الإفلاس الجنائي للشركات في النظام السعودي

يُعتبر الإفلاس أحد المراحل شديدة الخطورة في التعاملات التجارية إذ يترتب عليه انقضاء الشركة التجارية بمجرد إشهار إفلاسها إلى جانب ما يترتب على ذلك من أحكام خاصة بالوفاء بحقوق الدائنين، وقد يقع من المفلس بعض الأفعال التي قرر النظام اعتبارها سلوك إجرامي يستوجب مسائلة فاعلها جنائيا، وفي هذا المقال سوف يدور حديثنا حول تلك الأفعال وكيفية مواجهتها من قبل المنظم السعودي على النحو الاتي:

أولا: مفهوم الإفلاس وشروطه:

يُقصد بالإفلاس عجز التاجر عن الوفاء بالتزاماته المالية وعدم قدرته على سداد الديون المترتبة عليه، فيقدم التاجر طلبا لإشهار إفلاسه بغية تصفية أعماله وبيع أصوله لتسديد باقي ديونه وإعادة جدولة باقي الديون أو الإعفاء منها وقد يقدم الدائن طلبا بشهر إفلاس المدين التاجر.

وقد عرفت (المادة 103) نظام المحكمة التجارية المفلس بقولها: ( المفلس من استغرقت الديون جميع أمواله فعجز عن تأديتها)، فالإفلاس في حقيقته اضطراب تجاري يلحق بالتاجر أو بالشركة التجارية يؤثر على قدراتها الاقتصادية وأدائها للحد الذي تعجز معه الشركة عن الوفاء بديونها، وقد قرر النظام السعودي أنه إذا وصل وضع التاجر إلى هذه المرحلة أن يخضع التاجر لأحكام الإفلاس المنصوص عليها في نظام الإفلاس والنظام التجاري لتصفية تركته والوفاء بالقدر الأكبر من ديون الدائنين، إلا أن النظام قد فطن إلى أن بعض التجار قد يرجع سبب عجزهم عن أداء التزاماتهم إلى تقصير منهم أو أنهم يحتالون على نظام الإفلاس لتحقيق منافع شخصية، لذا عرف نظام المحكمة التجارية المفلس الحقيقي في (المادة 105) منه بأنه: (الذي اشتغل في صنعة التجارة على رأس مال معلوم يعتبره العرف كافيا للعمل التجاري الذي اشتغل فيه ووجدت له دفاتر منظمة ولم يبذر في مصرفه ووقع على أمواله حرق أو غرق أو خسارات ظاهرة فإذا توفرت فيه هذه الشروط يكون مفلسا حقيقيا).

وعلى ذلك فقد فرق النظام بين الشركة المفلسة حقيقة والتي يكون إعلان إفلاسها موافقا لصحيح القانون وغيرها ممن يتحايل على أحكام الإفلاس بقصد الإضرار بالدائنين أو بإهمال من مديرها أو أعضاء مجلس إدارتها، ويمكن استخلاص الشروط التي يجب توافرها في الشركة المفلسة حقيقة من النص السابق والتي تتمثل في:

1- أن يكون المفلس تاجرا أو شركة تجارية: أي أن يكون الشخص يمتهن مهنة التجارة ويقوم بممارسة الأعمال التجارية أو أن يكون المفلس شركة تجارية من أحد أنواع الشركات المنصوص عليها في نظما الشركات.

2- أن تعجز الشركة عن الوفاء بديونها: حيث يشترط في الشركة حتى تكون خاضعة لأحكام نظام الإفلاس أن يثبت عجزها عن الوفاء بالتزاماتها في مواجهة الدائنين وعدم قدرتها على الوفاء بديونها، فتلجأ الشركة ممثلة في مديريها أو في مجلس إداراتها إلى تقديم طلب إشهار إفلاسها ووضع تركتها تحت تصرف نظام الإفلاس.

3- أن يصدر حكما قضائيا بإفلاس الشركة التجاري: فلا يكفي مجرد عجز الشركة عن الوفاء بديونها كسبب لإشهار إفلاسها وتطبيق أحكام الإفلاس عليها، إذ يجب أن يسبق ذلك صدور حكما قضائيا نهائيا يقضي بإفلاس الشركة التجارية.

ثانيا: حالات الإفلاس الجنائي للشركات في النظام السعودي وأحكامه:

قرر النظام السعودي فرض بعض العقوبات الجنائية على مدير الشركة الذي يقوم ببعض الأفعال الغير مشروعة عند شهر إفلاس الشركة، والتي تتمثل في أن يكون المدير لشركة مفلسة إفلاسا حقيقيا إلا أنه يخالف أحكام (المادة 109) من نظام المحكمة التجارية، أو في حالة الإفلاس الاحتيالي للشركة، وكذلك حالة الإفلاس بالتقصير وسوف نبين كل حالة على التفصيل الاتي:

الحالة الأولى: مخالفة مدير الشركة المفلسة حقيقة لأحكام المادة 109 من نظام المحكمة التجارية:

توجب (المادة 109) من نظام المحكمة التجارية على المفلس الحقيقي سواء كان فردا أو شركة أن يُقدم الدفاتر والسجلات وكذلك سندات الديون المطلوبة إلى المجلس وغيرها من البيانات التي نصت عليها المادة، حيث جاء نصها: (على المفلس أن يقدم دفاتره مع سندات الديوان المطلوبة له إلى المجلس مشفوعة بجدول يحتوي أصل رأس ماله اعتبارا من تاريخ اشتغاله بالتجارة إلى يوم إفلاسه وما وقع عليه من الخسارة ومصاريفه وجميع ما له وعليه. وفي الحال يجب على المجلس أن يوقفه أو يضعه تحت مراقبة الشرطة).

وقد قرر المنظم أنه في حالة مخالفة المفلس الحقيقي لأحكام هذه المادة توقع عليه عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنتين، وفقا لما نصت عليه (المادة 137) من نظام المحكمة التجارية.

الحالة الثانية: الإفلاس بالاحتيال:

عرف نظام المحكمة التجارية الإفلاس الاحتيالي في (المادة 107) منه بقوله: (المفلس الاحتيالي: لا يعبر عنه بمفلس إلا لتوزيع موجوداته على غرمائه بل هو محتال والمحتال من استعمل ضروب الحيل والدسائس في رأس ماله أو قيد بدفاتره ديونا عليه باسم أحد آخر بصورة كاذبة أو حرر بها سندات أو فراغ أمواله وعقاره إلى غيره بطريقة نقل الملك أو أخفى شيئا من أمواله، واشتغل في التجارة بطريق التمويه والاحتيال أو تغفيل التجار على أي صورة كانت وسواء كان مبذرا، أو لم يكن مبذرا أو لم توجد له دفاتر أو وجدت، وكانت غير منظمة وأضاع حقوق العباد بتلك الصورة، فيكون محتالا).

والناظر إلى النص القانوني المعرف للإفلاس بالاحتيال يجد أن المنظم قد أطلق عليه وصف المفلس مجازاً لأنه في حقيقة الواقع ليس مفلسا بل هو قصد بأفعاله الاحتيال على الدائنين حتى يفلت من التزاماته، كما اعتبر النظام احتيال مدير الشركة بغرض إعلان إفلاسه جريمة جنائية تستأهل العقاب حيث نصت (المادة 136) من النظام التجاري على: (المفلس احتيالا المنصوص عليه في المادة (107) من هذا النظام ومن يثبت أنه شريكه في إخفاء أمواله وترتيب حيله يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات)، إذ رأى المنظم في أفعال المفلس أو مدير الشركة سوء نية في اتجاه الدائنين وأن تكرار مثل هذه الأفعال من غيرهم قد يؤدي إلى التأثير الضار على الاقتصاد داخل المملكة، فقرر تقرير المسئولية الجنائية على مدير الشركة الذي يأتي ببعض الأفعال الاحتيالية بقصد إشهار إفلاسه والتهرب من الدائنين.

ويجب أن يتوافر في جريمة الإفلاس الاحتيالي الركن المادي والركن المعنوي المكونين لها حتى يثبت قيام مدير الشركة بأفعال مخالفة لنظام الإفلاس أو النظام التجاري:

1- الركن المادي لجريمة الإفلاس الاحتيالي:

ويُقصد بالركن المادي لتلك الجريمة الأفعال المادية المحسوسة المكونة للجريمة والتي قد تقع من التاجر أو من مدير الشركة أو من الشركاء المتضامنين على حسب نوع الشركة وتتمثل في:

أ- أن يقوم مدير الشركة بإخفاء أموال الشركة بقصد الإضرار بالدائنين:

حيث يكون الفعل المادي المكون للجريمة في هذه الحالة قيام الجاني بأفعال يرمي بها إلى إخفاء أموال الشركة بقصد الحاق الضرر بالدائنين، ويلحق بالإخفاء قيام الجاني باختلاس أموال الشركة أيضا لنفس الغرض وهو الإضرار بالدائنين، ويُقصد بالاختلاس أن يتصرف الجاني في أموال الشركة بالرغم من علمه بأنه عاجز عن الدفع، حيث يقوم الجاني بتحويل أموال الشركة من غرضها الأساسي وهو الوفاء بالقدر الكافي من ديون الشركة إلى اتجاه آخر بقصد إخفائها وعدم ظهورها على أنها جزء من أموال الشركة، وبالتالي فيمكن القول أن كل فعل يصدر من الجاني بقصد إبعاد أموال الشركة عن الدائنين هو في الأصل اختلاس .[1]

ولا فرق بين أن يكون الاختلاس بقصد أن ترجع الفائدة على الجاني أو على شخص آخر كما لا فرق بين أن يكون الاختلاس صريحا أو خفيه طالما كان بغرض إبعاد يد الدائنين عن تلك الأموال، مثل أن يقوم الجاني ببيع أحد أصول الشركة وعقارتها إلى شركة أخرى يتبين أنها في الأصل قد تم إنشائها لتحقيق هذا الغرض.[2]

ويظهر الفرق بين  الإخفاء والاختلاس في طبيعة الجريمة في كل منهما، فبينما تُعد جريمة الإخفاء جريمة مستمرة فإن جريمة الاختلاس جريمة وقتية، كما يجب أن نشير إلى أن كل من الإخفاء والاختلاس يقعان على الأموال بجميع أنواعها سواء كانت عقارات، أو منقولات، كما أنه لا يجب التوقف عند المعنى اللفظي للإخفاء إذ أن المقصود منهم قانونا في هذه الحالة كل سلوك يصدر من الجاني يقصد منه أن يتم استبعاد المال المختلس أو المخفي من ملاحقة الدائنين له.

ب- قيام مدير الشركة بقيد ديون على الشركة للغير خلافا للحقيقة:

وفي هذه الحالة يتمثل الركن المادي لجريمة الإفلاس بالاحتيال في قيام الجاني بإضافة دائنين آخرين إلى مجموع دائني الشركة وهم في حقيقة الواقع دائنين صوريين غير حقيقيين بقصد زيادة عدد دائني الشركة حتى يقلل الضمان العام لباقي الدائنين، ورغبة من المشرع في حماية الذمة المالية للشركة عند انقضائها بالإفلاس وما يترتب عليه من حفظ حقوق الدائنين اعتبر هذا الفعل يشكل ركنا ماديا لجريمة الإفلاس بالاحتيال إذ أن الجاني يصطنع به غشا وتدليسا دائنين غير حقيقين إلى جانب إقراره بدينهم .[3]

ج- إخفاء مدير الشركة لدفاترها أو العبث بها أو ثبوت عد إمساك المدير لدفاتر قيد:

ويقصد بالدفاتر كل الأوراق والمستندات والسجلات التي تخص الشركة محل الإفلاس والتي تحتوي على بيانات تخص حقوق الدائنين سواء كان النظام قرر وجوب الإمساك بها أم لا.[4]

حيث يقوم الجاني بإخفاء دفاتر الشركة وسجلاتها، أو رغم بقائها إلا أنه يقوم بالتغيير في البيانات التي تحتويها بشكل يخالف الواقع والحقيقة، ونظرا لما تحتويه السجلات من بيانات توضح الوضع الحقيقي للمركز المالي داخل الشركة، لذا قام المنظم بتجريم كل فعل من شأنه تغيير الحقيقة في دفاتر وسجلات الشركة ويمنع من معرفة موقفها المالي،[5]وقد يمتد التغيير والعبث في سجلات ودفاتر الشركة ليصل إلى درجة إتلاف هذه السجلات وهذه الدفاتر، ولا فرق بين أن يكون الإتلاف تم لجميع دفاتر الشركة أو لجزء منها لقيام الركن المادي لجريمة الإفلاس بالاحتيال طالما كان هذا الفعل يؤدي إلى هدف الجاني وهو الحيلولة دون الوقوف على المالي للشركة.[6]

ويجب الإشارة إلى أن النظام حين ذكر صور للأفعال المادية التي يتكون منها الركن المادي لجريمة الإفلاس بالاحتيال إنما قصد بيان بعض صورها ولم يذكرها على سبيل الجزم والقصر عليها، إذ ربما يقع من الجاني أفعالا تحول دون سريان أحكام الإفلاس وحصول الدائنين على حقوقهم، وبالنظر إلى النص في (المادة 107) السابق ذكرها نجد أن ألفاظها عامة فيما يخص الاحتيال والتدليس كما أن المنظم ختمها بجملة (وأضاع حقوق العباد بتلك الصورة، فيكون محتالا) مما يعني أن أي فعل مادي صدر من التاجر أو مدير الشركة أو ممن يمثلها بقصد عدم حصول الدائنين على حقوقهم وإضاعة تلك الحقوق يُعد فعلا ماديا مكونا لأركان جريمة الإفلاس بالاحتيال الذي يجب على أثره مسائلة الجاني جنائيا إذا توافرت باقي الأركان المكونة للجريمة.

د- قيام المدير بتقديم معلومات غير صحيحة لأمين الإفلاس:

حيث يعمد مدير الشركة إلى الإدلاء بمعلومات غير صحيحة ومضللة إلى أمين التفليسة من شانها تأخير الشروع في إجراءات الإفلاس أو منع البدء فيه. وقد نصت (المادة 201) من نظام الإفلاس على حالات الإفلاس بالاحتيال حيث نصت على: (دون الإخلال بأحكام الأنظمة ذات العلاقة، يعد مخالفاً لأحكام النظام كل من ارتكب قبل افتتاح أي من إجراءات الإفلاس واحداً أو أكثر من الأفعال الآتية وأدى إلى افتتاحه، أو ارتكبه أثناء سريانه، وترتب على ذلك إضرار بحقوق أي من الأطراف بمن فيهم الدائنون:

  • اختلاس أو إخفاء أي من أصول المدين أو أصول التفليسة.
  • إخفاء، أو إتلاف، أو إحداث تغيير في دفاتر المدين، أو التفريط في حفظها، أو حفظ دفاتر للمدين تكون بياناتها ناقصة أو غير منتظمة، مع الأخذ في الاعتبار المعايير المعتمدة في إدارة وحفظ الحسابات.
  • الاحتفاظ بحسابات وهمية، أو عدم الاحتفاظ بالحسابات طبقاً للمعايير المعتمدة، أو إزالة مستنداتها.
  • التصرف الاحتيالي بغرض زيادة التزامات المدين أو خفض قيمة أصوله.
  • تقديم معلومات مضللة أو غير صحيحة بأي شكل إلى أمين الإفلاس، أو المحكمة، أو لجنة الإفلاس، أو الامتناع عن تقديم معلومات مؤثرة للمحكمة أو أمين الإفلاس أو لجنة الإفلاس فور طلبها.
  • رهن أي أصل للمدين أو التصرف فيه أو سداد الديون كلها أو بعضها بالمخالفة للنظام أو لحكم قضائي.
  • تسوية حقوق أي دائن أو التصرف في أصول المدين أو التفليسة بالمخالفة لأحكام الخطة، ولا يشمل ذلك إبراء الدائن للمدين جزئياً أو كلياً.
  • استغلال الصلاحيات لأغراض خاصة أو الحصول من الغير على منفعة غير مشروعة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة).

2- الركن المعنوي المكون لجريمة الإفلاس الاحتيالي للشركات:

والمقصود بالركن المعنوي للجريمة هو اتجاه إرادة الجاني إلى إحداث الفعل المادي مع علمه بالنتيجة المترتبة عليه وعلى ذلك لا تتحقق جريمة الإفلاس بالاحتيال إلا إذا كان الجاني قد ارتكبها عمدا وبقصد إحداث النتيجة المترتبة عليها، وذلك بأن يكون مدير الشركة على علم بأن الشركة متوقفة وعاجزة عن دفع ديونها ومع ذلك يقوم بأفعال مادية محظور عليه القيام بها في هذا الوقت، مع إدراكه أن الفعل المادي الذي يقوم به سواء كان إخفاء مستندات أو العبث بها أو صناعة ديون صورية أو إخفاء بعض أموال الشركة فعل مجرم قانونا ويعاقب القانون فاعله.[7]

– ويجب الإشارة إلى أن المنظم السعودي لم يشترط أن ينتج عن فعل الجاني الغير مشروع ضرار فعليا يقع على الدائنين بل يكفي مجرد وقوع الفعل الغير مشروع.

الحالة الثالثة: الإفلاس التقصيري للشركات:

عرفت (المادة 106) من نظام المحكمة التجارية الإفلاس التقصيري بقولها: ( المفلس المقصر هو التاجر الذي يكون مبذرا في مصاريفه ولم يبين عجزه في وقته بل كتمه على غرمائه واستمر يشتغل في التجارة حتى نفذ رأس ماله وإن وجدت له دفاتر منظمة)، ويعتبر الإفلاس بالتقصير أقل درجة في التجريم عن الإفلاس الاحتيالي إذ أن الإفلاس بالتقصير لا يكون ناتجا عن قيام الجاني بأفعال احتيالية أو استخدام للغش والتدليس كما في الإفلاس بالاحتيال إلا أن الجاني يكون صدر منه أفعال تدل على تقصير فاحش منه وخطأ غير مقبول لذلك قرر المنظم عقوبات أقل درجة من العقوبات المقررة للإفلاس بالتحايل، وجريمة الإفلاس بالتقصير تقوم باجتماع ركنيها المادي والمعنوي حيث بتوافرهما تجب مسائلة الجاني جنائيا عن فعله الغير مشروع وسنتعرض لأركانها على النحو الآتي:

1- الركن المادي لجريمة الإفلاس التقصيري للشركات:

ذكر المنظم السعودي في (المادة 106) من نظام المحكمة التجارية عدة أفعال تمثل الركن المدي لتلك الجريمة منها:

أ- تبذير مدير الشركة في المصاريف:

ويقصد بالتبذير في المصاريف قيام مدير الشركة بإنفاق مبالغ طائلة دون جدوى أو في أمور لا تؤدي إلى زيادة أرباح شركته بل بالعكس تؤدي إلى خسارتها وتفاقم تلك الخسارة للدرجة التي لا تمكن الشركة من الوفاء بديونها، كأن يقوم مدير الشركة بشراء بضاعة وعرضها للبيع بسعر أقل بكثير من سعرها الطبيعي بقصد تأخير إعلان إفلاس الشركة أو إنفاق مبالغ كبيرة في البورصة الوهمية أو في أي عمل غير مجدي اقتصاديا.

ب- إخفاء مدير الشركة للموقف المالي للشركة وعجزه عن سداد ديونها:

حيث يلجأ مدير الشركة  إلى القيام بأفعال غير مشروعة بقصد إخفاء عدم قدرة الشركة المالية على الوفاء بالديون، بل ويستمر مدير الشركة في ممارسة أعمال الشركة التجارية حتى تنفذ الأموال التي تحت يده.

وفي هذا الصدد لم يفرق المنظم السعودي بين حالة ما إذا كان الجاني لديه دفاتر منتظمة أو ليس لديه في تقرير وقوع الركن المادي لجريمة الإفلاس بالتقصير عن طريقه، وقد ذكرت (المادة 200) من نظام الإفلاس بعض صور الإفلاس بالتقصير  حيث جاء نصها بأن: ( دون الإخلال بأحكام الأنظمة ذات العلاقة، يعد مخالفاً لأحكام النظام كل مدين ذي صفة طبيعية أو مدير لدى مدين أو عضو في مجلس إدارته أو مجلس مديريه أو أي من مسؤوليه أو أي شخص آخر شارك في تأسيسه أو إدارته أو من في حكمهم؛ ارتكب قبل افتتاح أي من إجراءات الإفلاس واحداً أو أكثر من الأفعال الآتية وأدى إلى افتتاحه، أو ارتكبه أثناء سريانه، وترتب على ذلك إضرار بحقوق أي من الأطراف بمن فيهم الدائنون:

  • إساءة التصرف في أصول المدين، أو أصول التفليسة، أو احتجازها، أو إساءة استعمال صلاحياته.
  • ممارسة نشاط المدين بقصد الاحتيال على دائنيه.
  • الاستمرار في ممارسة نشاط المدين مع انتفاء إمكانية تجنب التصفية.
  • استخدام أساليب تنطوي على استهتار لتفادي أو تأخير افتتاح إجراء التصفية، يترتب عليها إضرار بحقوق الدائنين، بما في ذلك بيع السلع بأقل من سعر السوق للحصول على سيولة نقدية.
  • إبرام صفقات دون مقابل أو بمقابل غير عادل.
  • سداد ديون أي من الدائنين بما يؤدي إلى الإضرار بدائنين آخرين.
  • إساءة استغلال أي من إجراءات الإفلاس).

2- الركن المعنوي لجريمة الإفلاس بالتقصير:

لا يشترط في الأفعال التي يقوم بها المدير في الشركة المفلسة بالتقصير أن تصدر منه على سبيل العمد إذ يكفي وقوع الخطأ في أحد الصور التي ذكرها النظام لقيام الركن المعنوي، إذ أن جريمة الإفلاس بالتقصير ليست من الجرائم العمدية التي يشترط فيها النظام توافر القصد الجنائي، حيث أنه وبمجرد حدوث إهمال أو تبذير أو خطأ من الجاني تقوم الجريمة وتقوم المسئولية الجنائية في مواجهة الجاني.

ثالثا: الجاني في جريمة الإفلاس بالاحتيال أو التقصير في الشركات:

يُعتبر الجاني في جريمة الإفلاس الاحتيالي أو التقصيري للشركات وفقا لمفهوم نص (المادة 200) من نظام الإفلاس هو مدير الشركة أو عضو مجلس إدارة الشركة أو أي شخص شارك في تأسيس الشركة أو إداراتها أو من في حكمهم على حسب ما يقتضي التنظيم القانوني للشركة وفقا لنظام الشركات وما اتفق عليه الشركاء في عقد تأسيسها، إذ أن النص في (المادة 200) اعتبر المخالف هو أحد السابق ذكرهم فقد نصت المادة سالفة البيان على أن: (عد مخالفاً لأحكام النظام كل مدين ذي صفة طبيعية أو مدير لدى مدين أو عضو في مجلس إدارته أو مجلس مديريه أو أي من مسؤوليه أو أي شخص آخر شارك في تأسيسه أو إدارته أو من في حكمهم).

رابعا: العقوبة المقررة على الجاني في الإفلاس الاحتيالي:

تشدد النظام السعودي في مسألة معاقبة مدير الشركة في جريم الإفلاس بالتحايل إذ قرر في (المادة 136) من نظام المحكمة التجارية أن يعاقبه بعقوبة الحبس الذي لا تقل عن ثلاثة سنوات ولا تزيد عن خمس سنوات، وقرر النظام معاقبة الشريك في ارتكاب هذه الجريمة بنفس عقوبة الفاعل الأصلي وذلك لردع الفاعل وردع كل من تسول له نفسه مساعدته في ارتكاب جريمته حيث نصت (المادة 136) على: (المفلس احتيالا المنصوص عليه في المادة (107) من هذا النظام ومن يثبت أنه شريكه في إخفاء أمواله وترتيب حيله يعاقب بالحبس من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات ).

خامسا: العقوبة المقررة على الجاني في الإفلاس بالتقصير:

قرر المنظم السعودي النزول بالعقوبة إلى درجة أدنى في الإفلاس بالتقصير على خلاف الإفلاس بالاحتيال حيث جعل عقوبتها الحبس الذي لا تزيد مدته عن سنتين ولا تقل ع ثلاثة اشهر، والمنظم إذ قرر ذلك كون جريمة الإفلاس بالتقصير ليست ناتجة غالبا عن سوء نية المفلس أو رغبته في الإضرار بل ناتجة عن إهماله وتقصيره، كما أن الضرر المترتب عليها في مواجهة الدائنين غالبا ما يكون أقل شدة وتأثيرا من الإفلاس بالاحتيال، وقد نصت (المادة 137) من نظام المحكمة التجارية على: (المفلس تقصيرا يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وكذا المفلس الحقيقي إذا امتنع عن تقديم ما ألزم به بموجب المادة 109).

والى جانب ما قرره النظام التجاري من عقوبات فقد أضافت (المادة 203) من نظام الإفلاس عقوبات أخرى حيث نصت على (1- دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها نظام آخر، يعاقب كل من ارتكب أياً من الأفعال المجرّمة المنصوص عليها في المواد (المائتين) و(الأولى بعد المائتين) و(الثانية بعد المائتين) من النظام بالسجن مدة لا تزيد على (خمس) سنوات وبغرامة لا تزيد على (خمسة) ملايين ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين.

2- للمحكمة – إضافة للعقوبات الواردة في الفقرة (1) من هذه المادة- أن تحكم على المخالف لمدة

لا تزيد على (خمس) سنوات بواحدة أو أكثر من العقوبات الآتية:

  • حظر إدارة أي منشأة ربحية أو تسيير أعمالها بشكل مباشر أو غير مباشر بصفته مديراً أو عضواً في مجلس الإدارة، وحظر مشاركته في أي منشأة ربحية تستتبع ملكيته فيها إدارته لها فعلاً أو حكماً.
  • حظر تصويته على القرارات المتعلقة بالترشيح أو الترشح أو اختيار مرشح في أي منشأة ربحية.
  • حظر تملك الحصص أو الأسهم في أي منشأة ربحية إذا كان يترتب على التملك قيامه بأعمال الإدارة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر.

ويجوز لمن يعاقب بموجب الفقرة (2) من هذه المادة أن يطلب موافقة المحكمة على ممارسة أي من الأعمال المحظورة عليه).

سادسا: الحق في رد الاعتبار:

قرر المنظم السعودي حفظ حق المفلس الحقيقي في أن يقوم برد اعتباره واشترط المنظم وفقا لمفهوم (المادة 132) من النظام أن يكون المفلس الحقيق قد قام بسداد جميع ديونه الأصلية إلا أنه إذا كان المفلس الحقيقي قد امتنع عن تقديم حسابه وحكم عليه بعقوبة نتيجة مخالفته لنص (المادة 109) من النظام ففي هذه الحالة لا يقبل طلبه برد الاعتبار، وكذلك الحال بالنسبة لمفلس بالاحتيال إذ لا يقبل طلبه برد الاعتبار حتى لو قام بسداد جميع ديونه وهذه العقوبات تعتبر عقوبات تكميلية إلى جانب عقوبة الحبس التي قفرها النظام.

وفيما يتعلق بالمفلس بالتقصير فقد أجاز المنظم إعادة اعتباره بشرط أدائه العقوبة المقررة عليه إلى جانب أدائه كافة ديونه، وهذا ما تقرر بموجب (المادة 133) من نظام المحكمة التجارية بنصها على أن: (لا يعاد إلى المفلس الاحتيالي اعتباره ولا لمن حكم عليه بسرقة أو خيانة أو إخفاء شيء من أمواله وامتنع عن تقديم حسابه بمقتضى المادة (109)، أما المفلس المقصر فيجوز إعادة اعتباره بعد أداء كافة ديونه وإجراء العقوبة عليه حسب العقوبات).

إعداد/ محمد إسماعيل حنفي.

[1]مدحت محمد الحسيني، الإفلاس، الإسكندرية، دار المطبوعات الجامعية، ١٩٩٣م، ص ٢٧٣.

[2] غنام محمد غنام، المسئولية الجنائية للتاجر ومدير الشركة عن جرائم الإفلاس، الكويت – جامعة الكويت، ص ١٠.

[3]  مدحت محمد الحسيني، الإفلاس، مرجع سابق، ص ٢٧٤.

[4] مدحت محمد الحسيني، الإفلاس، مرجع سابق، ص ٢٧٢

[5] مدحت محمد الحسيني، مرجع سابق، ص ٢٧١.

[6] حسني أحمد الجندي، القانون الجنائي للمعاملات التجارية، دار النهضة العربية، ١٩٨٩م.

[7] عبد الحميد الشواربي، الجرائم المالية والتجارية، (الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية، ١٩٨٥م) ص 157

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.