تعريف المسؤولية العقدية في النظام السعودي

تتحقق المسؤولية قانوناً متى أخل الفرد بأية التزامات تقع على عاتقه وكان هذا الإخلال سبباً في إصابة الغير بضرر، وذلك بغض النظر عن كون من أصيب بالضرر شخص طبيعي أو معنوي أو كان ضرراً يصيب بأسره، وفي ذلك نجد أن المسؤولية بوجه عام لا تخرج عن ثلاثة أقسام وهي المدنية والإدارية والجزائية، وتعتبر المسؤولية العقدية هي أحد وجهي المسؤولية المدنية حيث أن الوجه الثاني لها هو المسؤولية التقصيرية، فكلتا المسؤوليتين – العقدية والتقصيرية – هما نوعين من المسؤولية المدنية.

ولا يمكن أن ننكر أن المسؤولية العقدية تشكل محل اهتمام كبير من قبل القوانين والتشريعات المختلفة، وذلك نظراً لتطور وتنوع المعاملات التي تعتمد على العقود في تحديد التزامات أطرافها، وهو ما يجعل اللجوء إلى المسؤولية العقدية قد أصبح شائعاً بصورة أكبر، ونظراً لعدم وجود قانون مدني بالمملكة العربية السعودية واعتمادها بشأن تقرير المسؤولية بأنواعها على أحكام الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، لذلك فهي قد تكون غامضة بعض الشيء، وهو ما حدا بنا إلى اختيار المسؤولية العقدية في النظام السعودي لتكون موضوعنا الذي سنتناوله في هذا المقال.

أولاً: ماهية المسؤولية بوجه عام

1- التعريف بالمسؤولية لغة وفقهاً

في معاجم اللغة تعرف المسؤولية بأنها التزام الفرد بأن يضمن ما حاق بغيره من ضرر نشأ عن تصرفه الذي قام به[1]، فهي تمثل ما يتحمله الفرد كتبعة ونتيجة لفعله، وقد قسم الفقه الإسلامي المسؤولية إلى مسؤولية عن حق لله ومسؤولية عن حق للعبد.

وبالرجوع إلى الفقه الإسلامي سنجد انه لم يستخدم مسمى المسؤولية، فحينما تناول المسؤولية بأنواعها استخدم مسمى الضمان للدلالة على المسؤولية، وهو ما يستلزم منا التعرض أيضاً لتعريف المقصود بالضمان.

فالضمان لغة يقصد به الالتزام والكفالة، فيقال ضمن الشيء ضماناً فهو ضامن، أي يلتزم به ويضمنه، وضمان الشيء هو كفالته[2]، وضمان الشيء هو الالتزام بكفالة صلاحيته وبراءته من أي عيب قد يشوبه، والضامن دائماً هو الغارم باعتباره هو من يكفل الضرر عند تحققه.

والضمان في الفقه الإسلامي هو أن يقوم الضامن برد شيء يماثل الشيء الذي تلف أو هلك، أو رد قيمته متى لم يكن من المثليات، فترد القيمة في الأشياء القيمية، ويرد المثل في حالة الأشياء المثلية[3]، ويسميه الفقه الإسلامي أيضاً بالتضمين.

ويعتبر الضمان هو المفهوم المقابل لمفهوم التعويض الذي تنظمه القوانين المدنية، مع وجود بعد الفروق والتباينات التي تضمنتها أحكام التعويض القانوني ولم تشترط في الضمان فقهاً، وبالتالي فإن ذكر لفظ (الضمان) في الفقه الإسلامي يقصد به أحد أمرين وفقاً لسياقه، إما عقد الضمان أو الكفالة، وإما المسؤولية باختلاف أنواعها ومنها المسؤولية العقدية.

2- التعريف بالمسؤولية قانوناً

في إطار التعريف القانوني للمسؤولية فإن رجال القانون قد تناولوا لفظ المسؤولية للتعبير عن مؤاخذة الشخص عما يقع منه من أفعال ينتج عنها ضرر للغير[4]، فالمسؤولية جوهرها القانوني هو أنها وضع قانوني ينشئ التزامات على الشخص يكون مصدرها مخالفته وإخلاله لالتزام سابق كان عليه أن يقوم به.

فالمسؤولية المدنية تتمثل قانوناً في التزام الشخص المسؤول عن إحداث الضرر بتعويض من أصابه هذا الضرر، وذلك متى توافرت الأركان والشروط القانونية التي يستلزم القانون قيامها لتحقق المسؤولية، فالمسؤولية تقررت من حيث الأصل ليس كعقاب أو رادع للمسؤول ولكن لجبر الأضرار التي ترتبت على فعل الشخص المسؤول.

ثانياً: ماهية المسؤولية العقدية

1- تعريف المسؤولية العقدية

تعتبر المسؤولية العقدية – شأنها في ذلك شأن المسؤولية التقصيرية – دعامة رئيسية من دعائم النظام القانوني في أي مجتمع، حيث أن مناطهما هو التزام الفرد بألا يلحق بأي شخص من الغير أي شكل من أشكال الضرر، وإذا خالف الشخص هذا الالتزام وأصاب غيره بضرر فهو يضمنه، ويصبح محملاً بالتزام جديد وهو تعويض الغير الذي أصيب بالضرر، وتكون مسؤولية هذا الشخص مسؤولية عقدية متى كانت ناشئة عن مخالفته التزام عقدي أي تحمل به بموجب عقد.

مما يتبين معه أن معيار التمييز بين نوعي المسؤولية المدنية هو مصدر ومنشأ الالتزام الذي أخل به الطرف المتحمل للمسؤولية، فإذا كان الالتزام الذي تم الإخلال به منشأه النظام فإن المسؤولية عنه تكون مسؤولية تقصيرية، بينما إذا كان الالتزام منشأه العقد فإن الإخلال به يحقق المسؤولية العقدية.

ويقصد بالإخلال هو إما عدم تنفيذ الالتزام الملقى على كاهل المسؤول كلية، وإما أن يكون قد قام بتنفيذ هذا الالتزام بشكل جزئي فقط دون إتمامه وفقاً لما هو متفق عليه بالعقد، فيطلق على هذا التنفيذ في تلك الحالة التنفيذ المعيب، حيث أنه وعلى الرغم من أن الطرف المسؤول قد نفذ بالفعل جزء من التزامه، إلا أن هذا التنفيذ الجزئي لم يبرئ ذمته من كامل الالتزام.

وخلاصة القول أن المسؤولية العقدية هي مسؤولية الطرف المتعاقد عن ضمان عدم تنفيذ التزاماته التي يتحملها بموجب العقد، وفي حالة عدم تنفيذه لالتزامه التعاقدي يقع على عاتقه مسؤولية ضمان الأضرار التي تصيب الطرف الآخر.

وتعرف المسؤولية العقدية لدى رجال القانون بانها جزاء يوقع على الطرف المخل بأي التزام يتحمله نتيجة لعقد، سواء كان لعدم تنفيذها أو التأخر فيه، وذلك متى كان التنفيذ العيني قد أصبح مستحيلاً على المسؤول[5].

وتستند المسؤولية العقدية في النظام السعودي على القاعدة الراسخة التي تنص على أن (العقد شريعة المتعاقدين)، أي أن العقد هو القانون الذي يلتزم المتعاقدين بأحكامه، ولا يحق لأياً منهما مخالفة أي حكم منها، ولا الإخلال بأي التزام يترتب عليه بموجبه، وإلا قامت في حقه المسؤولية العقدية الموجبة للضمان.

2- شروط المسؤولية العقدية

تختلف شروط المسؤولية العقدية عن أركانها، فالأركان هي الخطأ العقدي والضرر وعلاقة السببية، وهي ما سنتناولها في حينها، أما الشروط فهي توافر العناصر من حيث الأصل التي تهيئ المناخ وتوفر أرضية قابلة لتحقق المسؤولية العقدية متى تحققت أركانها كاملة، وهذه الشروط والتي هي في حقيقتها شرطين رئيسيين تفرضهما طبيعة المسؤولية العقدية ذاتها، والتي تستلزم تحققهما معاً حتى يكون هناك قابلية لتقرير المسؤولية العقدية مستقبلاً.

أ- قيام عقد صحيح بين طرفين

وهذا الشرط هو شرط بديهي على اعتبار أنه لا مجال للحديث عن مسؤولية عقدية إلا في ظل وجود عقد من حيث الأصل، وبالتالي يتمثل أول شرط من شروط قيام المسؤولية العقدية هو وجود عقد مبرم بين طرفين أو أكثر، ولكن التساؤل هنا هو هل يكتفى فقط بوجود أي عقد؟ أم يلزم أن يتوافر في هذا العقد بعض المواصفات التي تجعله مؤهلاً لترتيب مسؤولية تعاقدية؟

الإجابة على ذلك التساؤل تتمثل في أن العقد الذي يعد مؤهلاً لكي تترتب عليه مسؤولية تعاقدية هو العقد الصحيح المنجز، أي العقد الي تتوافر له أركان الانعقاد الشرعية وشروط الصحة من حيث الأهلية والإرادة، وبالتالي يترتب على ذلك أنه متى كان العقد مصاباً بعوار البطلان أو غيره من العيوب التي تبطل العقد أو تعدمه وجوده، فإنه لا يعد صالحاً لكي يرتب أي أثر عليه ومن باب أولى لا يعد صالحاً لكي تقوم عنه مسؤولية عقدية.

فعلى سبيل المثال العقد الذي يُتفق فيه على تأجير مكان لمزاولة البغاء، أو على بيع ما حرم الله بيعه وقرر عدم مشروعيته، فإن مثل تلك العقود لا يمكن أن تترتب عليها مسؤولية تعاقدية.

ويجب أن يكون العقد الصحيح مبرماً بين ذات طرفي المسؤولية – المسؤول والمضرور –

ب- إخلال أحد طرفي العقد بالتزاماته التعاقدية

يقتضي مبدا حسن النية في تنفيذ العقود أن يقوم كل طرف من طرفي العقد بتنفيذ ما يشتمل عليه العقد من التزامات بشكل يتفق مع حسن النية ودونما أي تعسف في استخدام كل طرف منهما لحقه في مواجهة الآخر، وبالتالي فإنه متى التزم طرفي العقد بذلك المبدأ لن يكون هناك أي مجال للحديث عن مسؤولية عقدية، إلا أنه وبمجرد حدوث أي إخلال من أي من الطرفين بالتزاماته التي يفرضها عليه العقد فعندئذ يصبح المجال متاحاً لقيام وتحقق المسؤولية العقدية، حيث أنها ترتبط في نشوئها بظهور هذا الإخلال وتحققه.

لذلك يعد شرطاً أساسياً لتحقق المسؤولية العقدية أن يكون هناك إخلالاً في تنفيذ أحد طرفي العقد لالتزاماته التعاقدية، فلا يوجد ضمان بدون حدوث ضرر، وبالتالي تقوم المسؤولية العقدية في حالة وجود إخلال بالتزام عقدي من أحد أطرافه.

ثالثاً: أركان المسؤولية العقدية

قضت محكمة الدمام التجارية في حكمها رقم رقم ٥٠٥/ تج٢/ ٣ لعام ١٤٣٥هـ في القضية رقم ١٨٩٥/٣ق لعام ١٤٣٢هـ والصادر بجلسة 15/5/1435هـ والمتضمن أنه (وبحسبان ما تقدم إيراده تجلى للدائرة توافر أركان المسؤولية العقدية (الخطأ والضرر والعلاقة السببية)، وهي المقابلة لأركان الضمان في الفقه الإسلامي من (التعدي والتلف والإفضاء)، وتعين معه إعمال هذه المسؤولية، وجبرها للمدعي).

مما يتبين معه أن النظام والقضاء السعوديين قد أخذا في قيام المسؤولية التعاقدية بما أخذ به الفقه الإسلامي من أركان للضمان مع الاختلاف في المسميات، فالخطأ التعاقدي يمثل التعدي، والضرر يمثل التلف، وعلاقة السببية هي الإفضاء، كما نود أن ننوه إلى ملاحظة هامة وهي أن النظام السعودي لم يفرق بين المسؤولية العقدية والتقصيرية من حيث الأركان، فكلاهما يقوم على الخطأ والضرر وعلاقة السببية، إلا أنهما يختلفان في تفصيل وطبيعة ركن الخطأ، فهو في المسؤولية العقدية خطأ عقدي، وفي المسؤولية التقصيرية يكون خطأ قانوني أي بالمخالفة للقانون.

1- الخطأ التعاقدي

يقابله التعدي في مسمى الفقه الإسلامي له، والتعدي شرعاً يقصد به كافة التصرفات والأفعال التي حرمها الشرع سواء انصب على النفس أو العرض أو المال أو سواه، وسواء كان قد تم على وجه مقصود أو من جراء إهمال أو عد احتراز[6].

وفي الخطأ التعاقدي يكون التعدي متمثلاً في تعد على التزامات عقدية، وذلك بأن يخل أحد أطراف العقد بالتزامه تجاه المتعاقد الآخر، وهو ما يمثل تعد على حقوق الطرف الآخر المتعاقد معه باعتبار أن حقوقه تمثل التزامات على الطرف المخل، وبالتالي فإن خطأ المتعاقد يمثل في جوهره تعدٍ منه على حقوق المتعاقد الآخر.

ويرتبط الخطأ العقدي ارتباطاً وثيقاً لا ينفصل بما يقع من إخلال بالتزامات أياً من طرفي العقد، فإذا لم يقم المتعاقد بتنفيذ التزاماته التعاقدية كما يوجبها ويقتضيها العقد، فإنه يكون عندئذ مرتكباً لخطأ تعاقدي، وهذا الخطأ قد يتحقق حتى لو قام الطرف المخل بتنفيذ التزامه بالفعل، شريطة أن يكون قد قام به على وجه غير كامل كما هو الحال في تنفيذ جزء من الالتزامات وترك جزء آخر بدون تنفيذه، أو أن يكون قد قام بتنفيذه بالكامل على نحو يخالف الأوصاف المبينة له بالعقد، كما لو كان الاتفاق على بيع وحدة عقارية كاملة التشطيب، ويقوم البائع بعرضها على المشتري لاستلامها دون تشطيب، فيعد البائع هنا مرتكباً لخطأ تعاقدي في حق المشتري لعدم تنفيذه لمقتضيات ومستلزمات العقد على الوجه المتفق عليه.

وتتحدد وسيلة إثبات تحقق الخطأ العقدي بحسب طبيعة ما يقع على عاتق المسؤول عنه من التزام، فمتى كان التزام المسؤول هو تحقيق نتيجة معينة، فإن أداء الالتزام هنا يتمثل في تحقيق هذه النتيجة ويكون بدوره قد حقق الغرض من التعاقد للطرف الآخر، وإذا ما أراد الطرف الآخر إثبات الإخلال فما عليه سوى إثبات أن النتيجة المطلوبة من التعاقد لم تتحقق وأن الالتزام لم يتحقق، دونما التعرض لخطأ من قبل الطرف المخل من عدمه، وبالتالي تقوم المسؤولية العقدية في حق الطرف المخل.

أما إذا كان الالتزام الواقع على عاتق المسؤول هو التزاماً ببذل عناية، فعندئذ يستلزم إثبات الخطأ التعاقدي أن يقوم الطرف الآخر بإثبات عدم قيام الطرف المسؤول ببذل العناية الكافية المطلوبة، أي أنه يجب عليه أن يثبت قيام الخطأ في جانب المسؤول، حيث أن طبيعة الالتزام ببذل عناية لا ترتبط بتحقيق النتيجة.

2- وقوع ضرر للمتعاقد الآخر

الضرر هو السبب الرئيسي والأساس الفعلي الذي يتم ترتيب المسؤولية العقدية من أجله، فحيث ينتفي الضرر تنتفي المسؤولية حتى لو كان هناك خطأ قد تم ارتكابه، فالمسؤولية العقدية تدور في فلك تحقق الضرر، فتتحقق بتحققه وتنتفي بانتفائه، وذلك بغض النظر عن القدر من الجسامة التي يصل إليها الخطأ المرتكب[7].

وتوقيت وقوع الضرر وتحققه لا يشترط فيه تعاصره مع حدوث وتحقق الخطأ والإخلال بالالتزام التعاقدي، حيث يتحقق الضرر أيضاً حتى لو تراخى في تحققه لفترة تعقب حدوث الخطأ التعاقدي، ومن أهم الأمثلة للدلالة على ذلك إخلال الناقل بالتزامه في تسليم ما يتولى نقله في الموعد المتفق عليه في عقد النقل، حيث ان هذا الموعد يعد من مقتضيات العقد والتزاماً يجب على الناقل تنفيذه، إلا أنه لا يعد تأخيره فقط موجباً بقيام المسؤولية العقدية، بل يلزم أن يكون هناك ضرراً قد أصاب الطرف المتعاقد مع الناقل عن هذا التأخير.

ولا يقتصر مفهوم الضرر الذي تشمله المسؤولية العقدية على الشكل المادي للضرر فقط، ولكنه يمتد ليغطي الضرر في شكله المعنوي (الأدبي) أيضاً، ومن أكثر الأمثلة على ذلك أن يكون الطرف المضرور رجل أعمال أو أحد التجار الذين يتمتعون بصيت ذائع وسمعة طيبة ومكانة متميزة في مجال عمله، فيكون ما يصيبه من مساس بسمعته أو مكانته التجارية من قبيل الضرر الذي يشمله التعويض، خاصة وان السمعة في مجال عمله قد تكون محلاً للاعتبار في العديد من المعاملات المؤثرة في عمله كالقروض والائتمان.

وقد كان الفقه الإسلامي سباقاً في الأخذ بالضرر بنوعيه المادي والأدبي، حيث قرر الضرر بأنه كل ما يمس الفرد في المال والعرض والشرف، وهي تتنوع بين طبيعتها المادية والمعنوية، وجعل ضمانها على عاتق المعتدي.

3- رابطة السببية

لا تتحقق المسؤولية العقدية لمجرد وجود خطأ عقدي وضرر، ولكن يجب أن يكون هذا الخطأ العقدي هو السبب في إحداث وترتيب هذا الضرر، وهو ما يعرف برابطة أو علاقة السببية.

فعلاقة أو رابطة السببية هي التي تجمع بين طرفي المسؤولية العقدية (الخطأ العقدي والضرر)، وقد وضع الفقه الإسلامي تصورين فقط لرابطة السببية، حيث جعلها إما أن تتحقق بطريق المباشرة أو عن طريق التسبب.

ويقصد بتحقق السببية بطريق المباشرة أن يكون الطرف مرتكب الخطأ العقدي هو المتسبب مباشرة بفعله، حيث عرفها فقهاء الحنفية بأن مباشرة من يلي الأمر بنفسه، أي أن يكون الرابط والعلاقة مباشرين بين الفعل الممثل للخطأ والضرر.

أما تحقق السببية بطريق التسبب فقد أشارت إليه مجلة الأحكام العدلية في سياق (المادة 888) منها، حيث عرفت التسبب بأنه (إحداث أمر في شيء يفضي إلى تلف شيء آخر على جري العادة ويقال لفاعله متسبب)، ومنه يتبين أن يكون الخطأ قد تسبب في إحداث الضرر ولكن بشكل غير مباشر، كما لو قطع شخص ما حبل معلق به إناء به زيت، فانقطع الحبل وسقط الإناء وانكسر وانسكب منه الزيت، فتكون علاقة السببية عن الضرر المتمثل في انقطاع الحبل هي سببية بالمباشرة، في حين تكون بالنسبة لانكسار الإناء وانسكاب الزيت هي بالتسبب أي بطريق غير مباشر.

والفقه الإسلامي لا يلزم مرتكب الخطأ بالضمان إلا في حالة السببية بالمباشرة، أما في حالة التسبب فقد أعفى مرتكب الخطأ من ضمان الضرر الغير مباشر – المتمثل في انكسار الإناء وانسكاب الزيت – وألزمه بضمان الضرر المباشر المتمثل في قطع الحبل، إلا أنه يلزمه بالضمان عن الضررين متى ثبت أنه كان متعدياً عند ارتكابه للخطأ، أي أنه كان قاصداً عند ارتكابه للخطأ أن يحدث الضررين المتحققين، وهوما يوضح أهمية علاقة السببية في تقرير المسؤولية العقدية ويوضح أن القاعدة العامة في الفقه الإسلامي تنص على انه متى اجتمع المباشر والمتسبب، فإن الضمان يقع على عاتق المباشر، فالمباشر يعتبر ضامن ومسؤول حتى لو لم يكن قاصداً أو متعمداً، بينما المتسبب لا يعد ضامناً أو مسؤولاً إلا إذا كان قاصداً أو متعمداً.

رابعاً: الآثار المترتبة على تحقق المسؤولية العقدية

متى تحققت المسؤولية العقدية في حق الطرف المخل بالتزامه التعاقدي، فإن الأثر الرئيسي الذي يترتب على ذلك هو ثبوت واستقرار التزام جديد في ذمته وهو التزامه بالتعويض، إلا أن الأمور قد جرت على عدم إقرار الطرف المخل بخطئه، ومجادلته في إصابة الطرف الآخر بالضرر من جراء هذا الخطأ، وهو ما يؤول بالمضرور إلى اللجوء للقضاء للحصول على هذا التعويض.

مما يتبين معه أن التعويض لا يعدو أن يكون أثراً ونتيجة طبيعية ومنطقية لتحقق المسؤولية العقدية، فبنشوء الضرر الناتج عن الخطأ العقدي تقوم الحاجة إلى تعويض يتم بموجبه جبر هذا الضرر وإزالته.

خامساً: أحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

1- حكم محكمة الرياض التجارية رقم 8168 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 29/12/1442هـ، والمؤيد استئنافياً بالحكم الصادر من محكمة استئناف الرياض في الاستئناف رقم 634 لسنة 1443هـ بجلسة 22/2/1443هـ والمتضمن أن (ولما كان المدعية قِوام طلبها الماثل مرتكز على التعويض ليس إلا، وبتطبيق ما تقدم على هذه الدعوى وإعمالاً للقواعد الشرعية في التعويض والضمان، التي تقضي بأن المسؤولية العقدية لا تقوم إلا على أركانها من خطأ، وضرر، وعلاقة سببية بينهما، وحيث إن ثبت ركن الخطأ من المدعى عليهما في التأخر في السداد، إلا أن المدعية لم تقدم دليلاً مادياً على تحقق الضرر، فضلاً عن عدم تقديمها لبينة تدعم قولها، ولم تقدم المدعية بخصوص الضرر المدعى به بسبب المدعى عليهما أي مستند تتكئ عليه الدائرة في قضائها، ومن ثم ترى الدائرة أنه اختل ركن الضرر بعدم ثبوت الأضرار التي تدعيها المدعية).

2- حكم محكمة الدمام التجارية رقم 338 لسنة 1442هـ والصادر بجلسة 17/3/1442هـ، والمؤيد استئنافياً بالحكم الصادر من محكمة استئناف المنطقة الشرقية رقم 931 لسنة 1442هـ بجلسة 17/3/1442هـ، والمتضمن أنه (بعد دراسة الأوراق، وبما أن حاصل دعوى المدعية هو التعويض عن الأضرار الناشئة عن رجوع المدعى عليها عن استئجار معدات المدعية، ولما كانت العلاقة بين الطرفين تتمثل في عقد استئجار معدات المحددة فيه، وعليه فإنَّ التعويض عن المسئولية العقدية إنما يثبت بعد تشخيص وتحديد الخطأ العقدي المنسوب للمسئول ، ثم تحديد الأضرار الناشئة عنه ، وإثبات العلاقة السببية بين الأمرين ، وبالاطلاع على المستندات المقدمة من المدعية تبين أنها قاصرة عما سبق ، فهي لا تحدد الأضرار بشكل واضح ، ومن نافلة القول أنَّ الادعاء المرسل غير كاف في الوصول إلى النتيجة التي تبتغيها الدعوى ، وتقديم ذلك هو من مسؤوليات المدعية ، وطالما عجزت عن ذلك حتى انتهاء الوقت المخصص للمرافعة ، فإنَّ الدائرة تنتهي إلى رفض الدعوى). 

سادساً: الخاتمة

من خلال ما تناولناه في هذا المقال تبين لنا أن المسؤولية العقدية لا تعد بمثابة الجزاء الذي يوقع على الطرف المخل بالتزاماته التعاقدية بقدر ما هي حماية وضمانة تكفل للطرف الآخر حقوقه متى أصيب بضرر نتيجة لهذا الإخلال، وفكرة الضمان التي نظمها الفقه الإسلامي والتي تعد بمثابة التعويض في الفكر القانوني تعتبر من أبلغ وأصدق النماذج التي تؤكد مدى الكمال الذي تتسم به الشريعة الإسلامية، واهتمامها بحفظ الحقوق وصيانتها وضمانها، حتى قبل أن يفكر مشرعي القوانين الوضعية في تنظيمها بقانون وضعي.

كتابة: أحمد عبد السلام

[1] – محمود رواس – معجم لغة الفقهاء – ط2 – دار النفائس – لبنان – 1988 – ج1 – ص 425.

[2] – إسماعيل بن حماد الجوهري – الصحاح تاج اللغة وصحيح العربية – ط4 – دار العلم للملايين – لبنان – ج6 – ص 155.

[3] – محمد أبو عباة – التعويض عن الضرر في الفقه الإسلامي وعلاقته بتعويض أضرار الكوارث الطبيعية في النظام السعودي – ط1 – دار كنوز أشبيليا – الرياض – 2012 – ص9.

[4] – فوزي فيض الله – المسؤولية التقصيرية بين الشريعة والقانون – جامعة الأزهر – مصر – 1982 – ص 73.

[5] – العربي بلحاج – النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني الجزائري – دار المطبوعات الجامعية – الجزائر – 1999 – ج1 – ص 264 وما يليها.

[6] – محمد سراج – ضمان العدوان في الفقه الإسلامي: دراسة فقهية مقارنة بأحكام المسؤولية في القانون – دار الثقافة – مصر – 1999 – ص316.

[7] – محمد الرحو وآخر – الوجيز في نظرية الالتزام: مصادر الالتزام: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي المقارن – ط1 – دار وائل – الأردن – 2002 – ص 208.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.