أركان العقد في النظام السعودي

يُعد العقد من أهم – إن لم يكن أهم – الأدوات القانونية التي تحكم معاملات الأفراد بين بعضهم البعض، والتي تضمن صيانة وحفظ الحقوق في كافة المعاملات سواء أكانت معاملات مدنية أو تجارية أو إدارية، وعلى الرغم من أهمية العقد في تعاملات الأفراد، إلا أن كثيرا من الناس لا تعلم عن أحكام العقد وأركانه إلا اقل القليل، وهو الأمر الذي يؤدي إلى بطلان كثيرا من العقود في نهاية المطاف، كمن يشتري من النائب أو الوكيل فيما يجاوز حدود نيابته أو وكالته، أو كمن يغبن غيره في البيع معتقدا أن القانون لا يحمي المغفلين، في حين أن الشرع والقانون فعليا يحميان ذي الغفلة والسفيه من استغلال الغير لتلك الآفات التي لحقت بهم أو ولدوا بها، وتعتبر نظرية العقد وأحكامه وأركانه من أهم النظريات التي أولى لها الفقهاء سواء في الفقه الإسلامي أو القانوني عناية كبيرة في شرحها وبيان أحكامها وذلك لمساسها المباشر لعموم الناس في معاملاتهم اليومية، وسوف نتناول في بحثنا هذا أركان العقد في النظام السعودي، ونظرا لان المملكة العربية السعودية لا تحوى نظاما وضعيا خاصا بالمعاملات المدنية وإنما تسمد أحكام تلك المعاملات من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، فسوف نتناول أركان العقد من هذا المنظور من خلال النقاط الآتية:

تعريف العقد:

يُعرف العقد في الفقه بأنه ما يعقده العاقد على أمر يفعله هو، أو ما يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه، فسمى البيع والنكاح وسائر عقود المعاوضات عقوداً لأن كل واحد من طرفي العقد ألزم نفسه الوفاء به، وسمي اليمين على المستقبل عقداً لأن الحالف ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من الفعل أو الترك، وكذلك العهد والأمانة لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها وكذا كل ما شرط الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد وكذلك النذور وما جرى مجرى ذلك.[1]

ويعتبر العقد أحد أشكال التصرفات القانونية، فالتصرف القانوني هو من أعمال الإرادة عند الاتجاه نحو إحداث أثر قانوني معين لا يحرمه عليها القانون، وهو إما يقوم على اتفاق إرادتين فيسمى عقدا، كالبيع والإيجار، وإما يقوم على إرادة منفردة كما في حال الوصية أو الإبراء،[2]وفي واقع الأمر أن جميع الأحكام المتعلقة بالعقد تسري على جميع التصرفات القانونية عامة، فيما عدا ما يتعلق منها بتوافق الإرادتين، حيث ينفرد بها العقد دون سائر التصرفات المنفردة.[3]

ويمكن تعريف العقد قانونا بأنه توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني، سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهاءه.[4]

ويُلاحظ أنه يجب أن يترتب على هذا الاتفاق أثر قانوني، فإذا لم يقصد الطرفان إحداث هذا الأثر فلا يعتبر هذا الاتفاق عقدا بالمعنى القانوني المقصود من هذه الكلمة، فكثيرا ما يتفق شخص ما مع صديقه على القيام بخدمة له، دون أن يقصدا من وراء هذا الاتفاق الالتزام قانونا بتقديم هذه الخدمة، فلا تنطوي هذه الاتفاقات على معنى الالتزام.

فإذا ما اشتمل الاتفاق بين الطرفين على إحداث أثر قانوني فإننا نكون حينئذ بصدد عقد، إلا أن هذا الاتفاق حتى يكون عقداً سليماً من الناحية القانونية لا بد أن يتوافر له أركان ثلاث وهي: التوافق أو التراضي، العاقدان، والمحل المعقود عليه، وهذا ما نتولى بيانه.

أولاً: الركن الأول: التوافق (التراضي):

يعرف التراضي بوجود إرادتين متوافقتين بغرض إحداث الأثر المقصود من العقد، ويتحقق التوافق قانونا بتبادل التعبير عن إرادتين متطابقتين،[5] إلا أن وجود هاتين الإرادتين وإن كان يكفي لوجود العقد إلا أنه لا يكفي لصحته، بل يجب أن تكون الإرادتين صحيحتان ليكون العقد صحيحا بدوره، ويلزم البحث في ركن التراضي تناول النقاط التالية:

1- وجود التراضي:

فيجب أن يوجد إرادتين متطابقتين بغرض إحداث اثر قانوني معين بإنشاء التزام بين طرفي العقد، ويترتب على ذلك أن التراضي لا ينشأ إذا كان أحد المتعاقدين أو كلاهما معدوم الإرادة كالطفل الغير مميز والمجنون ومن انعدمت إرادته تحت تأثير المخدر.

2- التعبير عن الإرادة:

وهو الإعلان عن الإرادة سواء كان هذا الإعلان يمثل إيجابا، أو قبولا، أو إرادة منفردة، أو غير ذلك، وقد يصدر التعبير عن الإرادة من الأصيل أو النائب وفقا لما يلي:

أ- التعبير الصادر من الأصيل:

والأصيل هو من يتعاقد بنفسه لنفسه دون إنابة أحد، والتعبير عن الإرادة قد يكون صريحا باللفظ أو الكتابة أو الإشارة المتعارف عليها، أو بالدلالة بأن يصدر من المتعاقد موقف ما لا يتطرق الشك في دلالته على حقيقة المقصود من ورائه.

كما قد يكون التعبير عن الإرادة ضمنيا بأن يكون المظهر الذي اتخذه أحد المتعاقدين لا يعبر صراحة على إرادته إلا أنه لا يمكن تفسيره دون افتراض وجود هذه الإرادة،[6] كقيام الدائن بتسليم سند الدين للمدين، فهذا يمثل دليلا على اتجاه إرادته إلى انقضاء هذا الالتزام مالم يثبت عكس ذلك.

وإذا تطلب القانون الكتابة في أحد العقود، فإن هذه الكتابة لا تعتبر مظهرا مطلوبا للتعبير عن الإرادة، وإنما تمثل طريق إثباتها أو لإتمام انعقاد العقد، إلا أنها من الناحية العملية تمثل قيدا على حرية المتعاقدين في اختيار طريقة التعبير عن الإرادة.[7]

ب- التعبير الصادر من النائب:

تعرف النيابة بأنها حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل مع انصراف الأثر القانوني لهذه الإرادة إلى شخص الأصيل كما لو أن هذه الإرادة قد صدرت منه، فالنائب شخص يتصرف لحساب غيره والنائب في هذا الصدد تحل إرادته محل إرادة الأصيل فينعقد العقد وتنصرف جميع أثاره إلى ذمة الأصيل،[8] ويخضع التعبير الصادر عن النائب لكافة القواعد الخاصة بالتعبير الصادر عن الأصيل.

والنيابة قد تكون قانونية بحيث يحدد القانون نطاقها كنيابة الولي أو الوصي أو القيم، أو الدائن الذي يستعمل حقوق مدينه، وقد تكون النيابة اتفاقية إذا كان اتفاق المتعاقدين هو الذي يحدد نطاقها كما في عقد الوكالة.

3- توافق الإرادتين:

ويتحقق ذلك بصدور إيجاب من أحد المتعاقدين يعقبه قبول مطابق له من المتعاقد الأخر، وعندما يلتقي الثاني بالأول يقوم العقد قانونا إذا توافرت سائر شروطه الأخرى.

أ- المقصود بالإيجاب:

هو تعبير عن إرادة التعاقد يصدر من جانب أحد الأشخاص يفصح من خلاله عن نيته في إبرام عقد ما بشروط محددة، فاذا صادف هذا الإفصاح – قبولا – من الطرف الموجه إليه انعقد العقد قانونا.[9]

ب- المقصود بالقبول:

هو التعبير الصادر ممن وجه إليه الإيجاب بقبوله دون تحفظ أو تعديل، ويُلاحظ أنه لا إلزام على من وجه إليه الإيجاب أن يقبله، فله أن يرفضه أو أن يتحفظ على بعض بنوده أو أن يقترح عليه تعديلا، وفي تلك الحالتين الأخيرتين يعتبر التحفظ أو الاقتراح التعديل إيجابا من جانب مصدره يحتاج إلى قبول من الطرف الأخر.[10]

ويشترط لانعقاد العقد بصدور القبول من الطرف الأخر أن يكون الإيجاب مازال قائما، فإذا كانت هناك مدة للإيجاب صريحة أو ضمنية تعين أن يصدر القبول قبل فوات هذه المدة، وإذا صدر الإيجاب في مجلس العقد ولم تحدد له مدة وجب أن يصدر القبول قبل انفضاض مجلس العقد، فإن القبول الذي يأتي بعد ذلك يكون إيجابا جديدا يستطيع الطرف الأخر أن يقبله أو يرفضه.[11]

وقد يقع التوافق بين المتعاقدين في مجلس العقد، وقد يقع بين غائبين:

– التعاقد بين حاضرين بمجلس العقد:

والمقصود بمجلس العقد الذي يتم التعاقد فيه بين حاضرين أن يكون طرفي العقد على اتصال مباشر فلا تفصل فترة زمنية بين صدور القبول وعلم الموجب به، ويتحقق ذلك غالبا باجتماع طرفي العقد بمكان واحد، وقد يتحقق رغم اختلاف مكان الطرفين إذا كان بينهما اتصال مباشر يعلم من خلاله الموجب بالقبول فور صدوره، مثال ذلك الاتصال عن طريق الهاتف أو أي وسيله أخرى مشابهه له، فإذا اتحد مجلس العقد فالأصل أن من وجه إليه الإيجاب بغير تعيين مدة للقبول يجب عليه أن يصدر قبوله فورا بمجرد صدور الإيجاب، لكن إذا كان الموجب قد بقى على إيجابه لنهاية المجلس ولم يعدل عنه، وفي خلال تلك الفترة تدبر من وجه إليه الإيجاب أمره ثم اصدر القبول قبل أن ينفض مجلس العقد فان العقد يتم كذلك، وهذا الحكم مستمد من قواعد الفقه الإسلامي في مجلس العقد.[12]

– التعاقد بين غائبين:

وهو الذي لا يجمع المتعاقدين فيه مجلس واحد يجعل بينهما اتصالا مباشرا، الأمر الذي يترتب عليه وجود فترة زمنية تفصل بين صدور القبول وعلم الموجب به، ويقع التعاقد بين غائبين بطريق المراسلة كالبريد أو الوسيط أو غير ذلك.

ويثور التساؤل في تلك الحالة عن الزمان ومكان انعقاد العقد، أهو الوقت والمكان الذي يصدر فيه القبول، أم هو الوقت والمكان الذي يعلم فيه الموجب بالقبول؟

والظاهر من كلام جمهور الفقهاء هو أن العبرة بإعلان القبول من القابل حينما يتصل الإيجاب بعلمه عن طريق قراءة الرسالة أو سماع كلام الرسول، حيث جاء في حاشية ابن عابدين: ( صورة الكتابة أن يكتب أما بعد فقد بعت عبدي فلاناً منك بكذا فلما بلغه الكتاب قال في مجلسه ذلك اشتريت تم البيع بينهما).[13]

فإّذا نقل الرسول الإيجاب للعاقد الآخر أو قرأ الكتاب فقبل فـي مجلـس أداء الرسالة أو قراءة الكتاب انعقد العقد، لأن الرسول سفير ومعبر عن كـلام المرسـل ناقل كلامه إلى المرسل إليه، فكأنما حضر بنفسه فأوجب البيع وقبلّ الآخر في المجلس، وكذا الكتابة، لأن خطاب الغائب كتابة مثل خطابه حاضـراً, فكأنمـا حـصر بنفـسه،[14] وخاطب بالإيجاب وقبلَ الآخر في المجلس،[15] وعلى هذا الاعتبار وضعت القاعدة الفقهية القائلة : ” الكتاب كالخطاب “.

وبناء على هذا يكون مجلس العقد في التعاقد بين الغائبين غير مجلسه في التعاقد بين الحاضرين، فالمجلس الثاني هو محلّ صدور الإيجاب، أما المجلـس الأول فهـو محلّ بلوغ الإيجاب إلى العاقد الغائب، أي محل أداء الرسالة أو بلوغ الكتاب، وهـذا الفرق كما يقول الدكتور السنهوري ( اقتضته طبيعة التعاقد بين الغـائبين فالمتعاقـد الآخر غائب عن المجلس الذي صدر فيه الإيجاب , فلابد من بلوغ الإيجاب إليه ومحل بلوغه يعتبر مجلس العقد).[16]

ثانياً: الركن الثاني: العاقدان:

والعاقد هو الشخص الذي يباشر العقد ويصدر عنه بالإيجاب أو القبول، وليس كل إنسان يصلح لإبرام العقود، فمنهم من لا قيمة لعبارته فلا ينعقد بها عقد ولا يترتب عليها أثر قانوني، ومنهم من تعتبر عبارته في بعض العقود دون بعض، ومنهم من تصح عبارته في جميع العقود. واختلاف الناس في ذلك يرجع إلى مدى تمتعهم بالأهلية، فمن فقدهما لم يكن لعبارته أي أثر قانوني، فلكي ينعقد العقد يجب أن يكون التراضي صادر من ذي أهلية ومنزها عن عيوب الإرادة، وسوف نتناول ذلك من خلال النقاط الأتية:

1- أنواع الأهلية: تنقسم الأهلية إلى:

أ- أهلية الوجوب:

وهي صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه.

ب – أهلية الأداء:

وهي صلاحية الشخص لاستعمال الحق، وقد يكون الشخص مستمتعا بالحق، وهذه هي أهلية الوجوب، ولا يستطيع استعمال هذا الحق وهذه هي أهلية الأداء، ويقصد دائما عند الإشارة إلى الأهلية في مجال العقود إلى أهلية الأداء.

2- عوارض الأهلية: تنقسم عوارض الأهلية إلى:

أ- عوارض متعلقة بسن المتعاقد:

– الصبي غير المميز:

ويكون الصبي غير مميز منذ ولادته وحتى بلوغه سن التمييز وهي سبعة سنوات، وخلال تلك الفترة لا تكون له أهلية مطلقا، ومن ثم تكون جميع تصرفات الصبي الغير مميز باطلة بطلانا مطلق ولو كانت نافعة له نفعا محضا كالهبة.

– الصبي المميز:

ويكون الصبي مميزا من سن السابعة إلى سن البلوغ، وتصح عقود الصبي المميز (ناقص الأهلية) إذا كانت نافعة له نفعاً محضاً مثل قبول الهبة أو الوصية، وإذا كانت العقود ضارة ضرراً محضاً فهي لا تصح أبداً، وأما العقود الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والشراء والإجازة وما أشبه ذلك فهي تعتبر باطلة عند الشافعية وموقوفة على إجازة الولي أو الوصي عند الجمهور، وأما الصبي المأذون له بالتجارة فتصح تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر في حدود ما أذن له به.

– البالغ الرشيد:

سن الرشد وفقا لما استقر عليه القضاء السعودي هو 18 عاما، فكل من بلغ ثمانية عشر عاما متمتعا بقواه العقلية ولم يحجر عليه بسبب أي عارض من عوارض الأهلية، يكون كامل الأهلية فيما يختص بمباشرة حقوقه المدنية، فيستطيع إبرام جميع التصرفات القانونية.

ب- عوارض غير متعلقة بالسن:

– الجنون:

عرف بعض الفقهاء الجنون بأنه: (آفة تحل بالدماغ فتبعث على الإقدام على ما يضاد العقل من غير ضعف في أعضائه ويسقط به كل العبادات المحتملة للسقوط كالصلاة والصوم ولا تسقط عنه ضمان المتلفات)،[17] فالجنون يعدم الأهلية فيصبح الشخص كالصبي غير المميز تصرفاته كلها باطلة.

– العته:

العته آفة أقل من الجنون فهي تجعل صاحبها يتصرف تارة كالمجنون ويتصرف تارة أخرى كالصبي المميز ولذلك نجد غالبية الفقهاء يعتبرون المعتوه كالصبي المميز وذهب فقهاء آخرون إلى اعتباره في حكم المجنون إذا كانت تصرفاته تدل على ذهاب عقله وإلا فإنه يعتبر كالصبي المميز إذا كانت تصرفاته تدل على بعض العقل.[18]

– السفه:

السفه هو تبذير المال على غير مقتضى العقل، فهو لا يصيب العقل بل يصيب التدبير،[19] ولذلك فهو لا يعدم الأهلية بل ينقصها، و نظراً لعدم إحسانه في تدبير المال وتبذيره على خلاف مقتضى الشرع والعقل أجاز جمهور الفقهاء – ماعدا أبا حنفية وزفر والنخعي – الحجر عليه لمنعه من التصرف في ماله، وتصرف السفيه لا يكون باطلا أو قابلا للإبطال إلا إذا صدر بعد تسجيل المقدم للحجر، ويعامل بشأن تصرفاته بنفس معاملة الصبي المميز.

– الغفلة:

ذو الغفلة هو الذي لا يهتدي إلى ما هو في صالحه حين يتصرف، فيغبن في معاملاته، وحكمه حكم السفيه في كل شيء.

3- عيوب الإرادة:

أ- الغلط:

هو وهم كاذب يتولد في ذهن الشخص فيجعله يتصور الأمر على غير حقيقته،[20] أو هو تصور أمر على خلاف حقيقته، مع عدم ادراك مخالفة التصور للحقيقة،[21] والغلط ينقسم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: غلط يعدم الرضا:

ويترتب عليه بطلان العقد بطلانا مطلقا، مثال ذلك:

– الغلط في ماهية العقد: كأن تتجه إرادة أحد المتعاقدين إلى إبرام بيع في حين تتجه إرادة الأخر إلى إبرام إيجار.[22]

– الغلط في ذاتية المحل: كمن يمتلك سيارتين من موديلين مختلفين فباع أحدهما للشخص اعتقد أنه يشتري الأخرى، ففهي هذه الحالة لا ينعقد العقد لعدم تطابق الإرادتين على محل العقد.[23]

– الغلط في وجود السبب: كالوارث الذي يتصالح مع موصي له على اعتقاد أن هناك وصية صحيحة نافذة، ثم يتبين أن الوصية باطلة أو أن الموصي عدل عنها قبل وفاته.[24]

القسم الثاني: غلط لا يؤثر في صحة العقد:

فيبقى العقد صحيحا ونافذا رغم وجود الغلط، مثال ذلك:

  • الغلط المادي: كالخطأ في الحساب.
  • الغلط في شخص المتعاقد الأخر: إذا كان غير ذي اعتبار في العقد كعقود البيع عامة.
القسم الثالث: غلط يؤثر في صحة العقد:

وهو يؤدي إلى بطلان العقد بطلانا نسبيا لصالح من وقع في الغلط ، مثال ذلك:

  • الغلط في مادة الشيء المتعاقد عليه: كمن يشتري حذاء معتقدا أنه من الجلد الطبيعي ثم يتبين أنه جلد صناعي.
  • الغلط في شخص المتعاقد الأخر: إذا كان شخصه ذا اعتبار في العقد، كعقد الشركة.

ب- التدليس:

التدليس هو استخدام الحيلة بقصد إيقاع المتعاقد في غلط، فهو غلط لم ينشأ تلقائيا في ذهن المتعاقد، وإنما يتم دفعه إليه دفعا عن طريق الغش والتضليل، مثال ذلك: أن يدعي شخص حصوله على مؤهل معين بقصد الحصول على عمل يستلزم هذا المؤهل.

وقد يرى البعض عدم وجود فرق بين الغلط والتدليس مادام أثر التدليس في الإرادة يرد إلى ما يولد في ذهن المتعاقد من غلط يدفعه إلى التعاقد، بمعنى أن ما يشوب الرضا من عيب يرجع إلى الغلط لا إلى الحيلة، إلا أن لوجود التدليس ميزتين عمليتين: فإثباته أيسر من إثبات الغلط، ومن ناحية أخرى فهو يخول حق مطالبة من صدر منه التدليس بالتعويض فضلا عن حق التمسك بالبطلان. [25]

جـ – الإكراه:

وهو العمل الذي يبعث في نفس الشخص رهبه تحمله على التعاقد، فهو يصيب الإرادة في أحد عناصرها وهو عنصر الحرية والاختيار،[26] مثال ذلك: أن يهدد شخص شخصا أخر بالقتل أو بالضرب أو بإثارة فضيحة من شأنها التشهير به اذا لم يقم ببيعه عقار مملوك له، والإكراه بهذا المعنى يعيب الإرادة ولا يعدمها إذ أنه يجعل المكره بين أمرين: إما أن يتحمل الضرر وإما أن يرضخ للتهديد فيختار التعاقد، فالمكره إرادته موجودة ولكنها ليست حرة في الاختيار. [27]

ويلزم أن يكون الخطر أو الأذى الذي يهدد الشخص جسيما، والعبرة في تقدير جسامة الخطر بالحالة النفسية للمكره، ولا يهم بعد ذلك أن يصيب الخطر المتعاقد في نفسه ( كالتهديد بقتله) أو في جسمه (كالتهديد بضربه) أو في ماله ( كالتهديد بحرق منزله)، ولا يهم أيضا ما اذا كان هذا الخطر موجها إلى شخص المتعاقد نفسه أم لزوجته أو احد أصوله أو فروعه.

وفي جميع هذه الحالات يكون العقد قابلا للإبطال لصالح المكره، وهو يشترك مع التدليس في انه يخول المكره طلب التعويض باعتبار الإكراه يمثل عملا غير مشروع.

د – الغبن والاستغلال:

الغبن هو عدم التعادل بين ما يعطيه العاقد وبين ما يأخذه، وهو لا يتصور إلا في عقود المعاوضة المحددة وهو المظهر المادي الذي يستدل به على الاستغلال.[28]

أما الاستغلال فهو أمر نفسي لا يعتبر الغبن إلا مظهرا ماديا له، فهو عبارة عن استغلال أحد المتعاقدين لحالة الضعف التي توجد في الطرف الأخر، للحصول على مزايا لا تقابلها منفعة مساوية لهذا الطرف الأخير، وهو بهذا يجوز أن يرد في جميع التصرفات.

ومن ثم فإن الغبن يتحقق في العقد بمجرد وجود حالة من عدم التعادل بين التزامات المتعاقدين حتى ولو كانت إرادة كل منهم سليمة، أما الاستغلال فعيب في الإرادة لأنه زيادة عن التفاوت في الالتزامات، لابد أن يستغل فيه المتعاقد ضعفا في المتعاقد الأخر المغبون بحيث تفسد إرادته ويندفع إلى التعاقد تحت تأثير هذا الاستغلال.

والغبن إذا كان يسيرا فلا أثر له على العقد فلا يجيز الفسخ؛ لأنه يصعب الاحتراز عنه، ويكثر وقوعه في الحياة العملية، ويتسامح الناس فيه عادة. أما الغبن الفاحش فيؤثر في رضا العاقد فيزيله، فيجعل العقد غير لازم، سواء أكان يصحه استغلال أم لا. ويُعطى للمغبون الحق في طلب إبطال العقد أو انقاص التزاماته الواردة بالعقد بحيث تتناسب مع التزامات الطرف الأخر.

ثالثاً: الركن الثالث: المحل:

ويفرق الفقه بين محل الالتزام ومحل العقد:

1- محل الالتزام: وهو الأداء الذي يتوجب على المدين أن يقوم به لصالح الدائن، وهو إما أن يكون بإعطاء شيء أو نقل حق عيني، مثال ذلك: التزام البائع بنقل ملكية المبيع وتسليمه للمشتري ، أو بالقيام بعمل، مثال ذلك: التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، أو الامتناع عن عمل، مثال ذلك: التزام العامل عدم منافسة صاحب العمل السابق.

2- محل العقد: وهو العملية العقدية التي يسعى طرفي العقد إلى تحقيقها، فمحل عقد البيع هو نقل الملكية، ومحل عقد الصلح هو إنهاء النزاع، ومحل العقد الطبي هو العلاج. [29]

– شروط محل العقد:

لا يعتبر كل شيء صالحا ليكون معقودًا عليه، لذلك اشترط الفقهاء في محل العقد عدة شروط يجب توفرها فيه حتى يتم العقد وتترتب عليه آثاره، وتلك الشروط هي:

أ- أن يكون المحل مشروعا:

فإذا كان محل الالتزام نقل حق عيني وجب أن يكون الشيء الذي يرد عليه مما يجوز التعامل فيه، فإذا كان مما لا يجوز التعامل فيه لحكم الشرع كالخمور والمخدرات، أو بنص القانون كالمال العام، أو بحكم الطبيعة كالهواء وأشعة الشمس، فإنه يؤدي إلى بطلان التعاقد.

وإذا كان محل الالتزام بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل وجب أن يكون هذا العمل أو الامتناع مشروعا وغير مخالفا لأحكام الشريعة والقانون كالقتل والجرج وإتلاف مال الغير، أو مخالف للنظام العام والآداب.

ب – أن يكون المعقود عليه معلوما لطرفي العقد:

بحيث ينفي عنه الجهالة المؤدية إلى النزاع بين المتعاقدين لأجل استقرار التعامل بين الناس وإدخال الطمأنينة إلى قلب المتعاقدين، ويحصل العلم بالمعقود عليه بالأمور التالية: برؤية المعقود عليه، أو بالإشارة إليه إن كان موجودًا، أو بوصفه إن كان غائبًا.

جـ – أن يكون المحل ممكنا:

فإذا كان محل الالتزام عملا أو امتناعا عن عمل وجب أن يكون المحل فيه ممكنا، فإذا كان مستحيلا كان العقد باطلا، والمقصود بالاستحالة هنا هي الاستحالة المطلقة، وهى الاستحالة التي لا تتعلق بالمدين في الالتزام فقط وإنما تتعلق بجميع الناس، فالاستحالة هنا موضوعية ترجع إلى الالتزام ذاته، فتنصرف إلى جميع الناس، وليست شخصية تنصرف إلى بعض الناس دون البعض الأخر[30] ويستوي عقب ذلك أن تكون الاستحالة طبيعية، مثال: ذلك التزام شخص بان يبعث الروح في ميت، أو استحالة قانونية، مثال ذلك: التزام المحام برفع استئناف على حكم تبين أن ميعاد استئنافه قد انقضى.

د- أن يكون محل العقد موجودًا:

وهذا الشرط في الحقيقة ليس على إطلاقه، إذ أن فيه اختلافًا وتفصيلاً، وخلاصة القول فيه أن المعدوم الذي يستحيل وجوده في المستقبل لا يصلح أن يكون محلاً للعقد ولا خلاف في هذا، فمن تعاقد مع طبيب على علاج مريض قد توفي، أو تعاقد مع عامل على حصاد زرع قد احترق لا يصح، لأن المحل المتعاقد عليه معدوم، واستثنى البعض من ذلك عقد (السلم) وفيه يقوم المشتري بتسليم الثّمنِ للبائع في مجلس العقد قبل تسليمه السلعة المراد شراؤها، على أنْ يقومَ البائع بتسليم السلعة المتّفق عليها في وقت وأجل معلوم، وكذا عقد الاستصناع لحاجة الناس إليهما.

إعداد/ أكرم محمد محمود المحامي

[1] أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، ج2 ص 294، 295.

[2] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2 ص 117 .

[3] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 43.

[4] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2 ص 118 .

[5] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 80.

[6] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2، فقرة 76 وهامش 2 ص 177. د. حشمت أبو ستيت، نظرية الالتزام، فقرة 79.

[7] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر، الالتزام، ص 84.

[8] د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات الكتاب الأول العقد والإرادة المنفردة، ط 1999، ص 163.

[9] د. عبد الودود يحي، الموجز في النظرية العامة للالتزامات، بند رقم 25، د. محمد كمال عبد العزيز التقنين المدني، مصادر الالتزام، ص 237 وما بعدها.

[10] د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات الكتاب الأول العقد والإرادة المنفردة، ط 1999، ص 194.

[11] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 106، 107.

[12] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2، فقرة 109 ص 177 وما بعدها.

[13] ابن عابدين، الحاشية 4/ 512.

[14] الكاساني, (بدائع الصنائع) 6/540، ابن عابدین (حاشیة رد المحتار على الدر المختار) ٧/٢٦.

[15] مجلة الأحكام العدلية ، المادة 70، ص95.

[16] د. عبد الرازق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، 2/50.

[17] ابن مالك، شرح المنار، ص 950.

[18] ابن مالك، شرح المنار، ص 950.

[19] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام، ص 176.

[20] د. عبد الفتاح مصطفى، نظرية العقد، بند رقم 146.

[21] د. منصور مصطفى منصور، مصادر الالتزام، بند رقم 35.

[22] د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات الكتاب الأول العقد والإرادة المنفردة، ط 1999، ص 233.

[23] د. عبد الفتاح مصطفى، نظرية العقد، بند رقم 147.

[24] د. سليمان مرقص، الوافي ج2 نظرية العقد، بند رقم 193.

[25] مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني المصري، ج2، ص172 – 173.

[26] د. عبد المنعم فرج الصده، مصادر الالتزام ص 206.

[27] د. السيد محمد السيد عمران، الأصول العامة للقانون، ص414.

[28] م. أنور طلبة، المطول في شرح القانون المدني، ج2، ص564.

[29] د. حمدي عبد الرحمن، الوسيط في النظرية العامة للالتزامات الكتاب الأول العقد والإرادة المنفردة، ط 1999، ص 312.

[30] د. عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، ج2، ص 314 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.