كيفية فسخ العقد وفق الأنظمة السعودية

وجدت العقود لتكون بمثابة القانون الذي يحكم وينظم علاقة طرفيه التي يبرم من أجلها، وهو الأساس في تحديد ما يقع على عاتق كل طرف من طرفيه من التزامات وواجبات وما هو مقرر لكل منهما من حقوق، وذلك بغض النظر عن فحوى ومضمون ونوع تلك الالتزامات والواجبات التي يتضمنها، وتكون نقطة بداية وانطلاق تلك العلاقة بما تتضمنه من التزامات وواجبات هي اللحظة التي يتم فيها انعقاد العقد وإبرامه بين طرفيه.

ومتى أُبرم العقد بشكل صحيح فإن كل من طرفيه يبدأ في تنفيذ جانبه من الالتزامات التي يقررها العقد، إلا أن ذلك لا يمنع في بعض الحالات من وقوع خلافات بينهما تخص هذا التنفيذ، سواء كانت تنصب على طريقة التنفيذ أو موعده أو طريقة القيام به، وهو ما يترتب عليه بالضرورة أن يتخلف أحدهما أو كلاهما عن تنفيذ ما يقع على عاتقه من التزامات، وبالتالي يحدث اختلال في توازن العقد، وهذه الحالة لها أكثر من علاج أحدها – وإن لم يكن أهمها – هو الفسخ، فما هي آلية نظام فسخ العقود في الأنظمة السعودية؟

أولاً: ما هو المقصود بالفسخ؟

1- تعريف الفسخ

يعرف الفسخ لغوياً بدلالته على النقض والتفريق، فقد ورد في تعريفه أن فسخ البيع هو نقض له[1]، وعرفه فقهاء المذهبين الشافعي والمالكي على أنه رفع العقد من أصله، بينما عرفه فقهاء المذهبين الشافعي والحنبلي على أنه الحل لارتباط العقد القائم أو رفع العقد في حالة ليست من أصله[2].

 أما في الاصطلاح فقد عرف فسخ العقد بأنه حالة تنحل فيها الرابطة التي يتضمنها العقد بين طرفيه، ويتحقق ذلك الانحلال في العقود الملزمة للجانبين متى لم يقم أحد طرفي العقد بالوفاء بالتزاماته، ويكون ذلك بأثر رجعي يعيد الطرفين إلى حالتهما السابقة على إبرام التعاقد.

فالفسخ يعتبر حل وجزاء في ذات الوقت، فهو حل لكونه يضمن للطرف الذي لم تُوف له التزاماته من قبل الطرف المُخل أحقيته في التعويض الذي يجبر أي ضرر قد أصابه، وهو أيضاً من الجزاءات التي توقع على الطرف المُخل نظير عدم تنفيذه لالتزاماته التي يفرضها عليه العقد.

ويتمثل جوهر الفسخ في أنه يزيل ما ترتب أو سيترتب على انعقاد العقد من آثار ماضية أو مستقبلية، ويتقرر معه التعويض في الحالات التي تستلزم فيها ظروف الحال تقرير التعويض مع الفسخ لإزالة آثار العقد التي نشأت في الفترة السابقة على قوع الفسخ، فيعود الطرفان إلى حالتهما التي كانت قائمة قبل إبرام العقد.

فالفسخ هو إنهاء للعقد في مستقبله بشكل فوري، وإزالة لآثاره التي تحققت بالفعل، فبموجبه تنحل الرابطة العقدية التي كانت بالفعل منعقدة وقائمة بشكل صحيح، وهو بدوره ما تنحل معه كافة الالتزامات الناشئة عنه والواقعة على عاتق كل طرف من طرفي العقد ويتحللا منها بشكل تام وكامل.

وعلى سبيل المثال لذلك في عقود البيع فإن فسخ عقد البيع المؤجل الثمن يترتب عليه عودة المتعاقدين لسابق حالهما، فلا يلتزم البائع بتسليم المبيع، كما يلتزم المشتري برده إلى البائع إذا كان قد تسلمه بالفعل، كما يسقط عن المشتري سداد الثمن أو المتبقي منه، ويرد البائع ما سدد من ثمن إلى المشتري، وذلك جميعه قد يرتبط بتعويض سواء كان اتفاقي أو قضائي لاكتمال إزالة آثار العقد بجبر الضرر الواقع على أياً من طرفيه من جراء فسخه.

2- تمييز الفسخ عن الإقالة

قد يختلط لدى البعض مفهوم الفسخ بمفهوم الإقالة، وذلك قد يرجع إلى أن كلاً من النظامين – الفسخ والإقالة – يترتب عليه انحلال العقد، إلا أن ذلك لا يغير حقيقة اختلافهما عن بعضهما البعض في العديد من الجوانب.

بداية تعرف الإقالة في اللغة بأنها بمعنى الرفع والإزالة، فيقال أقال الله عثرته أي رفعه من زلته وسقوطه[3]، ويقال (أقال البيع) بمعنى فسخه، وتعرف في الاصطلاح الفقهي بأنها فسخ العقد ورفع له من أصله[4]، وفي مجملها فالإقالة هي اتفاق يتم بتراضي طرفين بينهما عقد مبرم، ويكون مضمون هذا الاتفاق هو أن يقوم كل منهما بإقالة الآخر من التعاقد المبرم بينهما فينحل العقد.

وقد قررت (المادة 190) من مجلة الأحكام العدلية أن (للعاقدين أن يتقايلا البيع برضاهما بعد انعقاده)، وهو ما يوضح أهم اختلاف بين الإقالة والفسخ والمتمثل في رضا العاقدين، حيث أن الرضا بين طرفي العقد المزمع إقالته هو شرط لازم لحصول تلك الإقالة، فهي لا تتم إلا بتراضي الطرفين وموافقتهما على ذلك في العقود الملزمة للجانبين، أما في العقود الملزمة لطرف واحد فيكفي أن تتم الإقالة برضا صاحب الحق في الخيار، بينما يكتفى في الطرف الآخر اتصال علمه بحصول الإقالة، في حين أن الفسخ يمكن ان يتم برضا الطرفين أو بحكم القانون أو بحكم قضائي كما سنرى عندما نتعرض لأنواع الفسخ.

وهناك اختلاف آخر بين الإقالة والفسخ يتمثل في أن الإقالة تتم بين طرفيها بغض النظر عن حدوث أي تقصير أو إخلال من قبل أياَ من طرفي العقد بالتزاماته التعاقدية، في حين أن الفسخ بقوة القانون لا يتم إلا في حالة استحالة تنفيذ العقد في حق أحد طرفيه أو كلاهماً معاً.

3- تمييز الفسخ عن البطلان

يقصد بالبطلان هو أن يكون التصرف أو العقد قد صدر منقوصاً لأحد أركانه وشروطه، فيكون ركن أو شرط منها قد تخلف ولم يتحقق، وهو ما يعدم أي أثر على هذا التصرف أو العقد لكونه لم يستوف متطلبات قيامه.

وعلى الرغم من أن الأثر المترتب على الفسخ يماثل الأثر الذي يترتب على البطلان، كما أنهما يشتركان في الهدف المنشود من كل منهما، إلا أن البطلان يختلف عن الفسخ في كافة نواحيه وجوانبه الأخرى، فالفسخ يختلف عن البطلان في أن البطلان ينشأ عن سبب متعاصر مع إنشاء العقد وإبرامه، حيث يفقد العقد عند نشأته أحد أركانه أو شروطه التي لا يقوم بدون توافرها جميعاً، ويكون انعقاده من الأصل قد وقع باطلاً فكان هو والعدم سواء، في حين أن الفسخ يكون السبب المنشئ له هو سبب طارئ على التعاقد أي طرأ عليه أثناء مرحلة تنفيذه وبعد انعقاده بصورة سليمة وصحيحة، فالفسخ لا ينصب إلا على عقد صحيح في حين أن العقد الذي يقرر له البطلان يكون عقد غير صحيح من حيث الأصل.

كما يختلفان أيضاً من حيث السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في القضاء بكل منهما، حيث نجد أن المحكمة قد تقضي بالفسخ أو ترفض القضاء به وفقاً لما يتبين لها من ظروف كل حالة، فيكون لها إعمال سلطتها التقديرية في شأن الفسخ، في حين أن المحكمة لا يكون لها سلطة تقديرية في حالة البطلان متى تحققت أحد حالاته، وتمسك من له المصلحة في البطلان بطلب الحكم به، فلا يكون أمام المحكمة عندئذ إلا أن تجيبه إلى طلبه وتقضي بالبطلان[5].

ثانياً: ما هي الأشكال والأنواع المختلفة للفسخ؟

يقع الفسخ في أحد أشكال ثلاث، إما الفسخ بالاتفاق بين الطرفين، أو الفسخ القضائي، أو الفسخ بحكم الشرع أو القانون.

1- الفسخ بالاتفاق بين الطرفين

قد يتم هذا النوع من الفسخ باتفاق الطرفين إما بشكل مسبق أو حال على الفسخ.

فالشكل الأول للفسخ الاتفاقي هو الفسخ الذي يتم الاتفاق عليه بين طرفي التعاقد بشكل مسبق عن طريق النص عليه في العقد عند إبرامه ويطلق عليه خيار الفسخ، فيعطي هذا الخيار الحق لكلاً من المتعاقدين في فسخ العقد متى أخل الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته التعاقدية، أو أن يرد في صورة أن العقد ينفسخ من تلقاء نفسه متى تخلف أياً من طرفيه عن الوفاء بما يقع عليه من التزام عقدي.

كما يمكن أن يكون هذا الاتفاق لاحقاً أي بعد إبرام العقد والبدء في تنفيذه ويسمى هنا بالإقالة والتي – كما سبق وأوضحنا سلفاً – يقصد بها الاتفاق والتراضي بين طرفي العقد القائم على أن يقيل كلاً منهما الآخر من التزاماته التعاقدية، وبالتالي تنحل الرابطة العقدية بين طرفيه رضاءاً.

ولا يثور أي تساؤل بشأن الإقالة في مسألة الفسخ الاتفاقي، ولكن بالنسبة للفسخ المتفق عليه في العقد فقد يرى الطرف المخل أنه لم يخل بالتزامه أو أن إخلاله كان ناتجاً عن إخلال مقابل ومسبق للطرف الآخر بالتزاماته، فما هو الحال عندئذ؟ وهل يعتبر ذلك فسخاً بإرادة منفردة وهي إرادة الطرف الذي يطالب بالفسخ؟

الإجابة على هذا التساؤل تتمثل في أن مشكلة الفسخ هنا ليست باعتباره مختلفاً عليه ولكن باعتباره مختلفاً على تحقق شرطه وهو إخلال المتعاقد الآخر بالتزاماته، ولذلك يتم اللجوء للقضاء لإصدار حكماً كاشفاً – وليس منشئاً – للفسخ، ويكون دور القضاء هنا في تحديد الطرف المخل بالتزاماته لمعرفة من هو الطرف صاحب الحق في التمسك بخيار الفسخ، حيث أن الاتفاق المسبق على الفسخ يغل من سلطة القاضي في شأن تقرير الفسخ، ويكون حكمه كاشفاً عن وجوده فقط وليس منشئاً له.

كما أنه وفيما يخص الشق الثاني من التساؤل والمتعلق بالفسخ بإرادة منفردة، فإن الإجابة تكمن في توقيت الاتفاق على الفسخ ووضع أساسه كخيار لأياً من طرفي العقد متى تحقق سببه وشرطه المتمثل في إخلال الطرف الآخر بالتزامه، فالاتفاق الأساسي هنا هو الاتفاق المبرم بإرادتين وهما إرادتي طرفي التعاقد، وما لجوء أحدهما إلى طلب الفسخ إلا تطبيقاً عملياً لهذا الخيار عند تحقق السبب الذي يتيح اللجوء إليه، فعلى الرغم من استخدام أحدهما فقط لإرادته المنفردة في تطبيق الشرط الفاسخ، فإنه في جوهره يستند في ذلك إلى الاتفاق المبرم مسبقاً بإرادتي طرفي التعاقد.

2- الفسخ القضائي

كما سبق وأن أوضحنا عند تعرضنا للفسخ باتفاق الطرفين أن اللجوء للقضاء قد يصبح حتمياً للكشف عن انفساخ العقد وتبيان فسخه بحكم كاشف وليس منشئ، إلا أن هناك بعض الحالات التي لا يكون اللجوء فيها إلى القضاء بهدف الكشف عن الفسخ ولكن بهدف الإنشاء والتقرير لهذا الفسخ، حيث يتم اللجوء لقضاء بطلب الفسخ متى لم يكن هناك رضا واتفاق بين طرفي العقد على فسخه.

وفي هذا النوع من أنواع الفسخ يقوم أحد طرفي التعاقد باللجوء إلى القضاء مختصماً الطرف الآخر، ويطلب إما تنفيذ العقد وإما فسخه مع تقرير التعويض المناسب متى كان له مقتضى، ويكون ذلك بعد أن يقوم المتعاقد رافع الدعوى بإعذار الطرف المخل بتنفيذ التزامه، وتحت شرط أن يكون في مقدور الطرف طالب الفسخ تنفيذ التزاماته التعاقدية او قام بتنفيذها بالفعل.

ويقصد بالإعذار هنا هو الإخطار القانوني الذي يوجهه الطرف الدائن للطرف المدين بالالتزام ليدعوه بموجبه إلى تنفيذ التزاماته التعاقدية، مع التنبيه عليه بمسؤوليته عما يصيب المدين من أضرار تترتب على إخلاله بأداء التزامه، فبهذا الإعذار يضه الدائن في الالتزام مدينه في موقف المقصر والمخل بأداء التزامه[6].

ويجب أن يكون المتعاقد طالب الفسخ قد قام بأداء ما يقع على عاتقه من التزامات أو في قدرته القيام بها وأدائها، حيث أن في ذلك ضمانة لحسن النية في المعاملات، فلا يتصور أن يقوم متعاقد بطلب الفسخ لقيام سبب الفسخ في حق الطرف الآخر، في حين يكون ذات السبب قد تحقق في حقه أيضاً باعتباره هو الآخر غير قادر على أداء التزاماته التعاقدية.

ويتمتع القاضي في هذا النوع من الفسخ بسلطة تقديرية كاملة، حيث يكون له السلطة في تقدير مدى توافر أسباب الفسخ من عدمه، وبناء على ما يستقر في وجدانه ويُكون به عقيدته يصدر حكمه إما بقبول طلب الفسخ أو رفضه، فهو هنا غير ملزم بأن يقضي بالفسخ إلا وفقاً لظروف كل حالة تعرض عليه على حدة.

3- الفسخ بحكم الشرع أو القانون

يطلق الفقهاء والأصوليين على هذا النوع من الفسخ مسمى الفسخ بحكم الشرع، ويطلق عليه رجال القانون الفسخ بحكم أو بقوة القانون، ويكون هذا الفسخ إما لاستحالة التنفيذ أو لفساد العقد.

فاستحالة التنفيذ تجعل من التعاقد ذاته وما تضمنه من التزامات أمراً غير ذي جدوى، حيث أصبح تنفيذ أحد طرفي العقد – أو كلاهما – مستحيلاً، وبالتالي ينفسخ العقد بقوة القانون – أي بحكم الشرع – بمجرد أن يكون هناك استحالة في تنفيذ الالتزام المتفق عليه، وذلك كما هو الحال في هلاك المبيع أثناء وجوده تحت يد البائع وقبل تسليمه للمشتري، ففي تلك الحالة يكون التزام البائع بتسليم المبيع – وهو التزام أساسي عليه – قد أصبح مستحيلاً، وبالتالي لا يكون الحديث عن تنفيذ العقد ممكناً، وينفسخ العقد تلقائياً، ويدخل في أسباب استحالة التنفيذ حدوث الاستحالة بسبب أجنبي أو بسبب قوة قاهرة، ويطلق عليها الفقهاء والاصوليين مسمى الآفة السماوية، كما هو الحال في السيول التي قد تغرق المحاصيل المبيعة فيفسخ العقد لهلاك المحل، وفي البيوع تحديداً يكون الهلاك قبل التسليم هو الموجب للفسخ، أما بعد التسليم فيكون المبيع تحت يد المشتري فيكون هلاكه عليه.

كما أن العقد لدى الفقهاء يفسخ بحكم الشرع لإزالة سبب فساده، حيث أن الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء[7]، فالعقد الفاسد ينفسخ من تلقاء نفسه دون الحاجة إلى قضاء ليقرره، وإن كان الاختلاف بين المتعاقدين حول فساده يجعل من اللازم أن يتم اللجوء إلى القضاء ليصدر حكماً ليكشف عن وجود هذا الفساد وعن فسخ التعاقد.

كما يفسخ العقد بغض النظر عن المتسبب في تحقق الاستحالة سواء كان من غير المتعاقدين أو كان أحدهما، أو حتى كان بيد المتعاقد الذي يقع على عاتقه الالتزام الذي بات مستحيلاً، ويكون التنفيذ العيني خياراً قائماً متى كان متاحاً وممكناً، وإلا تم اللجوء إلى طريق الفسخ باعتبار أن المطالبة بالأداء المقابل عند استحالة التنفيذ قد أمسى بدون سبب، مع عدم الإخلال بالتعويض الذي يطالب به أي طرف من طرفي التعاقد شريطة أن يكون هناك ضرر قد أصابه من جراء انفساخ العقد.

ثالثاً: ما هي الشروط اللازمة لطلب الفسخ؟

لكي يكون للمتعاقد الحق في طلب فسخ العقد فإنه يلزم أن تتوافر بعض الشروط التي تجيز له استخدام هذا الحق، وأن تكون جميعها مجتمعة دون نقص أو تخلف لأياً منها، وتلك الشروط يلزم قيامها وتحققها بغض النظر عن نوع الفسخ سواء كان اتفاقياً أو قضائياً أو بقوة القانون، وسوف نتناول هذه الشروط في النقاط الآتي بيانها.

1- الشرط الأول: العقد محل الفسخ هو عقد ملزم للجانبين

يتمثل الشرط الأول من شروط الفسخ في تحديد لطائفة العقود التي يلزم أن ينتمي إليها العقد محل الفسخ، فيجب أن يكون العقد محل الفسخ عقداً من العقود الملزمة للجانبين، ومن أجل بيان هذا الشرط يجب أن نوضح المقصود بالعقود الملزمة للجانبين.

فالعقد الملزم للجانبين هو العقد الذي يلقي على عاتق طرفيه التزامات متبادلة قبل بعضهما البعض، فيتوافر لكل منهما صفة الدائن والمدين في ذات الوقت، ويطلق الفقه على تلك العقود مسمى عقود المعاوضة كما هو الحال في عقود البيع، حيث يكون كل طرف من أطرافها محملاً بالتزام لقاء حصوله على المقابل من الطرف الآخر، فالمشتري يلتزم بأداء الثمن للبائع ويتقاضى مقابله المبيع، والبائع يلتزم بتسليم المبيع للمشتري ويتقاضى مقابله الثمن.

وهذا الشرط له ما يبرره، حيث أنه لو كان العقد ملزم لجانب واحد كما هو الحال في عقد الوديعة فليس من المنطقي أن يكون الفسخ جائزاً فيه، ففكرة الفسخ قد وجدت من حيث الأصل على أساس وجود التزامين متقابلين تم الإخلال بتنفيذ أحدهما، بينما في العقود الملزمة لجانب واحد تنتفي فكرة التقابل في الالتزامات نظراً لوجود التزام وحيد يقع على طرف واحد فقط من طرفي العقد، وبالتالي لا يتوافر الأساس الذي يتقرر الفسخ استناداً إليه.

2- الشرط الثاني: أن يكون هناك إخلال بتنفيذ الالتزام التعاقدي في حق أحد المتعاقدين

كما سبق وأن أشرنا في الشرط الأول أن العقد محل الفسخ باعتباره عقد ملزم للجانبين فإنه يلقي على عاتق كلاً من طرفيه التزامات يجب عليه تنفيذها، فإنه يلزم أن يكون هناك إخلال بتلك الالتزامات حتى يثبت للطرف الآخر الحق في طلب فسخ العقد.

وهذا الشرط يبرره المنطق والعقل، فإذا كانت الالتزامات الواقعة على كل طرف من طرفي العقد سارية وتنفذ من قبل الطرفين وفقاً لما هو متفق عليه، فلا يكون الفسخ جائزاً لعدم جدواه ولانتفاء الحاجة إليه، بل وإن ذلك يخالف مقاصد الشرع من حيث الأصل في تقرير لزوم العقود وإجازة فسخها على سبيل الاستثناء وفي أضيق الحدود.

3- الشرط الثالث: أن يكون طالب الفسخ قد نفذ التزاماته أو قادراً على ذلك

حتى يكون هناك عدل ومساواة بين طرفي التعاقد، فيلزم حتى يجوز لطرف إقامة دعوى الفسخ ضد الطرف الآخر لإخلاله بالتزامه التعاقدي أن يكون رافع الدعوى قد قام هو بتنفيذ التزامه التعاقدي او يكون على استعداد لتنفيذه.

وليس الأمر كما قد يتخيل البعض أن الفسخ دائماً ما يكون مطالباً به من قبل الدائن في الالتزام التعاقدي، بل هناك بعض الحالات التي يكون فيها إخلال المدين بالتزامه عائداً إلى الدائن ذاته، كما هو الحال في عدم تنفيذ المشتري التزامه بسداد الثمن نظراً لمماطلة البائع في تنفيذ التزامه بتسليم المبيع إليه، وبالتالي يعد طلب الفسخ جائزاً لكل من طرفي الالتزام التعاقدي سواء كان دائناً أو مديناً به، وذلك طبقاً للظروف الخاصة بكل حالة.

رابعاً: ما هو الأثر المترتب على الفسخ؟

أهم ما يترتب على الفسخ من آثار هو انحلال رابطة التعاقد التي كانت تربط بين طرفي العقد محل الفسخ، فالفسخ أساساً هو وسيلة يتم من خلالها حل التعاقد وإنهائه، ويكون هذا الإنهاء ذو أثر رجعي، بمعنى أنه لا ينصرف فقط إلى الحاضر والمستقبل فقط، ولكنه يعود بأثره إلى لحظة وتاريخ التعاقد بأن يعيد كل من المتعاقدين إلى حالته قبل التعاقد.

فعلى سبيل المثال في عقود البيع متى انفسخ عقد البيع بعد إبرامه فإن الحال يعاد إلى ما كان عليه قبل التعاقد، بمعنى أن البائع يقوم برد الثمن المسدد للمشتري، كما يقوم المشتري برد الشيء المبيع للبائع، فيعودا كما كانا قبل إبرام عقد البيع.

ويثور هنا تساؤل بشأن ما إذا كان هناك ضرراً قد أصاب أحد طرفي العقد بفسخه، فكيف يعود الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد في ظل وجود هذا الضرر؟ وعلى سبيل المثال في عقد البيع سالف الإشارة في المثال السابق أن يكون المشتري أثناء وجود الشيء المبيع تحت يده قد تلف وبالتالي يكون رده المبيع للبائع مجحفاً بحقوق الأخير ويصيبه بالضرر، فما هو التصرف في تلك الحالة؟

الإجابة على ذلك تكمن في التعويض، فيكون من حق المتعاقد الذي أصابه الضرر أن يتقاضى من الطرف الآخر التعويض المناسب لجبر ذلك الضرر، وبذلك يمكن أن يعاد الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد، ويكون تحديد قيمة هذا التعويض إما عن طريق الاتفاق والتراضي بين الطرفين، أو بتقدير القضاء عن طريق دعوى تقام بهدف تقدير قيمة التعويض المناسب لجبر الضرر عن الطرف المضرور وإعادة الحال إلى ما كان عليه قبل التعاقد.

خامساً: أحكام القضاء السعودي ذات العلاقة

– حكم محكمة استئناف الرياض التجارية رقم 5561 لسنة 1443هـ والصادر بجلسة 14/2/1443هـ والمتضمن أن (العقد بين الطرفين لازم، ولا يحق لأحد أن يخل به، وعلى من أخل به أن يتحمل نتيجة ذلك، ولا تسقط التزاماته بتركه العقد إلا بالإقالة، وبالتالي فلا صحة في اعتبار توقف المدعى عليها عن التوريد سببا في عدم تحميلها التزاماتها، وأما ما ذكره المستأنف من أن دفع المدعية للإيجارات بعد التوقف عن التوريد يدل على انتفاعها بالمستودعات لأنشطتها الأخرى، فإن ما عملته المدعية هو تنفيذ للعقد الملزم للطرفين، ولو أخلت لسقط حقها في التعويض وكان فسخا من جهتها، وبالتالي فإن التزامها بالعقد لا يكون حجة عليها استنادا للقاعدة الفقهية (من سعى في نقض ما تم على يديه فسعيه مردود عليه) فسعي المدعى عليها لنقض العقد بالتوقف عن التوريد، وما يتبعه من التوقف عن استئجار المستودعات مردود عليها، بوجوب التزام الطرفين بالعقد).

– حكم محكمة استئناف الرياض التجارية رقم 1345 لسنة 1440هـ والصادر بجلسة 14/2/1440هـ والمتضمن أن (وبما أن الأمر كذلك وأن البين من جواب وكيل المدعى عليها المرصود بجلسة هذا اليوم أن الكسارة لا زالت محتجزة حتى الآن، وبما أن احتجاز الكسارة حصل وفقاً لما سبق بيانه والكسارة لا زالت في ضمان المدعى عليها وقبل أن يقبضها المدعي، وبما أن من المقرر فقهاً أن تعذر تسليم المبيع يثبت حق فسخ البيع للمشتري، جاء في مطالب أولي النهى “فإن تعذر على بائع تسليمُ مبيعٍ فللمشتريٍ الفسخُ” (٣/١٦٠ـ طبعة دار الكتب العلمية) ومثله المادة (٤٢٧) من مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية، الأمر الذي يثبت حق المدعي في فسخ عقد بيع الكسارة واستعادة ما دفعه من ثمنها، وأما ما دفع به وكيل المدعى عليها من إصرار المدعي على شراء الكسارة بعد إشعاره باحتجازها فإنه ـ على فرض ثبوته ـ لا يسقط حق المدعي في فسخ العقد واستعادة ما دفعه من الثمن بعد أن تأكد تعذر تسليم الكسارة لاحقاً).

سادساً: الخاتمة

تختلف وتتباين الرؤى الفقهية ووجهات نظر الفقهاء في شأن تحديد جانب من المسائل المتعلقة بالفسخ في العقود، ويرجع ذلك إلى اختلاف العقود واختلاف الالتزامات التي تترتب عليها، واختلاف التفسيرات التي توضع لبعض القواعد الخاصة بكل منها من قبل فقهاء المذاهب الفقهية، لذلك نجد في بعض الأحيان تضارب في الأحكام في مسائل متشابهة بسبب الاختلاف حول الرأي الفقهي المعتبر بشأنها، كما هو الحال لدى فقهاء المذهب الواحد – الحنابلة – الذين يختلفون حول المماطلة كسبب مبرر لطلب الفسخ، فاتجه بعضهم لاعتبار المماطلة سبباً يجيز طلب الفسخ، بينما ارتأى البعض الآخر أن المماطلة لا تجيز ذلك[8]، لذلك نجد أن الاتجاه إلى وضع نظام مدني سعودي موحد وجامع وشامل لكل الأحكام الفقهية والقانونية التي تحكم العقود وما يخصها من ضوابط وخاصة الحق في طلب فسخها هو اتجاه جدير بالتأييد.

[1] – الفيروز آبادي – القاموس المحيط – دار الفكر – لبنان – 1995 – ص 740.

[2] – عدنان النجار – التفريق القضائي بين الزوجين: دراسة فقهية مقارنة – ط1 – الجامعة الإسلامية – غزة – 2004 – ص14 وص15.

[3] – محمد بن مكرم بن منظور – لسان العرب – ط3 – دار صادر – لبنان – 1414هـ – مج3 – ج11 – ص 579.

[4] – منصور بن يونس البهوتي – كشف القناع عن متن الإقناع – دار الفكر – ابنان – مج 3 – 1982 – ص248.

[5] – سليمان مرقس – الوافي في عقد البيع – ط1 – دار الكتب القانونية – مصر – 1990 – ص524.

[6] – أنور سلطان – الموجز في مصادر الالتزام – منشأة المعارف – مصر – 1970 – ص 258.

[7] – علي حيدر – درر الحكام في شرح مجلة الأحكام – دار الجيل – ج2 – ص 175.

[8] – منصور بن يونس البهوتي – كشف القناع عن متن الإقناع – ط1 – عالم الكتب – لبنان – ج3 – ص 240.