مسؤولية المصفي في النظام السعودي

تُعتبر التصفية أول مراحل انقضاء الشركات ونظرا لما تكون عليه حالة الشركة من حيث انشغال ذمتها بالديون للغير ومالها من ديون عند الغير أو عند أعضاء الشركة، وما تمتلكه الشركة من أصول سواء كانت عقارات أو منقولات، فقد قرر النظام إلزام كل شركة اتفق أعضائها على تصفيتها أو قرر القضاء تصفيتها، تعيين مصفي لها بحيث يقوم باستيفاء دينها لدى الغير والوفاء بديونها للغير وتوزيع الباقي على الشركاء، ونظرا لخطورة دور المصفى فقد قرر النظام إلزامه ببعض الواجبات التي إن قصر أو أخل بأدائها وقع تحت المسئولية المدنية والجنائية على أساس هذا الأخلال.

أولا: المقصود بالتصفية والمصفي وطرق تعيينه:

بمجرد انقضاء الشركة وفقا لأحد حالات انقضاء الشركات المنصوص عليها في النظام تدخل الشركة في مرحلة التصفية، والتي تكون عبارة عن إجراءات للحصول على حقوق الشركة والوفاء بديونها والتزاماتها، ثم يتم توزيع الباقي بعد الوفاء بالديون على الشركاء، والتصفية تتم بإحدى طرق التصفية المنصوص عليها سواء كانت تصفية اختيارية عن طريق الهيئة العامة للشركة أو التصفية القضائية الإجبارية التي تتم بقرار من المحكمة.[1]

وتُعرف التصفية بأنها الإجراءات التي تترتب على انقضاء الشركة بقصد استيفاء حق الشركة والوفاء بديونها للغير وحصر موجوداتها وتوزيع الصافي بعد سداد الديون على الشركاء على حسب أنصبتهم، وقد نص نظام الشركات في (المادة 203) منه في الفقرة الأولى على: (تدخل الشركة بمجرد انقضائها دور التصفية، وتحتفظ بالشخصية الاعتبارية بالقدر اللازم للتصفية).

أما بالنسبة لتعريف المصفي فلم يعرف نظام الشركات السعودي المصفي وترك تعريفه للفقه والقضاء، وقد عرف الفقه المصفي بأنه: ( هو من يوكل إليه وظيفة جرد أموال الشركة ومالها من حقوق وما عليها من التزامات ويقوم بتسلم أموال الشركة ودفاترها ووثائقها إلى مجلس إدارتها ).[2]

وقد عرفه بعض الفقه بأنه: ( الشخص الذي يقوم بتصفية الشركة وتسليم موجوداتها  وسداد ديونها وتوزيع الباقي بعد سداد الالتزامات على الشركاء كل على حسب مقدار حصته في الشركة ).[3]

ثانيا: إجراءات تعين المصفي:

يتم تعيين المصفي وفقا للحالة التي تتم تصفية الشركة بموجبها سواء كانت اختيارية، أو إجبارية أو قانونية:

1- التصفية الاختيارية: وهي التي تتم بموجب قرار يصدر من الجمعية العامة غير العادية للشركة وباتفاق الشركاء ويتم تحديد المصفي والصلاحيات الموكلة إليه وكذلك حقوقه والتزاماته وأتعابه ولم يبين المنظم السعودي في نظام الشركات الحالات التي تتم فيها التصفية الاختيارية.[4]

2- التصفية الإجبارية: وهي التي تتم بموجب حكم قضائي دون أن يكون لإرادة الجمعية العمومية دورا بالقبول أو الرفض.

وقد نصت (المادة 205) من نظام الشركات في فقراتها 1، 2، 3 على أن:

– يقوم بالتصفية مصف واحد أو أكثر، من الشركاء أو من غيرهم.

– يصدر قرار التصفية القضائية بقرار من الجهة القضائية المختصة، ويصدر قرار التصفية الاختيارية من الشركاء أو الجمعية العامة، وإذا لم يتفق الشركاء على أي مما أشير إليه في الفقرة (3) من هذه المادة، فتتولى الجهة القضائية القيام بذلك.

– يجب أن يشتمل قرار التصفية – سواء أكانت اختيارية أم قضائية – على تعيين المصفي، وتحديد سلطاته وأتعابه، والقيود المفروضة على سلطاته، والمدة اللازمة للتصفية. وعلى المصفي أن يشهر القرار بطرق الشهر المقررة لتعديل عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس).

ويجب أن نشير إلى أن المنظم في قانون الشركات قد جعل مدير الشركة بمجرد انقضائها ودخولها في مرحلة التصفية يقوم بدور المصفي وحتى يتم تعيين مصفي من قبل الجمعية العمومية إذا كانت تصفية اختيارية أو تعيين مصفي من قبل القضاء إذا كانت تصفية إجبارية، وقد نصت (المادة 203) في فقرتها الثانية على أن: (تنتهي سلطة مديري الشركة بحلها، ومع ذلك يظل هؤلاء قائمين على إدارة الشركة، ويعدون بالنسبة إلى الغير في حكم المصفين إلى أن يعين المصفي).

ثالثا: مسئولية المصفي المدنية:

بمجرد تعيين المصفي يرتب عقد تعيينه الحقوق والواجبات التي تجب عليه، وإذا كان تعيينه عن طريق القضاء يُحدد القاضي واجبات المصفي وحقوقه وصلاحياته وأتعابه، وفقا لما نصت عليه الفقرة 3 من (المادة 205) من نظام الشركات السعودي بشأن التصفية ويعد ترتيب الحقوق والواجبات على المصفي بمثابة التزام على طرفي عقد التصفية بحيث يكون المصفي مسئولا عن الوفاء بالالتزامات التي يرتبها القانون أو العقد على إثر تعيينه كمصفي للشركة، وما يترتب على ذلك من مسئوليته المدنية التي تتحقق كلما ثبت حدوث ضررا للشركة أو الشركاء نتيجة تجاوزه حدود الصلاحيات المخولة له أو نتيجة الأخطاء التي يرتكبها أثناء أداء عمله، وقد نصت (المادة 206) من النظام على تقرير المسئولية المدنية في مواجهة المصفي في حالة وقوع أخلال منه حيث نصت على أن: (إذا تعدد المصفون وجب عليهم أن يعملوا مجتمعين، ولا تكون تصرفاتهم صحيحة إلا بإجماعهم، ما لم ينص قرار تعيينهم أو تصرح لهم الجهة التي عينتهم بالعمل على انفراد. ويكونون مسؤولين بالتضامن عن تعويض الضرر الذي يصيب الشركة أو الشركاء أو الغير نتيجة تجاوزهم حدود سلطاتهم أو نتيجة الأخطاء التي يرتكبونها في أداء أعمالهم).

وعلى ذلك يجب الوقوف أولا على الصلاحيات والالتزامات التي قررها النظام للمصفي أثناء أداء عمله بحيث إذا تجاوزها أو قام بارتكاب أحد المحاذير المنصوص عليها في النظام وتسبب في الحاق الضرر بالشركة أو الشركاء أو الدائنين جازت مطالبته بالتعويض نتيجة فعله الخاطئ.

1- صلاحيات المصفي:

تكون صلاحيات المصفي محددة في عقد تعيينه إذا تم تعيينه من قبل الشركة أو الجمعية العامة وتتولى الشركة أو الجمعية بيان صلاحيات المصفي، بحيث لا يجوز للمصفي تجاوز تلك الصلاحيات ولا تكون تصرفاته صحيحه ألا في حدود ما تخوله له صلاحياته كمصفي، وكذلك إذا كان المصفي قد تم تعيينه من قبل القضاء فلا يجوز له تجاوز ما قرره القاضي من صلاحيات، إلا أنه في حالة عدم تحديد صلاحيات المصفي في عقد تعيينه أو في قرار تعيينه من المحكمة فيجوز له استخدام كافة الصلاحيات التي تمكنه من تصفية الشركة بالشكل الأمثل والذي تقضيه إجراءات التصفية.[5]

2- التزامات المصفي:

في مقابل الصلاحيات التي أعطاها المنظم السعودي للمصفي أثناء قيامه بإجراءات تصفية الشركة فقد ألزمه القيام ببعض الواجبات التي تؤدي إلى حسن سير عملية التصفية، بحيث إذا صدر من المصفي أفعالا تعبر عن إخلاله بالواجبات التي تقع على عاتقه قرر النظام جواز مسائلته مدنيا عن فعله الخاطئ سواء كان فعلا إيجابيا أو سلبيا، وسوف نوضح الالتزامات التي تقع على عاتق المصفي على النحو الآتي:

أ- القيام بشهر قرار التصفية:

يلتزم المصفي بنشر وشهر قرار التصفية ويعتبر هذا الإجراء ضروريا لما يترتب عليه من توضيح لوضع الشركة المالي، وحتى يتصل علم كل ذي مصلحة أو من له علاقة بالشركة بوضعها المالي الحالي، وقد نصت (المادة 205) في فقرتها الثالثة على هذا الالتزام بقولها: (وعلى المصفي أن يشهر القرار بطرق الشهر المقررة لتعديل عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس).

ب- استيفاء ما للشركة من ديون:

يلتزم المصفي بالعمل على استيفاء ديون الشركة لدى الشركاء أو الديون التي تكون في ذمة غير الشركاء وللمصفى في سبيل استيفاء تلك الديون القيام بجميع الإجراءات التي تحقق هذا الهدف كما أن له الحق في مقاضاة الدائنين بصفته المصفي للشركة.[6] ويعتبر هذا الالتزام من أهم الالتزامات التي يجب على المدين الوفاء بها دون إخلال، إذ أن في استيفاء ديون الشركة دورا مهما في الوفاء بديونها وتحديد موقفها المالي بشكل أكثر وضوح، إلى جانب التزامه ببيع أصول الشركة وتحويلها إلى نقود لتسهيل عملية الوفاء بديون الشركة وتوزيع الباقي، وقد نص نظام الشركات في (المادة 207) منه على: (مع مراعاة القيود الواردة في قرار التصفية، يمثل المصفي الشركة أمام القضاء والغير، ويقوم بجميع الأعمال التي تقتضيها التصفية، وبوجه خاص تحويل موجودات الشركة إلى نقود، بما في ذلك بيع المنقولات والعقارات بالمزاد أو بأي طريقة أخرى تكفل الحصول على أعلى ثمن حالّ).

ج- الوفاء بالديون التي في ذمة الشركة:

حيث يلتزم المصفى بالوفاء بديون الشركة التي يكون قد حل ميعاد أدائها بينما قر المنظم إرجاء الوفاء بالديون التي لم يحل ميعاد أدائها بعد، على أن يقوم المصفي بتجنيب مبلغا من المال يساوي تلك الديون التي لم يحل أدائها بعد أو كانت من الديون المتنازع عليها حتى يصدر قرار نهائي بإلزام الشركة بدفعها، وقد نصت (المادة 208) في فقرتها الأولى على: (على المصفي سداد ديون الشركة إن كانت حالة حسب الأولوية، وتجنيب المبالغ اللازمة لسدادها إن كانت آجلة أو متنازعاً عليها).

د- التزام المصفي بتقديم تقارير سنوية عن أعمال التصفية:

يلتزم المصفي بتقديم قوائم مالية وتقارير حول التصفية وما آلت إليه الأوضاع في نهاية كل سنة من السنوات المحددة للتصفية، ويتم تقديم نسخة من هذه المستندات إلى الشركاء أو الجمعية العمومية، ونسخة يتم إرسالها إلى الوزارة حيث قرر نظام الشركات في (مادته 209) في فقرتها الثالثة بأن: (يعد المصفي في نهاية كل سنة مالية قوائم مالية وتقريراً عن أعمال التصفية، على أن يتضمن التقرير بياناً عن ملحوظاته وتحفظاته على أعمال التصفية والأسباب التي أدت إلى إعاقة أعمال التصفية أو تأخيرها – إن وجدت – واقتراحاته لتمديد مدة التصفية. وعليه تزويد الوزارة بنسخة من هذه الوثائق وعرضها على الشركاء أو الجمعية العامة للموافقة عليها وفقاً لأحكام عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس).

هـ – التزام المصفي بتقديم تقرير مالي نهائي عند انتهاء التصفية:

ألزم المنظم السعودي المصفي بأن يقدم بيان مالي تفصيلي عن الإجراءات والأعمال التي قام بها أثناء مدة التصفية بحيث يكون التصديق على هذا البيان بمثابة الإجراء الأخير في عملية التصفية كما يلتزم المصفي بأن يقوم بشهر انتهاء التصفية بالطريقة التي يتم شهر الشركة بها أو بالطريقة التي يتم بها شهر التعديلات التي ترد على الشركة، وقد نصت (المادة 209) في فقرتيها الرابعة والخامسة على أن: ( يقدم المصفي عند انتهاء أعمال التصفية تقريراً مالياً تفصيلياً عما قام به من أعمال. وتنتهي التصفية بتصديق الجهة التي عينت المصفي على هذا التقرير، ويشهر المصفي انتهاء التصفية بطرق الشهر المقررة لما يطرأ على عقد تأسيس الشركة أو نظامها الأساس من تعديلات).

و- التزام المصفي بتوزيع الفائض من أموال الشركة:

بعد قيام المصفي ببيع أصول وعقارات الشركة وسداد ديونها وتحصيل الديون التي كانت للشركة، يلتزم بتوزيع الباقي من أموالها على الشركاء كل على حسب حصته في رأس المال، ووفقا لما تضمنه عقد التأسيس إذا احتوى العقد على إجراءات تصفية الشركة وإذا كان الفائض يكفي لرد قيمة حصص كل شريك فيتم رد قيمة حصة كل شريك ثم توزيع الباقي على حسب حصة كل شريك من الشركاء، وإذا كان الناتج بعد التصفية ديونا على الشركة يتم توزيعها على حسب النسب المقررة لتوزيع الخسائر، وقد نص نظام الشركات في (المادة 208) في فقرتها الثالثة والرابعة على أن: (على المصفي بعد سداد الديون أن يرد إلى الشركاء قيمة حصصهم في رأس المال، وأن يوزع عليهم الفائض بعد ذلك وفقاً لأحكام عقد تأسيس الشركة. فإن لم يتضمن العقد أحكاماً في هذا الشأن، وزع الفائض على الشركاء بنسبة حصصهم في رأس المال. وإذا لم يكف صافي موجودات الشركة للوفاء بحصص الشركاء، وزعت الخسارة بينهم بحسب النسبة المقررة في توزيع الخسائر).

ز- التزام المصفي بعد البدء في أعمال جديدة لا تقتضيها التصفية:

حيث حظر المنظم على المصفي أن يقوم بالبدء في أعمال جديدة لم تكن هناك حاجة لها وليس لها دور في أعمال التصفية، ولكن قرر النظام إجازة تلك الأعمال الجديدة في حالة كونها لازمة لتمام أعمال سابقة كانت تقتضيها التصفية، حيث نصت (المادة 207) من نظام الشركات في فقرتها الثالثة على أن: (لا يجوز للمصفي أن يبدأ أعمالاً جديدة إلا أن تكون لازمة لإتمام أعمال سابقة).

ح- التزام المصفي بعدم بيع أموال الشركة جملة:

حظر المنظم على المصفي قيامه ببيع أموال الشركة جملة إلا إذا صدر له تصريح من الجهة التي قامت بتعينه سواء كانت الشركة أو الجمعية العامة أو القضاء، وذلك وفقاً لما قررته (المادة 207) في فقرتها الثانية من نظام الشركات السعودي.

وعلى ذلك وبعد ذكر الالتزامات والصلاحيات التي خولها القانون للمصفي في سبيل أداء أعماله فإنه وفقا لما قررته (المادة 206) من نظام الشركات يصبح المصفي مسئولا مدنيا عن تعويض الضرر الذي لحق بالشركة أو الشركاء نتيجة لوقوع خطأ منه يتمثل في تجاوزه للصلاحيات والسطات المقررة له، أو إخلاله بالواجبات التي قررها النظام أو عقد التعيين، ويسأل عن تعويض هذا الضرر في ماله الخاص.

كما أنه وفي حالة تعدد المصفيين لشركة  فيجب التفرقة بين حالة ما إذا كانوا ملتزمين بالعمل بشكل جماعي وفي هذه الحالة لا يكون القرار الصادر منهم موافقا لصحيح القانون إلا إذا كان صادرا بموافقتهم جميعا، مما يترتب عليه مسئوليتهم جميعا تضامنيا عن الضرر الذي يقع على الشركة أو الشركاء نتيجة تجاوز صلاحيتهم أو نتيجة ارتكابهم خلالا بالواجبات التي فرضها النظام عليهم، أما إذا كان عقد  التعين أو قرار الجهة المعينة لهم قد صرح لهم العمل بشكل منفرد فيكون كل واحد منهم مسئولا عن أخطائه دون مسائلة باقي المصفيين.

رابعا: أركان المسئولية المدنية للمصفي:

لا تختلف أركان المسئولية المدنية للمصفي عن القواعد العامة المقررة لأركان المسئولية المدنية وعلى ذلك فسوف نتطرق لأركان المسئولية المدنية بشكل عام على النحو الآتي:

1- ركن الخطأ:

يعتبر وقوع خطأ من جهة المصفي هو أحد أهم أركان المسئولية المدنية التي يترتب عليها مسائلته تعويض، والخطأ الذي يرتب المسئولية قد يكون خطأ عقدي بأن يخالف المصفي أحد الواجبات أو الالتزامات التي قررها عقد التعيين عليه، كما قد يكون خطأ تقصيري بعدم التزام المصفي باتخاذ الحيطة والحذر الواجب اتخاذهم قانونا، وهذا الخطأ يُعد انحراف في سلوك المصفي سواء كان انحرافا إيجابيا أو سلبيا يستلزم مؤاخذته عليه ويعتبر المعيار الذي يحكم هذا الانحراف هو مدى مجافاة سلوك المدين لسلوك الشخص العادي.[7]

ومن صور أخطاء المصفي قيامه بأعمال جديدة لا تقتضيها أعمال التصفية، أو أن يقصر في عملية بيع منقولات وعقارات الشركة أو تقصيره في الوفاء بديون الشركة أو استيفاء ديونها، فكل هذه الأفعال تعد أخطاء مكونة لركن الخطأ الذي يوجب المسائلة المدنية في مواجهة المصفي.

2- ركن الضرر:

والمقصود بالضرر الأذى الذي يصيب الشخص نتيجة المساس بحق من حقوقه أو يلحق ضررا بمصلحته المشروعة، فيشترط لقيام المسئولية المدنية وقوع ضررا يقينيا على المضرور سواء كان حالا أو مستقبلا طالما كانت كل الظروف تشير إلى حتمية وقوعه، ويقع عبء إثبات وقوع ضرر نتيجة فعل المصفي الغير مشروع على المضرور، كما يجوز لدائني الشركة إقامة دعوى المسئولية المدنية تجاه المصفي إذا ثبت تقصيره في إشهار قرار تصفية الشركة وتوضيح موقفها المالي، إذ يترتب على هذا التقصير ضررا يلحق بالدائنين يتمثل في عجزهم عن استيفاء ديونهم لدى الشركة في الوقت المناسب خاصة الديون التي حل أجلها.[8]

3- علاقة السببية بين الخطأ والضرر:

لا تقوم المسئولية المدنية في مواجهة المصفي إلا إذا كان الفعل الغير مشروع الواقع منه كان سببا رئيسيا في الحاق الضرر بطالب التعويض بحيث يكون الضرر نتيجة حتمية لذلك الضرر، وللمصفي في سبيل دفع المسئولية عنه أن يثبت أن السبب الذي نتج عنه الضرر لم يكن في مقدوره منعه، كأن يكون قوة قاهرة أو حادث فجائي أو خطأ طالب التعويض نفسه، أو آفة سماوية، وبالتالي تنتفي مسئولية المصفي إذا انتفت علاقة السببية بين فعله الغير مشرور والضرر الذي لحق بطالب التعويض.

خامسا: المسئولية الجنائية على المصفي:

من مُطالعة أحكام نظام الشركات السعودي يتبين أنه قرر المسئولية الجنائية للمصفي حال قيامه ببعض الأفعال المبينة في هذا النظام، حيث رأى المنظم أن المسئولية المدنية وحدها لا تكفي كجزاء يوقع على ارتكاب تلك الأفعال.

حيث جعل النظام من قيام المصفي باستعمال أموال الشركة أو أصولها لغرض يؤدي إلى ضرر الشركة، أو الشركاء أو دائني الشركة، أو إذا كان استعماله بقصد تحقيق مصلحة شخصية أو لتمييز شركة أو شخص عن غيره لتحقيق منفعة لشخصه أو لغيره سببا كافيا لقيام المسئولية الجنائية، وقرر معاقبة المصفي الذي يقوم بفعل من تلك الأفعال بالسجن بمدة لا تزيد عن خمس سنوات أو بالغرامة التي لا تزيد عن خمسة ملايين ريالا أو بالجمع بين العقوبتين، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 211) من نظام الشركات والتي نصت على أن: (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها نظام آخر، يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على (5.000.000) خمسة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين: كل مصف يتولى مسؤولية تصفية الشركة يستعمل أموالها أو أصولها أو حقوقها لدى الغير استعمالاً يعلم تعارضه مع مصالح الشركة أو يسبب عمداً الضرر للشركاء أو الدائنين، وذلك سواء كان من أجل تحقيق أغراض شخصية أو لتفضيل شركة أو شخص أو الانتفاع من مشروع أو صفقة له فيها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة أو كانت تصرفاته في أموال الشركة متحققة من أجل تفضيل دائن على آخر في استيفاء حقه دون سبب مشروع).

كما قرر النظام مُعاقبة كل مصفي خالف وجوب شهره لكل من قرار تصفية الشركة وكذلك شهر قرار انتهاء  التصفية بالطريقة التي يتم بها شهر الشركة أو بالطريقة التي يتم بها شهر التعديلات على النظام الأساسي للشركة، وجعل المنظم عقوبة المصفي الناتجة عن الإخلال بهذا الالتزام هي الغرامة التي لا يزيد حدها الأقصى عن خمسمائة ألف ريال سعودي، حيث نصت (المادة 213) من نظام الشركات على أن: (مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها نظام آخر، يعاقب بغرامة لا تزيد على (5.00.000) خمسمائة ألف ريال: كل مصف لم يقم بواجب شهر التصفية أو انتهائها وفقاً للأحكام المنصوص عليها في النظام).

واعتبر النظام أن قيام المصفي بارتكاب نفس الجرائم لمرة أخرى خلال مدة الثلاث سنوات التالية لصدور الحكم عليه سببا كافيا لكي تتضاعف العقوبة الموقعة عليه، حيث نصت (المادة 214) من نظام الشركات على: (تضاعف في حالة العود العقوبات المقررة عن الجرائم والمخالفات المنصوص عليها في المواد (الحادية عشرة بعد المائتين) و(الثانية عشرة بعد المائتين) و(الثالثة عشرة بعد المائتين) من النظام. ويعد عائداً في أحكام النظام كل من ارتكب الجريمة أو المخالفة نفسها المحكوم عليه فيها بحكم نهائي؛ خلال ثلاث سنوات من تاريخ الحكم عليه).

سادسا: انقضاء الدعوى الجنائية في مواجهة المصفي:

نظرا لاعتبارات مرور الوقت واستقرار الحال دون تحريك الدعوى الجنائية في مواجهة المصفي اعتبر المنظم مرور مدة خمس سنوات من وقت شهر قرار انتهاء التصفية دون تحريك الدعوى الجنائية ضد المصفي سببا كافيا لانقضاء الدعوى الجنائية وعدم جواز تحريكها ضده، واستثنى النظام من الانقضاء إذا كانت أفعال المصفي تعتبر من قبيل الغش أو التدليس إذ في هذه الحالة لا تسري عليها أحكام التقادم المنصوص عليها في هذا النظام، وهذا ما قررته (المادة 210) من النظام بقولها: (فيما عدا حالتي الغش والتزوير، لا تسمع الدعوى ضد المصفي بسبب أعمال التصفية أو ضد الشركاء بسبب أعمال الشركة أو ضد مديري الشركة أو أعضاء مجلس الإدارة أو مراجع الحسابات بسبب أعمال وظائفهم بعد انقضاء خمس سنوات على شهر انتهاء التصفية وفق أحكام المادة (التاسعة بعد المائتين) من النظام وشطب قيد الشركة من السجل التجاري وفقاً لنظام السجل التجاري، أو ثلاث سنوات من انتهاء عمل المصفي؛ أيهما أبعد).

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1] شادي علي العقلة، مسؤولية المصفي تجاه الشركة في التصفية الإجبارية للشركة المساهمة العامة، رسالة ماجستير، جامعة اليرموك، الأردن 2014، ص10.

[2] مصطفى كمال طه، الشركات التجارية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 1998، ص 337.

[3]  عبد المنعم دسوقي، الشركات، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر, 2013, ص285.

[4] أسامة نائل المحيسن، الوجيز في الشركات التجارية والإفلاس، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن, 2008، ص190: 193.

[5] شادي علي العقلة، مسؤولية المصفي تجاه الشركة في التصفية الإجبارية للشركة المساهمة العامة، مرجع سابق، ص32.

[6]– هلمت محمد أسعد، النظام القانوني لتصفية الشركات، دار الكتب القانونية، القاهرة، مصر, 2017.، ص222-223.

[7] أنور سلطان، مصادر الالتزام في القانون المدني، دراسة مقارنة مع الفقه الإسلامي، دار الثقافة، عمان، ص 232.

[8] عبد علي شخابنة، النظام القانوني لتصفية الشركات. جمعية عمال المطابع التعاونية، 1992، عمان، ص 39.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.