مفهوم الإفلاس وشروط الحكم به في النظام السعودي

السرعة والائتمان هما قوام المُعاملات التجارية، فالمعاملات التجارية تمثل شبكة مترابطة من الائتمانيات التي يمنحها التجار لبعضهم البعض، ويترتب على ذلك أنه لو تعسر أحدهم للوفاء لغيره لأدى ذلك إلى إحداث سلسة متتابعة من التعثرات، وهذا – بلا شك – سيكون له بالغ الأثر السلبي على الوضع الاقتصادي للدولة.

من أجل ذلك تم تقرير نظام الإفلاس بغية إرساء الطمأنينة بين التجار وتوفير جو من الاستقرار في محيط البيئة التجارية، فالإفلاس نظام يتعلق بالتجار دون غيرهم، ويترتب عليه أنه في حالة امتناع أحد التجار عن الوفاء بأحد ديونه التجارية فإن ذلك من شأنه أن يمكن الدائن من المطالبة بشهر إفلاس التاجر وتصفية معاملاته التجارية.

ولقد تولى النظام التجاري السعودي وضع تنظيم خاص للإفلاس، وقرر بانطباق القواعد العامة في الفقه الإسلامي على نظام الإفلاس فيما لم يرد به نص قانوني، وفيما يلي نتولى بيان أحكام الإفلاس من خلال العناصر التالية:

أولاً: تعريف الإفلاس:

لم يعرف النظام السعودي الإفلاس، حيث اكتفى بتعريف المُفلس بموجب (المادة 103) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (المفلس من استغرقت الديون جميع أمواله فعجز عن تأديتها)، وهذا التعريف يُطابق تعريف المُفلس في الفقه الإسلامي.

وإزاء صمت النظام السعودي عن بيان المقصود بالإفلاس فيمكن أن نبرز ماهيته من خلال أن نفرق بينه وبين ما قد يتشابه معه من أنظمه أخرى، وذلك على النحو التالي:

– التمييز بين مفهوم الإفلاس والإعسار والحجر:

أ- الفارق بين الإفلاس والإعسار:

الإعسار هو حالة المدين التي تزيد ديونه على حقوقه، أي تربو ديونه على أمواله،[1] فالإعسار يعني أن المدين لا يملك من المال ما يكفي لسداد ديونه، وهو بذلك يختلف مع الإفلاس الذي يقتصر إعمال أحكامه على الحالة التي يكون فيها التاجر ممتنع عن سداد ديونه التجارية فقط.

وهناك العديد من الاختلافات الجوهرية بين الإفلاس والإعسار، منها مثلاً أنه في نظام الإعسار قد يتم منح المدين أجلاً للوفاء بديونه إعمالاً لقوله تعالى: ” وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ “[2]، أما في نظام الإفلاس فلا مناص من الحجز على أموال المدين لتوزيعها بين دائنيه وذلك وفقاً للقاعدة العامة.

وكذلك لا يترتب على الإعسار التصفية الجماعية لأموال المدين ولا يترتب عليه – أيضاً – غل يد المدين عن التصرف في أمواله حيث يظل له الحق في إدارة أمواله والتقاضي بشأنها شريطة ألا يصدر منه ما يخل بحقوق غرمائه، ويكون لدائني المدين المعسر الحق في مباشرة الإجراءات الفردية ضده بما يكفل حماية حقوق كل منهم على حدا.

أما في نظام الإفلاس فإنه يتم تصفية أموال المدين تصفية جماعية حيث يُعهد بها إلى أمين التفليسة ” السنديك ” والذي يتولى مباشرة إدارة تلك الأموال إلى حين تصفيتها وبيعها لتقسيم ناتجها على الدائنين، وهو ما يعني أن الإفلاس يؤدي إلى غل يد المدين عن التصرف في كافة أمواله، فيقع تحت مغبة البطلان أي تصرف يجريه المدين الفلس بعد الحكم بإفلاسه. ناهيك عن أنه يترتب على شهر إفلاس التاجر أن يمتنع على الدائنين مباشرة إجراءات فردية ضده، فكل من له حق يتعين عليه أن يشترك في التفليسة تحت إدارة أمين التفليسة الذي يتم تعينه من قبل المحكمة التي قضت بالإفلاس.

أضف إلى ذلك أن الحكم بإفلاس التاجر قد يستتبع توقيع جزاءات جنائية عليه وذلك إذا كان الإفلاس ناتج عن إهمال أو تقصير أو غش من المدين المفلس، أما في نظام الإعسار فلن يكون مجدياً لدائني المدين أن يوقع على مدينهم عقوبات جنائية.

وكذلك يختلف الإفلاس عن الإعسار من حيث النظام القانوني الواجب التطبيق، ففي حالة الإفلاس فسيتم تطبيق أحكام الإفلاس الواردة في نظام المحكمة التجارية، في حين ستطبق على حالة الإعسار الأحكام الواردة بهذا الشأن في الفقه الإسلامي وبعض القواعد النظامية الحاكمة للتعامل مع المدين المعسر، أضف إلى ذلك أن القضاء التجاري سيكون هو صاحب الاختصاص بنظر دعاوى الإفلاس، بينما ينعقد الاختصاص في نظر قضايا الإعسار للمحاكم العامة.[3]

ومن ضمن الفروقات الجوهرية بين نظامي الإفلاس والإعسار، أن إفلاس التاجر يترتب على سقوط آجال كافة ديونه، في حين لا يكون لإعسار التاجر مثل هذا الأثر.

ب- الفارق بين الإفلاس والحجر:

الحجر يعني منع الشخص من التصرف في أمواله وذلك بأن يعهد إلى شخص أخر بتولي إدارة تلك الأموال، والحجر عادة ما يقع على ناقصي الأهلية أو معدميها مثل المجنون أو المعتوه، أو السفيه، وذلك لأن منع هؤلاء من التصرف في أموالهم سيكون محققاً لمصالح شخصية لهم في المقام الأول، وذلك لأن الحجر عليهم سيمنعهم من إهدار أموالهم دون جدوى.

أما الحجر المرتبط بالإفلاس فيقصد منه منع المدين من التصرف في أمواله إلى حين تمام تصفيتها والوفاء بما عليه من ديون لدائنيه، وهذا ما قررته (المادة 110) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (على المحكمة بعد أن تدقق الأوراق المقدمة من المفلس مع الجدول والدفاتر المذكورة في المادة السابقة والاستدعاء الذي يقدم من المفلس أو أحد غرمائه بطلب إفلاسه تقرر المحكمة الحجز عليه وإعلان إفلاسه وتعتبر تصرفاته الفعلية والقولية غير نافذة اعتبارا من تاريخ قرار الإفلاس أما إذا وقع الإفلاس على الشركة المعبر عنها بشركة المفاوضة فكما تحجز كافة أموال الشركة تحجز أيضا أموال الشركاء المتضامنين لكونهم مسئولين من جهة التضامن).

ويرجع الغرض من الحجر على المدين المفلس ومنعه من التصرف في أمواله والعهد بها إلى أحد الدائنين الذي تعينه المحكمة، إلى حماية الدائنين من تصرفات المدين المفلس الذي قد يتعمد تهريب أمواله لمنع الحجز عليها، أو أن يفضل أحد الدائنين على غيرهم مما يؤدي إلى الإخلال بمصالح الأخرين.

ومن الجدير بالذكر أن الحجر على المدين المفلس لا يكون إلا في الأحوال التي يكون لهذا المدين أموال يُرغب في تصفيتها، أما حينما يكون المدين مُعدم لا مال له فلا محل لانطباق أحكام الإفلاس عليه ولا يتم الحجر عليه في هذه الحالة، حيث يطبق عليه الأحكام المتعلقة بالإعسار وهذا ما تقرر بموجب قرار ديوان المظالم رقم 139/ت/ع/1409هـ.

ثانياً: صور الإفلاس:

قرر النظام التجاري أن للإفلاس صوراً ثلاث، وذلك وفقاً لما قررته (المادة 104) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (الإفلاس ثلاثة أنواع؛ الأول: الإفلاس الحقيقي ، الثاني: التقصيري، والثالث: الاحتيالي):

1- الإفلاس الحقيقي:

يكون الإفلاس حقيقياً إذا لم يكن ناتجاً عن إهمال أو تقصير أو تعمد من المدين، وذلك كان يحدث قوة قاهرة أو تطراً ظروف تؤثر على الوضع الاقتصادي، وذلك مثلما حدث في مطلع جائحة كرونة وما ترتب عليها من إفلاس العديد من الشركات والتجار في مختلف دول العالم، فهناك العديد من الأسباب التي قد تودي بالتاجر في منحدر الإفلاس لأسباب خارجة عن إرادته.

وتلك الصورة هي الصورة المعتادة للإفلاس ويطلق عليها الإفلاس البسيط، وهو إفلاس لا يُشكل جرائم جنائية إذ لم يكن للتاجر دخل في وقوعه، بل ويكون المشرع – عادة – متسامح مع هذا التاجر مجسداً ذلك في وضع العديد من الآليات التي من شأنها الوصول إلى حلول ودية مع التجار – الدائنين – لتوقي شهر إفلاس التاجر.

2- الإفلاس التقصيري:

التوقف عن الدفع قد يقترن سببه بأخطاء ارتكبها التاجر أو تقصير من جانبه كما لو أسرف في نفقاته الشخصية أو نفقات منزله أو دفع أموالاً باهظة في أعمال المضاربات غير المضمونة، ويُطلق على الإفلاس في هذه الحالة “الإفلاس بالتقصير”،[4]وتلك الصورة من صور الإفلاس تُعد بمثابة جريمة جنائية يُعاقب عليها القانون.

ولكن يكون من حق الدائن المفلس إفلاس تقصيرياً أن يُرد له اعتباره وذلك بعد أداء كافة ديونه وإجراء العقوبة عليه حسب العقوبات، مما يعني أن المشرع لم يصل بالتشدد مع المفلس بالتقصير إلى أقصى دراجات التشدد على عكس ما قام به مع المفلس بالاحتيال.

3- الإفلاس الاحتيالي:

هو الإفلاس الناشئ عن إرادة التاجر وتعمده الإضرار بدائنيه باستخدام الحيل والتدليس لإخفاء أمواله عنهم أو نقل ملكيتها لجعلها بمنآي عن غرمائه أو الادعاء كذباً بكونه مديناً بمبالغ لن يكن مديناً بها حقيقة أو غير ذلك من الطرق والأساليب التي يهدف منها بسلوكه تهريب أموال وإخفائها عن دائنيه.[5]

ولقد تعامل المشرع مع الإفلاس الاحتيالي بأقصى درجات الشدة، حيث اعتبر النظام السعودي أن الإفلاس الاحتيالي جريمة يُعاقب عليها بالسجن من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، يُحكم بتلك العقوبة على التاجر المفلس وعلى من اشترك معه في إخفاء الأموال أو تنظيم الحيل التي تم اتباعها.

ولا يكون للمفلس إفلاس احتيالي أن يُطالب برد اعتباره وذلك عملاً (بالمادة 133) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (لا يعاد إلى المفلس الاحتيالي اعتباره ولا لمن حكم عليه بسرقة أو خيانة أو إخفاء شيء من أمواله وامتنع عن تقديم حسابه بمقتضى المادة (109)، أما المفلس المقصر فيجوز إعادة اعتباره بعد أداء كافة ديونه وإجراء العقوبة عليه حسب العقوبات).

ثالثاً: شروط الحكم بالإفلاس:

هناك عدة شروط تطلبها نظام المحكمة التجارية السعودي لإمكانية الحكم بالإفلاس على المدين الذي توقف عن الوفاء بديونه، وتلك الشروط هي:

1- أن يكون المدين تاجراً:

الإفلاس نظام خاص بالتجار فلا يطبق على سواهم من الأشخاص العاديين الذين لا تعتريهم صفة التاجر، فغير التجار حال تعثرهم مادياً يُطبق عليهم الأحكام الخاصة بالإعسار حيث لا يمكن شهر إفلاس الشخص ما لم يكن تاجراً وذلك بغض النظر عن كونه شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً.

والتاجر هو كل شخص يُمارس عملاً تجارياً على وجه الاحتراف باسمه ولحسابه،[6] بل ويجوز شهر إفلاس كل شخص يزاول عملاً تجارياً على وجه الاحتراف حتى ولو كان مستتراً تحت اسم شخص آخر، ففي تلك الحالة تعتري صفة التاجر كل من التاجر الظاهر والتاجر المستتر.

ومن الجدير بالذكر أن صفة التاجر من الوقائع المادية التي يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات، فإذا ثار نزاع حول مدى ثبوت صفة التاجر للمدعى عليه تعين على المدعي أن يثبت أن خصمه مكتسباً لتلك الصفة بكافة طرق الإثبات المقررة قانوناً، ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى أن قيد الشخص في السجل التجاري لا ينهض كقرينة قاطعة على اكتسابه صفة التاجر، فيجوز للشخص على الرغم من قيده في السجل التجاري أن يثبت عدم اكتسابه لتلك الصفة بإثبات أنه لم يمارس نشاطاً تجارياً على وجه الاحتراف لحسابه الشخصي.

وإذا كان الشخص يزاول أكثر من حرفة بعضها تجاري والبعض الأخر غير تجاري، فإنه في هذه الحالة يمكن شهر إفلاسه، وتنسحب آثار شهر الإفلاس إلى كافة الأموال التي يمتلكها سواء المتحصل عليها من مزاولة الحرف التجارية أم غيرها من الأعمال المدنية.

وحتى يكتسب الشخص صفة التاجر فلا بد أن يكون كاملاً الأهلية لا يعتريه عارض من عوارضها، حيث يجب أن يكون بالغاً من العمر ثمانية عشر عام، أما القاصر فبحسب الأصل لا يجوز له أن يُزاول التجارة إلا إذا تحصل على إذن خاص بذلك من المحكمة المختصة، فإذا حصل على هذا الإذن جاز له مباشرة التجارة في حدود الإذن الممنوح له ويجوز في تلك الحالة أن يُشهر إفلاسه، غير أن آثار الإفلاس في هذه الحالة لا تتعدى أمواله التي إذن له في الإتجار بها.

أما القاصر الغير مأذون له في التجارة إذا كان يمتلك تجارة ما فإن المحكمة تعين له وصي يباشر التجارة بالنيابة عنه ما لم يكن الولي القانوني متوفراً، وفي هذه الحالة لا يجوز أن يُشهر إفلاس كل من الولي أو الوصي ذلك أن كل منهم يباشر التجارة باسم القاصر ولحسابه، ولكن ذلك لا يمنع من إمكانية شهر إفلاسهم إذا ثبت اتخاذهم لتجارة القاصر ستار يباشرون ورائه تجارة لحسابهم الشخصي.

ولكن ما هو أثر الوفاة على إمكانية تطبيق نظام الإفلاس على التاجر؟

وردت الإجابة على هذا التساؤل بموجب (المادة 135) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (إذا توفي التاجر قبل إعطاء القرار بإفلاسه فصلاحية حجز تركته وتقسيمها وإثبات ديونها عائد للمحكمة الشرعية أما إذا توفي في حالة الإفلاس فحجز تركته وبيعها من صلاحية محكمة التجارة حسبما تقدم لكون تركته مستغرقة بديونه فلا حق للورثة فيها).

فظاهر نص المادة سالفة البيان يشير إلى أن النظام فرق بين ما إذا كانت الوفاة قبل الحكم بالإفلاس أم بعد صدور الحكم:

أ- فإذا توفى التاجر قبل الحكم بإفلاسه فإنه يجوز للمحكمة العامة المختصة أن تقرر الحجز على التركة وتتولى تقسيم الديون على الدائنين.

ب- أما إذا كانت الوفاة بعد الحكم بشهر الإفلاس فإن المحكمة التجارية المختصة ستتولى حجز التركة وبيعها ليتقاضى كل دائن حقه.

يتضح مما تقدم أن النظام السعودي لا يجيز شهر إفلاس التاجر المتوفي حتى ولو ثبت توقفه عن دفع ديونه التجارية قبل الوفاة، وذلك بخلاف ما هو مستقر عليه في بعض التشريعات المقارنة مثل التشريع المصري والذي يجيز شهر إفلاس التاجر بعد وفاته شريطة أن يثبت توقف التاجر عن الدفع قبل وفاته وأن يُقدم طلب شهر الإفلاس خلال السنة التالية للوفاة.[7]

مدى جواز شهر إفلاس الشخص الاعتباري:

يجوز شهر إفلاس الشركة طالما كان الغرض وراء إنشائها مباشرة الأعمال التجارية، لأنها حينئذ تكتسب صفة التاجر، أما بالنسبة للشركات المدنية فبحسب الأصل لا يجوز شهر إفلاسها إلا إذا كانت تباشر أعمال تجارية، ويشترط في تلك الحالة أن تكون الأعمال التجارية التي تباشرها الشركة المدنية غالبة على الأعمال المدنية.

وهناك بعض الحالات التي يكون لإفلاس الشركة أثر على الشركاء فيها، حيث أن إفلاس شركة التضامن سيؤدي – بالحتم وبالضرورة – إلى إفلاس الشركاء فيها، ذلك أن الشركاء شركة التضامن يكتسبون صفة التاجر ويكونوا مسئولين مسئولية تضامنية شخصية مطلقة عن الوفاء بجميع ديون الشركة، ولكن يُلاحظ أن إفلاس أحد الشركاء لا يستتبع إفلاس الشركة ولكن يترتب عليه انقضائها، وذلك نظراً لاعتبار شركة التضامن من شركات الأشخاص التي تقوم على فكرة الاعتبار الشخصي، وإفلاس أحد الشركاء من شأنه تقويض ذلك الاعتبار. وهو ذات الحكم المطبق حال إفلاس شركة التوصية بالأسهم، ولكن يُلاحظ في هذا المقام أن إفلاس شركة التوصية بالأسهم يؤدي إلى إفلاس الشركاء المتضامنين دون الشركاء الموصين.

أما غير ذلك من الشركات التي لا يكون فيها الشركاء متضامنين فإن إفلاسها يكون عديم الأثر بالنسبة لهم سواء أكانوا تجار أم لا، ذلك أن الشركاء في تلك الأنواع من الشركات – مثل شركة المساهمة – لا يكونوا مسئولين عن ديونها مسئولية شخصية، بل تقتصر مسئوليتهم على مقدار ما قدموه من حصة للشركة.

وتبقى الإشارة إلى أن شركة المحاصة لا يجوز شهر إفلاسها حيث إنها لا تكتسب شخصية معنوية ومن ثم فلا يوجد لها وجود قانوني، وبالتالي فلا يمكن القول بأنها تكتسب صفة التاجر حتى ولو كان الغرض من إنشائه ممارسة أعمال تجارية. أما بالنسبة للشركاء في شركات المحاصة فيجوز شهر إفلاسهم إذا كانوا يمارسون أعمالاً تجارية.

والشركة – أياً كان نوعها باستثناء شركة المحاصة – يجوز شهر إفلاسها حتى بعد صدور قرار بحلها طالما كانت في طور التصفية، حيث أن الشركة في تلك الحالة تظل محتفظة بقدر من شخصيتها المعنوية يمكنها من إتمام إجراءات التصفية مما يعني جواز التقدم بشهر إفلاسها إذا توقفت عن سداد أحد ديونها التجارية. وذات الحكم يُطبق على الشركة الفعلية التي باشرت نشاطها بالفعل ثم قضي ببطلانها، حيث يترتب على الحكم بالبطلان أن يتم تصفية الشركة وفي هذه الحالة يجوز شهر إفلاسها أثناء إتمام إجراءات التصفية إذا توقفت عن دفع أحد ديونها التجارية.

مدى مسئولية مديرو الشركات عن الإفلاس:

قرر النظام السعودي أن مديرو الشركات يكونوا مسئولين عن إفلاس الشركة إذا ثبت تقصير أو إهمال منهم، وهذا ما يتجلى من مُطالعة (المادة 76) من نظام الشركات والتي نصت على أن: (يسأل أعضاء مجلس الإدارة بالتضامن عن تعويض الشركة أو المساهمين أو الغير عن الضرر الذي ينشأ عن إساءتهم تدبير شئون الشركة أو مخالفتهم أحكام هذا النظام أو نصوص نظام الشركة، وكل شرط يقضي بغير ذلك يعتبر كأن لم يكن). وأيضاً ما قررته (المادة 168) من نظام الشركات بنصها على أن: (يجوز للشركاء عزل المديرين المعينين في عقد الشركة أو في عقد مستقل دون إخلال بحقهم في التعويض إذا وقع العزل بغير مبرر مقبول أو في وقت غير لائق. ويسأل المديرون بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير بسبب مخالفة أحكام هذا النظام أو نصوص عقد الشركة أو نظامها، أو بسبب ما يصدر منهم من أخطاء في أداء عملهم، وكل شرط يقضي بغير ذلك يعتبر كأن لم يكن).

ولكن تجدر الإشارة إلى أن النصوص سالفة البيان لا تعطينا الجزم بأن المديرين وأعضاء مجلس الإدارة يقومون مقام التاجر الذي تتحقق فيه المسئولية الجنائية عن التفاليس، فهي تؤكد على المسئولية المدنية عليهم في ديون الشركة عند إفلاسها.[8]

إلا أن (المادة 14) من نظام التسوية الوقائية من الإفلاس أكدت على المسئولية الجنائية للمديرين حال ثبوت إهمالهم أو تقصيرهم مما ترتب عليه إفلاس الشركة وذلك حينما نصت على أن: ( يُعاقب المدين بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، في أي من الحالات الآتية:

  • إذا أخفى عمدًا كل أمواله، أو بعضها، أو غالى في تقديرها، وذلك بقصد الحصول على التسوية الواقية.
  • إذا ترك عمدًا بعض ديونه، أو مكن دائنًا وهميًّا أو ممنوعًا من الاشتراك في التسوية، أو مغاليًّا في دينه، من الاشتراك في المداولات والتصويت.
  • إذا أغفل عمدًا ذكر دائن أو أكثر في قائمة الدائنين.

وإذا كان المدين شركة، فتطبق هذه العقوبة بحق المسئولين فيها عن ارتكاب أي من هذه المخالفات).

2- أن يتوقف المدين التاجر عن الدفع:

حتى يمكن شهر إفلاس التاجر فيجب أن يكون متوقفاً عن دفع ديونه التي حل أجلها، والمقصود بالديون في هذا المقام هي الديون التجارية دون غيرها، وهذه الديون يتعين أن تكون معينة المقدار ومستحقة الأداء، بغض النظر عن كونها متحققة من عمل تجاري بطبيعته أم من عمل تجاري بالتبعية.

وفي هذا المقام يُثار تساؤل على درجة عالية من الأهمية مؤداه: هل اضطراب المركز المالي للتاجر – سواء أكان فرد أم شركة – يكفي للمطالبة بشهر إفلاسه؟

الواقع من الأمر أن سوء المركز المالي للتاجر لا ينبئ عن توقفه بالحتم عن دفع ديونه التجارية، ولما كان نظام الإفلاس مرتبط وقائم على التوقف عن الديون التجارية فإن ذلك يعني أنه لا يجوز شهر إفلاس التاجر لمجرد اضطراب مركزه المالي.

إلا أن الواقع يشير إلى أن حالة توقف المدين عن الدفع تتعاصر معها – عادة – حالة من الاضطراب المالي الذي يتعرض له التاجر، ولكن يمكن القول أن حالة الاضطراب التي يتعرض له التاجر تكون بمثابة قرينة على عجز التاجر عن الدفع تقدم إلى المحكمة حتى يتسنى لها الحكم بشهر الإفلاس.

إذن، فيجب حتى يمكن شهر إفلاس التاجر أن يكون التاجر قد توقف عن الوفاء بأحد ديونه التجارية، أما توقف التاجر عن سداد أحد ديونه المدنية لا ينهض كسبب لشهر إفلاسه، حيث سيخضع في هذه الحالة لنظام شهر الإعسار.

وإذا توقف التاجر عن الوفاء بأحد ديونه التجارية وتم شهر إفلاسه، فإن الإفلاس يشمل كافة أموال التاجر، وفي هذه الحالة يكون للدائنين أصحاب الديون المدنية أن يشتركوا مع الدائنين التجار في اقتسام أموال التاجر، فإن لم تكفي الأموال لسداد الديون فإنهم يتقاسمون الأموال المتوفرة قسمة غرماء.

3- صدور الحكم بالإفلاس عن المحكمة التجارية المختصة:

بمجرد توقف التاجر عن سداد أحد ديونه التجارية يكون في حالة إفلاس فعلي، إلا أن الإفلاس الفعلي لا يكون له ثمة أثر قانوني – بحسب الأصل – على التاجر الذي يظل قائماً على رأس تجارته، متمتعاً بحريته الكاملة في إجراء التصرفات القانونية، ويتعين على من يريد غل يد التاجر عن التصرف في أمواله أن يشرع في المُطالبة بشهر إفلاسه أمام المحكمة التجارية المختصة. وهذا ما تقرر بموجب (المادة 110) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (على المحكمة بعد أن تدقق الأوراق المقدمة من المفلس مع الجدول والدفاتر المذكورة في المادة السابقة والاستدعاء الذي يقدم من المفلس أو أحد غرمائه بطلب إفلاسه تقرر المحكمة الحجز عليه وإعلان إفلاسه وتعتبر تصرفاته الفعلية والقولية غير نافذة اعتبارا من تاريخ قرار الإفلاس).

إذن فالحكم بشهر الإفلاس يُعد حكماً منشئاً لحالة الإفلاس وليس كاشفاً عنها، حيث أن الأثار القانونية المترتبة على الإفلاس لا تترتب إلا بعد النطق بالحكم بشهر إفلاس المدين التاجر، حيث يترتب على صدور هذا الحكم إنشاء حالة الإفلاس وغل يد المدين عن التصرف في كافة أموال وإنشاء جماعة الدائنين يمثلهم أمين التفليسة الذي تعينه المحكمة.

ولكن لم يثبت الحق في طلب شهر إفلاس التاجر؟

من مطالعة أحكام النظام السعودي يتجلى لنا أن التقدم بطلب شهر إفلاس المدين التاجر إلى المحكمة المختصة مقصوراً على:

أ- المدين:

يجوز للمدين التاجر أن يتقدم إلى المحكمة التجارية المختصة مطالباً بشهر إفلاسه وذلك عندما تلوح له بوادر العجز عن الوفاء بما عليه من ديون بغية تسهيل إجراءات التصفية الجماعية لأمواله، ويهدف بذلك أيضاً إلى وقف تدهوره المالي والكشف عن حسن نيته مراعياً بذلك أصول وقواعد شرف مهنته التجارية. بل وقيام التاجر بالتقدم بطلب لشهر إفلاسه يبعد عنه شبهة الإفلاس بالتقصير أو الإهمال أو الاحتيال، مما يجعله بمنأى عن تطبيق العقوبات المتعلقة بتلك الصور من الإفلاس عليه.

ويتعين على التاجر في تلك الحالة أن يقدم ما يكون تحت يده من مستندات وفاتر تجارية للمحكمة وذلك وفقاً لما قررته (المادة 109) من نظام المحكمة التجارية والتي نصت على أن: (على المفلس أن يقدم دفاتره مع سندات الديوان المطلوبة له إلى المجلس مشفوعة بجدول يحتوي أصل رأس ماله اعتبارا من تاريخ اشتغاله بالتجارة إلى يوم إفلاسه وما وقع عليه من الخسارة ومصاريفه وجميع ما له وعليه. وفي الحال يجب على المجلس أن يوقفه أو يضعه تحت مراقبة الشرطة).

ولا يقتصر إمكانية تقدم المدين بالمطالبة بشهر إفلاسه على الأشخاص الطبيعية فقط، حيث يكون لمديري الشركات التقدم بطلب إفلاس الشركة سواء أكانوا منفردين أم مجتمعين، حيث أنه حال تعدد المديرين فلا يشترط أن يتقدموا جميعاً بطلب شهر إفلاس الشركة، حيث يكفي تقدم أحدهم بمثل هذا الطلب. إلا أن مُقدم الطلب إذا ثبت خطأه فإن ذلك من شأنه أن يثير مسئوليته أمام الشركة عن الأضرار التي لحقت بها جراء تقديم مثل هذا الطلب.

ب- الإفلاس بناء على طلب الدائنين أو بعضهم:

يُعد التقدم بطلب الإفلاس من أحد الدائنين هو الطريق الطبيعي والمعتاد لشهر إفلاس المدين التاجر، حيث يحق لأي من الدائنين التقدم بمثل هذا الطلب بغض النظر عن مقدار حجم دينه شريطة أن يكون الدين تجاري محقق الوجود معين المقدار وحال الأداء.

وإذا لم يكن لمقدار الدين أثر في إمكانية تقديم الطلب بشهر الإفلاس، إلا أنه يجب أن يكون مقدم الطلب دائناً، بحيث إن لم يكن دائناً فلا يكون له الحق بالتقدم بمثل هذا الطلب، فلا يجوز – مثلاً – للشريك في الشركة أن يتقدم بطلب لشهر إفلاسها مالم يكن مديراً أو دائناً لها.

فإذا تحققت تلك الشروط جاز للمحكمة أن تقضي بإفلاس التاجر، والحكم الصادر بشهر إفلاس التاجر من الأحكام التي تتمتع بحجية عينية، حيث يستفيد منه كافة الأشخاص سواء أكانوا أطرافاً في الدعوى أم لا، ومن ثم يعتبر المدين التاجر مفلساً – بعد صدور الحكم بإفلاسه – في مواجهة جميع الدائنين سواء أكانوا من رافعي الدعوى أم لا.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] الأستاذ الدكتور/ محمد حسين منصور، الوجيز في أحكام الالتزام والإثبات، مطابع القدس، ص 111.

[2] سورة البقرة، الآية 280.

[3] أنظر خالد بن عبد العزيز بن عبد الله، مفهوم الإفلاس وشروط الحكم به في النظام التجاري السعودي، 2012، جامعة المنصورة – كلية الحقوق، ص 224، 225.

[4] الأستاذ الدكتور/ محمد السيد الفقي، القانون التجاري، 2016، دار الجامعة الجديدة، ص 226.

[5] خالد بن عبد العزيز بن عبد الله، مرجع سابق، ص 234.

[6] أنظر الأستاذ الدكتور/ محمد السيد الفقي، القانون التجاري، 2019، دار الجامعة الجديدة، ص 169. وأنظر أيضاً قرار ديوان المظالم رقم 86/4/1419هـ.

[7] أنظر الأستاذ الدكتور/ محمد فريد العريني، الدكتور/ محمد عكاشة عبد العال، القانون التجاري، 2020، دار المطبوعات الجامعية، ص 66.

[8] أنظر د. سعد بن محمد شايع القحطاني، الإفلاس في النظام السعودي مقارناً بالقانون المصري،  ص 2980، 2981.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.