الاختصاص في جرائم الشركات وفق نظام الشركات السعودي

تلعب الشركات التجارية دوراَ هاماَ وبارزاَ في المجال الاقتصادي لجميع الدول، كونها تقوم بالعديد من العمليات التجارية والمالية، ويعمل بها عدد هائل من الأشخاص للقيام بأنشطتها، وهو ما أدي لقيام جميع الدول بصفة عامة والمملكة العربية السعودية بصفه خاصة لوضع نظام قانوني ينظم هذه الشركات، ولعل المرسوم الملكي رقم (م/3) لسنة 1437 هو المختص بتنظيم الشركات التجارية، والذي اشتمل على اثني عشر باباَ تناولت الأحكام العامة والخاصة لمختلف أنواع الشركات التجارية من حيث إجراءات تأسيسها وإدارتها وتحولها أو اندماجها وتصفيتها، وكذلك ما يتعلق بالشركات الأجنبية، وكذلك العقوبات المقررة للجرائم التي يتصور وقوعها والحالات التي يتم فيها تشديد العقوبة، والجهات المختصة بالتحقيق والمحاكمة في هذه الجرائم، وهذه الجرائم قد تختص بها وزارة التجارة، أو هيئة السوق المالية، أو النيابة العامة، وقد تختص بعض الجهات الأخرى بالنظر فيها وإيقاع العقوبة المناسبة كالمحكمة التجارية، أو لجنة النظر في مخالفات نظام الشركات، أو لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية بهيئة السوق المالية وهو ما سوف نتناول  الحديث عنها في هذا المقال على النحو التالي:

أولا: ماهية الشركات وأشكالها في النظام السعودي:

1ـ ماهية الشركات:

يمكن القول بأن الشركة هي عقد بموجبه يلتزم شخصان أو أكثر بالمساهمة في مشروع يتم تنفيذه بهدف الربح على أن يتم اقتسام ومشاركة ما ينشأ من ربح أو خسارة عن هذا المشروع، فالشركة تهدف لتوحيد الجهود وتجميع الأموال اللازمة لتنفيذ المشروعات التجارية، والتي يصعب على الأفراد تنفيذها بمفردهم.[1]

وهذا ما أكدت عليه المادة الثانية من نظام الشركات السعودي بالنص على: ” الشركة عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح بتقديم حصة من مال أو عمل أو منهما معاَ لاقتسام ما ينشأ من هذا المشروع من ربح أو خسارة”.

2ـ أشكال الشركات في النظام السعودي:

جاء النظام السعودي بتحديد أشكال معينة للشركات لابد من أن تكون عليها وقت تأسيسها، وأوضح النظام بأن أي شركة من هذه الشركات لم يتم تأسيسها وفقاَ لهذه الأشكال المصرح بها فإنها تعد باطلة.

ـ حيث نصت المادة الثانية من نظام الشركات السعودي على أنه: ” – يجب أن تتخذ الشركة التي تؤسس في المملكة أحد الأشكال الآتية:

  • شركة التضامن.
  • شركة التوصية البسيطة.
  • شركة المحاصة.
  • شركة المساهمة.
  • الشركة ذات المسؤولية المحدودة.

ـ مع مراعاة أحاكم الفقرة (3) من هذه المادة، تكون باطلة كل شركة لا تتخذ أحد الأشكال المذكورة في الفقرة (1) من هذه المادة، ويكون الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسؤولين شخصياَ وبالتضامن عن الالتزامات الناشئة من هذا التعاقد.

ـ لا تنطبق أحكام النظام على الشركات المعروفة في الفقه الإسلامي، وذلك ما لم تتخذ شكل شركة من الشركات الواردة في الفقرة (1) من هذه المادة”.

ثانيا: أحكام جرائم الشركات في النظام السعودي:

أورد نظام الشركات السعودي بعض المخالفات التي متي ارتكبت أي منها أصبح ذلك جرماَ يعاقب عليه القانون، سواء كانت تلك المخالفات تنعقد بناء على قيام المجرم بفعل إيجابي أو فعل سلبي، ومن ثم إيقاع وتطبيق الجزاء المناسب لهذا السلوك.[2]

كما أن النظام الأساسي للحكم بالمملكة العربية السعودية والصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) لسنة 1412هـ نص في مادته رقم (38) على أن: ” العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نص نظامي….”.

هذا وقد جاءت نصوص المواد (الحادية عشرة بعد المائتين) و(الثانية عشرة بعد المائتين) و(الثالثة عشرة بعد المائتين) من نظام الشركات السعودي لتبين وتوضح الأفعال التي تشكل جرما من جرائم الشركات، والأشخاص التي من الممكن أن تقع منهم هذه الجرائم، ثم بينت العقوبة المقررة لكل فعل من هذه الأفعال.

وبالنظر لما جاءت به تلك المواد سالفة البيان من أحكام يتضح أن هذه الجرائم قد تقع وترتكب من أحد الأشخاص التالية:

1ـ جرائم تقع من أصحاب المراكز القانونية في الشركة: وهم (مدير الشركة، أي مسئول بالشركة، عضو مجلس إدارة الشركة، مراجع حسابات بالشركة، مصف الشركة، وقد يكون أحد الشركاء المساهمين في الشركة)

2ـ جرائم تقع من أحد موظفي الحكومة: قد تقع بعض جرائم الشركات من أحد موظفي الدولة (موظف عام)، وقد عرفته اللائحة التنفيذية للموارد البشرية الصادرة بالقرار الوزاري رقم (1550) بتاريخ 9/6/1440 هـ بأنه: ” كل من يشغل وظيفة مدنية عامة في الدولة أو يمارس مهماتها أيا كانت طبيعة عمله أو اسم وظيفته سواء كان ذلك عن طريق التعيين أو التعاقد بصفه دائمة أو مؤقتة”.

وقد بينت المادة (212/ ب) من نظام الشركات الجرائم التي قد تقع من أحد موظفي الدولة بالنص على أن: ” كل موظف عام أفشي لغير الجهات المختصة أسرار الشركة التي اطلع عليها بحكم وظيفته”.

3ـ جرائم تقع من الغير: وهي الجرائم التي تقع من بعض الأشخاص ممن لا يمثلون مراكز قانونية بالشركة، وليسوا من موظفي وممثلي الحكومة.[3]

ثالثا: الاختصاص بالتحقيق والادعاء في جرائم الشركات:

في البداية نود أن نشير إلى أن النظام الشركات السعودي قد عدد جهات الاختصاص في الادعاء في جرائم الشركات فقد نص النظام على أن الاختصاص الأصيل في الادعاء ينعقد لهيئة التحقيق والادعاء (للنيابة العامة). حيث نصت المادة (215) من النظام على أن: ” تختص هيئة التحقيق والادعاء العام بمهمة التحقيق والادعاء عن الأفعال المجرمة في المادتين (الحادية عشرة بعد المائتين) و (الثانية عشرة بعد المائتين) من النظام”. وتم تعديل مسمي هيئة التحقيق والادعاء العام لتصبح النيابة العامة بموجب الأمر الملكي رقم (أ/240) بتاريخ 22/9/1438 هـ.

أما فيما يتعلق بالمخالفات الواردة في المادة (213) من النظام فيكون اختصاص الادعاء فيها لموظفي الضبط الجنائي بهيئة السوق المالية، كما أنه بالنسبة للمخالفة الواردة في نص المادة (212/ب) من النظام والخاصة بمخالفات موظفي الحكومة فإن اختصاص الادعاء فيها يكون لهيئة الرقابة ومكافحة الفساد، وهو الأمر الذي يعني أن جهات الادعاء المختصة في جرائم الشركات وفقا للنظام تتمثل في التالي:

1ـ النيابة العامة:

وهي جهة الاختصاص الأصيل في التحقيق والادعاء وذلك وفقا لما جاء به نص المادة (215) من النظام، والتي نصت على: ” تختص هيئة التحقيق والادعاء العام – النيابة العامة حالياً – بمهمة التحقيق والادعاء عن الأفعال المجرمة في المادتين (الحادية عشرة بعد المائتين) و (الثانية عشرة بعد المائتين) من النظام”.

وحيث أنه وبالنظر فيما جاء بالمادة سالفة البيان يتضح أنها حددت اختصاص النيابة العامة على التحقيق والادعاء للأفعال المجرمة في المادتين (211) و (212) من النظام، دون ذكر سبب ذلك الاقتصار، أو العله منه.

2ـ وزارة التجارة:

جاء نظام الشركات خاليا من بيان الجهة المختصة بالتحقيق في المخالفات الواردة بالمادة (213) منه، حيث اكتفي في المادة (215) بإسناد مهمة التحقيق للنيابة العامة في الجرائم المنصوص عليها في المادتين (211) و (212) فقط، إلا أن النظام عاد في المادة (222) ونص على أن: ” للموظفين ـ الصادر بتسميتهم قرار من الجهة المختصة ـ صفه الضبط الجنائي في إثبات الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام النظام. ولهم ـ في سبيل ذلك ـ التحفظ على ما يرونه متعلقاَ بالجريمة من وثائق وسجلات”.

ومن ثم فإن موظفي وزارة التجارة المختصين بالأمر يبحثون في نوع المخالفة أولا فإن كانت من المخالفات المنصوص عليها في المادتين (211) و(212) قامت على الفور بإحالتها للنيابة العامة، والتي تتولي بدورها التحقيق والادعاء أمام المحكمة، وإذا كانت المخالفات من المنصوص عليها في المادة (213) من النظام فإنهم يقومون بإعداد لائحة الادعاء ورفعها للجنة النظر في مخالفات نظام الشركات في وزارة التجارة للنظر في توقيع العقوبة المناسبة وفق دون من مخالفات في لائحة الادعاء.

كما أن الجهة المختصة بالادعاء في وزارة التجارة هي إدارة الالتزام، التابعة للإدارة العامة للحوكمة والالتزام، التابعة للوكالة المساعدة للشركات والغرف التجارية، التابعة لوكالة الأعمال التجارية والاستثمار.

3ـ هيئة السوق المالية:

جميع الجرائم الواردة في نظام الشركات إما أن تخضع وتختص بها النيابة العامة أثناء مرحلة التحقيق والادعاء في الجرائم المنصوص عليها في المواد (211) و (212) من النظام، أو موظفي الضبط الجنائي بوزارة التجارة في الجرائم المنصوص في المادة (213) من النظام.

إلا أن النظام استثني من ذلك الشركات المساهمة وعقد الاختصاص في التحقيق والادعاء للجرائم التي تقع عليها لهيئة السوق المالية، حيث أكدت المادة الثانية والعشرون بعد المائتين على أن الموظفين الصادر لهم قرار من الجهة المختصة بمنحهم صفه الضبط الجنائي في إثبات الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام النظام، ولهم في سبيل ذلك التحفظ على ما يرونه متعلقاَ بالجريمة من وثائق وسجلات”. وحيث أن المادة الأولي من النظام فسرت الجهة المختصة بأنها وزارة التجارة والصناعة، إلا فيما يتعلق بالشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية فتكون لهيئة السوق المالية.

فأي ما كانت نوع المخالفة سواء بفعل ما أو امتناع عن فعل اعتبره المشرع جريمة يعاقب عليها القانون، كأن يقوم عن عمد بإثبات بيانات كاذبة، أو يقوم بالتوقيع على الوثيقة التي تحتوي على هذه البيانات الكاذبة، أو أن يقوم بنشرها مع علمه بذلك، أو يقدم إقرارات كاذبة بشأن تقويم الحصص أو توزيعها أو الوفاء بكامل قيمتها بالمخالفة لأحكام النظام، فإن الاختصاص بالادعاء ينعقد فيها لهيئة سوق المال طالما أنها جرائم بالشركات المساهمة.[4]

ـ ومن هذا المنطلق يمكننا القول إنه حال وقوع أي مخالفة من المخالفات المنصوص عليها في نصوص المواد (الحادية عشرة بعد المائتين) و (الثانية عشرة بعد المائتين) و (الثالثة عشر بعد المائتين) من النظام على شركات المساهمة، فإن الاختصاص في التحقيق والادعاء ينعقد لموظفي هيئة السوق المالية، ومن ثم تكون الهيئة هي الجهة المختصة بالادعاء أمام اللجنة.

4ـ هيئة الرقابة ومكافحة الفساد:

الأصل في الاختصاص للجرائم المنصوص عليها في المادة (212/ب) من النظام ينعقد للنيابة العامة، إلا أنه ومع صدور الأمر الملكي رقم (أ/277) بتاريخ 15/4/1441هـ والخاص بتنظيم هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الجديد، والذي نص على الموافقة على الترتيبات التنظيمية والهيكلية المتصلة بمكافحة الفساد المالي والإداري، حيث جاء في البند الثالث من هذا التنظيمات أنه: ” تنشأ وحدة تحقيق وادعاء جنائي في هيئة الرقابة وكافحه الفساد تختص بالتحقيق الجنائي المتعلقة بالفساد المالي والإداري، والادعاء فيها”.

ـ ونصت كذلك في بندها السادس على أن: ” تتولي هيئة الرقابة ومكافحة الفساد اتخاذ ما يلزم حيال جرائم الفساد المالي والإداري ومرتكبيها وأطرافها سواء كانوا من الأشخاص ذوي الصفة الطبيعية من موظفي الدولة المدنيين أو العسكريين أو من في حكمهم من المتعاقد معهم، أو غيرهم، أو من الأشخاص ذوي الصفة المعنوية ذات الصلة بتلك الجرائم، ومن ذلك القيام بضبط من يشتبه بارتكاب جرائم الفساد المالي والإداري وسماع أقواله والتحفظ عليه، وفق المدة المقررة نظاماَ تمهيداَ لإحالة الأدلة والمستندات المتصلة بها إلى وحدة التحقيق والادعاء الجنائي في الهيئة لاستكمال الإجراءات النظامية اللازمة في هذا الشأن”.

ومن خلال ما سبق يتضح أنه وبصدور الأمر الملكي رقم (أ/277) والخاص بتنظيم هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الجديد، أصبح انعقاد الاختصاص بالتحقيق والادعاء في الجرائم والمخالفات المنصوص عليها في المادة (212/ب) من النظام ينعقد لهذه لهيئة الرقابة ومكافحة الفساد، بعد أن كان ينعقد وبصفه أصلية للنيابة العامة بموجب المادة (215) من النظام.

رابعا: الاختصاص بالنظر في جرائم الشركات:

جاءت المادة (223) من النظام ونصت على أن: ” تنظر الجهة القضائية المختصة في جميع الدعاوى المدنية والجزائية والمنازعات الناشئة من تطبيق أحكام النظام وتوقيع الجزاءات المقررة لمخالفة أحكامة”.

هذا وقد صدر قرار مجلس الوزراء رقم (495) بتاريخ 24/8/1442 هـ والمتضمن: “1- إن المقصود بالجهة القضائية المختصة في هذه المادة لجان الفصل في منازعات الأوراق المالية، وذلك فيما يتعلق بالشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية. 2- لا يخل ما ورد في البند (1) من هذا القرار بالأحكام والقرارات النهائية الصادرة من المحاكم المختصة قبل نفاذ ما ورد فيه، ولا باختصاصها بالنظر في الطلبات ذات الصلة بالأحكام القضائية الصادرة عنها، ولا باستمرار نظرها للدعاوى المقيدة أمامها وقت نفاذة حتى الفصل فيها بحكم نهائي”.

إلا أن المادة (216) من النظام أوضحت أن الاختصاص ليس للجهة القضائية فقط، ولكن من الممكن أن ينعقد لغيرها، حيث نصت على: ” للجهة المختصة إيقاع العقوبات المقررة عن المخالفات المنصوص عليها في المادة (الثالثة عشرة بعد المائتين)، ولمن صدر ضده قرار العقوبة التظلم أمام الجهة القضائية المختصة”.

وقد أوضح النظام في مادته الأولي الجهة المختصة بأنها وزارة التجارة والصناعة، إلا ما يتعلق بشركات المساهمة المدرجة في السوق المالية فتكون الجهة المختصة هي هيئة السوق المالية، ويتم الاعتراض على حكم لجنة وزارة التجارة أمام ديوان المظالم في المحكمة الابتدائية، أما لجنة هيئة السوق المالية فيكون الاعتراض على حكمها أمام لجنة الاستئناف في ذات الهيئة.

ـ ومن هنا يتضح أن الجهات المختصة بالنظر في جرائم الشركات هي كالتالي:

1ـ المحكمة التجارية:

صدر نظام المحاكم التجارية بموجب المرسوم الملكي رقم (م/1) بتاريخ 22/1/1435هـ، ونص في مادته (16/4) على: ” تختص المحكمة بالنظر في الآتي: الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق أحكام نظام الشركات”

كما جاء قرار وزير العدل رقم (967/ت) بتاريخ 1/1/1439هـ بالنص في البند خامساَ منه على: ” تنظر الدعاوى التجارية المتعلقة بنظام الشركات أو الوكالات التجارية مهما كانت قيمة المطالبة الأصلية فيها، والدعوى الأخرى التي تزيد الطلبات الأصلية فيها عن ثلاثمائة ألف ريال من دوائر مكونه من ثلاث قضاة، وتنظر الدعاوى التجارية التي لا تزيد الطلبات الأصلية فيها عن ثلاثمائة ألف ريال من دائرة مكونة من قاض فرد، ويسرى ذلك على الدعاوى المقيدة من تاريخ مباشرة المحاكم والدوائر التجارية اختصاصاتها”.

وكذلك أوضحت الاختصاص الأصيل للمحاكم المادة (223) من النظام بالنص على أنه: ” تنظر الجهة القضائية المختصة في جميع الدعاوى المدنية والجزائية والمنازعات الناشئة من تطبيق أحكام النظام وتوقيع الجزاءات المقررة لمخالفة أحكامة”.

إلا أنه وبناء على ما ورد بالتعميم رقم (3392) والصادر من رئيس المجلس الأعلى للقضاء من أنه: ” لا يدخل اختصاص المحاكم التجارية حاليا المخالفات المتعلقة بالأنظمة التجارية، ويكون نظر ما هو من اختصاص القضاء العام لدي المحاكم الجزائية”

ـ ولما كانت جرائم الشركات من الجرائم المنظمة فإنها تدخل ضمن اختصاص المحاكم الجزائية، وهو ما أيده الحكم الصادر من الدائرة التاسعة عشر بالمحكمة التجارية في القضية رقم (414/1/ق/1439هـ) بعدم اختصاص المحاكم التجارية نوعياَ بنظر دعوى تتعلق بطلب إيقاع العقوبات الواردة في المادة (211) من نظام الشركات، وإحالتها للمحكمة الجزائية لكون الدعوى منوطة باختصاصها”.

ـ يتضح لنا من خلال النصوص والقرارات السابق ذكرها أن الاختصاص الأصيل للنظر في جرائم الشركات ينعقد للمحاكم التجارية، إلا أن الواقع العملي فرض غير ذلك، حيث إنه وفعلياَ فإن جرائم الشركات تنظر أمام المحاكم الجزائية، وفق التعميمات الصادرة من المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما نرجو أن يتم وضعه والنظر إليه بعين الاعتبار من الأجهزة المختصة نحو تعميم جعل المحاكم التجارية هي المنوط بها النظر في جرائم الشركات بحيث يتفق الواقع العملي مع النصوص الواردة في النظام.

2ـ لجنة النظر في مخالفات نظام الشركات:

جاء نص المادة (216) من النظام ليوضح أن تقوم الجهات المختصة بتوقيع العقوبات المقررة عن المخالفات المنصوص عليها في المادة (213)، باستثناء جرائم الشركات المساهمة المدرجة، ولمن صدر ضده قرار بالعقوبة التظلم أما الجهة القضائية المختصة.

والجهة المختصة وفقا للمادة الأولي من النظام هي وزارة التجارة والصناعة، إلا فيما يتعلق بالشركة المساهمة المدرجة في السوق المالية فتكون لهيئة السوق المالية، ويقع مقر هذه اللجنة في وزارة التجارة، وتصدر تسمية أعضائها من قبل وزير التجارة، ولم يبين النظام الشروط الواجب توافرها في أعضاء هذه اللجنة، وهل هذه اللجنة شبة قضائية أو إدارية، وكل ما نص عليه النظام هو كيفية الاعتراض على قرارات تلك اللجنة، بالنص على أنها تكون أمام الجهة القضائية المختصة.

3 ـ لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية:

إن هذه اللجنة تختص بجميع المخالفات الواردة في نص المادة (213) من النظام فيما يتعلق بمخالفات الشركة المساهمة المدرجة، فهي الجهة المختصة وفق نص المادة الأولي من النظام.

هذا وقد أنشئت هذه اللجنة بموجب الماد (30) من نظام السوق المالية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/30) بتاريخ 2/6/1424هـ، والتي نصت على: ” تشكل لجنة تسمي (لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية) تختص بالفصل في المنازعات التي تقع في نظام أحكام هذا النظام ولوائحه التنفيذية ولوائح الهيئة والسوق ومركز الإيداع ومركز المقاصة وقواعدها وتعليماتها في الحق العام والحق الخاص. ويكون لها جميع الصلاحيات الضرورية للتحقيق والفصل في الدعوى، بما في ذلك سلطة استدعاء الشهود، والأمر بتقديم الأدلة والوثائق، وإصدار القرارات، وفرض العقوبات”.

وتتكون هذه اللجنة من مستشارين متخصصين في فقه المعاملات والأسواق المالية وخبراء في القضايا التجارية والمالية والأوراق المالية. ويكون الاعتراض على القرارات التي تصدرها الهيئة أمام لجنة الاستئناف الخاصة بمنازعات الأوراق المالية، وهو ما نصت عليه المادة (30/ج) من نظام السوق المالية من أنه: ” يجوز استئناف القرارات التي تصدرها اللجنة أما لجنة الاستئناف خلال ثلاثين يوماَ من تاريخ إبلاغها”.

4 ـ ديوان المظالم:

كما سبق البيان فإن نص المادة (216) من النظام أوضح على أن: ” للجهة المختصة إيقاع العقوبات المقررة عن المخالفات المنصوص عليها في المادة (الثالثة عشرة بعد المائتين)، ولمن صدر ضده قرار العقوبة التظلم أمام الجهة القضائية المختصة”.

وحيث أن ديوان المظالم وفق نظامه هو الجهة المنوط بها النظر في تلك الاعتراضات، وذلك وفق ما جاء في نظام ديوان المظالم الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/78) بتاريخ 19/9/1428هـ، ونص في المادة (13/ب) منه على أن: ” تختص المحاكم الإدارية بالفصل في الآتي:  دعاوى إلغاء القرارات الإدارية النهائية التي يقدمها ذوو الشأن، متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص، أو وجود عيب في الشكل، أو عيب في السبب، أو مخالفة النظم واللوائح، أو خطأ في تطبيقها أو تأويلها، أو إساءة استعمال السلطة، بما في ذلك القرارات التأديبية، والقرارات التي تصدرها اللجان شبة القضائية والمجالس التأديبية. وكذلك القرارات التي تصدرها جمعيات النفع العام ـ وما في حكمها ـ المتصلة بنشاطاتها، ويعد في حكم القرار الإداري رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه طبقاَ للأنظمة واللوائح”.

ويكون الاعتراض على ما تصدره لجنة النظر في مخالفة نظام الشركات أمام ديوان المظالم، باعتبار أن القرار الصادر من تلك اللجنة ما هو إلا قرار إداري.

خامساً: الخاتمة:

وفي ختام الحديث نود أن نشير إلى أن نظام الشركات السعودي قد أورد في المواد أرقام (211، 212، 213) أنواع المخالفات والجرائم التي من الممكن أن تقع على الشركات، وأوضح كذلك النظام من هم الأشخاص المنوط بهم القيام بتلك المخالفات من حيث أنه من الممكن أن تقع بعض المخالفات من أشخاص يتمتعون بمراكز قانونية في الشركة كمدير الشركة، مسئول بالشركة، عضو مجلس إدارة الشركة، مراجع حسابات بالشركة، مصف الشركة، وقد يكون أحد الشركاء المساهمين في الشركة، وأن بعض هذه الجرائم قد تقع من أحد موظفي الدولة بأن يقوم بإفشاء لغير الجهات المختصة أسرار الشركة التي اطلع عليها بحكم وظيفته، ومن الممكن أن تقع بعض الجرائم من الغير ممن لا يتمتعون بأية مراكز   قانونية بالشركة.

كما أن النظام أوضح الجهة التي ينعقد لها الاختصاص بالتحقيق والادعاء ونظر الدعاوى، فأوضح أن الجهات المختصة بالتحقيق والادعاء هي أصلا منعقدة للنيابة العامة، إلا أنه وفي بعض الظروف قد ينعقد إلى وزارة التجارة، وفي أحيان أخرى ينعقد إلى هيئة السوق المالية، وأخيراَ قد ينعقد الاختصاص إلى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد.

كما أن الاختصاص في نظر الدعاوى ينعقد وبشكل أصلي إلى المحاكم التجارية، إلا أنه ومن الممكن وفي بعض الأحيان ينعقد إلى لجنة النظر في مخالفات نظام الشركات، وذلك في المخالفات الواردة في المادة (213) من النظام، باستثناء مخالفات الشركات المساهمة، وفي أحيان أخرى ينعقد إلى لجنة الفصل في منازعات الأوراق المالية بالنسبة للمخالفات الخاصة بالشركات المساهمة المدرجة، وقد ينعقد إلى ديوان المظالم حال الاعتراض على قرارات لجنة النظر في مخالفة نظام الشركات باعتبار أنه اعتراض على قرار إداري.

ـ وقد فرض الواقع العملي على هذا الاختصاص وضعاَ أخر غير الواقع النظري في النظام، حيث إن المحاكم الجزائية هي في الواقع المختصة بالنظر في دعاوى الشركات وفق تعاميم المجلس الأعلى للقضاء.

إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.

[1] محمد حسن الجبر، القانون التجاري السعودي، الطبعة الرابعة، المملكة العربية السعودية،1417هـ، صـ 153.

[2] حمد بن ناصر التريكي، الاختصاص في جرائم الشركات وفق نظام الشركات السعودي، الجمعية العلمية القضائية السعودية، العدد التاسع عشر، 2020، صـ 192.

[3] عدنان بن صالح العمر، الوجيز في الشركات التجارية وأحكام الإفلاس، الطبعة الثانية، الناشر: المؤلف، المملكة العربية السعودية، 1428هـ، صـ301.

[4] سامح أحمد بلتاجي موسي سعيدة، الجرائم المرتبطة بوثائق الشركات التجارية أثناء تأسيسها في النظام السعودي، دون ذكر دار نشر، المملكة العربية السعودية، 2018م ـ 1439هـ، صـ 2194.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.