الاستشارات القانونية التجارية

القوانين هي أساس تنظيم المجتمعات وهي التي تحقق التوازن والأمن والاستقرار بين الأشخاص, فالقوانين نشأت لتنظيم حقوق وحريات الأفراد على نحو يكفل حماية تلك الحقوق والحريات، فضلاً عن اشتمال القوانين على الواجبات والالتزامات التي يتعين على الأفراد القيام بها وعدم الحيد عنها وإلا تعرضوا للمسائلة القانونية.

وتتعدد القوانين بتعدد العلاقات التي تتولى حكمها، ويُعد من أهم تلك العلاقات، العلاقات التجارية التي تنشأ بين التجار والتي تعتبر قوام الحياة الاقتصادية في الدولة، لذلك عني المشرع بوضع تنظيمات تجارية تبين حقوق والتزامات التجار والمتعاملين في الأسواق التجارية بصفة عامة.

والواقع أن المعرفة القانونية تُعد حكراً على دارسي القانون والمشتغلين به، فليس من اليسير على الأشخاص البعيدين عن المجال القانوني الإلمام بالقوانين ومعرفة مقاصدها ومراميها، ففهم النص القانوني وتفسيره واستخلاص الحكم القانوني منه يُعد من الأعمال الهامة الجوهرية التي يضطلع بها رجال القانون. لذلك يلجأ الأشخاص البعيدين عن التخصص القانوني إلى رجال القانون لتلقي منهم الاستشارات القانونية في النزاعات التي يتعرضوا إليها، وتُعد النزاعات التجارية واحدة من أهم المسائل التي يحتاج فيها الأشخاص إلى الاستشارات القانونية من متخصصي القانون الذين لهم دراية واسعة عميقة بالنظم التجارية، حيث أن الجهل بالنظم القانونية في المجال التجاري قد يؤدي إلى خسارة الأموال الطائلة نظراً لعدم الفهم الدقيق للنصوص القانونية الحاكم للمواد التجارية.

أولا: تعريف الاستشارات القانونية التجارية:

الاستشارة القانونية مؤداها توضيح رأى القانون في مسألة محل خلاف ونزاع، سواء أكان لهذا النزاع صدى ودوي في ساحات المحاكم أم أنه مجرد نزاع بين الأفراد لم يصل مداه إلى حد عرضه على القضاء، ولكنه على مشارف طرحه أمام ساحات القضاء.

فالغرض المبتغى من طلب الاستشارة القانونية هو معرفة الرأي القانوني في المسألة محل النزاع، ومعرف المستشير موقفه القانوني وما يتوجب عليه فعله حتى يقنن أوضاعه ليكون بمنأى عن إثارة مسئوليته القانونية أو ليتمكن من كسب الحق الذي يدعيه.

والواقع أن للاستشارات القانونية أهمية بالغة في نطاق المعاملات التجارية، فالعلم بالقواعد والضوابط القانونية الحاكمة للعلاقات التجارية من شأنه أن يحمي حقوق طالب الاستشارة ويجعله على بينة من أمرة عالما بما له من حقوق وما عليه من التزامات، الأمر الذي قد يساعده على كسب الأموال أو يقيه خسارتها.

ثانيا: مراحل الاستشارة القانونية:

يجب أن ننوه أولا إلى أن الوصول إلى استشاره قانونية صحيحة يتطلب وجود معطيات ومستندات صحيحة على قدر كبير من الشفافية حتى يتم الحصول على الرأي الصحيح، ويمكن تقسيم الاستشارات القانونية لمرحلتين:

المرحلة الأولى: وهي تلك التي يقوم فيها المستشير بتقديم كافة المستندات والمعلومات الخاصة بموضوعه الذى يريد فيه المشورة, و يقوم برواية كافة الوقائع والإجراءات التي مر بها النزاع  والأحداث القانونية والمادية التي أدت إلى موضوع النزاع وذلك للوصول إلى التكيف القانوني الصحيح للنزاع و ذلك بكل دقة.

حيث أن اختلاف الوقائع من شأنه أن يؤدى إلى رأى قانوني غير منطبق على الواقعة, و كذلك الحال في حالة إغفال وقائع معينه, فرأى القانوني يختلف باختلاف الوقائع التي ينطبق عليها، لذلك يتعين على طالب الاستشارة أن يتحرى كامل الدقة في عرض الوقائع على مستشاره القانوني حتى يتسنى للأخير أن يُكيف تلك الوقائع توطئة لإنزال حكم القانون عليها.

المرحلة الثانية: بعد أن يقوم المستشير بتحديد الوقائع بشكل دقيق وواضح يأتي هنا دور المستشار القانوني في الاطلاع على المستندات والبيانات المقدمة من المستشير ويقوم بتوجيه الأسئلة الضرورية التي تخدم موضوع الاستشارة للوصول إلى الإلمام بكامل جوانب النزاع أو المسألة المعروضة عليه, ثم يقوم بإبداء الرأي القانوني الأفضل في هذا الموضوع وأفضل الحلول القانونية وذكر النصوص القانونية الخاصة بموضوع النزاع.

و نذكر مثالا لهاتين المرحلتين: أنه في حالة إذا أراد شخص إنشاء شركة تجارية فإنه يقوم أولا بالذهاب إلى المستشار القانوني ويُقدم له كافة المعطيات التي يريد أن ينشا شركته بناء عليها وذلك كرأس مال الشركة ونشاطها التجاري, و هنا يكون دور المستشار القانوني الدارس للقانون التجاري السعودي والذى يوضح له أنواع الشركات في النظام التجاري السعودي والتي تتناسب مع النشاط التجاري الذى يرغب في أن يكون شركته عليه وكذلك رأس المال الذى يتناسب مع النشاط, ويوضح المستشار له كافة الشروط الخاصة بكل شركة وكيفية تكوين الشركات من منظور تعاقدي خصوصا حسب مشروع قانون تعديل القانون التجاري المعتمد, ثم نصل للمرحلة الأخيرة و التي يوضح بها المستشار القانوني أفضل شركة متناسبة مع راس المال المتاح من المستشير و نوع النشاط الذى يرغب في أن يؤسس شركته عليه.

ففي تلك الحالة يتولى المستشار القانوني بيان كافة التفصيلات الجوهرية المتعلقة بشكل الشركة التي يتخذها طالب الاستشارة سواء من ناحية مسئولية الشركات أكانت مسئولية مطلقة أم محدودة نظراً لما قد يترتب على ذلك من آثار قانونية على درجة عالية من الأهمية، وكذلك يبين له الأصول القانونية المتعلقة بإدارة تلك الشركة ومدى مسئولية الشركة عن أعمال مديرها ومدى مسئولية الأخير في مواجهة الشركاء. وذلك حتى يكون طالب الاستشارة على دراية تامة بما له من حقوق وما عليه من التزامات.

ثالثا: أنواع الاستشارات القانونية:

تتنوع الاستشارات القانونية ما بين استشارات قانونية شفوية واستشارات قانونية مكتوبة واستشارات قانونية إلكترونيه، وسنتناولها بالتفصيل كالتالي:

1- الاستشارة القانونية الشفوية:

هي الاستشارة التي تقدم شفاهة من المستشار القانوي إلى طالب الاستشارة، وذلك سواء أكانا مجتمعين في مجلس واحد أو من خلال الهاتف أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن عادة ما تكون تلك الصورة من الاستشارات القانونية غير كاملة، حيث أنها لا تشتمل على كافة الجوانب القانونية للموضوع محل الاستشارة، بل إن العميل يستعصي عليه الفهم أو الإلمام شفاهة بكافة الجوانب القانونية التي سمعها لأول مرة.[1]

لذلك عادة ما تكون الاستشارات القانونية الشفوية على درجة قليلة من الأهمية، أو تكون بمثابة معرفة حل مؤقت لحين اجتماع طالب الاستشارة مع مستشاره القانونية ليعرض عليه التفصيلات الخاصة بالموضوع محل الاستشارة وذلك للحصول على الحل القانوني الأمثل الذي يتوافق ومصالحه الشخصية.

2- الاستشارة القانونية المكتوبة:

وفي هذا النوع من الاستشارات يقوم المستشير بتجميع كافة المستندات والأوراق التي تخص الموضوع الذى يريد الحصول على الاستشارة فيه ويقوم بتوجيه أسئلة خاصة بهذا الموضوع إلى المستشار, والمستشار يقوم بناء على ذلك بتقديم الاستشارة مكتوبة خطيا وذلك بعد دراسة موضوع النزاع دراسة كافيه ووضع التكييف القانوني المناسب لموضوع النزاع.

والاستشارة القانونية المكتوبة لها بعض الميزات نذكر منها:

  • أن الاستشارة تكون بعد أن يقوم المستشار ببحث دقيق للموضوع محل الاستشارة.
  • الاستشارة المكتوبة تكون محدده و واضحه ذلك لأنها تعرض مكتوبة على المستشار القانوني.
  • الاستشارة المكتوبة تخضع لقواعد منهجية معينة.
  • الاستشارة القانونية المكتوبة يمكن الرجوع إليها في أي وقت وذلك لأنها تكون مكتوبة فيكون لدى المستشار القانوني والمستشير نسخة منها.

و نذكر مثالا لذلك الاستشارة حول عقد تأسيس الشركة التجارية في النظام التجاري السعودي وصياغة العقود والأسلوب الذي يجب اتباعه حتى لا يكون هناك ثمة ثغرات يمكن أن تتسبب  في منازعات بين الشركة والأفراد.

3- الاستشارة القانونية الإلكترونية:

وهنا تتم الاستشارة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وهي من اسرع أنواع الاستشارات بل هي أكثر الطرق انتشارا الأن نظرا لسهولتها و توفيرها الكثير من الوقت والجهد, و يقوم المستشير بإرسال كافة المعلومات و المستندات الخاصة بموضوعه و يقوم المستشار بالاطلاع و الرد عليها إلكترونيا.

ونذكر مثالا لذلك الاستشارات القانونية التجارية حول التحكيم في العقود التجارية وأفضل طرق التحكيم التجاري، فقد يرغب المستشير معرفة الأحكام الخاصة بأصول التحكيم التجاري، ومدى أحقيته مثلاً في رد هيئة التحكيم أو الأصول التي يتعين على هيئة التحكيم اتباعها، والعلم بالحالات التي يكون فيها الحكم باطلاً لمخالفة القواعد والأحكام التي نص عليها القانون.

رابعا: أهمية الاستشارات القانونية التجارية:

للاستشارات القانونية التجارية دور هام وجوهري في تنظيم المعاملات التجارية سواء تلك التي تنشأ بين الأفراد وبعضهم أو بين الشركات والأفراد، فالتغافل أو الخطأ في نطاق تلك المعاملات قد يجلب خسارة كم هائل من الأموال أو يُعرض المخالف لطائلة المسئولية القانونية.

لذلك يكون للمستشار القانوني في نطاق المعاملات التجارية دور جوهري يتمثل في تقنين الأوضاع الخاصة بالفرد أو المؤسس أو الشركة لتكون متوائمة وصحيح نصوص القانون، فالقواعد الخاصة بالقانون التجاري قواعد صارمة لا تتهاون مع المخطئ أو المتلاعب بها، فنجد مثلاً أن قانون العقوبات يقرر عقوبات جنائية على التاجر الذي يتحايل على القانون ليعلن إفلاسه بل ويقرر القانون عقوبات على التاجر الذي يتهاون في شأنه تجارته بإهمال وتقصير منه مما يؤدي إلى إفلاسه في نهاية المطاف. لذلك يأتي في هذا الصدد دور المستشار القانوني الذي يحيط التاجر علماً بأن مآله سيكون الوقوع تحت طائلة القانون الجنائي حال استمرار تهاونه إذا أدى إلى إفلاسه.

وفي نطاق الشركات فإن هناك العديد من الأحكام التي قد يترتب عليها وقوع الشركاء تحت مسئولية قانونية أشد من تلك المسئولية المعتقدة أو المتصورة، ففي نطاق الشركة ذات المسئولية المحدودة مثلاً من المعلوم أن مسئولية الشركاء فيها محدودة بحدود الحصص التي قدمها الشركاء دون أن يكون لدائني الشركة الحق في المساس بأموال الشركاء الشخصية، وهو ما قد يبث الطمأنينة في روع الشركاء لعلمهم بأن أموالهم بمنأى عن أيدي الدائنين.

إلا أن هذا الأمر لن يسير على إطلاقه فهناك حالات تتحول فيها مسئولية الشركاء إلى مسئولية شخصية مطلقة عن كافة ديون الشركة مما يعرض الشركاء إلى خسارة جميع أموالهم سواء التي قدموها كحصة في الشركة أو تلك التي تحصلوا عليها بعيداً عن عملهم التجاري، وذلك – مثلاً – حال تعرضهم لخسارة تجاوز نص قيمة رأس المال دون أن يتوصلوا لحل أو قرار بشأن الشركة، فهنا يتجلى الدور الجوهري للمستشار القانوني الذي يحيطهم علماً بحكم القانون ومدى جسامة التبعات القانونية التي قد تترتب حال إهمالهم لهذا الأمر.

فالتخصص القانوني له أهميته البالغة والتي تتجلى في حفظ الحقوق وحفظ الوقت والجهد والوصول إلى أفضل الحلول باتباع أفضل الإجراءات وأنجزها، وهذا ما دعا المنظم السعودي إلى اشتراط ضرورة رفع بعض الدعاوى القانونية من قبل محام ليضمن بذلك رفعها من ذوي التخصص، وهو ما تقرر بموجب (المادة 51) من اللائحة التنفيذية لنظام المحاكم التجارية والتي قررت أن: (يجب أن يكون رفع جميع الدعاوى التي تختص بنظرها المحكمة, و جميع طلبات الاستئناف من محام و يستثنى من ذلك).

خامسا: الشروط الواجب توافرها في المستشار القانوني التجاري :

هناك العديد من الشروط التي تعين توافرها فيمن يتولى تقديم الاستشارات القانونية في مجال القانون التجاري في المملكة العربية السعودية والتي تتمثل فيما يلي:

أ- يجب أن يكون المستشار القانوني على قدر كبير من الخبرة و الدراية بالنظام القانوني التجاري وذلك نظرا للطبيعة الخاصة لهذا النظام، حيث أن للنظام السعودي خصوصيته التي تتمثل في استمداد أحكامه من الشرع الحنيف بجانب بعض التنظيمات التي تولى المنظم السعودي بيانها، لذلك يتعين على المستشار القانوني أن يكون ملم بالنظم التجارية إلى جانب أحكام الفقه الإسلامي المتعلق بأحكام المعاملات التجارية، ذلك أن الأحكام الفقهية تنطبق حال وجود فراغ تشريعي بشأن النزاع المطروح.

ب- يجب أن يكون المستشار القانوني على قدر كبير من الثقة لدى المستشير وهذا لا يتأتى إلا إذا كان ذا خبرة واسعة ومصداقية في العمل. فالعمل الصادق الناتج عن علم ودراية يمنح المستشار القانوني قدر هائل من الثقة ويجعله ذي مكانة مرموقة في نطاق عمله.

ج- يجب أن تكون الاستشارة على قدر كبير من الدقة والوضوح والتحديد حتى لا يكون هناك أي خطأ أو غموض للمستشير، ذلك أن المصطلحات القانونية – في العديد من الأحيان – ينتابها الغموض لذلك يتعين على المستشار القانوني توضيح تلك المصطلحات وإزالة ما بها من غموض بغية إزالة ما قد يثور بشأنها من تأويلات قد تؤدي إلى اللبس مما يترتب عليه التطبيق الخاطئ للاستشارة القانونية من قبل طالب الاستشارة.

د- يجب الالتزام بالنظام و القوانين المتبعة وفقا للقوانين التجارية في المملكة العربية السعودية.

هـ – أن تكون الاستشارة القانونية على قدر كبير من السرية و الخصوصية، ذلك أن المستشار القانوني يقوم بعمل مهني من خلاله قد يحصل على أسرار من عملائه لا ينبغي لغيره الاطلاع عليها، وإزاء ذلك يتعين عليه الالتزام بمطلق السرية وعدم الكشف عما توصل إليه من أسرار إلا في الأحوال التي يجيزها القانون.

والواقع أن أهم ما يتميز به المستشار القانوني هو الإلمام التام بأحكام النظام القانوني الذي يتولى تقديم الاستشارات القانونية في ضوء أحكامه من خلال الاطلاع على قوانينه والقراءة المستمرة في شروحاته الفقهية ومطالعة الأحكام القضائية التي صدرت في الموضوعات محل البحث، فالعلم هو أقوى سلاح يتسلح به المستشار القانوني والذي مكنه من خوض أي معركة قانونية. إلا أنه يجب دوماً أن يتحلى بتحري الحق والبعد – كل البعد – عن الباطل، لأن رجل القانون صاحب رسالة سامية تتبلور حول الدفاع عن الحقوق وليس إهدارها.

سادسا: خطوات إعداد الاستشارة القانونية:

المستشار القانوني قبل أن يقوم بكتابة الاستشارة القانونية أو بإبداء رأيه يجب أن يتبع عدة خطوات و سنتناولها بالتفصيل بالإضافة إلى تطبيق ذلك على النظام التجاري السعودي, وذلك كالاتي:

1- الاطلاع على الوقائع و دراستها دراسة دقيقة:

عندما تعرض الاستشارة على المستشار القانوني تكون غالبا في صورة طلب مكتوب من الجهة طالبة الاستشارة، ويكون مذكور فيه الوقائع المتعلقة بالموضوع المطروح عليه والتي ترغب فيه هذه الجهة معرفة الرأي القانوني بخصوص ذلك.

وهنا يجب على المستشار القانوني أن يقوم بدراسة ذلك الطلب بشكل متعمق و دقيق و يقوم باستخلاص الوقائع من الطلب المعروض عليه ويقوم بترتيبها جيدا وذلك حسب الوقت الذى حدثت فيه, فالمستشير قد يقوم بسرد الوقائع وهو غير مدرك أهمية الترتيب الزمني للإجراءات التي تم اتخاذها.

ويجب على المستشار أن يقوم بطلب معلومات إضافية لموضوع النزاع وأن لا يكتفى بالوقائع المعروضة عليه وذلك لأنها غالبا ما تكون ناقصه، وكذلك يجب عليه الاطلاع على كافة المستندات والملفات التي لها صلة بالموضوع المعروض عليه، وكذلك يقوم المستشار القانوني بتحذير طالب الاستشارة من عرض وقائع وهمية أو تعمده إخفاء أي من التفصيلات الخاصة بالموضوع لأن ذلك قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إصدار استشارة قانونية لا تكون مجدية لمقدم طلب الاستشارة.

فمثلاً إذا كان هناك تاجراً مُقدم على الإفلاس نظراً لما طرأ على تجارته من تعثرات مالية، ويرغب في أن يقف على موقفه القانوني الصحيح، فإنه يتعين عليه أن يحيط مستشاره القانوني علماً بكافة التفصيلات والملابسات التي أدت إلى إفلاسه، فإذا أخفى عليه مثلاً أنه كان مبذراً أو مفرطاً في إنفاق المال مما كان له أثر في إفلاسه فإن ذلك من شأنه أن يعرض طالب الاستشارة إلى المسائلة القانونية وتوقيع الجزاءات الجنائية عليه.

2- التكييف القانوني الصحيح للوقائع:

بعد أن يقوم المستشار القانوني بدراسة الوقائع المعروضة عليه دراسة دقيقة وواضحة يقوم بوضع الوصف القانوني الصحيح للوقائع, و لا يقيده في ذلك ما يقوم المستشير بفرضه من وصف قانوني للوقائع.

فهناك قاعدة قانونية راسخة مؤداها أن ” العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني ” وهذا يعني أنه في نطاق العمل القانوني لا عبرة للكلمات والمصطلحات إذا كانت تغاير المعنى أو السياق المطروحة فيه. فيجب دوماً الكشف عن النية الكامنة للأشخاص أطراف النزاع للوصول إلى إضفاء التكييف القانوني السليم على النزاع القائم بينهم.

3- تحديد النص القانوني الذى ينطبق على الوقائع المعروضة:

المرحلة الأخيرة من إعداد الاستشارة القانونية هي تحديد النص القانوني الواجب التطبيق على الوقائع المعروضة وتأتى هذه المرحلة بعد أن يقوم المستشار القانوني بالإلمام بالوقائع المعروضة علية والتأكد من مدى صحتها وإعطائها وصف قانوني صحيح و متناسب لها, فهنا يقوم المستشار بتحديد النصوص القانونية واجبة التطبيق وتفسيرها تفسيراً واضحاً وبيان الأثر القانوني المترتب على إنزال حكم تلك النصوص على الواقعة المعروضة أمامه.

حيث يقوم المستشار القانوني أولاً بتحديد الاطار العام للوقائع والفرع القانوني الذى سيقوم بالبحث فيه والمتناسب للوقائع,[2] ثم بعد ذلك يتم البحث عن الحل القانوني من خلال تحديد القواعد القانونية واجبة التطبيق بعد بيان شروط انطباقها والتأكد من توافر تلك الشروط على الواقعة محل البحث وذلك لاستبعاد النصوص القانونية التي لا تنطبق على تلك الواقعة نظراً لتخلف شروط الانطباق الخاصة بها.[3]

بعد ذلك يقوم المستشار القانوني بتحديد المواد القانونية الواجبة التطبيق على الوقائع المعروضة عليه ويجب عليه أن ينتبه إلى أية تعديلات تشريعية تكون قد طرأت على هذه المواد، وأنه في حالة حاجتها إلى تفسير أو توضيح يقوم بتفسيرها التفسير الصحيح, وكذلك في حال وجود اختلاف أراء أن يقوم بتجميع هذه الآراء والترجيح فيما بينها وذلك للوصول إلى الرأي الراجح والصحيح و أن يكون ذلك بناء على نصوص صحيحه وليس مجرد ترجيح شخصي أو تفسير يميل إليه.

4- بيان حكم القانون:

بعدما يقوم المستشار القانون بدراسة الموضوع دراسة دقيقة وتحديد النصوص القانونية المتعلقة به، يأتي إلى المرحلة الأخيرة والتي يبين فيها حكم القانون ومدى توافق أوضاع طالب الاستشارة مع حكم القانون مستشهداً في ذلك بالنصوص القانونية المتعلقة بالموضوع، وأحدث الأحكام القضائية التي صدرت في الموضوعات المشابهة. فالاستشارة القانونية تُمثل بحث قانوني مصغراً ينطوي على رأي القانون في المسألة المطروحة، ويجب أن يكون الرأي المدرج في الاستشارة قد تم إدراجه بموضوعية بعيداً عن الاتجاهات الشخصية.[4]

ففي نهاية المطاف على المستشار القانوني أن يبين لطالب الاستشارة بكل حيادية وشفافية مدى أحقية طالب الاستشارة في النزاع وبين له ما له من حقوق وما عليه من التزامات، دون أن يتحامل على الطرف الأخر، فجديراً بالمستشار القانوني أن يكون حريصاً على كفالة حقوق طرفي النزاع دون أن يتحايل على نصوص القانون للوصول إلى تحقيق مصلحة موكله بدون وجه حق.

إعداد/ إسلام كمال وأحمد منصور.

[1] أنظر د. أبو العلا علي أو العلا النمر، دور المستشار القانوني في عقود التجارة الدولية، ص 11.

[2] أنظر في ضوابط الاستشارة وأركانها الخاميس بن بوعبيد، خصوصيات منهج الاستشارة القانونية، 2016، جامعة الحسن الأول – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – مختبر البحث قانون الأعمال، ص 78.

[3] على ضوى, منهجية البحث القانوني، ص 235،234.

[4] أنظر محمد عبد الله، منهجية إعداد الاستشارة القانونية بين النظرية والتطبيق، 2016، جامعة مصراتة – كلية القانون، ص 208، 209.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.