عقد المُخالصة المالية بين شركتين

إن الدخول في علاقة تعاقدية يترتب عليه تحميل أطراف العلاقة بالتزامات محددة سواء وجدت مصدرها في النصوص القانونية أو البنود الاتفاقية التي أوردها الطرفين، ويترتب على تأخير أو امتناع أحد الأطراف عن تنفيذ التزاماته إثارة مسئوليته المدنية مما يؤدي إلى إلزامه بتعويض الطرف الأخر عما لحق به من أضرار جراء التأخير أو الامتناع عن تنفيذ الالتزام.

وبطبيعة الحال يُعد إثبات إتمام تنفيذ الالتزام – أياً كانت صورته – من أهم الأمور التي يتعين التحوط لها حتى لا يجد المدين نفسه مدعياً عليه في دعوى يُطالب فيها بالتعويض عن عدم تنفيذ التزامه على الرغم من سبق تنفيذه، فعجزه عن إثبات تنفيذه للالتزام أمام القضاء سيؤدي إلى وقوعه تحت مغبة المسئولية المدنية والحكم عليه بالتعويض.

فلا غرو من القول بأن العجز عن إثبات الحق، يجعل الحق هو والعدم سواء، فالحق يتجرد من كل قيمة قانونية إذا عجز صاحبه عن إثبات الحادث المبدى له، فالدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع به. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن عقد المُخالصة يُعد واحداً من أهم وسائل إثبات تنفيذ الالتزام لأنه يُعد بمثابة إقرار من الدائن عن قيام المدين بإتمام تنفيذ التزامه.

وفي مقالنا الحالي سنتولى إبراز أهم الجوانب المتعلقة بعقد المُخالصة المالية الذي يبرم بين شركتين وإيراد نموذج مُخالصة يُمكن الاستعانة به في المعاملات المالية لإثبات إتمامها:

أولاً: تعريف عقد المُخالصة المالية:

عقد المُخالصة المالية يُشير إلى الإقرار الذي يصدر من الدائن إلى المدين بأنه استلم كافة مستحقاته المالية، بحيث يترتب على إبرام هذا العقد براءة ذمة المدين من ثمة التزام مالي للدائن فيما يتعلق بالمحل الخاص بموضوع المُخالصة.

فالمخالصة المالية – إذن – هي الخطوة الأخيرة التي يتم تنفيذها بعد قيام المدين بتنفيذ كافة التزاماته، والتي تُعد إثبات قاطع على استلام الأخير لكافة مستحقاته المالية. بحيث تُصبح تلك المخالصة دليل كاملاً مُعد للإثبات حال إثارة نزاع بين الطرفين حول عدم حصول المدعي على مستحقاته المالية.

ثانياً: شرعية عقد المُخالصة المالية:

إن مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء تضع العديد من الموجهات التي ترشد الأفراد إلى السبل السليمة الواجب اتباعها والتي لا يتخللها عقبات تؤدي إلى إثارة المنازعات بينهم، ويُعد واحداً من أهم تلك السبيل التي من شأنها الحيلولة دون إثارة النزاعات أن يتم كتابة الالتزامات بصورة دقيقة واضحة تُحدد حقوق وواجبات كل فرد. ودليل ذلك ما ورد في قوله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ”.[1]

وإذا كان ما تقدم هو الحال بشأن كتابة الالتزام فيما يتعلق بنشأته فمن باب أولى أن يُطبق ذات الأمر حال انقضاء الالتزام، حيث يتعين على أطراف العلاقة التعاقدية أن يشرعا إلى كتابة مُخالصة بينهم تدل – وبصورة قاطعة – على قيام كل من الطرفين بتنفيذ ما كان يثقله من التزامات، حتى لا يكون الأمر عُرضه في المستقبل لإثارته أمام القضاء.

ثالثاً: أهمية عقد المُخالصة المالية:

المُخالصة المالية تُكيف بأنها إقرار من الدائن بالمستحقات المالية بأنه قد تقاضى حقوقه، وهذا الإقرار على الرغم من كونه إقرار غير قضائي إلا أن له حجيته الكاملة في الإثبات وذلك وفقاً لما قرره نظام الإثبات السعودي في (المادة 18/1) بقولها: (يلزم المقر بإقراره، ولا يقبل رجوعه عنه).

فإعداد مُخالصة مالية من شأنه قطع كافة السبل أمام حدوث نزاع بشأن حصول الدائن على حقوقه المالية من عدمه، وعلى فرض إثارة مثل النزاع أمام القضاء فستكون المُخالصة هي الدليل الدامغ على إثبات حصول المدعي على كامل مستحقاته بموجب الإقرار الصادر منه والمدون في صورة المُخالصة.

رابعاً: ماذا لو لم يُكتب عقد المُخالصة:

لا يوجد في القانون ما يُلزم الأطراف بتحرير عقد مُخالصة مالية بعد إتمام تنفيذ الالتزامات الواردة بالعقد المبرم بينهم. إلا أن إغفال الحصول على مخالصة والتهاون بشأنها قد يؤدي إلى إلزام الطرف الملزم بدفع المستحقات المالية بدفعها مرة أخرى، بل وبدفع تعويض لتأخيره في الوفاء بها على الرغم من سبق الوفاء بها.

ذلك أن احتمالية تعذر إثبات سداد المستحقات المالية للمدعي من شأنه أن يوضع المدعي عليه في موضع المتأخر في تنفيذ التزامه مما يُعرضه إلى الحكم عليه بالتنفيذ العيني والذي يعني إلزامه بدفع المستحقات المالية للمدعي مرة أخرى، إضافة إلى تعويضه عن التأخير في الوفاء بها.

فالقاضي في نهاية الأمر هو بشر لا يُحكم إلا بناءً على ما عُرض أمامه من أدلة، فإذا كان المدعي ألحن بأدلته من المدعى عليه لأدى ذلك إلى قيام القاضي بالحكم على المدعى عليه، على الرغم من أن الأخير قد يكون – بالفعل – قد أوفى بالتزاماته، ولكن تعذر عليه إثبات ذلك. فالحق يتجرد من كل قيمة إذا لم يقم الدليل على الحادث الذي يستند إليه.[2] وتأكيداً لذلك ما ورد عن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار).

يتضح إذن مما تقدم أن المدين بالمستحقات المالية إذا تهاون في الحصول على مُخالصة من الدائن بها سيكون عُرضة للوفاء بها مرة ثانية حال تعذر عليه إثبات سبق الوفاء بها، لذلك يتعين على من يقوم بالوفاء بالمستحقات المالية أن يتحوط ويُعد مسبقاً الدليل القاطع على وفائه بالتزاماته حتى لا يكون عُرضة لضياع حقه، فكم من حقوق سلبت لأن أصحابها عجزوا عن إثبات حقوقهم وإقامة الدليل عليها.

خامساً: تحذيرات مُهمة في كتابة عقد المُخالصة المالية:

عند الشروع في كتابة عقد مُخالصة يجب أن يتم ذكر – وبصورة قاطعة – أن الدائن قد استوفى كافة حقوقه من المدين بدفع المستحقات المالية بما في ذلك الحقوق والديون والأمانات وكافة الأموال التي وردت في عقد الالتزام الأصلي.

ويجب أن يتضمن عقد المُخالصة المالية إقرار من الدائن بسقوط حقه في المُطالبة القضائية بأي من الحقوق التي اشتمل عليها عقد المُخالصة، فضلاً عن ضرورة ذكر سقوط كافة الحقوق التي كانت للدائن بالمستحقات والتي يرجع تاريخ إنشائها لوقت سابق على تحرير المُخالصة بما في ذلك الشيكات أو سندات الديون أو الضمانات التي كانت تضمن حصوله على مستحقاته المالية.

وإذا كانت المُخالصة مُتعلقة بجزء من المستحقات المالية فيجب أن يُذكر في صلبها أن ما تم الوفاء به فقط هو جزء من كامل المبلغ ويتم تحديد قدر المبلغ الذي تم الوفاء به وقد المبلغ المستحق والذي يتعين الوفاء به لاحقاً، فضلاً عن ضرورة تحديد الالتزام الذي استحق بشأن المبلغ الموفي به تحديداً دقيقاً وافياً.

سادساً: كيفية كتابة عقد المُخالصة المالية:

يتعين أن يبدأ عقد المُخالصة المالية بمقدمة موجزة تتضمن التأكيد على أن العقد هو عقد مُخالصة مالية بشأن الوفاء بالتزامات مالية خاصة بتنفيذ التزام بين الشركتين، مع الإشارة إلى عقد الالتزام الأصلي والذي يُعد مصدراً للالتزام المستحق بشأنه الأموال المتفق عليها.

ويجب أن يُذكر على نحو تفصيلي بيانات الدائن بالمستحقات المالية، وأن تُكتب المُخالصة بصورة إقرار منه بحصوله على مستحقاته المالية كاملة، وأن يكون الإقرار مكتوب بصورة واضحة لا تحتمل ثمة تأويل أو تفسير، ولا يعتريها لبس أو غموض حتى لا تكون عُرضة للتشكيك في مضمونها لاحقاً.

وكذلك يتعين ذكر الالتزام الذي بشأنه تم الحصول على المستحقات المالية بصورة تفصيلية تبين مضمون محل هذا الالتزام وسبب نشأته وذلك بالإشارة إلى العقد الأصلي الذي أنشأ هذا الالتزام.

وفي نهاية المطاف يتعين التوقيع على عقد المُخالصة – وخصوصاً قبل المُقر – حتى لا يُعامل على أنه مبدأ ثبوت بالكتابة مما يوهن من قوته في الإثبات.

سابعاً: أسئلة شائعة عن عقد المُخالصة:

هل يجوز لأي شخص أن يُبرم عقد مُخالصة؟

لما كان عقد المُخالصة بمثابة إقرار من الدائن بأنه استوفى كافة مستحقاته فيجب أن يكون الأخير عاقلاً مختاراً غير محجور عليه، وفي حالة كونه سفيه فيقبل منه إبرام مُخالصة في كل ما لا يُعد محجوراً عليه فيه شرعاً.[3]

ما هي القوة القانونية لعقد المُخالصة؟

إذا كانت المُخالصة مكتوبة وقدمها المدعى عليه إلى القضاء فإنها تُعد حجة قاطعة بشأن ما يدعيه من سبق وفائه بكامل مستحقات المدعي.

هل يمكن إثبات المُخالصة حال الاتفاق عليها شفاهةً دون كتابتها؟

يجوز إثبات حصول المُخالصة بموجب الأحكام الشرعية المتعلقة بالإثبات بما في ذلك عدم جواز إثباته بالشهادة إلا في الأحوال التي نص عليها القانون. ويكون إثباته على من يتمسك به.

من الشخص المنوط به – في الشركة – إبرام عقد المخالصة مع شركة أخرى؟

يبرم عقد المخالصة من قبل ممثل الشركة والذي يجوز له التعامل بعنوانها مع الغير. شريطة أن تكون من اختصاصاته المحددة في عقد الشركة التأسيسي تمكنه من إبرام هذا العقد.

ثامناً: نموذج مخالصة مالية بين شركتين:[4]

” نموذج مخالصة بين شريكين “

أدناه نموذج مخالصة نهائية بين شريكين، هذا نموذج لمخالصة ناتجة عن الاشتراك بشركة إسكان.

نموذج مخالصة نهائية إسقاط استيفاء وإسقاط إبراء

مخالصة نهائية إسقاط استيفاء وإسقاط إبراء

أنا الموقع أدناه (                                      ) رقم وطني (                   )  أقر بأنني استلمت من السيد —————–   مبلغ مقداره ——————  ريال سعودي وذلك بدل كافة حقوقي المالية و المدنية و أي حق لي، وإنني بما استلمته ابرء ذمته إبراء شاملا عاما عن كل الحقوق التي ترتبت لي سابقا عن أي حق استحقه منه، إبراء أسقاط و إبراء استيفاء شامل مانع جامع لا رجعة فيه، يشمل جميع الحقوق والديون والذمم والأمانات التي له عنده، و يشمل الإبراء جميع القضايا التي أقيمت ضده سابقا و يشمل أي مبلغ دفعته للغير نيابة عنه بعلمه أو بغير علمه، و إنني بما استوفيته لا يجوز لي أن أطالب بأي شيء كان عن أي علاقة أو معاملة أو سند سابق لتاريخ توقيع هذه المخالصة، وأن أي سند أو شيك أو كمبيالة أو عقد أو قرار حكم أو وثيقة و بالعموم أي التزام خطي أو غير خطي يسبق تاريخ أنشائها / أنشائه  لتاريخ هذه المخالصة تعتبر / يعتبر منتهي و لاغي وباطل و لا قيمة له، وأن هذه المخالصة تشمل على سبيل المثال لا الحصر ما يلي :

1- أي حق لي ناجم عن المشاركة معه بمبلغ مالي في مشاريع إسكان.

2-

3-

اسم محرر المخالصة:

التاريخ:

التوقيع:

تاسعاً: لماذا يجب أن نُساعدك في كتابة عقد المخالصة المالية؟

لكل عقد فنياته الخاصة التي لا يُحيط بها علماً سوى من كان متخصص في مجال إبرام العقود والعمل القانوني، فمن مُطالعة ما ورد بالمقال يتضح أن هناك ثغرات قد تتخلل عقد المُخالصة المالية فتثير الشكوك حول ما ورد به، مما يؤدي إلى إهدار حجيته في الإثبات.

فلجوئك إلى ذوي التخصص من شأنه قطع كافة السبل أمام المدعي – بغير حق- على الحصول على ما ليس له به حق، ذلك أن كتابة عقد مُخالصة على يد متخصصين سيؤدي إلى تطهيره من كافة ما قد يؤثر على صحته أو يوهن من حجيته. مما يؤدي في الأخير إلى ضمان حقوقك وصونها.

إعداد/ أحمد منصور.

[1] سورة البقرة – الآية 282.

[2] الأستاذ الدكتور/ نبيل إبراهيم سعد، الإثبات في المواد المدنية والتجارية، 2020، دار الجامعة الجديدة، ص 13.

[3] أنظر د. محمد محمد أحمد سويلم، حجية الإثبات بالإقرار في النظام السعودي، 1435هـ، مجلة القضائية – العدد الثامن، ص 72.

[4] موقع شركة حُماة الحق للمحاماة، والمتاح على الرابط التالي: https://jordan-lawyer.com/2018/10/31/final-clearance-form-housing-company/