضها ووضع اليد عليها، وعادة ما يتم التسليم بإحدى طريقتين الأولي عن طريق شبكة الإنترنت نفسها، وإما بإنزالها وتحميلها مباشرة على جهاز المشتري أو متلقي الخدمة أو تمكينه من الدخول إليها والاستفادة منها بحسب العقد، وإما بإرسالها عبر البريد الإلكتروني، وذلك مثل برامج الحاسب الآلي، أو الكتب الإلكترونية، أو المعلومات الرقمية، ومواقع الصحف والمجلات الإلكترونية، وغير ذلك، ويتم النص في تلك العقود عادة على تنظيم مسألة التسليم وكيفيته.

2ـ التزام المشتري أو متلقي الخدمة بدفع الثمن:

يترتب على التزام المنتج أو المورد أو البائع بتسليم السلعة أو بأداء الخدمة، التزام أخر من قبل المشتري أو متلقي الخدمة في العقود الإلكترونية، إذ يلتزم بالوفاء بالثمن المتفق عليه لهذه السلعة أو مقابل الخدمة، ويتم الوفاء عاده عبر شبكات الإنترنت بطريق إلكتروني، وفي غالب الأمر يحرص المتعاقدين في العقود الإلكترونية على النص على العملة التي يتم الوفاء بالثمن بها، فقد تكون عملة البلد الذي يجري فيها العقد، وقد تكون بعملة أجنبية حال كون المنتجات يتم تصديرها للخارج، ويتم الدفع إلكترونياَ من خلال البطاقات البنكية، أو التحويل الإلكتروني، أو الوسائط الإلكترونية المصرفية، أو النقود الإلكترونية.

3ـ حق العميل في الضمان:

خلا نظام المعاملات الإلكترونية السعودي من النص على الآثار المترتبة على العقود الإلكترونية ومنها الضمان، وإن كان النظام يحيل بشأن مسائل الضمان إلى أحكام الشريعة الإسلامية، وعادة ما تحرص العقود الإلكترونية على تأكيد حق العميل في الضمان، وأنه يتمتع بضمان اتفاقي بجانب الضمان الشرعي.

4ـ الحق في العدول:

لم يرد نص في نظام التعاملات الإلكترونية السعودي يوضح الحق في العدول، وكان الأولي به أن ينص على ذلك استناداَ لقواعد الشريعة الإسلامية.

وفي نهاية هذا المقال يمكننا القول إن نظام التعاملات الإلكترونية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/18) بتاريخ 8/3/1428هـ وضع لضبط وتنظيم التعاملات والتوقيعات الإلكترونية، وتوفير إطار نظامي لها يهدف إلى إرساء قواعد نظامية موحدة لاستخدام التعاملات والتوقيعات الإلكترونية، وتسهيل تطبيقها، وإضفاء الثقة في صحة تلك التعاملات وسلامتها، وتيسير استخدامها على الصعيدين المحلي والدولي، والاستفادة منها في جميع المجالات، وإزالة العوائق أمام مستخدميها، ومنع إساءة الاستخدام والاحتيال في هذه التعاملات.

كما توصلنا إلى أن النظام السعود اعتبر أن العقد يكون إلكتروني سواء أبرم عبر الوسيلة الإلكترونية فقط، أو نفذ جزئياَ بأن استلمت السلعة أو حصل على الخدمة بواسطة الوسيلة الإلكترونية، أو استلم الثمن بواسطتها، أو نفذ الاثنان من خلالها.[6]

إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.

[1] ماجد محمد سليمان أبا الخيل، العقد الإلكتروني، مكتبة الرشد، الطبعة الأولي، المملكة العربية السعودية، الرياض، 1428 هـ، صـ5.

[2] لورانس محمد غبيدات، العقود الإلكترونية والبيئة الإلكترونية في النظام السعودي، كلية الشريعة والقانون، جامعة جازان، 2018، صـ 13.

[3] رامي علوان، التعبير عن الإرادة عن طريق الإنترنت وإثبات التعاقد الإلكتروني، بحث منشور في مجلة الحقوق، جامعة الكويت، العدد الرابع، السنة26، 2002، صــ248.

[4] أنور سلطان، الموجز في مصادر الالتزام، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1995، صـ 72.

[5] زيد بن عبد الكريم الزيد، العقود الإلكترونية، ورقة عمل مقدمة للملتقي السنوي للحقوقيين، جده، 1436هـ، صــ 11.

[6] على بن عبد الله الشهري، التجارة الإلكترونية عبر الإنترنت ـ أحكامها وآثارها في الفقه الإسلامي والنظام السعودي، الشاملة الذهبية، 2019، صـ 6.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.