مقدمة العقد أهميتها وكيفيتها

كثيرا ما يُغفل إدراج مقدمة للعقد، والبعض يعتقد أن المقدمة أمر ليس ذي بال، حتى أن بعض المحامين يغفلون ذلك، ولمقدمة العقد أهمية بالغة ولها آثار مهمة في التزامات الأطرف وحقوقهم، والحقيقة أن المقدمة توضح نية الأطراف الأساسية من العقد، والمحكمة تعتمد عليها في تفسير نية طرفي العقد،  وفي هذا المقال سنتعرف على أهمية المقدمة وآثارها وما يتعلق بذلك.

أولا: أحكام صياغة العقود:

والعقد كما نعلم هو توافق إرادتين أو اكثر لإحداث أثر في  علاقة قانونية، أو تعديل علاقة قانونية ، أو إنهاء علاقة قانونية. ولابد لصحة العقد توافر أركان العقد الصحيحة . وهي الرضا والمحل والسبب، وان يكون البناء الهيكلي للعقد أو الاطار العام للعقد صحيح حتي يكون عقد صحيح ومنتج لأثاره .

١- تعريف صياغة العقود:

إن صياغة العقد لا تقتصر على الناحية الشكلية من ضبط المصطلحات وتدقيق العبارات والأمور اللغوية وغير ذلك من أمور تتعلق بشكل العقد، بل إن الصياغة يُقصد بها أيضا فضلا عما سبق، مراجعة بنود مشروع العقد وجميع أجزائه بما فيها مقدمته  للتأكد من مطابقته للشريعة الإسلامية والنظام السعودي، وذلك لعدم الوقوع في خطأ قانوني يؤثر علي صحته ومن ثم تنفيذه.

٢- متطلبات صياغة العقود:

بادئ ذي بدء ينبغي الإشارة إلي أن الهدف من صياغة العقد، هو وضع موضوع التعاقد في قالب واضح ومحدد، ومن هذا المنطلق يجب التحقق من توافر توافق الإرادتين، وأن المسائل الجوهرية المتفق عليها بين طرفي العقد قد تم تحديدها بشكل واضح في العقد، حتي يتجنبا حدوث أية خلافات يمكن أن تثار بينهما مستقبلا، ولتفادي الإنكار لحقوق كل طرف،  لذا فلابد من التأكد من توافر عدة أمور في صياغة العقد وهي:

  • يجب تحديد لغة العقد.
  • تكوين خلفية كاملة عن موضوع التعاقد.
  • تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد.
  • توافر القدرة على توقع المشاكل المتوقع حدوثها أثناء تنفيذ العقد.
  • القدرة على ترجمة رغبات المتعاقدين بأسلوب صحيح وواضح وكامل.[1]

٣- ضوابط الصياغة الجيدة  للعقود:

مما لا شك فيه أن الصياغة القانونية الجيدة هي نتاج فن لغوي خالص، وذلك عندما يمتزج التخصص القانوني بالمهارات الشخصية الخاصة فيمن يقوم بالصياغة، وينبغي لكي تكون صياغة العقد جيدة الالتزام بالعديد من القواعد اذكر منها ما يلي:

أ- أصول تصميم الجمل:

يجب الإحاطة بالقواعد الأساسية للكتابة، من تصريف الأفعال والتوافق بين الجمل، وفواصل الكلام ونقط نهاية الجملة.[2]

ب- استخدام الأسلوب الموجز أو المفصل والمبسط:

يجب عند صياغة العقد استخدام لغة قانونية سليمة بأسلوب مختصر أكثر وضوحا، مع مراعاة التبسيط في الأسلوب، بشرط أن يكون بناء هيكل العقد ومحتواه محكما، وذلك باستخدام الألفاظ التي تعطي المعني الذي يريده اطراف العقد.

ج- التنظيم الدقيق والانسجام بين أجزاء العقد:

يجب أن يكون محتوي العقد مرتبا ومنظما بطريقة منطقية لكي يسهل قراءته وفهمه، ويجب مراعاة عدم وجود تناقض في أجزاء العقد.

د- ترقيم البنود واستعمال عناوين فرعية:

جدير بالذكر أن ترقيم بنود العقد هو أمر ضروري، وأبسط طرق الترقيم هي استخدام الأرقام المتسلسلة أو الحروف الأبجدية، كما ينبغي استعمال العناوين الفرعية لكل بند أو فقرة عند تجميع عدة أحكام مرتبطة تحت عنوان واحد.

هـ – تجنب الالتباس أو الغموض:

غني عن البيان أنه يجب عند كتابة العقد البعد عن استخدام تعبيرات مبهمة أو غامضة، بل يجب اختيار الألفاظ المناسبة والمحددة والتي تعبر عن المعني بدون لبس أو غموص .

و- وضوح الصياغة:

يجب عند صياغة العقد التعبير بوضوح عن الاتفاق بين طرفيه حول موضوعه وشروطه، بطريقة تنقل المعني كاملا، دون حاجة للبحث عن المعني المراد من واقعة خارجة عن العقد.

ثانيا: البنية الأساسية  للعقد:

يُقصد بالبنية الرئيسية التي يتكون منها العقد مكونات العقد وشكله البنائي، ويتكون من عدة بنود هي:

  • مقدمة العقد
  • الوصف القانوني للعقد.
  • ديباجة العقد وعناصرها.
  • موضوع العقد.
  • بنود العقد وتعريفها.
  • مضمون بنود العقد.
  • البنود الجوهرية.
  • البنود التفصيلية.
  • الخاتمة.

ثالثا: تعريف مقدمة العقد وأهميتها:

1- التعريف بمقدمة العقد:

مُقدمة العقد تطلق على بداية العقد، وتعد تمهيد للعقد، ولهذا تتواجد في بداية تكوين الهيكل البنائي للعقد أو بداية الاطار العام للعقد، فمقدمة العقد تحتوي علي اسم العقد والغرض منه وسبب صياغة العقد، فهي إيضاح لسبب العلاقة القانونية الناشئة عن العقد، أو سبب صياغة العقد.

2- أهمية مقدمة العقد:

أ- تمهيد عن العقد:

حيث إن مُقدمة العقد تعطي فكرة تمهيدية عن العقد ذاته تنطوي على سبب إبرام التعاقد وإنشاء العلاقة القانونية بين أطراف العقد.

ب- تشرح بإيجاز مراحل صياغة العقد:

مقدمة العقد تُعد أيضا شرح موجز لمراحل صياغة العقد، حيث تعطي قارئها فكرة موجزة عن مراحل صياغة العقد بدءً من مرحلة الصياغة الأولى وهي المراسلات والمفاوضات بين أطراف العقد حتي إفراغ العقد في شكله النهائي أي الشكل النهائي للعقد.

ج- توضح سبب إنشاء العقد:

مقدمة العقد تعطي قارئها فكرة عن العقد وسبب إنشاءه والغرض من إنشاء العلاقة القانونية، أي سبب اتجاه أطراف العقد لإفراغ إرادتهم في شكل عقد قانوني، وتوضيح الحاجات التي ستشبع لأطراف العقد نتيجة تنفيذهم للعقد.

د- توضح ما يتميز به أطراف العقد:

تُستخدم مقدمة العقد كوسيلة لتوضيح وشرح ما يمتاز به أطراف العقد، حيث تشرح الخبرات والمهارات التي يتمتع بها اطراف العقد.

هـ – توضح التزامات أطراف العقد:

توضح أيضا الالتزامات الناتجة عن العقد والتي ستقع على عاتق أطراف العقد نتيجة العقد المنشأ بينهم، فتوضح العمل الذي سيلتزم به كل طرف اتجاه الآخر نتيجة للعقد.

و- تربط بين العقود في حالة وجود أكثر من عقد:

في حالة وجود أكثر من عقد مرتبطين ببعضهم البعض فأفضل طريقة ووسيلة للربط بين هذه العقود وبعضها الآخر هو مقدمة العقد، وكذلك في حالة العقود التي تتم صياغتها كفرع لعقد قانوني آخر.

ز- توضح السبب القضائي أو الإداري المنشأ للعقد:

في حالة نشأة العقد كنتيجة لحكم قضائي ما أو بسبب أو حكم إداري فأفضل طريقة لإيضاح السبب القضائي أو الإداري لنشأة العقد هو مقدمة العقد.

رابعا: مدى أهمية كتابة العقد:

هناك بعض العقود التي تطلب القانون أن تُصاغ بشكل كتابي لكي تكون  صحيحة، فلا يتم التعاقد بشكل صحيح إلا بعد إتمام الشرط الشكلي للعقد وهو الكتابة، فالاتفاق الشفوي غالبا ما يعتبر خطوة تحضيرية للتعاقد يتم خلاله الاتفاق على البنود الأولية للتعاقد والشروط الرئيسية لبنود العقد، ويتم بعد ذلك إفراغ كل ما تم الاتفاق عليه في العقد الكتابي الذي يكون مُلزم لطرفيه، فيلتزم الأطراف بكافة شروطه وبنوده التي ذكرت فيه، وبالتالي هو حماية لجميع الأطراف من أي خطأ قد يقع من أحد أطراف التعاقد أثناء مرحلة التنفيذ.

وتظهر أهمية الكتابة أيضا في حالة العقود التي تحتوي على أسرار واتفاقيات عدم إفشاء السر، فلو كان العقد شفهي فقط قد لا يلتزم طرف من أطراف التعاقد بالاتفاق، وبالتالي قد يفشي سر تجاري يضر الطرف الآخر، إما إذا كان العقد كتابي فيلتزم الطرف الآخر ببند عدم إفشاء السر، وبالتالي فالكتابة تمثل حماية هامة  لأطراف العقد، وأيضا تظهر أهمية الكتابة في العقد في حالة إرادة أحد الأطراف إثبات العقد أمام المحكمة أو القضاء، فالكتابة أكثر الطرق فاعلية لإثبات التعاقد.

خامساً: مما تتكون مقدمة العقد:

كتابة مسمي العقد في صدر الصفحة  كعنوان رئيسي للعقد، وهو الوصف أو التكيف القانوني للعقد والذي ينبغي أن يكون متفقا مع التكييف الشرعي والنظامي للعقود في الملكة العربية السعودية، فضلاً عن كتابة يوم وتاريخ تحرير العقد بالتقويم الهجري،[3] وجدير بالذكر أن تاريخ إبرام العقد قد يختلف عن تاريخ توقيعه وقد يختلف أيضا عن تاريخ تنفيذه، بالإضافة إلى كتابة اسم وصفة طرفي التعاقد وعنوان كل منهما علي وجه الدقة وإقرار كل منهما بأهليته لإبرام التصرفات القانونية والتعاقدية، وفي حالة التعاقد بالوكالة لابد من ذكر اسم الأصيل وسند وكالة الوكيل، وإذا كان المتعاقد شركة فيجب أن يُذكر اسمها ورقم سجلها التجاري وعنوانها وصفة الشخص الممثل لها، ولابد أن ننوه علي أنه يفضل في صيغة إبرام العقد أن تكون بصيغة الماضي مثلا :(أبرم هذا العقد بين كلا من …….)، وتحديد المدينة التي أبرم فيه العقد وتظهر أهميتها – في بعض الحالات – في تحديد المحكمة المختصة والقانون الواجب التطبيق .

وكذلك تحتوي مُقدمة العقد على كتابة البند التمهيدي للعقد، وهو عبارة عن نبذة عن التعاقد والغرض منه وبيانا ووصف الشيء المتعاقد عليه .

وأخيرا لا يفوتنا أن ننوه علي أنه ينبغي أن تكون صياغة العقد متقنة، وتكون كذلك إذا توافر فيها السمات الأتية:

  • يجب أن تكون صياغة العقد واضحة، لا تؤدي إلى اللبس أو الغموض في فهم المراد منه.
  • ينبغي أن تكون صياغة العقد وجيزة، وأن يخلو العقد من الحشو والكلام الذي لا يضيف للعقد أي معنى.
  • يلزم أن تكون صياغة العقد وافية، حتي لا يحتاج قارئ العقد للرجوع إلى مراجع أو وقائع خارجة عن العقد وهو ما يطلق عليه مبدأ الكفاية الذاتية.
  • أن تكون صياغة العقد منظمة، وأفكاره مسلسلة بشكل فيه تنسيق ودقة.

أما بالنسبة لمحظورات الصياغة،[4] فمن ابرزها يأتي :

  • العبارات المحتملة، والمصطلحات الغامضة، واستخدام الضمائر مع إمكانية الاستغناء عنها.
  • عدم ربط تنفيذ الالتزامات بمدد محددة وعدم وضع جزاء حال الإخلال بالالتزامات.
  • استخدام الجمل الطويلة والتي يُحتمل معها الوقوع في أخطاء تضفي غموضاً على المعنى المقصود.

سادساً: لماذا يجب كتابة مقدمة للعقد:

من المسلم به أن كتابة مقدمة العقد تعطي لقارئ العقد صورة شاملة حتي ولو مختصرة عن العقد، فتشرح له سبب رغبة الأطراف في إبرام العقد وما ينتج عنه من حقوق والتزامات، وما يتمتع به أطراف العقد من  مميزات ولا يمكن أن ننكر دور مقدمة العقد في المساعدة علي صياغة العقد بشكل متماسك صحيح.

سابعاً: ماذا سيحدث إذا لم تُكتب مقدمة للعقد:

مقدمة العقد ليست شرطا جوهريا في تكوين الهيكل البنائي للعقد، فعدم وجود مقدمة للعقد لا تؤثر في تكوين الاطار العام للعقد بشكل جوهري ولا تؤثر في صحة العقد، ولكن وجود مقدمة للعقد يُعد أمر مهم في صياغة العقد حيث تساعد على صياغة العقد بشكل متماسك، كما أن مقدمة العقد تساهم في فهم العقد بشكل موجز.

ثامناً: أهم النصائح عند كتابة مقدمة العقد وما يجب الحذر منه:

هنالك عدة نصائح عند كتابة مقدمة العقد خاصة أنها تتواجد في مطلع الهيكل البنائي للعقد كما أنها تُعد كشرح أو تمهيد للعقد لذلك يجب صياغتها بكلمات واضحة وسليمة حتي تساعد في صياغة العقد النهائي بشكل سليم ومتماسك.

هنالك عدة أمور يجب الحذر منها عند كتابة مقدمة العقد أهمها أنه لا يجب أن تحتوي مقدمة العقد على أية بنود جوهرية أو تفصيلية من بنود العقد. فالمقدمة يتعين أن تشتمل على الإطار العام الخاص بموضوع التعاقد دون الدخول في التفصيلات، فتفاصل التعاقد والتي تم الاتفاق عليها بين أطراف العلاقة التعاقدية يتم صياغتها في شكل بنود يتكون منها الهيكل البنائي للعقد.

إعداد/ جمال مرعي.

[1] انظر نايف بن محمد، الوجيز في صياغة العقود، المكتبة القانونية – شبكة القانونين العرب، ص٣٠.

[2] أنظر الخدري، صياغة العقود المدنية والتجارية في النظام السعودي والفقه الإسلامي: دراسة مقارنة، ٢٠١٨، ص ١٢٧.

[3] أنظر د. احمد شرف الدين، دار المطبوعات الجامعية، ط٢٠٠٧، ص ٩٧، وكذلك انظر كيف يكتب العقد، على موقع حماة الحق.

[4] انظر حقيبة تدريب العقود، الصادرة عن مركز التدريب العدلي التابع لوزارة العدل ، برنامج إعداد المحامين المتدربين ، ١٤٤٠ هـ، ص ٦٨.