أهم ملامح نظام الإثبات السعودي الجديد

تشهد البيئة التشريعية في المملكة العربية السعودية طفرة قانونية كبيرة وهامة، وذلك لما انتهجته المملكة من نهج إصلاحي وتطويري لتلك البيئة، وقد تمثل هذا النهج في إصدارها لمجموعة من الأنظمة الجديدة، لاسيما وأن الغالبية العظمى من أنظمتها غير مدونة، باعتبارها تعتمد على أحكام الشريعة الإسلامية ومصادرها والآراء الفقهية، لذلك فإن تدوين تلك الأنظمة لتصبح في صورة محددة سيمثل ضمانة أكبر لتدعيم ثقة الجميع في النزاهة والعدالة التي تتمتع بها الأنظمة التي تطبق على منازعاتهم، وما يتم فيها من إجراءات.

وقد كانت باكورة تلك الطفرة في الثلاثين من ديسمبر عام 2021 وذلك بإصدار نظام الإثبات، والذي تم نشره بالجريدة الرسمية في السابع من يناير لهذا العام، وتحدد في مادته الأخيرة أن العمل بهذا النظام سيبدأ بعد مرور 30 يوماً من صدوره، وقد خصصنا هذا المقال لنسلط الضوء على أهم الملامح التي تميز نظام الإثبات السعودي الجديد.

أولاً: ما هو المقصود بنظام الإثبات؟

قبل أن نتعرض لأهم ملامح نظام الإثبات السعودي يلزم بداية توضيح ماهية الإثبات، والأهمية التي يمثلها نظام الإثبات للفرد والمجتمع.

1- ماهية الإثبات

باعتبارنا في معرض الحديث عن نظام الإثبات السعودي، فإن الإثبات الذي نعني بتناوله في هذا المقال هو الإثبات بمقصده ومعناه القانوني، والذي يطلق عليه الكثير من الفقهاء والقانونيين مسمى “البينة”، ويتمثل في كونه الطريق لإقامة الدليل والبرهان أمام جهة التقاضي على وجود وتحقق آثار لواقعة قانونية معينة، وذلك من خلال اللجوء إلى السبل والوسائل التي يقرها ويحددها المشرع[1].

فالإثبات يعتبر هو الأساس الذي لا تخلو أي دعوى أو نزاع من استخدام أحد أدواته أو وسائله، فأساس أي دعوى قضائية ومحوره هو نزاع بين طرفين أو أكثر حول إثبات أحقية كل منهم فيما يطالب به، لذلك يعد الإثبات هو العمود الفقري لأي دعوى يتداولها القضاء.

لذلك نجد أن الإثبات ليس كفروع القانون الأخرى من حيث التخصص، فالإثبات يعد من الفروع العامة للقانون، بمعنى أنه لا ينصب على نوع معين من الدعاوى، بل يطبق على كافة الدعاوى بغض النظر عن نوعها، ويرجع ذلك إلى أنه يعمل من أجل تأكيد تحقق واقعة قانونية ما أو نفي وجودها، بغض النظر عن نوعية تلك الواقعة مدنية، أو جنائية، أو تجارية، أو غيرها، فمحله لا يتمثل فيما يتنازع عليه أطراف النزاع من حق، ولكن محل الإثبات هو الواقعة القانونية التي أوجدت هذا الحق بغض النظر عن نوعها مادية كانت أو قانونية.

2- أهمية الإثبات

يعتبر الإثبات هو الحجة والدليل على وجود الحق وبيان شخصية صاحبه، فهو يرتبط دائماً بالحقوق كما يعد هو الأساس الذي يستند إليه أي قاض في عمله، فلا يمكن لأي شخص أن يقتضي حقه إلا إذا تمكن من إقامة الدليل على ارتباط هذا الحق به، ودلل على أحقيته في المطالبة به، وبالطبع فإن الحقوق لا يتم اقتضائها من قبل أصحابها عن طريق الحصول عليها بأنفسهم، ولكن ذلك يتم من خلال الطرق المشروعة لذلك وهي اللجوء للقضاء، وهذه الطرق تقتضي أن يستخدم صاحب الحق وسائل الإثبات المتاحة أمامه ليتمكن من إقناع المحكمة بأحقيته في طلباته المطروحة أمامها.

فالإثبات يعتبر وسيلة لاستقرار العلاقات وتأمين الحقوق وإن لم يكن أهمها، لذلك فإن النظريات الخاصة به تعتبر أكثر النظريات التي يتم تطبيقها على أرض الواقع العملي، فلا تخلو دعوى أو نزاع قضائي من استخدام وسيلة أو أكثر من وسائل الإثبات[2]، لا سيما وأن قانون الإثبات يعتبر أكثر فروع القانون تغلغلاً وارتباطاً بباقي فروعه الأخرى، حيث يستخدم في التدليل على الحقوق بغض النظر عن نوعها أو مصدرها، فتخضع له الحقوق الشخصية والعينية على حد سواء، لذلك نجد أن الكثير من الكتب والمؤلفات قد صدرت بهدف شرح نظرية الإثبات وتطبيقها في مختلف فروع القانون، سواء المدني أو الجنائي أو التجاري أو غيرها من أفرع القانون الأخرى.

ويتمتع الإثبات بأهميته أيضاً لكونه أكثر الموضوعات التي تمس بمصالح البشر، حيث إن حاجتهم للإثبات تنبع من حاجتهم إلى حماية مصالحهم والحفاظ عليها واكتسابها مرة أخرى في حال فقدها، وهو ما لن يتأتى دول لجوئهم إلى إثبات تلك الحقوق أمام جهات التقاضي[3].

وفي المجمل يمكننا القول إن الإثبات هو القناة الشرعية الوحيدة التي يستطيع صاحب الحق من خلالها أن يقدم الدليل على أحقيته فيما يدعيه، سواء كان ذلك الدليل يؤكد قيام الحق أو انتفائه، وذلك باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي يعتد بها القانون في هذا الشأن.

ثانياً: مرتكزات نظام الإثبات السعودي الجديد

بالإشارة إلى أهمية الإثبات في الحياة العملية كما أوضحنا فيما سبق، فقد تم تخصيص نظام مستقل له بعد أن كانت أحكامه متفرقة بين نظام المرافعات الشرعية ونظام المحاكم التجارية، وبات نظام الإثبات نظام قانوني مستقل ومنفصل عن أي نظام من الأنظمة الأخرى، فنظام الإثبات الجديد يرتكز بشكل أساسي على استقلاليته عن كافة الأنظمة الأخرى وأفرعها المختلفة.

بجانب الاستقلالية فإن نظام الإثبات السعودي يرتكز أيضاً على عموميته، ويقصد بذلك أنه ينظم كافة ما يتعلق بقواعد الإثبات في جميع الأنظمة المطبقة داخل المملكة العربية السعودية، حيث تطبق الأحكام الذي يتضمنها على عمليات الإثبات التي تتم في إطار المعاملات المدنية، والمعاملات التجارية، والمسائل الشرعية، والمنازعات الإدارية، والمسائل الجزائية، وذلك في حالة عدم وجود نص خاص بالإثبات في كل نظام منها، فهو نظام عام يخضع لتطبيقه كافة الأنظمة الأخرى، إلا إذا ارتأى المشرع أنه من الأنسب أن يتم النص في النظام على قواعد إثبات خاصة به، فإن إعمالها في تلك الحالة يقدم على إعمال النصوص العامة بنظام الإثبات.

ومن أهم المرتكزات التي بني عليها نظام الإثبات هو التطور بالصورة التي تمكنه من مواكبة التطورات المحيطة به والمؤثرة عليه، خاصة في ظل التطورات الهائلة التي شهدت معظم المعاملات والتعاملات التي تتم بين الأفراد، والتي يقتضي الأمر تطوير القوانين الحاكمة والمنظمة لتلك التعاملات لكي تتناسب مع طبيعتها الجديدة، لاسيما وأن ظهور أنواع مستحدثة من المعاملات لم تكن موجودة من قبل يجعل من الصعب بمكان أن يتم إخضاعها لقواعد تقليدية في الإثبات.

كما أن نظام الإثبات السعودي يهدف إلى التمكين في مسائل الإثبات، ونقصد بالتمكين هنا إتاحة المجال أمام الخصوم في أي منازعة لاستخدام أي أدلة يمكن أن تكون سنداً لهم في إثبات حقوقهم أمام القضاء، لذلك كان هذا النظام بمثابة تمكين واضح وصريح لأدلة الإثبات المختلفة الخاصة بالخصوم.

ولا يمكننا أن نغفل أهم مرتكزات نظام الإثبات والمتمثلة في تحقيق رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية، حيث أن أهم المحاور التي تقوم عليها تلك الرؤية هو محور “الاقتصاد المزدهر”[4]، واستقرار البيئة التشريعية وتطورها يعد من أهم أسس ومرتكزات تنمية الاقتصاد وازدهاره، خاصة وأن المعاملات باختلاف نوعها – تجارية كانت أو غير تجارية – أصبحت معظمها تتم في بيئة مختلفة تتمثل في البيئة الإلكترونية، وبالتالي تقتضي سبل إثبات تتناسب مع طبيعتها الخاصة، وكانت المملكة العربية السعودية في سبيلها لتحقيق رؤيتها سباقة في ذلك، حيث خصصت جانب من نظام الإثبات الجديد لمعالجة وتنظيم أدلة الإثبات الرقمية.

ثالثاً: أهداف نظام الإثبات السعودي الجديد

من خلال نظام الإثبات الجديد تهدف المملكة العربية السعودية لتحقيق جملة من الأهداف الهامة والمؤثرة على قطاعات المملكة ومجالاتها المختلفة، فبوجه عام تستهدف المملكة من إصدار هذا النظام  تحديد قواعد الإثبات وأحكامه، والنص عليها في نظام مستقل ومحدد بشكل واضح، يعتبر ضمانة لأي شخص – سواء كان سعودياً أو أجنبياً – يشرع في إقامة دعوى قضائية أو تحكيمية أمام المحاكم السعودية، فتلك الضمانة تتيح له قبل أن يقيم دعواه أن يكون على بينة من القواعد التي ستحكم عملية إثباته لحقوقه خلال مطالبته بها، وهو بدوره ما يلقي مزيد من الطمأنينة في النفوس، ويجعل كل شخص قادر على معرفة ما يمكن أن يلجأ إليه من وسائل لإثبات حقوقه متى لجأ إلى القضاء، فيتمكن من إعداد أدلة إثباته بشكل مسبق، بما يعزز الثقة في شفافية البيئة التشريعية والقضائية للمملكة، والذي بدوره يساهم بدور كبير في تشجيع المستثمرين الوطنيين والأجانب لإقامه مشروعاتهم واستثماراتهم في المملكة، ويعزز ويدعم رؤيتها المستقبلية.

كما أن نظام الإثبات الجديد يستهدف وضع إجراءات محددة وواضحة يتم اتباعها في شأن الإثبات أمام الجهات القضائية بوجه عام سواء كانت محاكم أو هيئات تحكيم، يراعى في تلك الإجراءات أن تكون مسايرة لما قد طرأ من مستجدات على مجال الإثبات من أدوات ووسائل إثبات لم تكن متواجدة من قبل، وبالتالي لا تصلح إجراءات الإثبات التقليدية في تنظيمها.

كما يستهدف أيضاً وضع قواعد عامة وواضحة للإثبات وفي نظام مستقل، خاصة وأن التوسع في العلاقات والمعاملات التجارية التي أصبحت تتسم بالسمة الدولية باتت تضم أطرافاً غير سعوديين، لاسيما وأن مجال الاستثمار الأجنبي قد فتح على مصراعيه أمام المستثمرين وباتت المملكة العربية السعودية من أهم نقاط الجذب لتلك النوعية من الاستثمارات، وبالتالي يصعب على هؤلاء المستثمرين الوقوف على قواعد الإثبات في ظل وجودها بين أكثر من نظام، مما يجعل جمعها في نظام واحد بمثابة تيسير عليهم في معرفة أحكام الإثبات الخاصة بالدولة محل استثماراتهم، كما أنه يزيد من اطمئنانهم للمناخ التشريعي في المملكة بما يزيد من حجم استثماراتهم بها.

كما أن نظام الإثبات الجديد يرمي إلى علاج إشكالية هامة تتمثل في طول أمد إجراءات التقاضي، فجاء لينص على بعض الحلول التي تعالج ذلك وتزيد من سرعة تلك الإجراءات فتساعد في سرعة الفصل في الدعوى، ومن تلك الإجراءات – على سبيل المثال وليس الحصر – ما نص عليه من تحديد لمواعيد ومهل معينة ومحددة بفترة زمنية يجب أن يتم تقديمها خلالها، فعالج بذلك أي محاولة قد يقوم بها أحد الخصوم لإطالة أمد التقاضي تكون ذريعته فيها التأجيل لتقديم أدلة للإثبات، وذلك لكونه مقيد بمدة محددة لذلك.

رابعاً: أهم القواعد الفقهية التي اعتمد عليها

يتسم نظام الإثبات الجديد بأنه وعلى الرغم من تطوره شكلاً ومضموناً، إلا أنه لا يزال يتخذ من قواعد الفقه الإسلامي أساساً ومصدراً رئيسياً له، ولعل هذا المزيج هو ما يجعل نظام الإثبات الجديد من الأنظمة التي سيكون لها تأثيراً مزدوجاً، حيث ترسخ الحفاظ على الهوية من جهة، ومن جهة أخرى تساير التطور في البيئة الداخلية والخارجية.

ومن أهم القواعد الفقهية التي تضمنها نظام الإثبات الجديد:

– قاعدة “البينة على من ادعى واليمين على من أنكر” والتي تعد من أهم القواعد المتعلقة بالإثبات، لكونها تحدد عبء الإثبات الملقى على عاتق كل من طرفي الخصومة، وهي قاعدة تتمتع باتفاق علماء الفقه الإسلامي عليها[5].

– قاعدة “البينة لإثبات خلاف الظاهر، واليمين لإبقاء الأصل”، وهي قاعدة فقهية متفق عليها، تجد أصلها في المبدأ الشرعي الذي يفترض في الإنسان براءة الذمة، فيكتفى لإثبات براءة الذمة باليمين نظراً لأنه الأصل، أما الزعم بما يخالف هذا الأصل فتلزم من يدعيه تقديم البينة عليه.

– قاعدة “البينة حجة متعدية والإقرار حجة قاصرة”، وهي الأخرى قاعدة فقهية مستقرة ومتفق عليها، ومضمونها أن البينة تتجاوز في إثباتها من قامت عليه ولا تقتصر عليه وحده، في حين أن الإقرار يعد قاصراً ليشمل بحجيته صاحبه فقط دون أن تتعداه تلك الحجية إلى الغير.

– قاعدة “الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان”، ويشار إليها أيضاً بمسميات أخرى مثل الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة” و”الثابت بالبينة بمنزلة المعلوم لدى القاضي”، والمقصود بهذه القاعدة – وهي أيضاً متفق عليها لدى الفقه – أن ما يثبته البرهان – ويقصد به الدليل – يكون كالمثبت برأي العين، وهي قاعدة تعظم وبحق من شأن الدليل في عملية الإثبات.

خامساً: أهم مميزات نظام الإثبات الجديد

من يطالع نصوص ومواد نظام الإثبات السعودي الجديد سيتبين له أن هذا النظام يتمتع بجملة من المزايا، وإن كانت غير قابلة للحصر في مقامنا هذا إلا أننا سوف نتعرض إلى أهم وأبرز تلك المميزات في النقاط الآتي بيانها:

– رسم نظام الإثبات الحدود والأطر الخاصة بالسلطة التقديرية الممنوحة للمحكمة فيما يخص عملية الإثبات، بحيث قيدها بعض الشيء ولم يترك المجال مطلقاً أمام الاجتهادات القضائية، بما يجعل الأمور أكثر استقراراً والأحكام الصادرة أكثر توقعاً، ومن تلك الحدود والأطر ما قرره النظام في مادته رقم (6/1) من أن القاضي يلتزم بالأخذ بوسائل وقواعد الإثبات التي يتفق الخصوم عليها طالما أن اتفاقهم هذا لا يتضمن أي مخالفة للنظام العام.

– إقرار نظام جديد يعتمد على المواجهة أثناء انعقاد الجلسات، حيث تضمن النظام في مادته رقم (77/1) ما يفيد أنه قد أصبح للخصوم توجيه أسئلتهم للشاهد بشكل مباشر أثناء الجلسة، حيث أنه قبل ذلك كان سؤال الخصم يوجه للشاهد عن طريق المحكمة، إلا أن المواجهة التي أقرها نظام الإثبات الجديد تمنح الخصوم القدرة الكاملة على توجيه أسئلتهم بالشكل الذي يرون أنه لصالح دعواهم، بجانب ما يوفره من وقت ومدة الجلسة التي ستصبح بالتأكيد ذات مدة أطول إذا ما تم إعادة السؤال ذاته مرتين، مرة يوجهه فيها الخصم للمحكمة، ومرة أخرى عند إعادته على الشاهد من قبل المحكمة.

– اتخذ نظام الإثبات الجديد اتجاهاً أكثر اتساعاً في شأن قدرة المحكمة على التحقق من صحة ما يدعيه الخصوم أمامها، ويخلق حلقة وصل تربط بين مزاعمهم وحقيقة الواقع، حيث منح القاضي السلطة لاتخاذ بعض إجراءات التي يراها من تلقاء نفسه ودون طلب الخصوم متى ارتأى له أن سماع ذلك الشاهد سيكون مؤثراً في إظهار الحقيقة وفقاً لما جاء بالمادة رقم (72/3) من النظام، وهو ما يساعد على تحقيق عدالة سريعة وناجزة.

– أقر نظام الإثبات الجديد – وحسناً فعل – الإثبات باستخدام الدليل الرقمي، وأقر له بحجية في مسائل الإثبات، حيث أفرد الباب الرابع بأكمله لتنظيم الدليل الرقمي، وهو ما يعد أبلغ أوجه التطور في نظام الإثبات السعودي، وذلك باعتباره يساير التطورات التي طرأت على الدليل الكتابي التقليدي، والذي أصبح يتخذ مظهر جديد وهو الدليل الرقمي مع اختلاف نوعية الكتابة بكل منهما.

– يتسم نظام الإثبات الجديد بالمرونة في شأن ما منحه للخصوم من حرية في تحديد قواعد الإثبات التي يخضع لها نزاعهم، وذلك عن طريق الاتفاق بينهما على تلك القواعد، بل إنه قد منحهم الحق في الاتفاق على قبول النتيجة التي سينتهي إليها الخبير في تقريره حتى وإن كان اتفاقهم هذا قد تم قبل أن تقام الدعوى من حيث الأصل، ووفقاً لنص المادة (121/1) من النظام فإن المحكمة تكون ملزمة باتفاقهم هذا ولا يمكنها مخالفته، إلا في حالة أن يكون مخالفاً للنظام العام، وهو ما يعد توسعاً مقبولاً ومبرراً، فأصحاب الشأن في النزاع هم أصحاب المصلحة فيه، ويحق لهم الاتفاق على ما يرون بشأن النزاع طالما لا يخالف النظام العام.

سادساً: أحكام القضاء السعودي المستندة لقواعد الفقه في الإثبات

1- حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 2960 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 21/11/1442هـ، والمؤيد استئنافياً بالحكم الصادر من محكمة الاستئناف التجارية بمنطقة الرياض في الاستئناف رقم 615 لسنة 1443هـ بجلسة 29/2/1443هـ والمتضمن أن (وبما أن الدائرة أفهمت وكيل المدعية بأن بينته غير كافية وأن لموكلته يمين المدعى عليه على نفي الدعوى، فذكر أن وكيل المدعية أن موكلته ترفض يمين المدعى عليه، وكما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر)، فإن المدعية إضافة إلى أنها لم تقدم بينة على دعواها رفضت قبول يمين المدعى عليه النافية للدعوى، فعليه ترى معه الدائرة عدم أحقية المدعية في ادعائها، لأنها لم تثبت حقها في الدعوى ولم تتمكن من إثبات دعواها، مما تنتهي معه الدائرة إلى ما ورد في منطوقها أدناه …. برفض هذه الدعوى).

2- حكم المحكمة التجارية بالرياض رقم 10995 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 15/5/1443هـ، والمؤيد استئنافياً بالحكم الصادر من محكمة استئناف الرياض التجارية تحت رقم 3389 لسنة 1442هـ بجلسة 9/1/1443هـ، والمتضمن أنه (وعليه وبما أنه من المعلوم فقهاً أن الإقرار يعد حجة شرعية ووسيلة من وسائل إثبات الحقوق، بل من أمتنها، وأن المقر يلزم بإقراره ويقضى عليه به، وقد أجمعت الأمة على أن الإقرار حجة قاصرة على المقر، وقال ابن القيم رحمه الله (الحكم بالإقرار يلزم قبوله بلا خلاف)، ……. وبناء على ما سبق فإن ما قدمته المدعى عليها يعد إقراراً تؤاخذ عليه وتلتزم بمضمونه ويثبت عن طريقه استحقاق المدعية لهذا المبلغ المقر به، ويتعين إلزام المدعى عليها به). 

سابعاً: الخاتمة

بعد العرض الموجز قدر الإمكان لنظام الإثبات السعودي الجديد، فإننا نرى فيه بداية لنظام ستستقر معه العديد من الأوضاع الخاصة بالإثبات، وسيكون خطوة متميزة في طريق الإصلاح والتطوير التشريعي الذي يرعاه صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ويرى فيه دعامة من دعائم تحقيق رؤية 2030، والذي نؤيده وبشدة بعد أن طالعنا مدى التماسك الذي تتسم به نصوص نظام الإثبات الجديد، والذي يعد صدوره بداية لتوالي صدور الأنظمة الجديدة تباعاً استكمالاً لمشوار سموه نحو تحقيق تلك الرؤية.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – عبد الرزاق السنهوري – الوجيز في شرح القانون المدني: نظرية الالتزام بوجه عام – دار النهضة العربية – مصر – 1966 – ص 543.

[2] – عباس العبودي – شرح أحكام قانون الإثبات المدني – دار الثقافة – الأردن – 2020 – ص7.

[3] – أنيس المنصور – شرح أحكام قانون البينات الأردني – الطبعة الثالثة – إثراء للنشر والتوزيع – الأردن 2016 – ص8.

[4] – وثيقة رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية – ص12,

[5] – حسين رجب – قواعد الترجيح بين أدلة الإثبات المتعارضة في الدعوى المدنية – منشورات زين الحقوقية – لبنان – 2011 – ص 115

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.