عقد الفيديك في النظام السعودي

يُعتبر عقد الفيديك بإصداراته المختلفة والمتعددة من أهم نماذج العقود في مجالات البناء وأعمال الإنشاءات والهندسة المدنية، وقد أصبحت عقود الفيديك قاسما مشتركا في أغلب التعاقدات التي تبرمها الدول في تلك المجالات، خاصة بعد أن أقرتها معظم الدول الغربية وكذا العديد من الدول العربية والإسلامية، وذلك نظرا لما تتمتع به تلك العقود من مزايا تتمثل في الصياغات الدقيقة والمفصلة لبنود العقد وحقوق والتزامات كل طرف والتي تعتمد بشكل أساسي على الخبرات المسبقة – لصائغي تلك العقود على مستوى العالم – لمختلف المشكلات والمعوقات التي تنتج عن تنفيذها، مما يساعد في وضع الحلول لها داخل شروط وبنود العقد وذلك بشكل متوازن يحافظ على حقوق كلا من طرفي العقد. وقد عزفت بعض الشركات الكبرى عن التعاقد مع الدول التي لا تعتمد في تعاقداتها على نظام الفيديك، خوفا منها من الوقوع تحت طائلة شروط الإذعان في العقود النمطية التي تقوم تلك الدول بإبرامها، ونظرا لأهمية تلك العقود في الوقت الحالي والحاجة الماسة للتعامل بها بشكل كامل، أو على الأقل الاسترشاد بما حوته من بنود وشروط تعاقدية، فقد أصدرت المملكة العربية السعودية العديد من القرارات الوزارية التي تحث على الاسترشاد بتلك العقود في مجالات التعاقدات الحكومية بشان الإنشاءات العامة، وذلك تمهيدا للعمل بها بشكل كامل في المستقبل القريب بمشيئة الله عز وجل،  وسوف نتناول في بحثنا هذا عقد الفيديك في النظام السعودي من خلال النقاط الآتية:

أولاً: تعريف عقد الفيديك:

بداية فإن كلمة فيديك (FIDIC ) هي اختصار لـلجملة الفرنسية (Federation International Des Ingenieurs Conseils  )، وتعني بالعربية ( الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين ) وهو اتحاد يضم بين جنباته جميع جمعيات المهندسين الاستشاريين في مختلف دول العالم، ويهدف هذا الاتحاد كما هو واضح من مسماه إلى حماية ورعاية حقوق المهندسين الاستشاريين حول العالم وحل المشاكل والعقبات التي قد تواجههم أثناء ممارسة أعمالهم، ومن اهم تلك المشكلات الشروط والبنود التي تتضمنها عقود التشييد والبناء،[1] والتي تنظم العلاقة بين المهندسين والمقاولين وبين رب العمل، وكحل لتلك المشكلة قام الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين بصياغة عقد نموذجي يعد بمثابة الشروط العقدية المعدة للتطبيق على المستوي الدولي، وسمي هذا العقد باسم ( شروط عقد مقاولات أعمال الهندسة المدنية )، وقد تم إصدار العديد من الإصدارات عقب ذلك تتضمن تحسينات لمواجهة ما يظهر من مشكلات وعقبات،[2] كما أصدر الاتحاد لاحقا عدد من نماذج العقود الأخرى التي تنظم العلاقة بين المقاول ورب العمل في مجالات أخرى بخلاف أعمال الهندسة المدنية.

ومن خلال ما سبق يمكننا تعريف عقود الفيديك بانها (مجموعة من العقود النموذجية التي قام بوضعها وصياغتها الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين بغرض تنظيم كافة أعمال الهندسة الداخلة ضمن مشروعات التشييد والبناء، وتوحيد القواعد المطبقة بشأنها).[3]

ثانيا: أطراف عقد الفيديك:

يُحدد عقد الفيديك أطراف عقود المقاولات الإنشائية والهندسية، وحقوق وواجبات كل طرف من تلك الأطراف، وبما أن عقود الفيديك تمثل شكل من أشكال عقود المقاولة فان أطراف هذا العقد يتمثلوا فيما يلي:

1- صاحب العمل:

أ- تعريفه: وهو صاحب أو مالك المشروع المسمى في وثيقة العقد،[4] وقد يكون من أشخاص القانون الخاص أو العام كالدولة أو الأجهزة التابعة لها.

 ب- أهم حقوقه: أن يتم تنفيذ العقد وفقا للمواصفات والشروط المتفق عليها، أن يتم تنفيذ العقد بحسن نية، وإصلاح كافة العيوب التي يتضمنها المشروع، مراعاة قواعد السلامة، والمحافظة على معايير الأمن الوقائي في جميع مراحل تنفيذ العقد.[5]

جـ – أهم التزاماته: تمكين المقاول من دخول الموقع لممارسة العمل، تقدم المساعدة المطلوبة للمقاول كمعايير الأمن والسلامة، والتصاريح والتراخيص، إخبار المقاول بخصائص الأرض وطبيعتها، الالتزام بسداد مستحقات المقاول في مواعيدها. وتعويض المقاول عن أي تغييرات طارئة. [6]

2- المقاول:

أ- تعريفه: هو الشخص الاعتباري أو الطبيعي المرخص له بالقيام منفردا أو مشتركا مع غيره لتنفيذ عقد ما في احدى مجالات المقاولة المتعددة.[7]

ب- أهم التزاماته: تصميم الأعمال وتنفيذها وفقا للعقد، والقيام بالتجهيزات وتقديم الأفراد والمعدات والآلات التي يحتاجها التنفيذ، والالتزام بالمواصفات والرسومات وتعليمات المهندسين، وتسليم المشروع منفذا.[8]

3- المهندس الاستشاري:

أ- تعريفه: هو الشخص المعين من صاحب العمل للقيام بأعمال المهندس، وهو ليس طرفا في عقود الفيديك كصاحب العمل أو المقاول، ولكنه يلعب دورا حيويا في تنفيذ تلك العقود بوصفه وكيلا عن صاحب العمل لمراقبة تنفيذ المشروع.

ب- أهم صلاحيات المهندس الاستشاري: يحوز المهندس الاستشاري العديد من الصلاحيات والتي قد تنشأ عن موافقة صاحب العمل أو بفعل الضرورة، ومن ذلك: أحقية المهندس في إصدار التعليمات للمقاول، تعديل الرسومات أو الإضافة عليها حسبما تقتضي المصلحة،[9] التفتيش على الأعمال، إصدار شهادات التسليم، مراجعة كشوف الحساب.

جـ – أهم التزامات المهندس: تنفيذ العقد بحسن نية، احترام شروط العقد، تنفيذ تعليمات صاحب العمل وفقا لما تقتضي المصلحة باعتباره وكيلا عنه.

ثالثا: مشروعية عقد الفيديك:

إن عقود الفيديك إنما تمثل مجموعة من النماذج العقدية للتعاقدات الإنشائية والبنائية والهندسية، بغرض تنظيم العلاقة بين رب العمل وبين المقاول القائم بتنفيذ تلك الأعمال، وتلك النماذج العقدية مثلها مثل عقود الإجارة والمقاولة والاستصناع جائز التعامل بها نظرا لحاجة الناس إليها في تلك المجالات، وقد عرضت مدى مشروعية عقود الفيديك على مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة التعاون الإسلامي في دورته الرابعة والعشرين بإمارة دبي، وقد صدر قرار المجلس رقم 232 (3/24 ) للإجابة على هذا التساؤل والذي انتهى فيه إلى أن: عقود الفيديك جائز التعامل بموجبها شرعا متى تم الالتزام فيها بالأحكام والضوابط الشرعية وذلك قياسا على عقود الاستصناع والمقاولة، وأن ما يقع فيها من نزاع يحل باللجوء للتحكيم طبقا لقرار المجمع رقم 91 ( 8/9 ) ويجوز في حالة تأخير التنفيذ عن الموعد المحدد تطبيق الشرط الجزائي طبقا لقرار المجمع رقم 109 ( 3/12 ) وأما ما يزيد في الثمن بسبب تغير ظروف العقد أو تعديل محل العقد فيعد بمثابة تعويض عن الضرر، والله اعلم .

ومن ثم فإنه يجب على الجهة النظامية مراعاة أحكام الشرعة في تنظيم عقود الفيديك وألا تستند على الأنظمة والقوانين الوضعية فقط، بل يجب عرض بنود وشروط هذه العقود على الشريعة والفقه الإسلامي، حيث ثبت تفوق الفقه الإسلامي على مختلف الأنظمة والقوانين الوضعية حتى الحديث منها.[10]

رابعا: أهمية عقد الفيديك:

تمثل عقود الفيديك أهمية كبيرة في مجال التشييد والبناء وأعمال المقاولات الهندسية وتتضح تلك الأهمية من خلال النقاط الأتية:

1- أن عقود الفيديك تم صياغتها من قبل أخصائيين في مختلف مجالات الهندسة والصناعة والاستثمار والتجارة، ومن ثم فهي تقدم تصورا شاملا لكافة المشكلات التي يمكن أن تقع أثناء تنفيذ تلك العقود، وذلك نتيجة للخبرة العملية التي يتمتع بها من قاموا بصياغة ووضع تلك البنود والشروط التي تضمنتها عقود الفيديك، الأمر الذي يوفر الكثر من الجهد والمال على طرفي العقد على حدا سواء، لأنها تؤدي إلى الاستفادة من الخبرات المتراكمة للسابقين في ذات المجال.[11]

2- أن البنود والشروط النموذجية التي تتضمنها عقود الفيديك أصبحت تمثل قاسما مشتركا للموضوعات والاتفاقات التي تربط بين الشركات والمستثمرين في معظم دول العالم، ومن ثم فقد صار من السهل أن تتعاقد الحكومات أو الشركات من الجنسيات المختلفة مع بعضها البعض لتنفيذ تلك الأعمال وفقا لتلك العقود النموذجية دون أي خلاف بينهما، كون تلك الشروط والبنود تكون معروفة لكليهما سلفا قبل التعاقد.

3- أنه يوجد العديد من الهيئات الدولية التي تقوم بمنح القروض، مثال: البنك الدولي، والصندوق الدولي للإنشاء والتعمير، تشترط عند قيامها بمنح القروض أن يتم استغلالها في مشروعات محددة، وأن يتم الاتفاق على تلك المشروعات وفقا للعقود النموذجية التي يقوم بإصدارها الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك).

ومن ثم يتضح لنا أهمية تلك العقود في الوقت الحالي باعتبارها أصبحت أمرا واقعا وضرورة فعلية للدخول في الأسواق العالمية في مجال التشييد والبناء، لكونها أصبحت هي اللغة شبة الرسمية التي يتحدث بها السوق العالمي في مجال الإنشاء والتعمير، [12] بحيث أصبح من العسير التعامل مع الشركات الأجنبية بدون الإلمام بتلك العقود.

خامسا: أنواع عقود الفيديك:

أصدر الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين العديد من النماذج العقدية النموذجية، وقد أطلق عليها مجموعة قوس قزح نسبة إلى ألوانها المختلفة، واهم تلك النماذج هي:

1- الكتاب الأحمر:

وهو العقد النموذجي (لمقاولات أعمال الهندسة المدنية) ويتضمن الشروط والبنود التي يوصي الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين باستخدامها في عقود التشييد والأعمال الهندسية التي يتولى فيها رب العمل أو ممثله (المهندس) القيام بأعمال التصميمات وتجهيز المستندات، بصرف النظر عن الأعمال الأخرى التي قد يشملها العقد، حيث قد يشتمل العقد على اتفاقات بشأن أعمال كهربائية أو ميكانيكية،[13] ويعتبر هذا الكتاب بمثابة الأصل العام بالنسبة لجميع الكتب الأخرى اللاحقة عليه.

2- الكتاب الأصفر:

وهو العقد النموذجي (لمقاولات الأعمال الميكانيكية والكهربائية) ويتضمن مجموعة الشروط العامة والخاصة لتنفيذ الأعمال الميكانيكية والكهربائية بين رب العمل وبين المقاول،[14] والتي يتم تصميمها من قبل المقاول ويقوم بعملية التوريد فيها وفقا لمتطلبات رب العمل.

3- الكتاب الفضي:

وهو العقد النموذجي (لمشروعات تسليم المفتاح) وهذا العقد يتناسب مع المشروعات التي تنشأ على أساس تسليم المفتاح، كمشروعات بناء محطات المياه والكهرباء، ويتولى فيها المقاول المسئولية الكاملة عن تصميم وتنفيذ المشروع.

4- الكتاب الأخضر:

وهو العقد النموذجي (للمشروعات الصغرى) ويقصد بالمشروعات الصغرى المشروعات الصغيرة من حيث القيمة المادية للأعمال التي تتناولها، أو المشروعات الصغيرة من حيث مدة تنفيذها، ويتولى تصميم تلك المشروعات إما صاحب العمل منفردا، أو المقاول منفردا، أو كلاهما معا بالاشتراك مع بعضهما البعض.

سادسا: مميزات وعيوب عقد الفيديك:

1- مميزات عقد الفيديك:

أ- بث الطمأنينة بين طرفي العقد:

وذلك نظرا لما تشتمل عليه العقود النموذجية للفيديك من آليات واضحة لكافة حقوق وواجبات طرفي عقد المقاولة، وكذلك كيفية تسوية النزاعات التي يمكن أن تثور بسبب تنفيذ هذا العقد، ومن ثم فإن ذلك الشمول يعمل على بث الشعور بالطمأنينة بين أطرافه نظرا لوجود أرضية مشتركة متعارف عليها بينهما.

ب- إتاحة معرفة المخاطر والعقبات المتوقعة من خلال التجارب السابقة:

حيث تحتوي عقود الفيديك على بنود وشروط خاصة بالمخاطر المحتمل حدوثها أثناء تنفيذ عقود المقاولة وكيفية مواجهتها والتغلب عليها.

جـ – تحقيق العدالة بين طرفي العقد:

حيث تتضمن عقود الفيديك على بنود تضمن تحقيق التوازن بين حقوق والتزامات أطراف العقد، وذلك عن طريق توزيع المسئوليات وتحمل تبعة المخاطر التي قد يتعرض لها المشروع بين طرفي العقد بشكل عادل، بحيث لا يتحمل أي طرف من الأطراف تلك التبعة بشكل كامل، فلا تميل الكفة في العقد لطرف على حساب طرف أخر.

د – مرونة العقد:

حيث تتسم عقود الفيديك بالمرونة وعدم الجمود، فيجوز لأطراف العقد التعديل على بعض البنود والشروط الواردة بالعقد النموذجي للفيديك، حسب ظروف كل عقد شريطة ألا يتم إفراغ العقد النموذجي للفيديك من مضمونة وشروطه الجوهرية، حيث يخرج في تلك الحالة من مظلة الفيديك ويعامل كعقد عادي يخضع للقضاء العادي في شأن المنازعات المتعلقة به.

هـ – سرعة حل المنازعات الناشئة عن تنفيذ العقد:

حيث تتضمن عقود الفيديك آليات لتسوية المنازعات الناشئة عن تنفيذه، تتمثل في:

– الصلح: حيث ورد بالمادة (20/5) من الكتاب الأحمر التنبيه على المتعاقدين بضرورة فض النزاعات بطريقة ودية قبل اللجوء للتحكيم، واهم تلك الطرق الودية هي الصلح بين أطراف العقد.

– مجالس فض المنازعات: حيث نص في عقد الفيديك على تعين مجلس لفض النزاع من بداية العقد، يتولى البت في النزاع الذي يقع بين أطراف العقد بشكل سريع، ويكون قرار المجلس ملزما للطرفين ويتعين تنفيذه.[15]

– التحكيم: ويكون ذلك يكون بمقتضى اتفاق التحكيم المنصوص عليه بالعقد، وهذا الاتفاق هو الذي يخرج بالنزاع من ولاية القضاء العادي، ويخضعه لحكم وسلطان المحكمين، وغني عن الذكر ما يتسم به التحكيم من سرعة الإجراءات وسهولة التنفيذ.[16]

2- عيوب عقد الفيديك:

– الحجم الكبير للعقد:

حيث يعتبر المأخذ الرئيس على عقود الفيديك هو حجمها الكبير والذي قد يصل في المشاريع الكبرى إلى الألف والألفي صفحة وقد يزيد عن ذلك في المشاريع العملاقة، مما يصعب معه مراجعتها بشكل سهل وميسر، ولكن يمكن الرد على ذلك المأخذ بأن ذلك الحجم الكبير للعقد ناتج عما يتضمنه نموذج العقد من سرد لكافة تفاصيل العلاقة العقدية بشكل دقيق، وكذا بيان مفصل للمشكلات والأزمات التي قد تواجه المتعاقدين وطرق حلها وتسويتها، وهو ما يوفر على المتعاقدين الدخول في تفسيرات لبنوده وشروطه، أو محاولة إيجاد حلول لاحقه للمشكلات التي قد تواجه المشروع أثناء تنفيذه.

سابعا: هل يعد عقد الفيديك عقد إذعان:

تختلف عقود الفيديك عن عقود الإذعان، حيث يقتصر دور المقاول في عقد الإذعان على قبول شروط العقد دفعة واحدة أو رفضها، فلا يحق له المطالبة بإجراء أي تعديل على العقد، بينما في عقود الفيديك يجوز للمقاول أو رب العمل قبول العقد أو رفضه أو تعديل بعض شروطه وفقا لظروف العقد، فعقود الفيديك النموذجية هي عقود اختيارية فيما حوته من شروط وأحكام، حيث أن هذه الأحكام في الأصل أحكام استئناسيه تستمد قوتها الملزمة من إرادة اطراف العقد،[17] مع مراعاة ألا تخرج هذه التعديلات بالعقد عن الأهداف المنشودة من فكرة عقود الفيديك وأساس وضعها، حيث أن أساس طرح الفيديك لعقود نموذجية هو أن السلوك الإنساني يتشابه في جميع دول العالم، ومن ثم تصبح هذه العقود بمثابة المرجع لجميع التعاملات التي تتضمنها تلك العقود بما تحويه من شروط وأحكام، وهو ما يؤدي إلى توحيد المعاملات القانونية بين الدول مع بعضها البعض. [18]

فعقود الفيديك من هذا المنطلق ليست عقود جامدة كعقود الإذعان، وإنما هي تشكل مجرد صياغة مسبقة لمجموعة من البنود التعاقدية التي تتعلق باتفاقات تتناول نفس الموضوع، فتستخدم عند إبرام عقود متشابهة، ويحتوي العقد على العديد من الفراغات التي تتعلق بموضوع العقد وقيمته وغير ذلك من المسائل الأخرى التي تختلف من عقد إلى أخر بشكل بديهي، بحيث يستحيل وضع نصوص مسبقة بشأنها،[19] ومن ثم فيكون لأطراف العقد إن أرادوا أن يضيفوا إلى العقد أو يلغوا بنودا معينه منه.

وتأكيدا لحرية الأطراف في حذف بعض الشروط أو النصوص الواردة بنماذج عقود الفيديك، فقد ذهب الكتاب الأبيض المتعلق بالشروط العامة لعقد الفيديك 1999 في تصديره إلى أنه قد يجد بعض المتعاقدين أنه من الأفضل لهم حذف حكم ورد ضمن الشروط العامة بالعقد لا يرغبون في الأخذ به، وذلك بديلا عن قيامهم بتحرير نص إضافي ضمن الشروط الخاصة بالعقد يناهض ذلك الحكم العام، حيث إن بعض الأحكام الداخلة ضمن الشروط العامة قد لا تكون مناسبة لبعض العقود النمطية. [20]

ثامنا: الاتجاه إلى العمل بعقد الفيديك في النظام السعودي:

يحكم نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الصادر بالمرسوم الملكي (م/58 ) بتاريخ 1427 هـ   تنظيم العقود الإدارية التي تبرمها الجهات الحكومية مع الجهات المتعاقدة معها بغرض تنفيذ المشروعات الوطنية، ولكن نتيجة لعجز ذلك القانون عن مسايرة الواقع العملي على أرض الواقع، ومجابهة التعثرات والعقبات التي يتعرض لها القائمين بتنفيذ تلك المشروعات، الأمر الذي أدى إلى تعثر كثيرا من المشاريع التنموية في المملكة، فقد اصدر مجلس الوزراء السعودي القرار رقم 23 بتاريخ 17/1/1428هـ الخاص بدراسة ومواجهة المعوقات التي تواجه قطاع المقاولات وتقديم الحلول المقترحة لمعالجة ذلك الأمر، وذلك بعد الاطلاع على نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، حيث نص في المادة السادسة من القرار ( بإعادة النظر في العقد الحكومي الموحد، وإعداد صيغة جديدة على أن يسترشد في ذلك ببنود عقد المشاريع الإنشائية ” فيديك ” ).

ثم تلا ذلك صدور القرار رقم 155 بتاريخ 5/6/1429 هـ بشأن قواعد وإجراءات معالجة التأخير في تنفيذ المشروعات الحكومية والذي أوصى في مادته الخامسة (بالإسراع في إنهاء دراسة العقد الحكومي الموحد للأشغال العامة، على أن يسترشد في ذلك ببنود العقود الإنشائية ” فيديك “).

ثم تلا ذلك صدور القرار رقم 260 بتاريخ 1/8/1434 هـ والذي قد نص (بالمادة 13) منه على: (سرعة استكمال الإجراءات اللازمة لإصدار العقد الحكومي الموحد للأشغال العامة بالاسترشاد بعقد (فيديك) وفقا للبند الخامس من القرار رقم 155 بتاريخ 5/6/1429، وذلك خلال مدة لا تتجاوز 180 يوما من تاريخ الموافقة على الترتيبات الواردة بهذا القرار).

ويعتبر اتجاه المملكة إلى التعامل بعقود الفيديك في التعاقدات الحكومية خطوة جيدة لمعالجة العقبات التي تواجه قطاع الإنشاءات الحكومية، حيث يبعث العمل بعقود الفيديك الطمأنينة في قلوب شركات المقاولة التي تتعامل مع الجهات الحكومية، دون الخوف من الخضوع لأي نوع من أنواع الإذعان في العقود التي يتم إبرامها مع تلك الجهات الحكومية، خاصة الشركات العالمية الكبرى والتي ترفض التعامل بالعقود الحكومة باعتبارها تحتوى على بنود تمثل إذعان لتلك الشركات، مثال ذلك: احتوائها على غرامات تأخيريه بشكل مسبق دون مراعاة لحجم الضرر الفعلي الناتج عن هذا التأخير، وتحميل المقاول جل المسئولية دون النظر إلى المعوقات التي قد تواجهه مما يؤثر على كفاءة الأعمال التي يقوم بها.

ويجب ملاحظة أن العقود التي يتم أو سيتم تطبيقها وفقا لقرارات مجلس الوزراء في المشروعات الإنشائية، إنما هي عقود مسترشد في صياغتها بالبنود والشروط الواردة بنموذج عقد الفيديك، فهي تعتبر فيديك سعودي أو محلي ولا تمثل عقود فيديك كاملة، نظرا لاحتواء عقود الفيديك على بعض الشروط التي لا تتماشى مع الأنظمة واللوائح المعمول بها داخل المملكة، إلا أن ذلك لا يمنع من أهمية تلك الخطوة كخطوة أولية تذهب بنا إلى التطبيق الكامل لعقود الفيديك مستقبلا للاستفادة من كم المميزات المتوفرة بتلك العقود العالمية.

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي.

[1]  دكتور جمال الدين نصار، عقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك)، ط 2002، ص 3.

[2] د محمد محمد بدران، عقد الإنشاءات في القانون المصري: (دراسة في المشكلات العملية لعقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين)، دار نهضة مصر، 2001، ص 2.

[3] د. محمد محمد سادات، آليات تسوية المنازعات الناشئة عن عقود الفيديك، ص 596.

[4] نموذج عقد الأشغال العامة السعودي قسم 3 الشروط العامة فقرة أ مادة 1.

[5]  د. مصطفي عبد الله هلال، دراسة مقارنة بين شروط المقاولة لأعمال الهندسة المدنية وشروط الفيديك، ص 42.

[6]  د جمال نصار، داود خلف، ترجمة عقود الفيديك، لعام 1999، ص 19.

[7]  نظام تصنيف المقاولين السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/18) بتاريخ 20/3/1427 هـ مادة 1.

[8]  د محمد إبراهيم ابداح، الأسس القانونية والفنية لصياغة عقود المقاولات الدولية (معايير الفيديك)، ص 79.

[9] د. محمد الودعاني، التنظيم القانوني لعقود تشد البناء الصناعية بين الأطراف متعددي الجنسيات، ص 232.

[10] د سيد الشحات رمضان جمعة، عقود الفيديك وموقف الفقه الإسلامي منها، دراسة مقارنة ص 633، المجلد الرابع من العدد السادس والثلاثين من حولية كلية الدراسات الإسلامية والعربة للبنات بالإسكندرية.

[11] د. محمد سعيد خلفة، عقد الاستشارة الهندسية في مجال التشييد والبناء، دراسة في ضوء عقد الفيديك، دار النهضة العربية، 2004، ص 87.

[12] د. عصام أحمد البهجي، عقود الفيديك وأثرها على التزامات المقاول والمهندس ورب العمل، ص 11.

[13] د. محمد محمد سادات، آليات تسوية المنازعات الناشئة عن عقود الفيديك، ص595.

[14] دكتور جمال الدين نصار، عقود الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين (فيديك)، ط 2002، ص 135.

[15] د. مراد على محمد الطراونة، دور مجلس فض المنازعات في عقود الفيديك، 1999، جامعة الشقراء، مجلة القانون العدد الثلاثون، ج 2، ص 704.

[16] أ. د محمد محمد سادات، آليات تسوية المنازعات الناشئة عن عقود الفيديك، ص 625 وما بعدها.

[17] د. حمزة أحمد حداد، العقود النموذجية في قانون التجارة الدولية دراسة في البيع الدولي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه جامعة القاهرة، ص 59.

[18] في هذا المعنى د. أيمن سعد سليم، العقود النموذجية دار النهضة، 2005، ص 16.

[19]  د. حمزة أحمد حداد، العقود النموذجية في قانون التجارة الدولية دراسة في البيع الدولي، رسالة للحصول على درجة الدكتوراه جامعة القاهرة ص 60.

[20] د. عصام أحمد البهجي، عقود الفيديك وأثرها على التزامات المقاول والمهندس ورب العمل، ص 24.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.