الثمن الصوري في عقد البيع وفق النظام السعودي

تعتبر ظاهرة العقود الصورية أحد الظواهر القانونية الآخذة في الانتشار لرغبة أطراف العقد في التستر على حقيقة العقد بينهما وإخفائه للتنصل من بعض الالتزامات التي يقررها العقد للغير كحق الشفيع في الأخذ بالشفعة أو للتحايل على أحكام الشريعة والقانون كإظهار الهبة أو الوصية لمن لا تجوز لهم الهبة أو الوصية في مظهر البيع، ولعل من أهم الصور التي تشير إلى صورية العقد هو صورية الثمن فيه والتي قد يترتب عليها إما بطلان العقد كاملا أو بطلان بند الثمن فيه وسوف نتعرض في هذا المقال إلى صورية الثمن في عقد البيع على التفصيل الآتي:

أولا: تعريف الصورية والثمن:

1- تعريف الصورية:

الصورية لغة تطلق على الميل أو العوج أو لشكل أو الهيئة أو الصفة أو الحقيقة[1]، وفي الاصطلاح الفقهي لم يعرف الفقهاء الصورية ذاتها إلا أنهم عرفوا بعض التطبيقات العملية لها والتي تمثلت عندهم في الهزل واللغو والمواضعة والتلجئة، وقد عرف الحنابلة قد الهزل بأنه خروج اللفظ من عاقل بإرادته دون أن يقصد ما يرتبه اللفظ من أثر، وعرفوا اللغو بأنه ما يخرج من لسان الشخص من لفظ يلزمه بشيء دون أن يقصد ذلك. والفارق بينهما أن الهازل يعرف ويقصد اللفظ لكن على سبيل الممازحة أما اللاغي فخروج اللفظ منه كان دون قصد أو إرادة لمعناه، كما عرف الحنابلة التلجئة بأنها بيع الرجل ملكه لأخيه مخافة أن يستولي عليه السلطان دون الرغبة الحقيقة في بيعه ولكن حتى يفلت المالك من سلطة الحاكم في أخذ ماله،[2] وهي تعني أن أطراف العقد لم تتجه نيتهم حقيقة إلى إحداث أثر العقد مما يجعله صوريا.

وقد عرف الصورية بعض العلماء المعاصرون بأنها: ( يكون العقد صوريا إذا وجدت الإرادة الظاهرة وحدها وانعقدت الإرادة الباطنة).[3] وعرفها الدكتور السنهوري بأنها: ( إخفاء حقيقة ما تعاقد عليه الطرفان لسبب محدد عندهما )[4].

وعلى إثر تلك التعريفات يمكن القول أن الصورية تقوم كلما كان هناك اتفاق خفي بين أطراف العقد يخالف الاتفاق الظاهري أو عندما يوجد عقدان متضادان سواء في طبيعة الحق نفسه كأن يكون العقد الظاهر عقد بيع إلا أن العقد الحقيقي  والذي يمثل الإرادة الحقيقة للأطراف يوصف العلاقة بينهما على أنها عقد هبة، وكذلك أن يكون العقد الظاهر يقرر أن الثمن مبلغ معين ثم يأتي العقد المستتر ليقرر أن الثمن مغاير لذلك العقد سواء كان اكثر منه أو اقل مما يفهم منهما أن العقد الظاهر صوري و أن الإرادة الحقيقة للأطراف متمثلة في العقد المخفي.

2- تعريف الثمن وشروطه:

يُعرف الثمن بأنه المقابل النقدي الذي يكون المشتري ملتزما بدفعه للبائع ليتمكن من نقل ملكية المبيع إليه أو هو مبلغ من المال يلتزم المشتري بأدائه للبائع في مقابل تملكه للمبيع. [5]

ويشترط في الثمن في عقد البيع عدة شروط منها:

1- أن يكون الثمن نقودا: فلا يصح أن يكون الثمن أوراقا مالية أو سندات بل يجب أن يكون نقودا حتى يسمى العقد عقد بيع أما إذا كانت قيمة المبيع مدفوعة بغير الثمن فالعقد يكون مقايضة وليس بيعا.

2- أن يكون الثمن معيننا أو أن يكون قابلا للتعيين فلا يجوز أن يكون الثمن مجهولا جهالة فاحشة أو أن يكون من غير الممكن تعيينه إذ يترتب على ذلك بطلان عقد البيع، كما لا يشترط في الثمن أن يدفع معجلا فيجوز أن يدفع في مجلس العقد أو في ميعاد أخر كما يجوز أن يدفع جملة واحدة أو على أقساط متتابع.

3-  أن يكون الثمن جديا: وتظهر جدية الثمن من تناسبه مع قيمة المبيع بحسب السعر السائد في الأسواق أو بحسب بيع ما يماثله في المواصفات، ومع ذلك لا يكن اعتبار انخفاض ثمن المبيع  عن سعره مثيله بشكل ملحوظ سببا كافيا لعدم اعتبار الثمن جديا، طالما كانت إرادة المتعاقدين تتجه فعليا إلى اقتضاء الثمن وليس مجرد إضفائه على العقد لإكمال النموذج الشكلي لعقد البيع والذي يستلزم بداهة وجود الثمن، فإذا لم تتجه إرادة المتعاقدين إلى اقتضاء الثمن من حيث الأصل وكانت إرادتهما الحقيقية مخفية وأن الثمن المذكور في العقد ليس جديا كان الثمن في العقد ثما صوريا.

وترتيبا على ما سبق فيعرف الثمن الصوري بأنه: (الثمن الذي لم يقصد البائع قبضه كما لم يقصد المشتري دفعه، بل ذكر بقصد إضفاء المظهر الخارجي اللازم لعقد البيع ).[6]

ثانيا: أنواع الصورية:

تتنوع الصورية بشكل عام إلى صورية مطلقة وصورية نسبية:

1- الصورية المطلقة:

وتعتبر الصورية مطلقة عندما لا يكون التصرف المثبت في العقد غير موجود من الأساس وأن ذكره في العقد كان لغرض آخر ويتم إثبات الصورية بكفة طرق الإثبات إلا أن غالبا ما يأخذ الطرف المتصرف في العقد ورقة ضد تثبت أن العقد صوري، وعند وجود ورقة الضد يسهل إثبات صورية العقد صورية مطلقة، وبتطبيق ذلك على الثمن فيمكن القول إن العقد قد يكون مصاب بعيب صورية الثمن صورية مطلقة كلما كان اتفاق المتعاقدان الحقيقي يشير إلى عدم التزام المشتري حقيقة بدفع الثمن المسمى في العقد سواء كان العقد الظاهر أو المستتر فضلاً عن أن الشيء محل التعاقد لم تكن هناك نية إلى نقل ملكيته إلى المشتري.

2- الصورية النسبية:

وهي الصورية التي يكون أطراف العقد قد تصرفا تصرفا فعليا إلا أنهم أخفيا العقد الحقيقي المثبت للتصرف وأظهرا عقدا آخر يحتوي على بعض البنود المخالفة للعقد الحقيقي كأن يكون أحدهما الثمن فيه أقل من الثاني أو أن يكون العقد الحقيقي هبة أما العقد الظاهر بيعاً للتحايل على أحكام الشريعة والمواريث، كذلك يكون الثمن صوري صورية نسبية إذا كان الثمن المذكور في العقد الظاهر مخالفا للثمن المتفق عليه بين المتعاقدان والمذكور في العقد المستتر.

ثالثا: شروط تحقق الصورية:

يمكن التحقق من وجود الصورية وإثبات وقوعها كلما وجدت أحد الشرائط الآتية:

1- أن يتواجد عقدان متحدين في الأطراف وفي الموضوع.

2- أن يوجد اختلاف بين العقد في أحد الأركان أو الشروط أو في طبيعة العقدان كأن يكون أحدهما بيع والآخر وصية أو هبة.

3- أن يتوافر تعاصر زمني بين العقدان بحيث يفهم من هذا التعاصر أن العقدان وجهان لعملة واحدة مع تغيير في بعض الأركان لإخفاء أمر ما.

4- أن يكون أحد العقدان ظاهرا وهو العقد الصوري والآخر مستترا وهو العقد الحقيقي.

رابعا: أسباب اللجوء إلى إظهار عقد بثمن صوري:

يلجأ المتعاقدان لتحرير عقد ظاهر بثمن صوري أقل من الثمن المتفق عليه حقيقة بينهما لتحقيق أكثر من هدف أو غاية إلا أن غالب هذه الأهداف يكون القصد منها من حيث الأصل التحايل على أحكام النظام والشريعة الإسلامية ومن هذه الأسباب:

1- كتابة المتعاقدان لعقد بثمن صوري بقيمة مالية كبيرة للغاية بقصد وأد محاولة الشفيع للأخذ بالشفعة وهذه الحيلة يحدثها المتعاقدان كلما كان المبيع عقارا يثبت حق الشفعة لأحد جيرانه الذي يطالب بها وتكون رغبة المالك في بيع العقار إلى شخص آخر غير الشفيع سواء لأسباب شخصية أو لأن العرض المقدم من الغير أكبر من عرض الشفيع، فيلجأ المالك إلى تحرير عقد صوري بينه وبين الغير الراغب في شراء العقار والنص على أن الثمن مبلغاً مالياً يفوق قدرات وتوقعات الشفيع للحيلولة دون تمكنه المكالبة بالأخذ بالشفعة إلا أن الشفيع غالبا ما يدفع بصورية هذا الثمن ويطلب ندب أحد الخبراء لتقدير قيمة المبيع تقديرا مناسبا مع الأسعار السائدة.

2- قد يلجأ المتعاقدان أيضا إلى كتابة عقد بيع بثمن صوري بغية التهرب من الرسوم التي تقررها الدول عند تسجيل صكوك البيع.

3- قد يلجأ المتعاقدان إلى تحرير عقد بيع بثمن صوري كبير بقصد إظهار تعلق ذمة المشتري بدين كبير والذي قد يساعده في تقليل الديون المطالب بدفعها عند تزاحم الدائنين.

خامسا: حكم العقد الذي يتضمن ثمن صوري:

إذا ثبت يقينا أن الثمن في عقد البيع ثمنا صوريا غير حقيقي ترتب على ذلك بطلان بند الثمن في عقد البيع سواء كان صوريا صورية مطلقة بأن كان البائع قد أبرأ المشتري من كامل الثمن ويمكن القول في هذه الحالة أن العقد اتخذ شكلا ومظهرا خارجيا كعقد البيع وهو شكل صوري وأن حقيقة العقد هو هبة أو وصية فإذا كان الطرف المتصرف إليه لا يجوز الإيصاء له، بطل العقد جملة لانطوائه على صورية مطلقة في ثمنه وأن العقد قصد منه التحايل على أحكام الشريعة الإسلامية أو النظم القانونية.

وإذا كان العقد الظاهر ينطوي على ثمن يخالف الثمن الحقيقي الذي اتفقا عليه الطرفان فيجوز لكل ذي مصلحة كالشفيع مثلا أن يطلب الحكم ببطلان العقد الظاهر كونه يحتوي على ثمن صوري وعلى ذلك فيمكن القول أن مآل العقد الذي نطوي علي صورية في ثمنه إلى البطلان كونه يهدف إلى تحقيق مصلحة غير مشروعة إذ يترتب على صورية العقد أن يكون المتعاقدان في مركزين قانونين متناقضين إذ يظهران في مركز قانوني كاذب يعتقد الآخرون أنه حقيقه برغم إخفائهم لمركز قانوني آخر والذي يمكن الوقوف عليه صراحة من وجود ورقة ضد للثمن المثبت في العقد الظاهر.[7]

ونجد أن الفقه الحنبلي حكم ببطلان بيع التلجئة وهو كما أسلفنا الصورة العملية التي كانت تعبر عن الصورية في هذا الزمان وبالتالي فلا ينتج عقد البيع الذي ينطوي عل صورية في ثمنه أثره سواء من الناحية الفقهية أو القانونية.

سادسا: أهمية ورقة الضد في إثبات صورية الثمن:

تعرف ورقة الضد بأنها العقد الحقيقي الذي اتجهت إرادة اطراف التعاقد إلى إحداثه وهي ورقة مستترة لا تظهر إلا عندما يرغب أحد اطراف التعاقد إظهار حقيقة التصرف بين الأطراف، وتظهر أهمية ورقة الضد في مسألة صورية الثمن عندما ينكل أحد أطراف التعاقد عن تنفيذ الالتزامات التي يرتبها العقد الحقيقي مثل دفع كامل الثمن المذكور في العقد الحقيقي المستتر، إذ يلجأ الطالب إلى القضاء بغية مطالبة الطرف الثاني بسداد الثمن الحقيقي بينما يدفع الطرف المدين هذه الدعوى بأن الاتفاق بينهما على أن الثمن كما يظهر في العقد الظاهر، وفي هذه الحالة يلجأ المدعي إلى إظهار العقد الحقيقي ويدفع بدفع قانوني مفاده أن العقد الحقيقي والذي يعبر عن إرادة الطرفين هو العقد المستتر وأن العقد الذي يتمسك به المدين وهو بالطبع الأقل في الثمن هو عقد صوري من حيث الثمن، فعدم وجود ورقة الضد يجعل من عملية  إثبات صورية الثمن في هذه الحالة أمرا ليس باليسير وغالبا ما يرجع الأمر في هذه الحالة إلى الاحتكام إلى ذمة المدين بتوجيه اليمين إليه.

سابعا: طرق إثبات صورية الثمن وبعض السوابق القضائية في القضاء السعودي:

تخضع صورية الثمن من حيث الأصل للقواعد العامة للإثبات بحيث يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات وذلك إذا كان المدعي بصورية الثمن في عقد البيع من غير المتعاقدان كالشفيع مثلا، فله في سبيل إثبات صورية الثمن المحرر في عقد البيع اتخاذ أي وسيلة من وسائل الإثبات لتقرير صورية الثمن في عقد البيع، أما إذا كان المدعي بصورية الثمن هو أحد اطراف التعاقد فتصبح ورقة الضد هي الوسيلة الأقوى لإثبات صورية الثمن في عقد البيع إعمالا للمبدأ المستقر عليه بعدم جواز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة ولضمان استقرار المعاملات القانونية.

إلا أن الناظر في الأحكام القضائية في المملكة فيما يتعلق بإثبات الصورية يجد أنها تتعرض لجميع الأدلة التي يسوقها مدعي صورية العقد أو الثمن كما أنها في سبيل إثبات الصورية أو ردها تجيز توجيه اليمين إلى المدعي عليه وقد نقل الدكتور عبد الاله بن مزروع المزروع  في بحثه المنشور بمجلة العلوم الشرعية جامعة القصيم تحت عنوان ( العقد الصوري حكمه وأثره “دراسة فقهية تطبيقية على أحكام القضاء السعودي ) عدة أحكام قضائية في دعاوي متعلقة بصورية بعض العقود وتعتبر هذه الأحكام معيارا لتحديد توجهات القضاء السعودي ودوره في إثبات الصورية ونفيها خاصة مع خلو النظام السعودي من تشريع خاص بالإثبات كما هو معروف في الأنظمة  القانونية الأخرى و نورد على سبيل المثال هذين الحكمين:

1- القضية الأولى:

أ- الوقائع

وتتلخص القضية في  دعوى المدعي بصفته وليا على والدته القاصرة عقلا بأنه في عام 1403هـ سجلت والدته منزلا ( ذكر موقعه) بشكل صوري لأخته المدعى عليها لكي تحصل على القرض العقاري – منذ ذلك الوقت والمنزل باسم المدعى عليها ووالدته تسكن المنزل إلى أن تم طردها – طلب المدعي ولاية الحكم على المدعى عليها بإفراغ المنزل لصالح والدته – أنكرت المدعى عليها ما جاء في الدعوى وذكرت بأن المنزل ملك لها وليس لوالدتها – أحضر المدعي ولاية سبعة شهود – جرى رد شهادة أول خمسة لصاحبها لأنها تجر نفعا – وكذلك رد شهادة السادس والسابع لأنها غير موصلة، ولا تقوى على معارضه صك التملك – جرى إفهام المدعي ولاية بأن له يمين المدعي عليه على نفي دعواه فطلب يمينها – حلفت المدعي عليها اليمين بعد أن جرى تحذيرها من مغبة اليمين الكاذبة.

ب- الحكم وأسبابه:

أنه بناء على ما تقدم من الدعوى والإجابة وبناء على الصك الصادر من كتابة عدل الأولى بمكة المكرمة… في … والمتضمن هبة …قطعة الأرض …. الواقعة بمكة المكرمة شمال شرق جبل النور للمدعى عليها…فهي قد انتقلت للمدعى عليها عن طريق الهبة، وهذا يعني تملكها لها حيث إن الأوراق الصادرة من كتاب العدل حسب ً الاختصاص يكون لها قوة الإثبات ويجب العمل بمضمونها أمام المحاكم ولا يجوز الطعن فيها إلا تأسيسا على مخالفتها لمقتضى الأصول الشرعية أو النظامية أو تزويرها كما نصت المادة الثمانون من نظام القضاء وكذلك فإن تأخر إقامة الدعوى لأكثر من ثلاثين سنة مما يضعف الدعوى ولم تجر العادة بسكوت صاحب الحق عن حقه لمثل هذه المدة والعادة محكمة وبناء على اليمين التي  حلفتها المدعي عليها بناء لطلب المدعي ولاية فقد أفهمت المدعي ولاية بأنه لم يثبت لدى سبق تملك والدته للهبة مود النزاع وأفهمته بأنه لا حق لوالدته في الأرض مورد النزاع وصرفت النظر عن دعواه وبذلك حكمت [8].

2- القضية الثانية:

أ- الوقائع:

تتلخَّص وقائع هذه الدعوى في ادِّعاء المُدِّعي أنه باع على المُدَّعى عليه مزرعةً، وصفها وحدها بثمنٍ قدرُه واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألف ريال (61.716000 ريال)، وأنه وثق هذا البيع لدى الدائرة المختصة – أي: وثَّقه له – ولكن المُدَّعى عليه لم يُسلِّم له الثمن، وهو يطلب إلزام المُدعَّى عليه بتسليم الثمن المذكور وقد أجاب المدعى عليه بأنه لم يشترِ المزرعة المذكورة من المدعي، وطلب ردَّ الدعوى، وأضاف في دفوعه: “إن المزرعة رهنٌ له في دَيْن على والدِ المدعي، وإنها أفرغت بيعًا صوريًّا توثيقًا لتلك الديون”.

ب- الحكم وأسبابه:

إنه بدراسة القضية وتأملها، وبما أن الطرفين قد تصادقَا على إفراغ المزرعة الموصوفة في الدعوى من المدعي إلى المدعى عليه، وهذا يوافق ما في الصك الصادر من كتابة عدل… برقم… وتاريخ…، وقد جاء في صك الإفراغ آنف الذكر: “إن الثمن واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألف ريال، سُلمت عدًّا ونقدًا، وأن المبيع سُلِّم لموكل المدعى عليه حتى الآن، وأن الثمن لم يُقبَض، وبما أن المدعى عليه قد دفع بصورية العقد، وأنه لم يقع بيع ولا شراء حقيقة، وأن ما حصل من إفراغ إنما هو رهن للمزرعة، وبما أن دفعَ المدعى عليه هذا يُؤيِّده تصادق الطرفين على عدم قبض الثمن المذكور مع كثرته، وهذا أمر تُبعِدُه العادة؛ إذ يبعد عادة أن يقرَّ شخص باستلام مبلغ كثير جدًّا – وهو واحد وستون مليونًا وسبعمائة وستة عشر ألف ريال عدًّا ونقدًا – وهو لم يستلِمْه ويكون العقد حقيقة، وما أحالته العادة أو أبعدَتْه فهو مردود، يقول ابن عبدالسلام في قواعده (2/125): ” القاعدة في الأخبار والدعاوى والشهادات والأقارير وغيرها: أن ما كذَّبه العقل أو جوَّزه وأحالته العادة، فهو مردود، وأما ما أبعدته العادة من غير إحالة، فله رتب في البعد والقرب قد يختلف فيها؛ فما كان أبعد وقوعًا، فهو أولى بالرد، وما كان أقرب وقوعًا، فهو أولى بالقبول، وبينهما رتب متفاوتة”.

ينضاف إلى ذلك: أن المزرعة لا زالت في يد المدعى عليه منذ الإفراغ بتاريخ 13/11/1414هـ حتى الآن في 2/2/1418هـ حسب إقرارهما، وأن للتعامل الذي دفع به المدعى عليه أصلاً، وذلك حسب ما قُدِّم من الورقتين اللتين إحداهما: معنونه باسم “محضر اتفاق تسوية حسابات الأسهم”، والأخرى فيها الخطاب الموجَّه من والد المدعي إلى المدعى عليه، وقد تضمَّن الخطاب ذكرَ رهن المزرعة موضع الدعوى للمدعى عليه، فكل ذلك قرائن مؤيدة لما دفع به المدعى عليه من أن حقيقة التعاقد رهن لا بيع، وتلجئةُ العقود يثبتُ بالقرينة كما ذكره فقهاؤنا؛ (الكشاف 3/150).

ولا يُعارِضُ هذا إفادة الغرفة التجارية، والتي قدَّمها المدعي متضمنة: أنه قد يحدث أحيانًا أن يفرغ العقار ويقر باستلام الثمن وهو لم يستلم؛ لأن ما يحدث أحيانًا لا يُعتَدُّ به، ولا يخلُّ بالقاعدة – كما سبق بيانه من كلام العز بن عبد السلام.

كما لا يعارض ما قرَّرته من أن صك المزرعة باسم المدعي، والديون المرهونة بها مستحقة على والده، ذلك بأن للإنسان أن يرهن ماله في دَيْنٍ عليه لغيره، كما ذكره الفقهاء؛ (الاختيارات 133). والمدَّعِي قد فعل ذلك، فقد أفرغ المزرعة لدى كاتب العدل حسب الإفراغ آنف الذكر، وكان ذلك برضاه واختياره، فهو رهنٌ منه لهذه المزرعة برضاه واختياره؛ لما أسلفت من قرينة.

كما لا يعارض ما قرَّرته من أن المُدَّعى عليه قد أقر بواسطة وكيله قبوله لهذا الإفراغ لدى كاتب العدل – كما في صك الإفراغ – لأن الإقرارَ إذا شهدت قرينة قوية بردِّه لم يُعمَل به، بُرهان ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم – واللفظ له – في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ((بينَما امرأتانِ معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنِك أنت، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا إلى سليمان بن داود عليهما السلام، فأخبرتاه، فقال: ايتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا تفعل – يرحمك الله – هو ابنها، فقضى بها للصغرى).

فبناءً على ما سلف؛ أعلمت المدَّعي بأنه لا يستحق ما ادَّعاه المدعى عليه من ثمن المزرعة الموصوفة في الدعوى، وأن حقيقة العقد بينهما رهنٌ لا بيع، وللمدَّعي على المدعى عليه اليمين الشرعية مغلَّظة في الصيغة[5] بأن حقيقة العقد بينهما في المزرعة الموصوفة في الدعوى رهنٌ وليس بيعًا، متى طلب المدعي اليمين، فأبى طلبها، وليس له إلا ذلك متى طلبها، وقد استعدَّ المدعى عليه ببذل اليمين عند طلبها منه؛ لذلك كله حكمت بصرفِ النظر عن دعوى المدعي، وأنه لا يستحق ما ادَّعاه من ثمن المزرعة المذكورة في الدعوى؛ لأن حقيقة العقد بينهما على المزرعة رهن لا بيع.[9]

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] ابن منظور: لسان لعرب، (٣/٢٩٦ وما بعدها)

[2] ابن قدامة: المغنى (٥/٦٦٤. (

[3] دكتور وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، (٤/١٩٠. (

[4] السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني، ص 994.

[5] محمد عزمي البكري، موسوعة الفقه والقضاء والتشريع في القانون المدني الجديد، المجلد الخامس، دار محمود للنشر، ص 95.

[6] طارق كاظم العجيل، الوسيط في عقد البيع: دراسة معمقة ومقارنة بالفقه الغربي والإسلامي: الجزء الأول، دار الحامد للنشر والتوزيع، 289.

[7] ، عبد الحميد الدناصوري (1997)، الصورية في ضوء الفقه والقضاء (الطبعة الخامسة)، الإسكندرية: الفكر الجامعية، ص 15.

[8] ذكر هذا الحكم في البحث المنشور من الدكتور عبد الاله بن مزروع المزروع – تحت عنوان العقد الصوري حكمه وأثره “دراسة فقهية تطبيقية على أحكام القضاء السعودي”   – مجلة العلوم الشرعية – جامعة القسيم – العدد 2 المجلد 12 ص 1039 ،1040

[9]  ذكر هذا الحكم في البحث المنشور من الدكتور عبد الاله بن مزروع المزروع، تحت عنوان العقد الصوري حكمه وأثره “دراسة فقهية تطبيقية على أحكام القضاء السعودي”، مجلة العلوم الشرعية – جامعة القسيم – العدد 2 المجلد 12 ص 1029 – 1021.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.