أهمية أن يكون العقد مكتوب في النظام السعودي

اتفق جمهور الفقه الإسلامي على أركان العقد الأساسية التي لا ينعقد إلا بقيامها مجتمعة، وهذه الأركان تتمثل في المتعاقدين، ومحل العقد، وصيغة العقد، ويقصد بصيغة العقد الشكل الذي يتم التعبير بموجبه عن الإيجاب والقبول الصادر عن المتعاقدين، وقد استقر الفقه الإسلامي على أن العقد ينعقد بمجرد التراضي والتقاء الإيجاب مع القبول، إلا أن الاختلاف نشأ بين الفقهاء حول الشكل الذي يتم التعبير بموجبه عن الصيغة الممثلة لهذا التراضي، وما أثر توافر هذا الشكل من عدمه على صحة انعقاد العقد؟ وهل إفراغ العقد بما يتضمنه من تراضي في صيغة مكتوبة يؤثر على انعقاد العقد أم لا؟ وغيرها من التساؤلات التي تتجمع في نقطة رئيسية واحدة تتمثل في تساؤل عريض، وهو ما هي الأهمية التي تمثلها صياغة العقد في شكل مكتوب؟

لذلك سوف يكون هذا المقال منصباً على بيان إجابة هذا التساؤل العريض، باعتباره يتضمن الإجابة على كافة التساؤلات الفرعية الأخرى، وسيكون هدفنا هو تحديد أهمية الكتابة في العقود، ومدى تأثيرها على صحة انعقاد العقد، وذلك في ظل الأنظمة المطبقة في المملكة العربية السعودية.

أولاً: المقصود بالكتابة

قبل أن نتناول أهمية إبرام العقد في شكل مكتوب يجب علينا أن نوضح ماهية الكتابة من حيث تعريفها ومفهومها، وأيضاً أنواع الكتابة المختلفة وموقف الفقه من كل نوع منها.

1- المقصود بالكتابة

تعد الكتابة بمثابة الإناء الذي يحمل مضمون المعنى والمقصد، فهي وسيلة تستخدم للتعبير عن المقاصد والأفكار التي يرغب الإنسان في التدليل عليها، وهو ما جعل الكتابة تعرف في نظر البعض بأنها الحروف أو الرموز التي يتم من خلالها التعبير عن الأفكار والأقوال بغير استلزام وجود وسيط محدد، فقد يكون ذلك الوسيط هو الورق أو القماش أو الجلد أو غيرها من الوسائط التي تتمتع بالقدرة على أن تحمل تلك الحروف والرموز وتنقلها، كما لا يشترط فيها لغة محددة طالما كانت مفهومة ودالة عل معناها، كما يمكن أن تكون قد سطرت من قبل من ذيلها بتوقيعه أو من سواه[1].

وقد عرفها ابن حزم على أنها الإشارات التي يتفق عليها للتعبير عما يستقر في نقس الإنسان من بيان، وذلك بخطوط مختلفة ومتباينة، وبألوان تختلف عن لون ما يتم خط هذه الخطوط عليه، ويتفق عليها في النطق، فتبلغ به ذات ما قصده بها صاحب الخطوط، وتقوم بتوصيله عن طريق العين التي تعد آلة لذلك، إلى أن يتم إدراك المعنى لدى المبلغ[2].

2- أنواع الكتابة وحكم كل منها

تعددت أنواع الكتابة لدى الفقهاء، واختلف الحكم الخاص بكل نوع منها، ولكن يمكننا أن نوجز تلك الأنواع من الكتابة في طائفتين رئيسيتين وهما:

– الكتابة المستبينة: ويقصد بها الكتابة الواضحة والظاهرة التي تترك أثرها على المادة التي تكتب عليها، كما هو الحال في الكتابة على الأوراق، وقد اتفق الفقه على اعتبار تلك الكتابة حكمها كحكم الكلام الصريح متى كانت ألفاظها مكتوبة بشكل صريح.

– الكتابة غير المستبينة: ويقصد بها الكتابة التي لا يكون لها ثمة أثر، ومنها على سبيل المثال أن يكتب الشخص على الهواء أو الماء، فهي كتابة لا يمكن قراءتها، لذلك فإن الفقه لم يقرر لها أي حكم باعتبار أنها والعدم سواء.

ثانياً: الموقف الشرعي من الكتابة في العقود

هناك الكثير من التساؤلات التي أثارت جدلاً كبيراً في شأن موضع ومنزلة الكتابة في العقود في نظر الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، ومن أهم تلك التساؤلات ما دار حول مكانة الكتابة وإذا كانت من متطلبات العقد أم من أركانه أم من شروط صحته أم من غيرها من مستلزمات إبرام العقد في الشريعة الإسلامية، ومدى استلزامها لتوافره، وماهية الحكم الشرعي المترتب على تخلف ذلك الوصف في العقود.

بداية فإن الكتابة هي وسيلة وطريقة معتمدة في الشريعة والفقه ليتم التعبير من خلالها على الإيجاب والقبول والتقائهما لإبرام العقد، بمعنى أوضح هي وسيلة يستطيع الموجب أن يعبر بها عن إيجابه بأن يوجهه كتابة للطرف الآخر، كما أنه يمكن استخدامها من قبل القابل للتعبير عن قبوله الموجه كرد على إيجاب الموجب، لاسيما وأن الفقه قد اجتمع على أن التعاقد بطريق الكتابة جائز في جميع العقود المصنفة ضمن طائفة عقود المعاوضات المالية، حيث أن الكتابة تحتل المرتبة التالية للألفاظ من حيث القوة والدلالة على قصد وإرادة المتعاقدين[3].

وليس المقصود من أن الشريعة والفقه قد أجازا الكتابة في العقود أن الكتابة أصبحت جزء من العقد، سواء كركن أو شرط أو من مستلزمات انعقاده، بل إن المقصود من ذلك أن الأمر يرجع للمتعاقدين، فلهما أن يثبتاه بالكتابة أو يكتفى في ذلك بالتراضي فقط، فكتابة العقود في مفهومها الشرعي والفقهي تعد وسيلة لتوثيق المعاملات والحفاظ على الحقوق فقط، ويستدل على ذلك من قوله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه [سورة البقرة: الآية 282]، حيث نلاحظ أن الأمر هنا لم يرد على سبيل الإلزام أو الوجوب، ولكنه جاء على سبيل الندب.

إلا أن جمهور الفقه قد اتفق على جواز قيام ولي الأمر باشتراط الكتابة كشرط لا ينعقد العقد بدونه، ويرجع ذلك إلى أن الأحوال تختلف من زمن إلى آخر، وبالتالي فإنه متى كانت ظروف الحال القائمة في زمن ما تستلزم لتحقيق الاستقرار في التعاملات وحماية المصالح والحقوق أن يكون العقد مكتوباً، فلا يوجد ما يمنع من اشتراط ذلك، خاصة وأن الكتابة من حيث الأصل جائزة في العقود، فمن باب أولى أن تكون واجبة ولازمة متى كانت هي السبيل لتحقيق مناخ أكثر استقراراً وأماناً للمعاملات التي تتم بين الناس.

وبالتالي يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية قد جعلت الكتابة في العقود هي وسيلة إثبات وليست ركن أو شرط لانعقاد العقد، بينما ذهب جانب – وإن كان ضئيلاً – من الفقه إلى وجوب الكتابة في بعض العقود، واعتبروها من أركان انعقاده، وذلك كما هو الحال فيما أوجبه بعض الفقه من كتابة وتوثيق بعض العقود كعقد الزواج، وإن كان ذلك يمكن أن نرده إلى الأصل وهو أن استلزام الكتابة هنا هو حماية لبعض العقود الهامة والخطيرة كعقد الزواج، والقدرة على إثباته حفاظاً على حقوق الزوجين، أي أن اعتبارهم أن الكتابة ركن في العقد هو تعظيم من شأن وخطورة هذا العقد، ورغبتهم في تأكيد إمكانية إثباته، ومنع أي إمكانية لحدوث أي نزاع حول وجوده من عدمه.

ثالثاً: موقف الأنظمة السعودية من الكتابة في العقود

1- تعريف الكتابة في النظام السعودي

تناول نظام المرافعات الشرعية السعودي الكتابة في معرض حديثه عن إجراءات الإثبات بالباب التاسع منه – وهو الباب الذي تم إلغاؤه بصدور نظام الإثبات الجديد – في الفصل السابع، حيث ورد بنص المادة (139) أن (الكتابة التي يكون بها الإثبات إما أن تدون في ورقة رسمية أو في ورقة عادية، والورقة الرسمية هي التي يثبت فيها موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن وذلك طبقاً للأوضاع النظامية وفي حدود سلطته واختصاصه، أما الورقة العادية فهي التي يكون عليها توقيع من صدرت منه أو ختمه أو بصمته).

وبعد إلغاء هذا الباب وصدور نظام الإثبات، فقد جاءت المادة (25/1) من هذا النظام لتنص على أن (1- المحرر الرسمي هو الذي يثبت فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة ما تم على يديه أو ما تلقاه من ذوي الشأن طبقاً للأوضاع النظامية وفي حدود سلطته واختصاصه).

وهو ما يتبين معه أنه وإن كانت الأنظمة السعودية لم تضع تعريفاً صريحاً للكتابة في حد ذاتها، إلا أنها عرفتها ضمنياً بأنها وسيلة إثبات، وتعاملت معها في صورة الوعاء الذي يحتويها والمتمثل في المحرر، فلم يرد ذكر في الأنظمة السعودية لتعريف الكتابة إلا على أنها وسيلة للإثبات، وهو ما يتفق مع ما ذهبت إليه الشريعة الإسلامية وجمهور الفقه الإسلامي من أن الكتابة في العقود هي وسيلة لإثباته وليست شرطاً لانعقاده ولا ركن من أركانه.

2- موقف الأنظمة السعودية من الكتابة في العقود

يعتبر الموقف العام والأصيل في الأنظمة السعودية هو عدم اعتبار الكتابة شرطاً أو ركناً للعقود، حيث تنعقد بمجرد تراضي الطرفين والتقاء الإيجاب مع القبول، إلا أن هناك بعض الأنظمة التي اشترطت الكتابة في العقود، ونظراً لحرص بعضاً منها على كتابة تلك العقود فقد جعلتها في صياغتها على درجة من الأهمية تجعلها بمثابة ركن من أركان العقد، في حين قررت بعض الأنظمة الكتابة للعقد دون وضعه في مرتبة أركان العقد، وسوف نتعرض لبعض النماذج من تلك الأنظمة فيما يلي.

أ- نظام الشركات السعودي

نص نظام الشركات السعودي الصادر بموجب المرسوم الملكي (م/3) بتاريخ 10/11/2015 في مادته رقم (12) على أن (باستثناء شركة المحاصة يجب أن يكون عقد تأسيس الشركة مكتوباً وكذلك كل ما يطرأ عليه من تعديل وإلا كان العقد أو التعديل باطلاً …..).

وفي هذا النص ألزم النظام المتعاقدين بإفراغ عقد تأسيس الشركة في شكل مكتوب وإلا فإنه يعد باطلاً، ويعد السبب في ذلك هو أن عقود الشركات يشترط فيها التوثيق، وهو ما يستلزم معه أن يكون العقد مكتوباً من حيث الأصل، فالتوثيق لا يتم إلا على المحررات المكتوبة، وبالتالي فإن الكتابة في مثل تلك العقود تعد أساس لصحتها، وهو ما جعل الجزاء المترتب على تخلف الكتابة يتمثل في بطلان العقد، وذلك لكونه سيصبح من المستحيل إتمام إجراءات توثيقه وتسجيله.

ب- نظام العمل السعودي

جاء في نظام العمل السعودي الجديد والذي بدأ تطبيقه في اليوم الثاني من شهر فبراير من هذا العام، وتحديداً في المادة رقم (8/1) منه، ما يفيد أنه على صاحب العمل أن يبرم عقده مع العامل من نسختين، وهو ما يستفاد منه أن النظام هنا يلزم صاحب العمل بتحرير عقده مع العامل كتابة، إلا أنه وإن كان قد أوجب على صاحب العمل تحرير عقد مع العامل من نسختين، فإنه لم يرتب البطلان على مخالفته لذلك، ولكنه جعل جزاء صاحب العمل في تلك الحالة متمثلاً فيما منحه بنص المادة رقم (8/2) من مزية قررها للعامل دون صاحب العمل، حيث جعل للعامل عندئذ الحق في أن يثبت بكافة طرق الإثبات وجود عقد العمل، وقيمة الأجر المتفق عليه، وأي حق من الحقوق الثابتة له بعقد العمل الغير مكتوب، في حين أن صاحب العمل لا يستطيع إثبات أياً من ذلك إلا بالكتابة.

ويمكننا أن نعزي ذلك إلى أن الالتزام بتحرير عقد العمل هو التزام يقرره النظام على عاتق صاحب العمل فقط، ويستدل على ذلك من أن الجزاء تقرر فقط في حق صاحب العمل كما سبق أن أوضحنا، ولكنه لا يتقرر في حق العامل، وبالتالي فإن اشتراط النظام كتابة عقد العمل كان بهدف الإثبات من قبل صاحب العمل، وليس ركن أو شرط من شروط الانعقاد التي يبطل العقد بتخلف إحداها.

رابعاً: أهمية وفوائد الكتابة في العقود

وفقاً لما سبق جميعه فإن الكتابة في العقود في ظل الأنظمة السعودية بوجه عام لم يتم النص عليها وتقريرها إلا لتيسير إثباتها، وينبع ذلك من الرغبة في إسباغ أقصى قدر ممكن من الحماية للمتعاقدين، وتيسير إمكانية إثبات تلك العقود بما تتضمنها من التزامات، فالكتابة تعتبر من أفضل الطرق وأقواها لتوثيق الحقوق، فهي أفضل وأقوى من اللفظ وأكثر ثبات وانضباطاً منه لكونها تحول دون إمكانية إنكار ما يرد بها من حقوق والتزامات، كما تحمي تلك الحقوق من أخطار النسيان أو الإنكار، وحتى بعد الموت فهي تحفظ حقوق أطرافها[4].

فالكتابة تعتبر تطبيقاً لمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين”، والذي يقصد بها أن العقد هو القانون الذي يحكم علاقة طرفيه ببعضهما البعض، ولا يتصور عقلاً أو منطقاً أن يكون القانون الحاكم للعلاقات هو قانون شفهي، بل يلزم أن يكون مكتوباً حتى يمكن الرجوع إليه في أي وقت لتحديد مدى التزام كل طرف من أطراف العقد بالتزاماته، وتحديد ما يجب لكل طرف منهم من حقوق تجاه باقي أطراف العقد، خاصة إذا قام بينهم نزاع حول أياً من التزاماتهم التعاقدية وعرض النزاع على المحكمة، فسيكون الأمر شديد الصعوبة على القاضي في تحديد وجود إخلال بالتزامات العقد من عدمه إذا لم يكن هذا العقد مطروحاً عليه في صورة مكتوبة، بل ولا نبالغ في قولنا أن القاضي لن يتمكن من حيث الأصل من الوقوف على ماهية التزامات كل طرف إلا إذا كان العقد مكتوباً.

كما أنه في حالات الفسخ أو البطلان أو أي نزاع آخر يخص أي تفصيل من تفصيلات العلاقة التي يحكمها وينظمها العقد لا يمكن تحديد مدى قيام وتحقق أيا منها إلا إذا كان العقد مكتوباً، فعلى سبيل المثال وليس الحصر نرى أن عقد العمل يشتمل على أكثر من بيان يمكن أن ينشأ النزاع عن أحدها، كمدة العقد، أو قيمة الأجر، أو مواعيد الإجازات، أو شروط خاصة كشرط عدم المنافسة، وغيرها من الشروط الأخرى التي سيكون من الصعب للقاضي الذي يعرض عليه ذلك النزاع معرفتها إلا إذا كانت مكتوبة.

وفي البيوع يكون للكتابة دور كبير وجوهري في تحديد التفاصيل الدقيقة للعقد، والبيان المفصل للالتزامات التي يتحمل بها كل طرف، والأوصاف التي يجب توافرها في الشيء المبيع، وطريقة تنفيذ العقد، ومقدار الثمن وطريقة سداده، والمحكمة المختصة بنظر أي نزاع ينشأ عنه، وغيرها من المسائل الهامة الأخرى توضحها الكتابة بصورة واضحة لا تجعل أي مجال لإنكارها أو المنازعة فيها.

كما أنه وعلى الرغم من عدم وجود نص في الأنظمة السعودية يلزم بكتابة العقد الإداري، إلا أن الكتابة في مثل هذا النوع من العقود تعد مسألة أساسية وجوهرية، وذلك لما توضحه من تفاصيل كثيرة ومختلفة لا يمكن تحديدها بدقة إلا عن طريق كتابتها، وهو ما جعل العمل يستقر في العقود الإدارية على لزوم تحريرها وإفراغها في شكل مكتوب، كعقود التوريد، وعقود الامتياز، وغيرها من سائر العقود الإدارية الأخرى[5].

وبوجه عام فإن الغالبية العظمى من الأنظمة السعودية تعتبر عمليتي التوثيق والتسجيل من مستلزمات بعض العقود، ومنها على سبيل المثال عقود البيع، وعقود الزواج، وهاتين العمليتين لا يتصور تحققهما إلا على عقد مكتوب، وبالتالي تعتبر الكتابة في تلك العقود خطوة أساسية لا غنى عنها لإتمام توثيق وتسجيل العقد في الجهة المختصة بذلك.

وهو ما نرى معه أن اشتراط النظام لكتابة العقد سواء على سبيل الإلزام والوجوب أو للندب، فهو يعد نوع من التوثيق في التداين والذي قررته الشريعة الإسلامية، وذلك باعتبار أن طرفي العقد يدينان لبعضهما البعض بالتزاماتهما المتبادلة، وكتابة العقد تبين تفصيلات ذلك الدين والتزامات كل طرف بشأنه.

مما نخلص معه إلى أن جوهر الأهمية والفائدة التي تمثلها الكتابة في العقود في ظل الأنظمة السعودية تنصب على إثبات العقد، وذلك لما تشغله الكتابة من مرتبة بين وسائل الإثبات، حيث تعد في المرتبة الأولى بينها، فكانت الأنظمة السعودية حريصة على كفالة الحماية لأطراف العقود، وتيسير سبل إثباتها لهم، وذلك بالنص في بعضها على ضرورة أن يكون العقد مكتوباً.

خامساً: نموذج لأحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

حكم المحكمة التجارية بالدمام رقم 5339 لسنة 1440هـ والصادر بجلسة 18/6/1441هـ، والمؤيد استئنافياً بالحكم الصادر من محكمة استئناف المنطقة الشرقية تحت رقم 884 لسنة 1441هـ بجلسة 8/11/1441هـ، والمتضمن أنه (وعليه فإنَّ الدائرة تعرض عن طلبات الطرفين سماع عدة شهادات تتعلق بالنزاع الماثل، إذ المنظم اشترط لوجود الشركة النظامية إفراغ إرادة الشركاء في عقد محرر مكتوب، وصرح بالبطلان حال مخالفة ذلك، وعليه فالكتابة ركن في عقد الشركة وليست مجرد دليل إثبات، بحيث يجوز الاستعاضة عنه بالشهادة. عليه فإن الدائرة تنتهي إلى رفض طلبات المدعي). 

سادساً: الخاتمة

تستند الأنظمة التي ألزمت المتعاقدين بكتابة العقد في هذا الإلزام إلى ما قررته الشريعة الإسلامية من إجازة لكتابة العقود، وما منحته لولي الأمر من إمكانية لجعل هذه الكتابة لازمة لانعقاد العقد، وذلك متى رأى أن ذلك يحقق مصلحة ويحمي حق من الحقوق، وهو بالفعل ما توفره الكتابة من حماية لطرفي العقد، خاصة وأن العقود تعد بمثابة صك دين يدين بموجبه كل طرف للآخر بأداء التزاماته، فيلزم لإثبات الدين المتمثل في الالتزامات الخاصة بكل طرف أن تكون مثبتة بشكل كتابي، حتى وإن كانت بعض تلك الأنظمة تعتبر الكتابة ركن في العقد يتخلف عليه بطلانه، فإن ذلك يعد تزيداً الغرض منه الحرص على توافر الكتابة في العقد وبالتالي الدلالة القاطعة على التزامات طرفيه.

وهو ما نرى معه أنه يلزم استكمالاً لمسيرة التطوير للبيئة التشريعية في الملكة العربية السعودية أن يتم النص على وجوب إفراغ جميع العقود في شكل مكتوب، بحيث تصبح الكتابة شرط من شروط انعقاد كافة العقود، وذلك تيسيراً لإثباتها وإثبات ما تنص عليه من التزامات، وحتى يتم إخراج الكتابة صراحة من وصفها بأنها ركن من أركان العقد.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – حمودي ناصر – العقد الدولي الإلكتروني المبرم عبر الإنترنت – الطبعة الأولى – دار الثقافة للنشر – الجزائر – 2009 – ص271.

[2] – أبو محمد بن حزم الأندلسي – التقريب لحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الفقهية – تحقيق: إحسان عباس – الطبعة الأولى – الجزء الأول – دار مكتبة الحياة – لبنان – 1900 – ص5.

[3] – علي حيدر – درر الحكام شرح مجلة الأحكام العدلية – تعريب: فهمي الحسيني – طبعة خاصة – دار عالم الكتب – الرياض – 1423هـ – الجزء الأول – ص70.

[4] – إبراهيم العبيدي – توثيق الدين وأثره في حفظ الحقوق للطرفين – مطبوعات دائرة الشئون الإسلامية للعمل الخيري – الإمارات – بدون عام نشر – ص 14 وما يليها.

[5] – مهند نوح – الإيجاب والقبول في العقد الإداري – رسالة دكتوراة غير منشورة – جامعة دمشق – سوريا – 2001 – ص 301 وما يليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.