بطلان العقد وفق الأنظمة السعودية

تعتبر العقود وسيلة من أهم وأكثر الوسائل المستخدمة في تقنين وضبط المعاملات بين الناس، بحيث تساعدهم في إشباع حاجاتهم وتحقيق منافعهم وضمان حقوقهم، لذلك حظيت تلك الوسيلة – العقود – باهتمام كبير من قبل الفقه الإسلامي من حيث توضيح أحكامها وشروطها وكافة ما يتعلق بها من مسائل وتفصيلات قررتها الشريعة الإسلامية، وتحدد الآثار المترتبة عليها متى تم إبرامها بصورة صحيحة.

وكما قررت الشريعة الإسلامية – والتي هي أساس النظام السعودي – تنظيمها للعقود وسبل إبرامها صحيحة ونافذة والآثار التي تترتب عليها، فقد قررت أيضاً الجزاء الذي يترتب على مخالفة العقد لشروط إبرامه أو فقده لأحد أركانه، ويتمثل هذا الجزاء فيما يعرف ببطلان العقد متى تحققت إحدى حالاته، ونظراً لأهمية هذا الجزاء لما له من تأثير على العقد بحيث أنه يضعه موضع يكون فيه هو والعدم سواء، فقد آثرنا أن يكون موضوعنا في هذا المقال منصباً على بطلان العقود في ظل الأنظمة السعودية.

أولاً: المقصود بالبطلان

1- التعريف اللغوي للبطلان

يقصد بالبطلان في اللغة أكثر من مقصد، حيث يشار به إلى الفساد والسقوط، كما يشار به إلى خلاف ونقيض الحق، والجمع منه هو أباطيل، ويقال بطل يبطل بطلاً وبُطولاً وبطلاناً، ويقال أبطله غيره أي أذهب دمه هدراً[1]، ولم تخرج التعاريف اللغوية للبطلان عن إطار مرادفته للفساد والإسقاط والهدر، وهو ما يؤكد كون البطلان نقيضاً للحق.

ويؤكد هذا المعنى اللغوي قوله سبحانه وتعالى في الآية رقم (81) من سورة الإسراء (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً)، حيث أن الباطل قد زهق بنقيضه وهو الحق، وبالتالي فإن الباطل لغة هو الزوال والسقوط.

2- التعريف الاصطلاحي للبطلان

لم يخرج التعريف الاصطلاحي للبطلان عن تعريفه ومقصده اللغوي، حيث يرى الأصوليون أن البطلان يقصد به خلاف الصحة ونقيضها، والباطل في رؤيتهم هو ما لم ينتج أي ثمر أو نتيجة، بينما الصحيح هو ما يسقط القضاء[2].

كما يرى الفقهاء أن البطلان يقصد به نقيض الصحة، والصحة هي القيام بالأمر الشرعي بالصورة التي أمر الشارع بها، بينما البطلان باعتباره نقيض الصحة فهو عدم توافق الأمر الشرعي مع ما يقرره الشارع ويأمر به، وذلك لانعدام أحد الأركان أو الشروط التي قررها الشارع واستلزم توافرها في ذلك الأمر[3].

وقد تعرضت مجلة الأحكام العدلية في (المادة 110) منها لتعريف بطلان العقود في تعريفه للبيع الباطل، حيث ورد بتلك المادة أن (البيع الباطل ما لا يصح أصلاً يعني انه لا يكون مشروعاً أصلاً)، وهذا البطلان لا ينصب على عقود البيع فقط ولكنه يشمل العقود بسائر أنواعها.

3- تعريف الفقه القانوني للبطلان

وضع فقهاء القانون أكثر من تعريف للبطلان، إلا أن كافة تلك التعاريف لم تخرج عن نطاق مضمون واحد يتمثل في أن البطلان هو وصف من الأوصاف التي تصيب التصرف القانوني، والتي يرجع تحققها إلى وجود عيب في التصرف يحول دون تحقيقه لآثاره القانونية.

فالبطلان هو وصف للعقد يلحق به في حالات محددة ليؤدي وظيفة هامة وعلى درجة بالغة من الجسامة والخطورة، وتتمثل تلك الوظيفة في أنه يكفل الحماية ويسبغها على الشروط والأركان الأساسية التي يستلزمها القانون لصحة وسلامة إرادة طرفي التعاقد، فيجعل العقد منعدماً متى تم المساس بتلك الأركان والشروط ولحق به وصف البطلان، وهو ما جعل جانب كبير من الفقه القانوني لتفسير البطلان وتأسيسه على اعتباره مانع يحول دون سريان العقود التي تبرم وفقاً للشروط وبتوافر الأركان التي نص عليها القانون، أو التي نص عليها الشرع في النظم التي تعتمد الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي ورئيسي لأنظمتها مثل المملكة العربية السعودية.

ثانياً: التمييز بين البطلان وبعض الاوصاف المشابهة

قد يتداخل البطلان في جوهره مع بعض الأوصاف الأخرى التي تقررت للعقود، سواء كان ذلك التداخل راجعاً لتشابه تلك الأوصاف في آثارها التي تسبغ بها العقد، أو لتشابه الشروط المطلوبة لها مع شروط البطلان وحالاته، لذلك قد يتعامل البعض مع عقود وهي في تصوره باطلة، في حين أن الوصف الحقيقي الذي لحق بها قد يكون الفسخ أو الفساد أو غيرها من الأوصاف الأخرى، فكان جديراً بنا أن نلقي نظرة سريعة على تلك الأوصاف، ووضع بيان موجز لكيفية التفرقة والتمييز بينها وبين البطلان.

1- البطلان والفسخ

عرف الفسخ بأنه رفع العقد من الأصل وجعله كأن لم يكن[4]، فالفسخ هو وصف – مثله في ذلك مثل البطلان – يلحق بالعقد، ولكنه يختلف عن البطلان في أنه ينشأ في وجوده بعد إبرام العقد وقيامه صحيحاً بأصله، في حين أن البطلان كوصف فهو يلحق بالعقد منذ نشوئه أي ينشأ متعاصراً مع إبرام العقد، فالفسخ يرد على عقد قائم بينما فحوى البطلان هو عدم قيام العقد من حيث الأصل.

كما أن الفسخ يختلف تماماً عن البطلان في أسبابه وحالات تحققه، حيث أن الفسخ يتعلق بخلل في تنفيذ الالتزامات التي تلقى على عاتق كلاً من المتعاقدين، في حين أن البطلان يتعلق بأركان ودعائم وجود العقد وشروط قيامه، أي في أساس نشأة العلاقة التعاقدية وليس آثارها، فالفسخ يتعلق بوقائع خارجة عن نطاق العقد ذاته وتتمثل في تنفيذ كل من أطرافه لالتزاماته، بينما البطلان يتعلق بعيب قائم في بناء العقد نفسه.

2- البطلان والفساد

عرفت مجلة الأحكام العدلية في (المادة 109) منها الفساد في مضمون تعريفها للبيع الفاسد، حيث عرفته بأنه (البيع الفاسد هو المشروع أصلاً لا وصفاً يعني أنه يكون صحيحاً باعتبار ذاته فاسداً باعتبار بعض أوصافه الخارجية).

ولم يميز جمهور الفقه الشرعي بين البطلان والفساد، بل اعتبروا أنهما يترادفان في المعنى والمقصد، وهو ما جعلهم يتعاملون مع شروط صحة وأركانه ذات التعامل ودون تفرقة بين تخلف الركن وتخلف الشرط، وقد قالوا في ذلك أن الفاسد يترادف مع الباطل، والعقد إما يكون صحيحاً أو باطلاً، وكل باطل فهو فاسد[5]، في حين اتجه فقهاء المذهب الحنفي إلى التمييز في العقود بشكل خاص بين حالة البطلان وحالة الفساد، فاعتبروا أن العقد المشوب بالبطلان هو العقد الذي لا يكون أصله ووصفه غير مشروعين، أما الفاسد فهو الذي يكون أصله مشروعاً بينما وصفه هو الذي تلحقه عدم المشروعية.

وهو ما نستخلص منه أن جوهر الاختلاف بين البطلان والفساد في رأي فقهاء الحنفية أنهما درجتين للبطلان، فيكون العقد باطل متى كان العيب يلحق أصله، ويكون فاسداً متى كان العيب لا يلحق أصله ولكنه يلحق بوصفه.

ثالثاً: تقسيمات البطلان في العقود

يعد نطاق البطلان في الشريعة الإسلامية أكثر اتساعاً منه في القانون بوجه عام، لذلك فإن تقسيم أنواع البطلان في الشريعة يختلف عنه في القوانين الوضعية، وبناء على ذلك سيكون تعرضنا لتقسيمات البطلان في القوانين الوضعية، ثم لتقسيمات البطلان في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي باعتبارهما أساس النظم السعودية.

1- تقسيمات بطلان العقود في القوانين الوضعية

مر تقسيم البطلان في القوانين الوضعية بمرحلتين.

أ- المرحلة الأولى

وهي المرحلة التي كانت تقوم على تقسيم ثلاثي للبطلان في العقود على النحو التالي:

a– العقد المنعدم

يقصد بهذا النوع من البطلان في العقود البطلان القائم على تخلف أحد أركان العقد الرئيسية كالرضا أو المحل أو السبب، ومنها على سبيل المثال العقود الصورية لانعدام الرضا.

b– العقد الباطل بطلان مطلق

والمقصود بالعقود الباطلة بطلان مطلق العقود التي تتوافر وتتحقق فيها جميع الأركان اللازمة لانعقاد العقد، إلا أن أحد شروطه التي لا يعد صحيحاً بدونها يتخلف ولا يتحقق، كما هو الحال في العقد الذي يبرمه مجنون او معتوه، فالبطلان المطلق هو البطلان الذي يتم تقريره باعتباره جزاء لتخلف ركن من أركان العقد[6]، ولا يكون العقد في ظل قيام هذا النوع من البطلان قد انعقد من حيث الأصل، فيصبح حقاً لأي من طرفيه أو غيرهما من ذوي المصلحة في التمسك بهذا البطلان، ولا يمكن تصحيح هذا البطلان أو إجازته.

c– العقد الباطل بطلان نسبي

أما النوع الأخير من البطلان الذي يصيب العقود فهو البطلان النسبي للعقود، ويقصد به العقود التي يعتريها أحد عيوب الرضا، ويكون نفاذ هذه العقود متوقفاً على بقاء هذا العيب أو زواله، فتنفذ بزواله وتبطل مادام هذا العيب قائماً، وعلى سبيل المثال لهذه العقود الباطلة بطلان نسبي العقود التي تبرم من قبل الصبي المميز أو المحجور عليه، فتكون صحتها ونفاذها متوقفة على إجازة من له الحق في إجازتها كالولي أو القيم.

ب- المرحلة الثانية

نظراً لما تم توجيهه من انتقادات للتقسيم السابق ذكره للبطلان، فقد انتقلت القوانين الوضعية إلى تقسيم البطلان لنوعين فقط وهما البطلان والقابلية للإبطال.

a– العقد الباطل

في ظل هذا التقسيم يكون العقد باطلاً متى كان بطلانه مطلقاً، أي متى كان العيب الذي أصيب به العقد ينصب على أحد أركانه أو شروطه الرئيسية، ويكون هذا النوع من البطلان متعلقاً بالنظام العام، أي يمكن للمحكمة أن لتحكم به من تلقاء ذاتها.

b– العقد القابل للإبطال

أما هذا النوع الثاني من أنواع البطلان فهو الذي يكون فيه البطلان نسبياً وليس مطلقاً، بمعنى أن العيب الذي يصيب العقد يكون من العيوب التي يمكن تصحيحها بالإجازة، فينشأ العقد ويظل قائماً ومحدثاً لآثاره القانونية وبه العيب الذي يجيز الإبطال، فيكون مآل هذا العقد إما أن يجيزه من شرع لمصلحته فيظل قائماً ويزول العيب الذي كان يشوبه ويصبح عقداً صحيحاً دون أ غبار عليه، وإما أن يتمسك بالبطلان من شرع لمصلحته التمسك به في شأن هذا العيب فيبطل العقد، وتكون كافة الآثار التي ترتبت عليه هي والعدم سواء.

2- تقسيمات بطلان العقود في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي

تنقسم العقود في الشريعة الإسلامية وتتدرج في شأن صحتها أو بطلانها إلى خمس أنواع تتمثل في العقود الباطلة والعقود الفاسدة والعقود الموقوفة والعقود النافذة والعقد اللازم[7]، ويتفق العقد الفاسد مع العقد الباطل في كونهما دلالة على عدم الصحة، في حين أن باقي الأنواع – العقود الموقوفة والنافذة واللازمة – تمثل عقوداً صحيحة، فيمكننا القول إن البطلان والفساد يعدا أوصاف للعقد غير الصحيح، بينما الوقف والنفاذ واللزوم هي أوصاف توصف بها العقود الصحيحة[8].

إلا أن ذلك لم يمنع الفقه الإسلامي من الأخذ ببعض الأنواع الأخرى من البطلان ومنها أخذه بنوعي البطلان النسبي والمطلق، وذلك استناداً إلى الحالات التي يضم فيها العقد شرطاً يخالف الشرع، ولكنه شرط يمكن اجتزائه واستبعاده من العقد دون أن يؤثر على وجود العقد، فيبطل الشرط ويصح العقد، وهذا ما يسمى بالبطلان النسبي، بينما العيب الذي يلحق أحد دعائم العقد وأركانه ولا يمكن فصله عن العقد يمثل البطلان المطلق.

وقد أخذ النظام والقضاء السعودي في مجال العقود بمذهب جمهور الفقه، حيث ساوى بين الفساد والبطلان واعتبرهما ذات الوصف، وهو ما يتبين من مطالعة الاحكام الصادرة من القضاء السعودي ومنها – على سبيل المثال – الحكم الصادر من محكمة الدمام التجارية رقم 1700 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 21/1/1442هـ والوارد بالبند (خامساً) من هذا المقال، حيث أوردت في ختامه (.. فساد العقد وبطلانه)، حيث قرنت المحكمة في حكمها ثبوت فساد العقد ببطلانه، كما أخذا بما اتجه إليه الفقه من البطلان النسبي (العقد القابل للإبطال) والبطلان المطلق (العقد الباطل) هما نفس الشيء، وفقاً لما جاء بحكم محكمة الاستئناف التجارية بالمنطقة الشرقية رقم 639 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 11/7/1442هـ والوارد بالبند (خامساً) من هذا المقال، والذي جاء بمضمونه ما يفيد أن العقد القابل للإبطال يكون في حقيقته عقداً باطلاً متى كان البطلان يعتري ركن من اركانه، ولكنه يظل صحيحاً قابلاً لإبطاله من قبل صاحب المصلحة في ذلك متى كانت أركانه قائمة ولكن أحد شروط صحته لم تتوافر.

وبمراجعة نص (المادة 8) من نظام العمل السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (51) بتاريخ 23/8/1426هـ والذي تضمن انه (يبطل كل شرط يخالف أحكام هذا النظام ويبطل كل إبراء أو مصالحة عن الحقوق الناشئة للعامل بموجب هذا النظام أثناء سريان عقد العمل ما لم يكن أكثر فائدة للعامل)، نجد أن الأنظمة السعودية قد اخذت بالبطلان الجزئي في العقود، حيث أن الجزء الباطل من العقد – الشرط المصاب بعوار مخالفة النظام – يبطل وينفصل عن العقد مع بقاء العقد ذاته صحيحاً وقائماً، وذلك شريطة أن يكون الجزء الباطل من العقد – الشرط الباطل – ليس هو أساس التعاقد أي ليس من الأساسيات الجوهرية للتعاقد، وإلا كان العقد بأكمله باطلاً وليس الشرط فقط وهو البطلان الكلي.

رابعاً: أسباب بطلان العقود

تنحصر أسباب البطلان في النظام السعودي في الأسباب التي أخذت بها الشريعة الإسلامية والمتمثلة في إصابة أركان العقد بعيب من العيوب التي تبطلها، وأركان العقد هي الصيغة والعاقدان والمحل، والشروط الخاصة بصحة العقد وهي خلو إرادة المتعاقدين ورضاهم من أي عيب يشوبهما، كما اخذ أيضاً بالبطلان لمخالفة النظام.

1- بطلان العقود لخلل في أركانها أو شروط صحتها

يبطل العقد متى تخلف أحد أركانه الأساسية المتمثلة في صيغة التعاقد (التراضي)، والعاقدان، والمحل، أو شروط صحتها المتمثلة في إرادة ورضا المتعاقدين، وسنتعرض لهذه الشروط في سياق بيان ركن المتعاقدين.

أ- الصيغة (التراضي)

يعتبر التراضي بين طرفي التعاقد هو أساس العقد والركن الرئيسي لانعقاده، وهو ينعقد عن طريق تعبير كل من طرفي العقد عن إرادته في إبرام العقد، بحيث تلتقي هاتين الإرادتين لتحدثا أثرهما المتمثل في العقد، وهاتين الإرادتين تمثل إحداهما الإيجاب والأخرى القبول، ويقصد بالصيغة هنا الصياغة التي يخرج عليها الإيجاب والقبول، بحيث تكون دلالتها واضحة وصريحة على اتجاه الإرادتين – الإيجاب والقبول – للتراضي والتوافق على إبرام العقد، وتكون الدلالة هنا لبيان الإرادة الداخلية أو الباطنية للمتعاقدين.

ولكي يكون الإيجاب والقبول معتبرين في تكوين التراضي الذي ينشئ العقد فإنه يجب أن يتوافر فيهما بعض الشروط، والتي يمكن حصرها في النقاط الآتي بيانها:

– يلزم أن يكون الإيجاب والقبول قد صدرا من المتعاقدين بدلالة واضحة وصريحة على اتجاه إرادتهما لإبرام العقد، فإذا شاب دلالة أياً منهما لبس أو غموض فلا ينعقد العقد.

– أن يكون الإيجاب والقبول متطابقين ومتفقين على ذات المضمون، ومتى كان الإيجاب عن شيء والقبول عن شيء آخر فلا ينعقد العقد.

– ان يقع التقاء واتصال الإيجاب بالقبول في ذات مجلس العقد الذي صدر فيه هذا الإيجاب متى كان التعاقد بين حاضرين، أو أن يقع في المجلس الذي يتصل فيه علم الغائب بإيجاب الحاضر.

ويعد بطلان أياً من الإيجاب أو القبول مبطلاً للعقد، ويكون ذلك في حال تحقق أياً من الحالات التالية[9]:

– عدول الطرف الموجب عن الإيجاب الذي أبداه قبل التقائه وتطابقه مع القبول بمجلس العقد.

– أن يلاقي الإيجاب رفضاً من الطرف الآخر وليس قبولاً، ويستوي الأمر أن يكون الرفض صريح أو ضمني.

– متى انتهى مجلس العقد وانفض دون ان يتلاقى الإيجاب الذي تم إبداؤه بقبول ممن وجه إليه هذا الإيجاب، حيث أن صلاحية الإيجاب وصحته تسقط بانتهاء مجلس العقد دونما التقائه مع القبول.

– زوال أهلية الموجب بأي من أسباب زوال الأهلية قبل التقاء إيجابه بقبول من وجه إليه، حيث يجب أن تظل أهلية الموجب قائمة حتى اتصاله بالقبول.

– تغير صفة أساسية في محل العقد أو تلفه أو هلاكه قبل اتصال الإيجاب بالقبول.

ب- المتعاقدين

المقصود هنا بالمتعاقدين كلاً من الموجب (من أصدر الإيجاب) والقابل (الذي يصدر منه القبول)، ولكي يكون الموجب والقابل كأشخاص صالحين لتولي إبرام العقد فيجب أن تتوافر فيهما بعض الشروط، وهذه الشروط تمثل الشروط التي يصح التعاقد بتحققها، وتتمثل تلك الشروط في:

– أن يكون كلا المتعاقدين متمتعاً بالصلاحية والقدرة الشرعية اللازمة لإبرام العقد وتحمل ما يترتب عليها من آثار، وهذه الصلاحية تتمثل في كونه قد وصل إلى المرحلة المطلوبة شرعاً من البلوغ والعقل اللازمين لإبرام العقود، فلا يصح تعاقد الصبي المميز لنقص أهليته.

– يجب أن يكون للعقد أطراف متعددين، بمعنى أن يكون هناك تعدداً في أطرافه، وهو شرط منطقي باعتبار أن القبول والإيجاب لا يتصور صدورهما من ذات الشخص، لذلك يجب أن يكون هناك أكثر من إرادة تمثل أكثر من طرف في العقد.

– أن تكون الإرادة الخاصة بكل طرف في شأن إنشاء العقد تتسم بالحرية، فلا يشوب إرادته أو رضاه أياً من العيوب التي تبطلها كالإكراه والتدليس والغلط أو أياً من عيوب الإرادة أو الرضا، فمن أكره على إبرام عقد يكون عقده هذا باطلاً لعدم وجود إرادة حرة لدى المتعاقد.

ج- المحل

المقصود بالمحل في العقد هو الشيء الذي يتم إبرام التعاقد عليه أو كما يسميه الفقه الإسلامي بالمعقود عليه، ففي عقود البيع يكون المحل هو المبيع، وفي الإيجار يكون المحل متمثلاً في المنفعة، كما قد يكون عملاً كما في عقود العمل.

إلا أن محل العقد هو وصف لا ينطبق على كل شيء بشكل مطلق، فليس كل شيء صالحاً لكي يكون محلاً للعقد الصحيح، بل هناك شروطاً محددة يجب أن تتوافر في الشيء حتى يثبت له مسمى محل العقد، وبتخلف أحد هذه الشروط يبطل العقد، ويمكننا أن نحصر تلك الشروط فيما يلي[10]:

– أن يكون مالاً متقوماً أي أن يكون الشرع مقراً لهذا المال بقيمة ما، وهو ما لا يتحقق إلا إذا كان هذا المال مستوفياً لشرطين:

الأول: أن يكون مباحاً للانتفاع به في الظروف الاعتيادية، فلا يمكن اعتبار لحم الخنزير محلاً للتعاقد باعتبار أن الضرورات تبيح المحظورات، فالمعيار هنا في الإباحة هو الظروف العادية وليست حالات الضرورة.

الثاني: أن يكون في حيازة مالكه الفعلية وتحت يده، ويقصد بالحيازة الفعلية هنا هو قدرة صاحب الشيء على التحكم فيه والسيطرة عليه وليس مجرد وجوده تحت يده، حيث قد يكون الشيء تحت يد صاحبه بينما هو قيد الحجز عليه مما يمنع صاحبه من التعاقد عليه بأي شكل من أشكال التعاقد.

– أن يكون معلوماً من حيث الوصف أو الكم أو الوزن أو غيرها من المعلومات الأساسية التي تؤثر في رغبة المتعاقد في التعاقد عليه، ويتم هذا العلم عبر معاينة الشيء محل التعاقد، وإن كان بعض الفقه قد اكتفى في ذلك بوصف الشيء المعقود عليه متى لم يكن متواجداً عند التعاقد.

– أن يكون تسليم الشيء محل التعاقد إلى الطرف الذي يستحقه بموجب التعاقد هو أمر ممكن، فلا يصلح الحيوان في البرية أو الأسماك في المياه لتكون محلاً للعقد لاستحالة إتمام عملية التسليم عليها، وأيضاً الحالات التي يكون هناك مانع قانوني من تسليمها كما هو الحال في الأشياء المحجوز عليها أو المرهونة.

– أن يكون موجوداً بالفعل أو ممكن الوجود، حيث أن بيع الشيء المعدوم يعد بيعاً باطلاً لانعدام محله، في حين أن بيع الشيء الممكن وجوده كبيع شقة يزمع إنشائها أو آلة مزمع في تصنيعها هو بيع صحيح لأن المحل ممكن الوجود وليس مستحيلاً.

2- بطلان العقود لمخالفتها للأنظمة

باعتبار أن الأنظمة السعودية – كنظام العمل ونظام الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات الشرعية وغيرها – هي أنظمة مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، فإن المشرع قد جعل من مخالفتها سبباً ليس لبطلان العقود فقط ولكن لبطلان أي إجراء أو تصرف أياً كان نوعه، ونستند في ذلك إلى:

أولاً: نص (المادة 8) من نظام العمل السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (51) بتاريخ 23/8/1426هـ والتي سبق بيان نصها سلفاً، حيث قررت بطلان جزئي للعقد ببطلان الشرط الذي يخالف نظام العمل.

ثانياً: نص (المادة 187) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/2) بتاريخ 22/1/1435هـ وتعديلاته، والتي نصت على أنه (كل إجراء مخالف للشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلاً).

ثالثاً: نص (المادة 5) من نظام المرافعات الشرعية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) بتاريخ 22/1/1435هـ، والتي نصت على أنه (يكون الإجراء باطلاً إذا نص النظام على بطلانه او شابع عيب تخلف بسببه الغرض من الإجراء ….).

ومن هذه النصوص الخاصة بالأنظمة السعودية نستدل على أن البطلان لم يكن مقصوراً في الأنظمة السعودية على مخالفته للأحكام الشرعية فقط، ولكنه أيضاً أثر يترتب على مخالفة العقد أو الإجراء لأياً من النظم المستمدة من الشريعة الإسلامية والتي هي المصدر الرئيسي للأنظمة المطبقة في الملكة العربية السعودية، فنجد مثلاً تحقق للبطلان متى خالف العقد النظم والآداب العامة التي تقررها الأنظمة بقواعد آمرة.

خامساً: الآثار المترتبة على بطلان العقد

يترتب على بطلان العقد أثر وحيد يتمثل في أن العقد الباطل يصبح هو والعدم سواء، ويضحى كأن لم يكن من حال المبتدأ، حيث أن البطلان باعتباره يتعاصر في نشأته مع إبرام العقد لكون العيب الذي يبطل العقد يولد مع ولادة العقد، لذلك فإن البطلان ينسحب بأثره هذا على العقد منذ إبرامه فيجعله كما لو أنه لم يبرم من حيث الأصل.

وبالتالي فإن العقد الباطل على الرغم من ظهوره في شكل عقد، إلا أن هذا الشكل هو مجرد ظاهر فقط لكن البطلان يكمن في جوهره، وبالتالي فإن العقد الباطل لا يرتب أي التزامات أو حقوق شرعية أو قانونية، كما أن هذا العقد لا تصححه إجازة طرفيه، بل يجب أن يتم إبرامه مرة أخرى باعتباره عقد جديد.

سادساً: أحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

– حكم محكمة الدمام التجارية رقم 1473 لسنة 1440هـ والصادر بجلسة 28/11/1440هـ والمتضمن أن (وعليه فقد ثبت للدائرة استئجار المدعى عليها الثانية من المدعية للمولد الكهربائي، وثبت للدائرة واقعة بيع المولد من المدعى عليها الثانية إلى المدعى عليها الأولى، وإذا تقرر ذلك فإن المدعى عليها الثانية باعت ما لا تملك، ومن شروط البيع ملكية المبيع للبائع، وقد روي عن النبي صلى ﷲ عليه وسلم من حديث حكيم بن حزام – رضي ﷲ عنه – أنه قال: (لا تبِع ما ليسَ عندَكَ) وعليه فإن الدائرة تنتهي إلى بطلان عقد البيع المبرم بين المدعى عليهما الثانية والأولى، وتحكم برد المولد إلى مالكه الأصلي).

– حكم محكمة الدمام التجارية رقم 1700 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 21/1/1442هـ – والمؤيد استئنافياً بحكم محكمة الاستئناف التجارية بالمنطقة الشرقية رقم 1632 لسنة 1443هـ والصادر بجلسة 1/2/1443هـ – والمتضمن أن (حيث إن من المقرر فقهاً أن الفقهاء اشترطوا في عقد المضاربة أن يكون الربح لكلٍّ من المضارب وربّ المال جزءاً مشاعاً كالنصف أو الثلث أو الربع، فإن كان الربح قدراً معيناً كألف أو ألفين أو لم يشترطا شيئاً فتعتبر المضاربة فاسدة، لأنَّ المضاربة نوع من الشّركة في الرّبح، والجهالة في الربح تعتبر جهالة في الشركة، وبالتالي تكون فاسدة، وعليه فإن المضاربة تفرّغ من مضمونها وتتحول إلى قرض في ذمة المضارب – المدعى عليه – كما نصَّ على ذلك الفقهاء، وحيث إن الثابت من وقائع هذه الدعوى الأطراف لم يتفقوا على تحديد نسبة للشراكة فقد زعم المدعي ابتداءً أنها لم تحدد النسبة ثم ذكر بأنها مناصفة في حين أنكر المدعى عليه ولا عقد محرر بينهم، مما يدل على عدم وجود اتفاق على ذلك؛ وعليه فلا يسوغ معه المطالبة بالأرباح مع فساد العقد وبطلانه).

– حكم محكمة الاستئناف التجارية بالمنطقة الشرقية رقم 639 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 11/7/1442هـ والمتضمن أن (ومن المقرر فقهاً أن “السكوت في معرض الحاجة إلى بيان بيان”، وإذ ثبت انتفاء توقيع المدعية على العقد، وبالتالي سقوط ركن الإرادة عن إبرام العقد مثار الخصومة، وتخلف ركن الرضا اللازم قيامه لنهوض أيّ تعاقد، إذ إن مقومات العقود فقهاً تقوم على الصيغة والعاقدين والمعقود عليه، وهو ما يقابله بنهوض العقد نظاماً على الرضا والمحل والسبب، وإذ انعدم الرضا فإن مؤدى ذلك بطلان العقد، وانضواءه في حكم العدم، ولئن كان من المقرر فقهاً وقضاء أن العقد يقع باطلاً إذا تخلف ركن من أركانه، أو اختل اختلالاً يؤدي إلى عدم الاعتداد به أصلاً، وبما أن العقد القابل للإبطال هو الذي تكون قابليته لذلك جزاءً لتخلف ركن الرضا لانتفاء صحته، وإذ إن وجود الرضا شرط لقيام العقد بذاته بما يعني أن تخلفه يتساوى في القول مع عدم قيامه أصلاً، فإن تخلف هذا الركن أضحى العقد منعدماً كأن لم يكن، وهو ما انطبقت أوصافه في هذه الواقعة، مما تقضي معه دائرة الاستئناف بإلغاء الحكم الصادر في هذه الدعوى من الدائرة الابتدائية، والقضاء مجدداً ببطلان العقد محل الاستناد من المدعى عليه).

سابعاً: الخاتمة

من جماع ما سبق ذكره في هذا المقال يمكننا أن نتبين أن البطلان في العقود ما هو إلا جزاء قررته الشريعة الإسلامية والأنظمة السعودية ليعالج العقود التي تخلف ركن من أركانها أو شرط من الشروط اللازم توافرها في تلك الأركان، بحيث يزيل هذا الجزاء أي أثر يخلفه أو يرتبه هذا العقد الباطل، وذلك مراعاة للقواعد التي قررتها الشريعة وحفاظاً على حقوق المتعاقدين، إلا أن الاختلافات الفقهية في تفسير تلك القواعد الشرعية هي ما قد تحدث بعض اللبس حول مضمون البطلان، وهو ما يجعلنا نؤيد ضرورة تقنين تلك القواعد الخاصة ببطلان العقود في تقنين خاص، يتم استخلاص مواده ونصوصه من الشريعة الإسلامية، بحيث يكون مرجعاً ثابتاً لأحكام البطلان في العقود، لما سيمثله ذلك من تيسير على المتعاقدين في سبيلهم لاتقاء إبرام أي عقود قد يتبين لهم بعد إبرامها أنها تتضمن عيب يقتضي معه الأمر بطلانها.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – أبو نصر إسماعيل الفارابي – الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية – تحقيق: أحمد عطا – ط2 – دار العلم للملايين – لبنان – ج4 – 1399هـ -ص 1635 وما يليها.

[2] – موفق الدين بن قدامة – المغني – تحقيق: عبد الله التركي وآخر – دار هجر – مصر – بدون عام نشر – ص 97.

[3] – وهبة الزحيلي – أصول الفقه الإسلامي – ط2 – دار الفكر – لبنان – ج1 – 2001 – ص104.

[4] – علاء الدين الكاساني – بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع – ط2 – دار الكتب العلمية – لبنان – 1986 – ج5 – ص182.

[5] – أبي حامد الغزالي – المستصفى في علم الأصول – ط1 – دار المعرفة – لبنان – 1322هـ – ج1 – ص 76.

[6] – أنور طلبة – انحلال العقود – المكتب الجامعي الحديث – مصر – 2004 – ص 314.

[7] – عبد الرزاق السنهوري – مصادر الحق في الفقه الإسلامي – ط2 – منشورات الحلبي الحقوقية – لبنان – 1998 – ص124.

[8] – محمد حسنين – نظرية بطلان العقد في الفقه الإسلامي – المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر – 1988 – ص 85.

[9] – منصور بن يونس البهوتي – كشاف القناع عن متن الإقناع – عالم الكتب – لبنان – ج3 – 1983 – ص 148.

[10] – منصور بن يونس البهوتي – المرجع السابق – ج2 – ص 154 وما يليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.